2010/07/15

محنة الكاتب السوداني

معظم كُتاب العالم الفقير ممتحنون، أما محنة الكاتب السوداني فهي الأعمق و الأغور جُرحا، من جانب خلق المادة الفنية، ثم طباعتها ثم نشرها، ثم نقدها، فلنتطرق لذلك شيئا فآخر. ستلاحظون انني اناقش الموضوع معتمدا على تجربتي الخاصة في كثير من الأحيان.
دعنا نبدأ بمحنة التأليف، حيث تلعب اللغة دور الممتحن الأول، فاللغة التي يفكر بها الكاتبُ كما هو معروف هي لغة المخاطبة اليومية ولغة حياته الشخصية و العامة، أي لغة المكان و الزمان، وهذه اللغة في السودان هي العاميات السودانية المشتقة من اللغة العربية ولهجاتها و كثير من اللغات المحلية القبلية، و صلة الأديب السوداني باللغة العربية الفصحى في الغالب هي صلة تعلم مدرسي واحيانا صلة عمل، أقصد لغة مكاتبات وتدوين أو تدريس وصلة قراءة. وعندما يبدع كِتابيا، مطلوب منه أن يستخدم اللغة العربية الفصحى، أي اللغة التى لا يفكر بها، أي مطلوب منه أن يفكر بلغة ويكتب بأخرى، بالتالي يعاني من ذلك المخاض التحويلي الهدمي البنائي، الذي يعمل على مستوى الصورة و الفكرة و الأحساس بالشيء. في مجال الشعر خاصة ذلك الذي ينهض على الموسيقى التقليدية الخليلية، فالمسألة أكثر تعقيدا ، فالموسيقى الخليلية هي ليست مايجب أن يمشي عليه الإيقاع الشعري، ولكن هي ما وجد عليه الخليل الإيقاع الشعري في زمان ومكان بعيدين وغريبين عن أمكنة وأزمنة كثيرة، ومنها الزمان و المكان السودانيين، و الشيء الآخر أن تلك الموسيقى بلا شك قد بُنِيت في الأصل لدى الشعراء على أمزجة لا تنفك من الموسيقى السائدة و الغناء و الإيقاعات التطريبية و إيقاعات الحياة منها أدوات العمل، المواصلات ، طرائق النطق، أصوات المكان، و طرائق العيش وغيرها. وإذا لم ينتبه الشاعر السوداني لكل ذلك سيجد نفسه مورطا في الإلتزام بادوات صنعة لا تذهب عميقا في وجدانه الإبداعي، أي تظل فوقية، فيصبح انتاجه أيضا كذلك، ولا ينجح فيه إلا من وطن نفسه على أمزجةِ أزمنةِ و أمكنةِ الفراهيدي، وهذا يحتاج لتغريب و مران صعبين وغالبا ما يُلهيان عن الشعر بالصنعة.
ولقد بدأتْ لي تلك الملاحظة واضحة عندما أخذتُ أدرسُ أحد شعراء العامية السودانيين ، شاعر الدُوبيت المدني عبد الله الكردوسي توفي في 1934، قد لاحظ قبلي الأستاذ ميرغني ديشاب صاحب كتاب قاموس شعراء البطانة ، أن الشاعر المدني كتب شعره بأوزان غريبة، غير معتادة لدى شعراء البطانة الذين سبقوه وأيضا لدى شعراء الفصحى السودانيين، وبدراسة حياته عرفت أنّ الشاعر ما كان يستخدم الجَمَلَ في ترحاله كما هي عادة الشعراء من قبله، حيث أنهم يرددون الشعر على ظهور نوقهم و يتغنون به في الترحال، فلقد كان يستخدم الحمار كوسيلة ترحال، و معروف أن ايقاع سير الحمار ليس كايقاع سير الجمل، فظني أن ذلك أحد العومل المهمة في أن تأتي ايقاعات شعره في بحور غريبة و سريعة و شديدة التنوع.
