2015/03/19

الرجل الخراب التخريب الخلّاق للبنية السردية - عاطف الحاج سعيد






دُشنت الرواية الجديدة للروائي السوداني الكبير عبد العزيز بركة ساكن الموسومة بالرجل الخراب في معرض القاهرة الدولي للكتاب الذي انعقد في الفترة من 28 يناير الى 12 من شهر فبراير 2015 بأرض المعارض الدولية بمدينة نصر. وتصادف انعقاد المعرض مع زيارة أقوم بها للقاهرة لذلك استطعت أن أتحصل على الرواية في اليوم الأول من طرحها للبيع. أعدت مؤسسة هنداوي للثقافة والتعليم، الدار الناشرة للرواية، حفلا لتوقيع الرواية في يوم الخامس من فبراير كان من المفترض أن يحضره بركة ساكن ولكن لظرف ما لم يتمكن ساكن من الحضور للقاهرة ونتيجة لذلك تم الغاء الحفل وطرحت الرواية للبيع مباشرة للجمهور.

من المعلوم أن الروائي بركة ساكن قد انضم منذ أكثر من ثلاثة أعوام الى قائمة الطيور السودانية المهاجرة (أو المُهجّرة!) خارج أرض الوطن وأنه اختار دولة النمسا مقراَ لإقامته، وتمثل هذه الرواية أول الأعمال الأدبية التي يكتبها من منفاه هذا، وسيكون تأثير تجربة النفي والهجرة واللجوء والاحتكاك بثقافة أخري مغايرة تماماً لتلك التي تربي في كنفها ماثل للعيان عند قراءة هذه الرواية. وأري أن هذه الرواية هي ثمرة مباشرة (دون اختزال بكل تأكيد لميكانزيم الكتابة الإبداعية في المعايشة والمعاناة المباشرة) لتجارب معرفية وحياتية ومعايشة عن كثب لظروف الهجرة غير الشرعية لأوروبا ولأوضاع وظروف وهموم المهاجرين والتي يأتي على رأسها موضوعة الاندماج الاجتماعي للمهاجرين في مجتمعاتهم الجديدة والتي تمثل الثيمة الأساسية التي بنيت عليها الرجل الخراب.

حظيت الرواية باستقبال طيب من الفعاليات الثقافية العربية في مختلف البلدان العربية وفي مصر على وجه الخصوص مع تجاهل شبه تام لها من قبل وسائل الاعلام السودانية وهو أمر ليس بمستغرب نظراً للسجال الطويل والمستمر بين بركة ساكن والمؤسسات الثقافية الرسمية فيما يتعلق بحرية النشر ودور الوصايا على ذوق القارئ السوداني الذي تقوم به هذه المؤسسات بإصرار غير مستحب في مثل هذه الاحوال. وكُتبت الكثير من المقالات مرحبة بالرواية ومعرفة بها ومنها الاستطلاع الموسوم ب: الرجل الخراب .. رواية المتناقضات بين العرب والغرب الذي قام به الأستاذ محمد نجيب محمد علي لصالح الجزيرة نت والذي قدم فيه للرواية واستطلع كاتب الرواية عنها كما استطلع عدد من المثقفين حول الرواية وصدورها. ولكن يبقي المقال النقدي الذي كتبته الناقدة التونسية ابتسام القشوري المعنون ب: الرجل الخراب للروائي السوداني عبد العزيز بركة ساكن: وهم التعايش مع الاخر وأزمة الهوية والذي نشر في صحيفة القدس العربي اللندنية يوم 11 فبراير 2015 أي بعد ستة أيام فقط من صدور الرواية، يبقي هو الأبرز في تناوله لهذه الرواية حتى الان رغم اختلافنا معها في بعض رؤاها وتحليلاتها وهو خلاف لا يفسد للود قضية. يجب أن نشير ايضاً الى أن هناك مقال استبق النشر الرسمي الرواية كتبه الناقد عماد البليك الذي كان قد اطلع على مسودة الرواية وعنّونه ب: بركة ساكن وخيانة الرواية في "الرجل الخراب" ونشره بصحيفة ورق الالكترونية في يوم الثاني من يوليو 2014.

قبل الخوض في غمار هذه الرواية يجب أن نشير الى أن الرقابة على المطبوعات في السودان قد اضرت ضررا بليغا ببركة ساكن وهو امر نتفق عليه جميعا ، فمازالت اعماله الإبداعية على قائمة الحظر مما حجّم كثيرا من تواصله مع جمهور مهم جداَ ألا وهو جمهور القراء في السودان، ربما مسألة الرقابة هذه وقناعة عبد العزيز باستحالة قبول السلطات لتداول هذه الرواية في السودان وبيعها في المكتبات ربما دفعه هذا الامر لجعل أجزاء كبيرة من الرواية متاحة عبر الشبكة العنكبوتية لجمهور القراء حتي قبل صدورها في نسخة ورقية، فهو قد قام بنشر جزء منها بتاريخ 27 مايو 2014 أي قبل سبعة أشهر من صدور الرواية في نسخة ورقية من دار هنداوي وتم هذا النشر في صحيفة التغيير (صحيفة الكترونية سودانية) تحت عنوان فصول من رواية جديدة : فاكهة الليل ويقابل هذا الجزء الفصل الأول من الرواية في النسخة الورقية والمعنون ب: توني لا يكره العرب والذي يبدأ من صفحة 11 وينتهي في صفحة 22. كما قام بنشر جزء اخر من الرواية بتاريخ 26 يوليو 2014 على مدونته الشخصية تحت عنوان فصل من رواية الرجل الخراب اخر اعمال الروائي عبد العزيز بركة ساكن ويقابل هذا الجزء الفصل الثاني من النسخة الورقية الموسوم ب: مُخرّي الكلاب الذي يمتد من صفحة 23 الى صفحة 33. كما قام أيضا بنشر جزء اخر من الرجل الخراب بتاريخ 28 أغسطس 2014 على موقع صحيفة التغيير الالكترونية تحت عنوان تفاصيل الرحلة الى أوروبا على شاحنة خنازير! ويغطي هذا الجزء الصفحات من صفحة 39 الى صفحة 44 وهو ما يمثل جلّ الفصل الثالث من النسخة الورقية والذي يمتد من صفحة 35 الي صفحة 44 والموسوم ب: درويش.