والمحنة الأخري، بعد أن ينجو ذلك الكاتب المسكين من براثن اللغة، ويكتب نصا، عليه أن يراعي شيئا غريباً جدا، وهو الأخلاق المُعْلنة على أنها الأخلاق الرسمية للدولة، و أعني بالمعلنة أنها المعلنة وليست بالضرورة أخلاق الشُعوب السودانية. وتتمثل في أن السودان دولة عربية مسلمة، سُكانها عرب مسلمون من نوع لم يخلقه الله من قبل،وجميعهم ذووا جذور ضاربة في بطون قريش، ليس بالدولة فساد مالي أو اداري، ليست هنالك حروب يموت فيها الأطفال و النساء و تديرها الدولة،مايسمى بأزمة دارفور ومخاطر انفصال الجنوب وغيرهما من المشاكل ليست سوى مؤامرات من تدبير اسرائيل وكيد اليهود و الأمريكان، ليس هنالك فقر يقود للمرض و الجهل و الدعارة، لآنه في الأصل ليس بالسودان من يمارس الجنس، وعلي الكاتب أن يحترم ما يُسمى بالقيم السودانية و الأخلاق السودانية و العادات و التقاليد السودانية و أن ينسى أن هنالك مئات القبائل و عشرات الديانات و الأعراق و طرائق الحياة، و أن ما يُعتبر قيمة أخلاقية حميدة في الخرطوم قد يُعتبر زلة في قرية لا تبعد عنها مسيرة ساعتين، ليس بالسودان سياسيين فاسدين، ولا أحزاب مرتشية، كل زعماء الأحزاب السودانية الكبيرة وقادة الطرق الصوفية وزعماء القبائل وكبار السياسيين من الأشراف، يعني انهم من اسرة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وليس بالسودان كُتاب مارقين وليسوا مثل كافكا الذي يقول ذات نشوة:
" الكتابة مكافأة عذبة رائعة، لكن مكافأة على ماذا؟
في الليل كان واضحاً لي أنها مكافأة على خدمة الشيطان، ربما توجد كتابة أخرى أيضا، لكنني لا أعرف سوى هذه"
يجب على الكتابة ان تكون عبادة، ليست عبادة حرة طليقة ممتعة كصلاة النفري و وابن عربي او وولت ويتمان، ولا يستطيع الكهنة القائمون على تخطيط ما يجب ان تكون عليه الكتابة السودانية، اولئك الذين دائما ما اتخيلهم كفئران دقيقة غاية في الصغر، لهم أذناب نتنتهي بأشواك حادة كانياب الأفاعي، لا يمكنهم تخيل كاتب في السودان بنزق كافكا او شيطانية رامبو، كل ما يأملون فيه فقهاء يكتبون صحائفا طيبة وحكايات تمجد قوما طيبين وطاهرين وعفيفين، لا يتعاطون المريسة، و اسماؤها الخمسون ماهي إلا نتاج مخيلة كاتب فلت من الرقابة في زمن نجس ما كانت لهم يد طليقة فيه ، يكتبون عن دنيا دائما بخير و الناس على ما يرام.
وقد رضخ كثير من الكتاب لهذه المؤامرة الباردة، وأعرف الكثيرين الذين عندما يكتبون شيئا، او يتطلب الموقف الفني كتابة حدث ما، يفكرون كما يلي
- حسنا، ماذا لو قرأ رجل متطرف دينيا هذا؟
- ماذا لو قرأت ابنتي او اختي او اطفالي الآخرون هذا النص؟
- ماهي ردة فعل القراْء ؟ وبيدون في مخيلته كأغوال ضخمة لها سبعة رؤوس، و مليون لسان، فوق ذلك يحملون بنادق كلاشنكوف.
و الأبعد، يفكر الكثيرون في سلطات الرقابة، هل سيصادرون الكتاب، هل سيرفع البعض ضدي قضية اذا تشابهت شخصية البطل بشخصيته؟ هل اذا ذكرت اسم المدن و القرى التي تدور فيها أحداث الرواية المتخيلة، ألا يجر ذلك لكثير من المشاكل؟
لذا تجد أغلب الكتاب السودانيين في رواياتهم وقصصهم لا يذكرون اسماء المدن و القرى و الأحياء الحقيقية إلا ما ندر وفي بعض كتاباتي كنت أفعل ذلك أيضا ولكن في اطار ضيق، ولو انني لا استطيع أن أجد مبررا لذلك غير الخوف المتوارث من ذكر الأمكنة بأسمائها ممن سبقنا من كتاب، وظل المبدعون السودانيون لا يناقشون مطلقا الموضوعات الأنسانية الساخنة، في شعرهم وقصصهم ورواياتهم، مثل حرب الجنوب، قضية دارفور، الفساد المالي و الإداري و الإجتماعي في دولة الإنقاذ، نظام الرق في دولة المهدية و سنار، القوانين التي تحد من الحريات، اشكاليات الهوية، السودانيين في المهجر، المجاعات وغيرها، وتجدهم في كتبهم ونصوصهم يهيمون في آفاق رحبة من اللغة و الشعر و الرمز و الغناء. لقد استطاعت القوانين و استطاع التصور العام المفترض لما هو سوداني وأخلاقي أن يكبل ابداعهم وفي الغالب كون مفهوما غامضا لما يجب ان تكون عليه الكتابة، واصبح منهجا مقدسا للكثيرين.
و الأغرب ايضا، فوق ذلك كله، ان كل الكلمات التي يجب على الكاتب ان يستخدمها هي كلمات مستوحاة من قواميس القرون الوسطى ،لا باس ان يعيش الكاتب كما يشاء و ان يقول في يومه ما يشاء لمن يشاء، ان يستمع للناس يتحدثون بما يتحدثون به عادة ولكنه عندما يختلى بملائكة الكتابة اولئك الطاهرين البررة، عليه أن يحذر ثم يحذر لغة الشارع، وان يحذر ثم يحذر لغة العامة ومنها اسرته و اقاربه و اصدقائه بل هي لغته هو أيضا و ان يتحدث بطله المتشرد الأمي البائس- اذا سمحت له المصنفات ببطل كهذا- ردا على الشرطي الذي يناديه قائلا وهو يحمل بندقية كلاشنكوف
- قفْ، يا أيها المتشرد الزنيم.
فيرد له المتشرد
- أفٍ أيها الشَرطِيُ، و أمي و ابي ، لست بواقف، فلتذهبا انت و بندقيتك الى الجحيم.
وانشأت الدولة مؤسسة بغيضة لرعاية هذه المحنة، و اطلقت عليها اسم المجلس الإ تحادي للمصنفات الفنية و الأدبية ، و زودتها بقانون، وسلطات تقوض كل التشريعات الأنسانية التي تكفل الحريات، كالميثاق العالمي لحقوق الأنسان، و الدستور السوداني ، وفاتورة الحقوق وغيرها، به سادة أشداء قد يفقهون في أمور كثيرة غير الرواية و الشعر و القصة، يصدرون احكاما نهائية كأنها منزلة، لا يتراجعون، لا يعترفون بجهلهم، لا يرحمون، يصادرون و يحرقون و يمزقون،يضربون بيد من حديد، ولا تأخذهم في ذلك لومة لائم.
وقد قام هذا المجلس بمنع نشر و مصادرة عشرات الأعمال الأدبية و الفكرية بالسودان، وهو يعد من كبريات المؤسسات الراعية لتكبيل الأبداع وعرقلة حركة النمو الثقافي في السودان، ويظل للأسف الناقد الأول للعمل، معتمدا على نصوص القانون وظنون الفقهاء ، بدلا من النظرية النقدية وضلالات باختين و دريدا وغيرهما من النقاد.