وواضح كذلك أن لهذا النشر الالكتروني المبكر لأجزاء من الرواية هدف اخر، وهو هدف تسويقي مشروع يستهدف سودانيي الدياسبورا وغيرهم من الذين بمقدورهم الحصول على الرواية من الدار الناشرة سواء بصورة مباشرة او عبر البريد.

تقع رواية الرجل الخراب في 122 صفحة من القطع المتوسط، فهي اذاً من الروايات القصيرة دون أن يكون لحجمها أي تأثير بكل تأكيد على قيمتها الفنية. تتوزع الأحداث فيها على أحد عشر فصلا تكاد تتساوي في عدد صفحاتها. تحمل فصولها العناوين التالية بالترتيب: توني لا يكره العرب، مُخرّي الكلاب، درويش، الفضيحة، الأجنبيُّ، السيدة لُوديا شولز، البنت والأب، سيرة المرأة، حوار من أجل البنت، الفصل الأخير، الرجل الخراب. وهي عناوين مباشرة تلخص محتوي الفصل المعني ومجري أحداثه أو تمهد للقارئ مدخل مريح للفصل المعني.
يبتدر الروائي بركة ساكنه روايته ببيت شعر يقول: أيها القارئ المرائي، يا شبيهي، يا أخي! وهو البيت الأخير من قصيدة الي القارئ للشاعر الفرنسي شارل بودلير وهي القصيدة الافتتاحية لديوانه الأشهر أزهار الشر التي يقول مقطعها الأخير:

إنه الضجر، تلك العين المغرورقة بدمع لا إرادي
تحلم بالمشانق وهي تدخن النارجيلة
تعرفه، أيها القارئ، هذا الوحش الرهيف!
أيها القارئ المرائي، يا شبيهي، يا أخي! C’est l’Ennui, l’œil chargé d’un pleur involontaire,
Il rêve d’échafauds en fumant son houka,
Tu le connais, lecteur, ce monstre délicat,
Hypocrite lecteur, mon semblable, mon frère !

وهو استهلال لا يخلو من دلالات رمزية، كأني بالروائي يقول لقارئه: أنت أيها الماكر تعرف مثلي الكثير لذا لن العب معك لعبة الايهام، فأنا سأكون موجودا بجانبك وسأكون شفافاً بما يكفي معك وسأحميك من الاعيب هذا الغاوي إن كان في الإمكان نعت الراوي العليم بذلك. سيتضح هذا الأمر عند استعراضنا للبنية السردية المُخرِبة التي تتفرد بها هذه الرواية والتي تمثل الرهان الأساسي للكاتب بركة ساكن.

كما أن استلهام بركة ساكن لقصيدة ت. س إليوت الموسومة بالأرض الخراب هو أمر مشحون بالدلالات العميقة. فقصيدة الأرض الخراب (أو اليباب في ترجمات أخرى) مثلت نقلة نوعية فارقة في كتابة قصيدة الشعر في القرن العشرين من حيث الشكل والموضوع. يستلهم أجواء هذه القصيدة ليحكي لنا حكاية الرجل الخراب أو درويش السوداني من جهة الأب المصري من جهة الأم النمساوي بالتجنس فيما بعد وكيف أن أزمة الهوية التي لاحقته في كل مكان ذهب اليه وفشل مشروع اندماجه في المجتمع الأوروبي وفقاً للشروط التي يفرضها ذلك المجتمع، كيف حوله كل ذلك الى رجل ملعون ومُخرّب. يصور الروائي بركة ساكن وبحرفية عالية الكم الهائل من الصراعات والتناقضات التي تعتمل داخل هذا الرجل. ويبدأ بركة ساكن أحداث الرواية من ذروتها، من نقطة الغليان، من النقطة التي وصل فيها الصراع داخل درويش أو هاينرش الى ذروته. عندما أعلمته زوجته النمساوية نورا شُولز أن ابنتهما ميمي اقترنت بصديق وان البنت ربما تمارس الجنس مع هذا الصديق الليلة:

"همست له بصوت أكثر هدوءاً ونعومة: ~ قد تكون تلك ليلة أبنتنا الأولى!
قال كمن لدغته عقرب: ~ ماذا تقصدين بليلتها الأولى؟
قالت وهي تقترب منه: ~ قد يفعلانها.
~ ماذا يفلان؟