وقد ينجو الكاتب أيضا من تلك المحنة بمهارتاته التي اكتسبها من هراوة الشرطي و فأس مجلس المصنفات و مثقاب الرقابات الأخرى، ويتكرم المجلس له بتسريح لنشر العمل المكلوم، بعد حذف ومسح وشطب و قطع، تشذيب وتهذيب يضر بالعمل ضررا بالغا، ويخرج منها كفـأر هرب من مختبر بيلوجي، لتطل المحنة الثالثة برأسها، رحلة البحث عن ناشر. والناشرون في بلدي ناشران. ناشر يأخذ الكتاب و يطلب من الكاتب ان يشاركه قيمة الطباعة، لأن الكتب عادة ما تكسد و لا سوق لها، وهو سوف يشاركك المغامرة التي هي خاسرة خاسرة، وما يأخذه من الكاتب كمشاركة في النشر هو في الواقع مبلغ يساوي تكلفة النشر مضافا إليه بعض الأر باح القليلة المدفوعة مقدما. والناشر الآخر يشرح لك بإستفاضة انه لا يستطيع ان يعطيك اية شيء مقابل ان ينشر كتابك ولا يطلب منك مالا ولكنه سيعطيك بعض النسخ الإكرامية بعد النشر- ويظل بعض الناشرين- يطبع من كتابك الآلاف ويبيع في كل معارض الدنيا، وانت لا تربح مليما واحدا، وعليك ان تشكره بين الفينة و الأخرى لأنه تكرم عليك بالنشر، فالكتاب لا ينباع هذه الأيام. والحال ذاته في النشر بالجرائد و الصحف و المجلات الدورية وغيرها كلها لا تدفع لك شيئا، فالأدب مثل الفضلات لا تُباع، انما يُشكر من ساعدك على التخلص منها. وللحق هنالك بعض الناشرين الذين لهم طرائق أخرى، ولو أنهم قلة، قد يجد الكاتب منهم بصيص فائدة ما، ولو ان جميع الناشرين ليست لديهم هيئة تحرير أو لجنة قراءة ولا حتى مصممين خاصين بدار النشر، مما يجعل الكتاب المنشور دون المواصفات العالمية حتي ولو بذل الكاتب و الناشر قصارى جهدهما في تجويده، يظل الكتاب معاقا وبه من العيوب الكثير، فحسن النوايا وحدة لا ينتج كتابا جميلا.
و سيندهش القاريء اذا عرف انه ليس بالسودان الى لحظة كتابة هذا الشيء 2010-05-21 اية مجلة ادبية او صحيفة مختصة بنشر الأدب، خاصة كانت أم حكومية، و انه ليست هنالك وزارة ثقافة بالمعني المعروف، وتوجد وزارة تسمى وزارة الثقافة و الشباب و الرياضة، واعلن احد وزرائها في صحيفة ما انه لا يشترط على وزير الثقافة ان يتعاطى الثقافة، اي ان يكون مثقفا، بالتالى تهتم هذه الوزارات بكرة القدم ، ولو ان الحال في مجال الكرة ليس بأحسن منه في مجال الأدب إلا ان بالسودان حاليا ما لا يقل عن عشرين صحيفة يومية مختصة بكرة القدم، والمفارقة المضحكة المبكية توجد بالبرازيل تلك الدولة ذات التاريخ الحقيقي في كرة القدم ، صحيفة رياضية واحدة فقط؟
بعض الكُتّاب – شخصي واحد منهم- ندعي العبقرية في التحايل على محنة النشر، فالناشر الذي يقوم في الغالب بنشر أعمالي هو مكتبة الشريف الأكاديمية، لدي اتفاق غريب معه، وهو ان يعطني ثلاثين في المئة من الكتب التي يقوم بطباعتها، على أن أوزعها بطريقتي الخاصة. بالرغم من أنني حتى الآن لم اجن شيئا من الكتب التي اقوم بتوزيعها بنفسي في مدن وقرى السودان إلا انني استفدت كثيرا من تجارب السفر و الشوف و الأمل في ان أجد مبلغا ولو يسيرا من المال مقابل ما اكتبه، في الحق اصرف على الكتابة الكثير من الوقت و الكتب و مصروفات الأسفار الطويلة، و اتحمل في شأنها الشتائم و التشكك في اخلاقي ، هنا نعرج لمحنة اخرى وهي الظن العام في ان الكاتب يكتب تجاربه و مغامراته لا غير، وإلا من اين له بكل تلك الحكايات الضالة؟ وهذا يتطلب من اخواتنا الكاتبات عندما يكتبن ان يتجنبن الخوض فيما يجر عليهن تهمة الإنحراف، ويثير حفيظة ازواجهن و اخوانهن و انف المصنفات الكلبي، و المحنة في ان الكاتب كلما تجنب شيئا ما لمخافة ما ، فانه ينحرف بعمله نحو هوة الضعف الفني .