قالت وهي تبتسم ~ لا أدري، ولكن ما يرغبان في فعله، فهما حُرّان في عمر يسمح لهما بفعل ما هو مناسب لهما" ص16.
يمثل هذا الحوار علامة فارقة في حياة درويش أصبح عندها مشروع اندماجه في المجتمع النمساوي على المحك، مشروعه الذي من أجله عمل مُخرّيًا للكلاب بالرغم من أنها في ثقافته نجسة وملعونة وتخلى عن أسمه ليصبح اسمه رسمياً هاينرش شُولز بدلا عن حسني درويش جلال الدين وتزوج من نورا شولز المسيحية المشردة من غير محبة ليحصل على الجنسية وعاهد نفسه ألا ينظر للوراء ويبتعد عن سيرة الغليان لكن يأبى الغليان إلا أن يتبعه.
تدور الرواية حول شخصية رئيسية واحدة هي شخصية درويش والتي تحيط بها شخصيات ثانوية كثيرة منها السيدة لُوديا شُولز التي عمل عندها درويش مُخرّياً لكلبيها أول وصوله للنمسا وعند موتها أوصت له بمعظم تركتها، ثم شخصية نورا شولز أبنة السيدة لُوديا شولز التي كانت تعيش حياة أشبه بحياة المشردين بعيدا عن أمها ثم تزوجت بدرويش بعد وفاة أمها في صفقة يحصل بموجبها درويش على الجنسية النمساوية مقابل أن تشاركه نورا في تركة أمها. ثم ميمي أبنتهما وصديقها توني ذو الأصول اليهودية. ثم هناك شخصية صلاح سعد الاريتيري نصف المخبول والمقيم في نزل المهاجرين غير الشرعيين في اليونان ثم شخصية ناديا صامويل الرواندية التي تنتمي الي أقلية التوتسي والتي رافقت درويش في رحلته من اليونان الي النمسا داخل شاحنة تقل خنازيراً. وهناك أيضاً الشخصيات التي التقى بها درويش في معسكر اللجوء الأول ومنها السوداني الجنوبي غومار كانج والنيجيريان اللذان اقترحا عليه أن يدعي انه مثلي الجنس وان حريته الشخصية مهضومة في بلاده حتى يستطيع الحصول سريعا على حق اللجوء.
عبر هذه الشخصيات ومصائرها قدم بركة ساكن للثيمات الأساسية التي تحملها الرواية وهي ثيمات كُثر مثل الاندماج الاجتماعي والهجرة غير الشرعية وأوضاع المهاجرين في البلدان المضيفة وصراع الهوية وصراع الحضارات. بالرغم من أن كثير من هذه الثيمات قد استهلكت كثيرا في الأدب العربي ابتداءً من قنديل أم هاشم ليحي حقي مروراً بموسم الهجرة للشمال ومدن بلا نخيل لطارق الطيب وغيرهما كثير، لكن جاءت الرجل الخراب، التي قدمت مقاربة مختلفة لهذه الثيمات، في وقت صعد فيه الصراع الى القمة وباتت مسألة الاندماج الاجتماعي للمهاجرين العرب المسلمين في المجتمعات الأوروبية من المسائل المقلقة لهذه المجتمعات ولهؤلاء المهاجرين أنفسهم خصوصا مع تصاعد موجة الرفض العنيف من قبل مجموعات معتبرة من هؤلاء المهاجرين من مختلف اجيالهم لواحدة من القيم الأساسية التي قامت عليها الحضارة الغربية وهي قيمة الحرية و على وجه الخصوص حرية التعبير. كما أن الشكل السردي الذي اختار الكاتب أن يقدم به ثيمات عمله فيه من الجدّة والتجريب ما لا يخفى.
توصف الرواية في الدرس النقدي بأنها قبل كل شيء بنية سردية تشيدها ثلاث مكونات رئيسة هي الراوي وهو الشخص الذي يخبر بالحكاية وهو شخصية هلامية لا وجود فيزيائي لها علي أرض الواقع يبتدعها المؤلف أو الكاتب (وهو شخص حقيقي) ليعبر من خلالها عما يريد قوله وعادة لا يظهر هذا المؤلف في ثنايا الرواية بصوته المباشر أو بالأحرى يجب ألا يظهر أبداً. ثم المروي وجوهره هو الحكاية التي يسردها الراوي والتي يحكمها إطار زمكاني، ثم أخيراً المروي له وهو متلقي الرواية. هذه المكونات الثلاث تحكمها كثير من القوانين التي تنظمها وتنظم العلاقات بينها لن يسعنا المقام في الاستطراد فيها. حاول بركة ساكن في روايته هذه العبث بمكونات هذه البنية السردية وارباك العلائق القائمة بينها وارباك المتلقي كنتيجة حتمية لذلك، فهو متلقي منمّط يعيد بناء معني النص استناداً على خبرات نصية سابقة.
في الرجل الخراب يتداخل الراوي بالكاتب بالشخصيات الثانوية والشخصية الرئيسة لتتشكل بذلك شبكة سردية مربكة ولذيذة يصبح القارئ طرفاً فيها، يحدثه الكاتب ويناقشه في محاور الرواية ويستقوي به ضد الراوي العليم ويعبث به وتصبح سلطة هذا الراوي موضع نزاع مستمر على امتداد الرواية الى أن ينتهي هذا النزاع باختفاء الراوي وتسلم الشخصيات الثانوية لزمام السرد.
تبدأ الرواية على لسان الراوي "نورا شُولز، تبدو اليوم أكثر سعادة من أي وقت مضى في حياتها..." ويستمر الراوي ممسكاً بزمام السرد الى أن يبرز صوت الكاتب مقاطعاً في صفحة 16 "أشعر الان برغبة الراوي في التوقف عن السرد..." ليقدم بعدها الكاتب بيان احتجاج ضد سلطة الراوي التي تتحدي في كثير من الأحيان سلطته ككاتب وتفرض عليه ما لا يرغب فيه. يؤسس بيان الاحتجاج هذا لمشروعية الكاتب في التدخل اثناء السرد انتصاراً لاستقلاليته وتأكيداً لسيطرته على روايته. ثم يسلم بعدها الكاتب زمام السرد للراوي الذي سيسرد للقارئ ما يدور في ذهن درويش أو هاينرش بعدما أخبرته زوجته بأنه ربما ستمارس ابنتهم الجنس لأول مرة في حياتها مع صديقها توني الذي لا يربطه أي رباط شرعي مع البنت وأن يتم هذا الأمر تحت سقف بيته وبرعايته واشرافه ومطلوب منه ان يظهر سروره بذلك! ثم لا يتوقف بعدها الكاتب عن التدخل وتقديم التبريرات الكافية لتدخله، فهو يتدخل مرة لينفي عن نفسه صفة التواطؤ مع الراوي في استخدام هذا الأخير لتقنية الفلاش باك، ومرة أخري ليظهر تعاطفه مع شخصية درويش الذي لا يحب أن يسرد الراوي جزء من سيرته الذاتية يرى أنه مشين، ومرة أخرى ليحاور القارئ في تنبؤاته لسيرورة الرواية والمحاور التي ستتخذها ثم يسلم زمام السرد لدرويش لأنه سهل القياد على النقيض من الراوي العنيد والمتسلط وفقاً لما يقول هو. ويستمر هذا الحال الي أن يعلن الكاتب اقصاءه للراوي تماما بسبب تعجل هذا الأخير لإنهاء الرواية "... أما الراوي الذي يتعجل نهاية الرواية ليحرر نفسه من أجل أغراض أكثر أهمية، في ظني، وليس كل الظن إثم، فالموت أولى به" ص 108. ونلاحظ أنه ابتداءً من صفحة 106 وحتى صفحة 108 يحدث تناوب في السرد بين الراوي العليم ودرويش، يتحول درويش من مروي عنه الى راوي بصوته ويتم ها الأمر في انتقالات رشيقة لا يكاد يحس بها القارئ المأخوذ بالحكاية. ثم يظهر الكاتب في الفصل الأخير ليسلم زمام الأمر لنورا شولز التي تختار نهايةً للرواية تختلف عن تلك التي كان يخطط لها الكاتب ثم تُروي هذه النهاية بأصوات ثلاث شخصيات يري الكاتب أنها ثانوية هي توني وميمي ونورا شُولز كلٌ من موقع رؤيته. ألم أقل لكم إنها شبكة سردية مُربِكة لكنها ممتعة. سيقول كثيرون أن بركة ساكن يحاول أن يؤسس لرواية اللاراوية ونقول ان الرواية جنس أدبي حديث نوعا ما قياساً بالأجناس الأدبية الأخرى وأن تقنياتها ستتطور ولا يستطيع كائناً من كان أن يضع شروط ومعايير وقوالب لهذا التطور، إذا لبركة ساكن كروائي متمكن من ادواته وواعي ومتمثل لمنجزات الرواية في كل أزمانها له كامل المشروعية في التجريب الى ما لا نهاية.