ومحنة النشر خارج السودان بالمجلات و الصحف الرصينة التي تدفع مقابل مادي عن النشر، مثل مجلة العربي وغيرها، محنة شائكة، لدي تجربة وقد خاضها قبلي استاذي مبارك الصادق، وهي ان مجلة العربي ترسل شيكا مسحوبا على البنك الباركليز، وفي السودان لا يوجد مثل هذا البنك، بل محرم تماما التعامل مع البنوك الأمريكية وتوجد قائمة سوداء لأخرى. ولقلة المبلغ فانك لا تستطيع ان تقوم بمحاولات اخرى تجعلك تتحصل على قيمته، لأن تكلفة صرفه أكبر من قيمته، لذا احتفظ الآن بشيكات مجلة العربي باليورو داخل شنطتي، للذكرى العطرة وانا في اشد الحاجة للمال الذي تحويه. أما عن اعمالي الصادرة باللغة الفرنسية فإلى الآن لم يستطع الناشر- ولا أنا- ان يفهم لم لم يكن سهلا امر تحويل نصيبي مباشرة لحسابي في السودان.
بعد ان يتخطى الكاتب كل تلك الحواجز، مثل ثعلب عجوزيخدع الشباك التعبة، يقع في شرك النقد، وهو محنة سوف لا ينجو منها بالسهل، فالنقد في السودان- في كثير من الأحيان- يقوم على المزاجية ، الشللية، الأخوانيات و احيانا البلديات و الحزبية الضيقة جدا، على الرغم من ان جيلا من النقاد يمتلك الكفاءة العلمية، اي تخرج من كليات النقد، بل ان كثيرا من حملة الدكتوراة في هذا المجال قد شرفوا الساحة الأدبية، إلا ان حركة النقد مازالت بطيئة وغير فاعلة، بل تصبح في احيان كثيرة معيقة لحركة الأبداع ، حيث ان ميكانزم الشلة، منذ سنوات قليلة كان يعمل على انتاج كُتّاب الشلة، وفي سكته هذه قد يقوم بتجاهل كتابات كثيرة جيدة، تجاهلا متعمدا،وقد يسحق تحت حوافرة العجلة كُتّابا مثابرين كان يُرجى منهم الكثير،ليلقي الضوء على تجارب فطيرة فقيرة، حالما يكتشف القاريء زيفها منذ الأسطر الأولى.
واذا كان الكاتب يتمتع بروح كديس بري، ونجا من كل تلك المحن و الإحن، فما ينجيه من الجرى اليومي وراء لقمة العيش الذي يلهيه عن القراءة و الكتابة و المنتديات عن السفر؟ وكما يقر بول الوار بأن "الخبز خير من الشعر"، اعتصم أكثرهم بوكر الخبز.
سألت مرة ابني الصغير اسمه المهاتما، عمره ثمانية سنوات
- عندما تكبر، عايز تكون شنو؟ اي ما هي امنيتك؟
قال بسرعة وكانه يعد الإجابة مسبقا
- عايز اكون كاتب مثلك!
وعندما سألته لماذا يريد ان يصبح كاتبا، قال لأن الكاتب لديه مال كثير و لديه عربة. وحتى لا يضيع ابني في الوهم الأخضر كما ضاع ابوه، اخذت اشرح له، بأن العربة التي اقودها هي عربة المصلحة التي اعمل بها، و ان النقود التي ادفعها يوميا من اجل توفير الطعام له و لأخيه، هي ما تدفعه لي المؤسسة مقابل ان أعمل الوقت كله لها، وشرحت له انني اذا اردت ان أعيش ككاتب،اكتب و أقرا واقدم الأوراق الأدبية و أحضر المنتديات، عليه و اخوه ان يتوقفا عن الذهاب للمدرسة و يتسولا في الشوارع، ونصحته بأن تكون له امنية أخرى اذا اراد المال و العربة و الحياة الرغدة الطيبة، سياسي مثلاً او ناشر كتب.
ولكنه اصر على امنيته في ان يصبح كاتبا، بالتالي كتبت هذه الواصايا الإحدى عشر من أجله:
- عندما تكتب عليك ان تنسى ماهو دينك او حزبك او قبيلتك، عليك فقط بالنص.
- لا تتردد مطلقا في ان تكتب اية كلمة تخطر ببالك اذا كانت لها ضرورة فنية.
- عند لحظة الكتابة لا تهتم مطلقا بكل ما تعلمته من فضائل وقيم و اخلاق، اهتم فقط بالإنسان، بالقيم التي تخصه و الأخلاق و الفضائل التي تخصه، اقصد الأنسان الذي تشكله في النص .
- لا تفكر في النشر إلا بعد ان تفرغ من الكتابة، لآن التفكير في النشر يجر الى التفكير في ما يجب ان يكتب و ما لا يجب.
- انس كل القوانين التي تقيد كتابتك وتحد من حريتك.
- ضع العالم في جيبك و انت تكتب، امتلكه كله ، زمانا و مكانا.
- استخدم اللغة التي تروق لك انت شخصياً.
- لا تتبع غير الموسيقى التي تنبع من ذاتك، الموسيقى التي تخصك،الموسيقى التي هي جزء منك و انت جزء منها.
- تذكر مقولة بودلير" لا تخلط الحبر بالفضيلة".
- لا تنسى وصية جدتك فرجينيا وولف " كل الموضوعات تصلح للكتابة".
- في غمرة الكتابة لا تفوتك الحرفة، اقصد فن اللعبة، لأن الرواية ليست هي الحكاية ولكنها فن كتابة الحكاية، وكذلك الشعر، القصة و الرسم.

في مصر كنت قد التقيت قبل سنوات كثيرة، بصديق درسنا الجامعة معا بمدينة اسيوط، اسمه احمد خالد وهو روائي وقاص مصري مشهور، سألته عن حاله و احواله ، قال لي إنه الآن متفرغ للكتابة، واندهشت جدا لهذه الجملة التي لا توجد اطلاقا في قاموس الثقافة السودانية.
وسرحت بخيالي في اسئلة عصية، من اين يأكل هذا الشاب، كيف يوفر مصروفه الشخصي ولحسن حظه انه غير متزوج ولكن من يدفع له ايجار الشقة؟ وكنت أعرف انه لم يكن من اسرة ثرية او بقايا باشوات. وعندما شاهد دهشتي، قال لي إن هذا الشيء عادي تماما في مصر، و لقد فرغتني المؤسسة الحكومية التي اعمل بها، انا اصرف مرتبي شهريا و اذهب للمنتديات و اقرأ و اتسكع و أحب من اجل ان اكتب روايتي الجديدة في عامين كاملين. قارنت هذا بأديبنا الأعظم ابراهيم اسحق الذي ظل يعمل و يكتب اكثر من ثلاثين عاما و الى اليوم، قارنته بأستاذنا الروائي و القاص عيسى الحلو وهو على مشارف السبعين واذا لم يذهب للجريدة سيموت من الجوع ويطرد من بيت الإيجار، بذات الحال الروائي و القاص مبارك الصادق، الناقد مجذوب عيدروس، الشاعر عالم عباس، و الناقد عبد القدوس الختم الذي لم يقعده عن العمل سوى المرض، القاص بشرى الفاضل وكثيرون هم الآن فوق الخمسين أو الستين لم يتفرغ اي منهم ليوم واحد من اجل مشروعه الأدبي، وإلا اصابتهم لعنة المسغبة ، ولأن هؤلاء الشيوخ الذين افنوا جل عمرهم في خدمة الأدب و الثقافة لا يشملهم التأمين الصحي و ليس هنالك ضمانا اجتماعيا يحمي اسرهم ، فكثير منهم مات محبطا بأتفه الأمراض مثل القاص زهاء الطاهر و الروائي محمود محمد مدني صاحب الدم في نخاع الوردة،و القاص بدر الدين عبد العزيز وتركوا اسرهم للريح، بذلك ينقلون محنتهم اقصد لعنتهم ككُتّاب الى اسرهم من بعدهم، وهم السابقون و نحن اللاحقون. تخليوا الروائي الفذ الطيب صالح اذا تفرغ للرواية بعد كتابة رواية موسم الهجرة الى الشمال في اوائل الستينيات من القرن الماضي ، دعنا لا نتحدث عن جائزة نوبل، لأنها كما يقول الأستاذ عنها "حظوظ"، ولكن كم من الروايات الجميلة كان سيكتب وكم من القصص الساحرة؟ ولكن كان ابو الرواية السودانية فقيرا ايضا، وظل يعمل الى ان اقعدته الشيخوخة والمرض عن العمل ثم تفرغ مجبرا في اواخر ايامه.