يتضح من القراءة الأولي لهذه الرواية أن نصها يتعالق مع نصوص أخري سردية وشعرية سابقة من التراث الإنساني العالمي، لذلك نستطيع أن نرصد تناصات كثيرة لنص بركة ساكن مع نصوص أخري مثل قصيدة الأرض الخراب للشاعر إليوت أو مائة عام من العزلة وإرنديرا البريئة وجدتها القاسية لماركيز وأزهار الشر لبودلير وغيرهما. ونعني بالتناص هنا "ذلك الحوار الواقع بين الكتابات المختلفة التي تقع للكاتب قبل أو أثناء كتابته، لأن الكاتب لا يكتب انطلاقاَ من عدم، واستعماله للغة مشتركة تتقاطع فيها نصوص لا تعد ولا تحصي تشكل محفوظة الذي يؤسس ثقافته، ويهذب ذوقه، ويخلق دراية لسانه، ففي ذلك الزخم الطامي من النصوص تتشكل ملكته، مستفيدة من اجتهادات سابقيه" كما يشير بذلك الناقد حبيب مونسي في مقاربته لأعمال عبد الملك مرتاض. وسأعطي مثل واحد لهذا التناص هو مشهد ناديا صامويل وهي تقترح علي زعيم البدو في سيناء المصرية ان يطلق سراحها مقابل ان تعوضه خسارته ببيع جسدها لأفراد عصابته وتهبه المال بعد ذلك لتفدي نفسها:

"فقلت ذلك بوضوح لشيخ البدو، وهو الحاكم الفعلي للخاطفين، والرأس المدبر لكل شيء، واقترحت عليه أنني أستطيع أن أجلب له مالاً كثيراَ جداً إذا تركني في حجرة وأدخل عليّ من رجال عصابته من يريدني، فهم بلا نساء يقيمون في معسكرات صحراوية لشهور كثيرة، اعجبته الفكرة وبدأ هو بنفسه" ص 41.
نجد أن مثل هذا المشهد أو فكرة الافتداء أو الغرم مقابل الجسد ترد مرتين في عملين للروائي الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز هما مائة عام من العزلة وإرنديرا البريئة وجدتها القاسية، مع بعض الاختلافات في التفاصيل، ففي رواية ماركيز نجد أن الجدة القاسية هي التي أجبرت حفيدتها على ممارسة البغاء لزمن طويل لكي تجعلها تعوض قيمة الخسارة التي تسببت بها عندما تسببت بإهمالها في حريق قضى على الكثير من ممتلكات الجدة.
يبدو لي أن دراسة التعالقات النصية بين نص بركة ساكن ونصوص أخرى سابقة له مجال خصب للدراسة النقدية ربما ينتبه له نقادنا الاجلاء ويثرونه بالدرس المنهجي العميق.
يجب أن اشير قبل أن أختم هذا المقال الي بعض النقاط التي أرى أنه من المهم استعراضها دون الانتقاص من القيمة الفنية العالية لهذا العمل. أشير أولاً الى أن الاستخدام المتكرر لمفردات من اللغة الألمانية في مناطق متفرقة من الرواية لم يكن له ضرورة ملحة من وجهة نظري الخاصة في كل مرة وردت فيها، مثال على ذلك استخدام كلمة (ein Freund) الألمانية بعد كلمة (صديقاَ) في الجملة "فقد وجدت ابنتها ميمي أخيراَ صديقاَ" ص 11، أو استخدام عبارة (Assimilation oder aufnahme) الألمانية عقب عبارة (اندماجه الاجتماعي) ص 20، فكلمة (صديق) وتعبير (اندماجه الاجتماعي) هما شديدتا الوضوح ويفسرهما السياق الذي وردتا فيه بجلاء وحتى لو كان هناك غموض في معانيهما لا أظن أن اللغة الألمانية هي الوسيط المناسب لمنح المقابل نظراَ لجهل الغالبية الساحقة من قراء العربية بهذه اللغة. كما أنه ليس من الضروري كتابة أسماء الأماكن باللغة الألمانية طالما قام الكاتب المبجل بتعريبها بصورة مقروءة جداً، أعتقد أن هذا الأمر مُربك للقارئ. كما يتحول الكاتب كذلك الي استخدام مقابلات من اللغة الإنجليزية لبعض المفاهيم التي يوردها باللغة العربية مثل استخدام كلمة (Adultery) بعد كلمة (زني) ص 37، أو استخدام كلمة (Homosexual) بعد كلمة (مثليَا) ص 62، فالكلمتان واضحتان جداً ولا تحتاجان لأي تدعيم من أي لغة أخري. ثم ما المنطق الذي يجعل الكاتب يستخدم مرة اللغة الألمانية ومرة اللغة الإنجليزية لتدعيم الكلمات المختارة بدلالات لا تؤديها، وفقا لرؤية الكاتب، المفردات في اللغة العربية؟

أشير ثانياً، وفي حدود معرفتي، بأن الكاتب نسب الى ت. س إليوت ما لم يقله البتة عندما كتب في صفحة 107:
"أما القارئ المرائي المغامر الصعلوك الذي تحدث عنه "ت. س إليوت، فقد يكون له رأي اخر"
بل هو بالأحرى الشاعر شارل بودلير الذي تحدث عن ذلك القارئ المرائي في قصيدته التي سبق ذكرها في مكان اخر من هذا المقال.
كما أشير ثالثاً الي أن الرواية نشرت تحت عنوان الرجل الخراب، لكن الكاتب يشير داخل الرواية الي ان اسم هذه الرواية هو فاكهة الليل، فقد كتب في صفحة 53 من الرواية موضحاً:
"وقد لا يغيب عن فطنة القارئ أن عنوان هذه الرواية هو "مُخَرّي الكلاب"، باعتبار أنها ما يشبه السيرة الذاتية لدكتور درويش، ولكن أصرّ الراوي على عنوان مربك هو "فاكهة الليل"".
ويبدو أنه الاسم الأول الذي اختاره لها بركة ساكن قبل ان يغيره فيما بعد، ويعزز هذا الرأي أنه في المقتطفات الأولى من الرواية التي نشرها على الانترنت قد قام بنشرها تحت عنوان فاكهة الليل. غالبا ما يكون نسي الكاتب ان يعدل هذه الفقرة من النص ولا اعتقد أن الامر يتعلق بواحدة من الاعيب الكاتب، على العموم هذا أمر ثانوي ولا يحدث خللاَ ذا بال في بناء الرواية.
في الختام لا يدّعي هذا المقال أية مقاربة نقدية معمقة وشاملة لهذه الرواية، بل هو مقال احتفالي يحتفي بمنتوج واحد من الكتاب السودانيين المبدعين ويعرّف بهذا المنتوج ويضئ إشارات هنا وهناك الي أن يحين وقت الدرس النقدي العلمي المنهجي ليس فقط لهذه الرواية بل لمجمل الإبداع الكتابي للروائي عبد العزيز بركة ساكن الذي أرسل جذور ابداعه عميقا في حقل السارِدين العظام.
عاطف الحاج سعيد
القاهرة، 19 فبراير 2015


2015/01/05

الجنس المجازي في رواية (الجنقو مسامير الأرض)

مصعب
يُعتبر الجنس وممارساته الشبيهة، من الموضوعات الأكثر ملامسة للقارئ العربي والسوداني على وجه الخصوص أو القراء السودانيين تحديداً، مع إختلاف الزمكان السردي؛ فالتحولات في البنية السردية في الرواية الحديثة السودانية بشكل مخصوص والعربية أو المكتوبة بالعربية – لاعتبارات مثل لغة الكتابة العربية في مجتمعات تسيطر عليها الأخيرة – رغم تباينها الثقافي والثقافة العربية في مجتمعاتها، يلعب فيها الجنس وانحرافاته المثلية دوراً مجازياً يعكس به الكاتب ما ليس مرئياً بتلك المجتمعات التي يعبِّر عن قضاياها ويطرح إشكالاتها، ليس لما يكتنفه من إثارة للقارئ فحسب؛ بل لأنه من الموضوعات التي تشير إلى تناقضات الواقع والخطابات الرسمية لتلك المجتمعات، وتعتبر من المسكوت عنه أو ما لا يقبل النقاش فيه، بالإضافة إلى أن الجنس لا زال محلَّ أزمة نتيجة للكبت الممارس في المجتمعات المتأثرة بالثقافة العربية، سواء بفرضها أو كمحمول على مستوى عاداتها وتقاليدها.
الجنقو مسامير الأرض، كرواية بأسلوبية جديدة، تُعتبر خطوة قفز بها الكاتب عبد العزيز بركة ساكن بالقارئ نحو الواقعي غير المألوف في الكتابة الإبداعية، استخدم فيها تكنيكات سردية بقدرات كاتب روائي موهوب أظهرت تمرده على نمطية الرواية السودانية كحال كثير من كتاب العربية، ممن اشتغلوا على قضايا مجتمعاتهم وتحرروا من القيود المفروضة على أقلامهم، فبركة ساكن استخدم الألفاظ التي تُعتبر محرمة من قبل الرقيب، وأضفى عليها طبيعيَّتها وجعلها تعبر عن واقعها الاجتماعي بسلاسة أسلوبه وبساطة متمرس، وتشويق عن طريق حبكته وانتقالاته عبر دلالات لفظية؛ فكانت بوابة للتحرر الإبداعي افتتحها الكاتب وانطلق عبرها جيل جديد من الكتاب الشباب كما نلاحظ في حركة المدونين الإلكترونيين وأشكالهم الأدبية المختلفة.
والجنقو كما يقول عنهم بركة ساكن، مجهولون، حياتهم، موتهم، حاضرهم، مسقبلهم، حقوقهم، طبقتهم، وجودهم، نهاياتهم, سكرهم، وجنسهم، تناولهم بصدق.. وطرح الإشكالية بوضوح تلتمس قدرته الفائقة في إدارة الحبكة، فالجنس والمثلية الجنسية احتلا مجازاً محل تعبيرات اجتماعية تاريخية سياسية واقتصادية، ففي حالة الصافية، ينكشف التعبير المجازي للجنس وتماثلاته بنظرنا للمقاربة النفسية للشخصية والشخوص الأخرى وواقع كل منها حيث نجد أن للجنس طابع أداتي يتجلى تحليلياً إذا تعاملنا وفق المجموعات الدلالية المرتبطة بالسرد فنجد دوره المجازي كضرورة حتمية للبقاء ووسيلة لكسب العيش بجانب الترفيه أو المتعة المكبوتة, فتصبح العملية الجنسية بنية من بنيات الوعي وتكون الرغبة الجنسية هي الدافع اللاواعي عبره تتم عملية التكثيف (condensation ) للمكبوتات غير المعبر عنها مثل القيم والثقافة والوجود الاجتماعي والاقتصادي, فترفيهيته هي ما تعزز أهميته لانعدام وسائل بديلة في هذا المجتمع.
ففي بعض الحكي الشعبي والقصص الخرافية التي صيغت في أدب بعض المجموعات الأفريقية كسلوك غرائبي يدل على وحشيتها، وبالتالي الدفاع عن نفسها، فـ(المرافعين) و(الأقار) سمة لتلك المجموعات القبلية؛ لذا خلقت تلك الأسطورة لحماية نفسها من عمليات الرق تاريخياً وتشويه الأوجه عند بعض المجموعات، بالإضافة لكسر الأسنان، وهي وسائل يعتقدون أنها تحميهم من تجار الرقيق وعدم الاقتراب منهم, وهي عملية تشبهة إتلاف البضائع. نجح ساكن في توضيح الانفصام أو الانقسام عند خلق الأسطورة وجعلها حقيقة روائية، كما يقول الراوي متحدِّثاً عن ما قاله الشاهد على الأحداث، ويشكل جزءاً منها (ثم أقسم وأقسم وقال: الصافية انقلبت مرفعين)، فتتشرح مجازياً تلك التحولات المورفولوجية المتوحشة للصافية بالرفض وتلامس الأسطورة والحكي الشعبي لبعض القبائل والمجموعات في عملية التحول أعلاه والتشوه لتعزز الأسطورة التي صيغت بمعنى الرفض أو الدفاع؛ فنمو الصوف بجسد الصافية هو عملية التحويل إلى الحيواني المتوحش الأكثر عنفاً وحيوانية وشراً (اللحظة التي وضع يده على عري جسدها وبدأ يداعبها في أذنيها وأنفها الكبير, بدأ الصوف ينمو في جسدها, صوف أسود خشن وقبيح………………ص27) فالصورة النمطية للشر التي سعى الكاتب إلى تثبيتها للجسد مستخدماًً اللون الأسود وبشاعته أوقعت النص في فخ آخر ذي بعد دلالي ينمط جدلية الأسود والأبيض كثنائية رمزية للشر/الخير. إذن تشكلت مقابلات الوعي / اللاوعي تمثلها الرغبة / الجسد، فالرغبة حالة واعية بالمتعة واللذة, والجسد هو الرفض لكل ما هو تناسلي ولكل شكل من أشكال الغزو والخضوع كما حاول أن يوضحه الكاتب بلسان الراوي (سوف أحاول الجسد إلى أن يستجيب…….) (ص25 _الطبعة الرابعة). فالجسد فقط بيئة جنسية تتم من خلالها عملية تهدف للتناسل والمتعة تتطابق استجابته بشارة تصدر غريزيا من رغبة واعية يكون هو مناخها, فتحولاته الغرائبية والأسطورية هي حالة فصامية نتيجة للاستجابة للرغبة الجنسية الواعية بنفسها والمتعة المكبوتة اللاواعية, ومن جهة الصافية امتداد تاريخي لأسلاف عمروا تلك الأرض في حقبة من الحقب التاريخية تعود أصالة القرية لهم واستمراريتها، والتحول الجسدي كدلالة يفسر الأسباب الدفاعية لصاحب الجسد أو صانع الأسطورة، التي تكون صراعًا لأجل البقاء من خلال صراع الشر/ الخير، الصافية كجسد هو الرفض واللاخضوع لكل ما هو غازي أو ما تمليه الرغبة لأجل المتعة وبالتالي السيطرة، فآلية المقاومة هي التحولات الغرائبية للجسد باعتباره بيئة تتم فيها عملية التناسل فتنتج وريثاً للأرض / الجسد، التاريخ/الذاكرة، فينفسخ التناقض وحالة الفصام في الشخصية هي حالة تعيشها الشخصية السودانية التي لا تعي بنفسها، ولا زالت تبحث عن الهوية والتاريخ. عموماً كانت هذه مساهمة لقراءة لا تفترض إلا نسبيتها التأويلية كما تهدف إلى قراءة بأفق مختلف للرواية.