فكرت ذات مرة- كثير من الأفكار الشيطانية نتابني بين حين وآخر- أن اتفرغ للكتابة سنة واحدة فقط، تبدأ ب 30 مارس 2008 و تنتهي ب 30 مارس 2009، وكان حينها قد انتهى عقد العمل الذي يربطني بالأمم المتحدة و منظمة رعاية الطفولة السويدية كمستشار لحقوق الطفل بدارفور، وكانت بجيبي بعض الجنيهات حصيلة عمل شاق وخطر استمر لثمانية عشر شهرا مع قوات حفظ السلام الأفريقية ثم الجيش السوداني، وفكرت عمليا وسريعا في ان استثمرها في مشروع صغير يوفر لأطفالي مصروفات السنة التي سوف اقضيها للعمل النهائي في مخطوطة رواية الجنقو مسامير الأرض، وكنت متفائلا جدا، وطيبا جدا، و اكتشفت فيما بعد انني كنت غبيا جدا، عندما اودعتها جميعا، في مشروع كانت خسارته داوية بعد ثلاثة اشهر فقط،ولكنني قررت ان اظل متفرغا الى بقية العام، لذا قمت بعمل خفيف وهو ان اصمم اقمصة من اقمشة القطن و ابيعها للمثقفين بأماكن تجمعاتهم، لقد كنت في صباي اعمل تلميذا لخياط في بلدتي بخشم القربة،وامتهنت فن تصميم الأزياء ذات فقر من قبل ، اي كانت لدي فكرة لا بأس بها في هذا المجال، وفشلت محاولات اخرى كثيرة من أجل توفير لقمة العيش، ولولا نجدة الأصدقاء و الصديقات، لولا الصبر الذي تعلمته من امي، لولا مهارتي في إدارة الجوع و الفقر، لما اتممت العام متفرغا للكتابة، واعتبر ان تلك كانت مغامرة كبيرة سوف لا اكررها فيما بعد.
إذا،كيف يبدع الكاتب السوداني وهو في دوامة تلك المحن، و محنة الكاتب السوداني تقود الى محنة الأدب السوداني بالضرورة،و تبقي حقيقة واحدة مهمة، من جراء كل تلك المحن، يصبح "الكاتب السوداني مشروع فاشل لكاتب عالمي".
عبد العزيز بركة ساكن
19- 5- 2010

هناك تعليق واحد:

MOHAMED Eltayeb SALEEM يقول...

العزيز بركة
حينما تكون قواعد اللعبة معلومة لديك تصبح الشكوي من شروط لعبة الكتابة السودانية مثل الشكوي من وجود الشر و الأشرار في العالم. مثلما أنت مطالب بالكد في حياتك وتوفير قوتك وسط عالم له قواعده المؤلمة أنت كذلك مطالب بالإبداع الكتابي لأجل ذاتك قبل الأخرين رغم أنف الاشرار ورغم قسوة الشروط
In matters of style swim with the current, In matters of principle stand as a rock. Thomas Jefferson
كل الود والشكر والإعجاب والتقدير