*مصعب أحمد الشيخ / مجلة البعيد

2014/08/05

تحميل موسيقي العظم - مجموعة قصصية


http://downloads.hindawi.org/books/95869360.pdf





من عوالم الأطفال والبراءة، ومن بواطن الأوطان وخفايا العلاقة بين الدم والحنين، ومن بداءة الوهم وتجليات الخيال والأسطورة، ومن ذاكرة الموت ومرويَّات الأشباح، من كلِّ ذلك وغيره يصنع «بركة ساكن» حكاياته وموسيقاه الخاصة، ويحبس الأنفاس على إيقاعاته السردية الآسرة.


رابط تحميل المجموعة القصصية موسيقي العظم


http://downloads.hindawi.org/books/95869360.pdf


2014/07/26

رواية "الرجل الخراب"



فصل من رواية الرجل الخراب اخر اعمال الروائي عبدالعزيز بركة ساكن

عَبَّر الراوي عن رغبته الآن في أن يعود لجملة تَمَّ ذِكرها في الفصل الأول ومَرَّ عليها مُرورا سريعاً، سننقلها هنا كما هي:
(فقد تخلص من الكلبين اللذين ورثهما من المرحومة أم زوجته نورا، السيدة لُوديا شولز، عندما كان يعمل معها كمُخَرِي للكلاب  ، أودعهما بعد وفاتها مباشرة ملجأ الحيوانات الأليفة التي لا كفيل لها.)
في الحقيقة تُوجد هنا كلمة تثير الارتباك كثيراً، وهي كلمة مُخَرّي، ومصدرها خُراء، ونستخدمها هنا للمعنى الحرفي لها، أى الشخص الذي يأخذ الكلاب إلى     خارج البيت لكي تتمشى وتقضي حاجتها، ثم يقوم بحمل برازها في كيس بلاستيكي ويلقي به في المكان المخصص لذلك، وهي سلال معدنية أو بلاستيكية تُوجد على جوانب الطرقات معلقة على أعمدة، وغالبا ما يقوم بهذا العمل صاحب الكلب نفسه الذي يجد تسلية ومتعة في التمشي مع كلبه المفضل، وإشباعا نفسيا لقيامه بالواجب تجاه حيوانه الذي في الغالب في مكانة الصديق المُقرب وفي ظروف كثيرة الحبيب الوحيد، كما كان الحال لدي أدولف هتلر، ولكن وجود تعبير (مُخَرِي الكلاب Die Hunde shitter) هنا يُقْصَدْ به شيء مختلف قليلاً، أى يُستخدم كوظيفة تخص السيد هاينرش Heinrich لأنه عندما جاء إلى النِمْسَا عمل بها كأول وظيفة أتيحت له بكرم سخي، وهي ليست وظيفة سهلة لرجل صورة الكلب في مخيلته حيوان نجس يجب عليه تجنب لمسه، فكيف يكون الحال في حمل خُرائِه وتمشيط جلده وملاطفته.
قد ورد أيضا في هذه الجملة اسم " السيدة لُوديا شولز"، ولكي نتحدث عن هذه المرأة الطيبة، لابد أن نعود إلى الوراء قليلاً، أقصد أن يقوم الراوي العليم بإخبارنا عن كيف وصل حسني درويش جلال الدين الصيدلاني، من أسيوط بصعيد مصر إلى مدينة سالزبورج "Salzburg" بالنمسا، والظروف الغريبة التي وجد نفسه فيها في بلد المهجر، والقصد هنا تبرير عمله كمُخَرِي للكلاب"Die Hunde shitter" لدى السيدة شولز أكثر مما هي لعبة فلاش باك" flashback" يستمتع بها الراوي مع تواطؤ فعلي ومفضوح من قبل المؤلف.
قبل عشرين سنة، أى بعد أن تخرج في كلية الصيدلة بدرجة الامتياز في جامعة أسيوط عن عمر يناهز خمسة وعشرين عاماً. قضى درويش فترة الامتياز في صيدلية حكومية بالمستشفى المحلي، حيث قابل الشخص الذي غير مجرى حياته تماماً، إثر حوار قصير جداً، لن ينساه أبدا.
قال له الرجل القصير البدين، الخمسيني ذو الرأس الأشيب، الذي يبدو عليه الإرهاق الشديد:
- أريد عقاراً منوماً يا دكتور.
- للأسف هذا العقار لا يمكن صرفه إلا بشهادة طبيب.
- أرجوك أنا لم أستطع النوم منذ ثلاثة أيام منذ أن حضرت لهذه البلاد اللعينة، أرجوك أن تساعدني لا أريد أن أذهب للطبيب، لا أتحمل سخافاته وأسئلته ونصائحه التي لا تفيد في شيء بينما كل ما أريده مجرد منوم.
- من أين أتيت أنت؟
- من السويد، جئت للاطمئنان على أمي.
- أريد أن أذهب أنا أيضا للسويد أو أية دولة أوروبية أو أمريكا. الحياة هنا تعني العدم، خاصة بالنسبة للشباب فأنا لا أعرف بعدما أقضي فترة الامتياز ماذا أفعل بحياتي.
- الأمر صعب جدا ولكنه سهل لشاب شجاع ولديه طُموح، ولكنك أيضا قد تتعرض للموت قبل أن تصل، الطريق إلى هنالك تحفها المخاطر، مافيا، تجار بشر، مهربون، بحار وأمواج ولصوص وأسوأ شيء عليك أن تبقى في دولة اسمها اليونان لبعض الوقت، وأضاف بصورة جادة: كل التسامح والجمال الذي في روايات نيكوس كازانتزاكس لا تصدقه، إما أنه  خيال أو أن الشعب اليوناني الذي كتب عنه نيكوس لا وجود له الآن.
ولكن درويش لم يقرأ نيكوس كازانتزاكس، بل لم يسمع بزوربا اليوناني، بالتالي لم تكن لهذه الجملة أية معنى لديه. ثم أضاف الرجل وهو يضع كمية كبيرة من المنوم في جيب سترته، يربت عليها براحة كفه ليتأكد من أنها  هنالك:
- ولكنك عندما تصل إلى أول دولة أوروبية أخرى سوف تنسى كل شيء وتعيش كإنسان، إنسان حقيقي.
ومنذ تلك اللحظة بدأ درويش في الإعداد للهجرة، عبر خارطة الطريق التي رسمها له الرجل بدقة، وخلال بعض العناوين وأرقام التلفونات التي تخص المهربين تمكن من إيجاد أول الخيط، أى الرجل الذي سوف يستقبله في ليبيا، المبلغ المطلوب، والوسيط المحايد ومن الرجل أيضا عرف كيف يتجنب بعض الشريرين والمتطرفين من اليونانيين وتحرشهم، لأن رحلته ببساطة قد تنتهي هنالك بقتله أو بتعفنه في سجن لا عنوان له.
درويش، كعادته كان محظوظا جدا، حيث أنه  حصل على جواز مزور في مصر وعليه تأشيرة صالحة لليونان، ولو أن الأمر كلفه بيع فدانين من أرض زراعية خصبة ورثها من جده لأمه، إلا أنه  لم يندم لذلك، بل ابتسم ابتسامة كبيرة عندما وجد الوسيط ينتظره على استقبال مطار أثينا، ويسلمه نصف ثمن الجواز نقدا، حيث يقوم باستخدامه مرة أخرى  لتخليص شخص ما من براثن فقر العالم الثالث إلى     مراتع الحلم بأوروبا.
لم يعرف إلى اليوم الاسم الحقيقي للوسيط، الذي كان صريحا معه عندما قال له بعربي فصيح ولكنة شامية: يمكنك أن تدعوني راشد، أو ما شئت. ثم انطلقا في عربة تاكسي، عبرا شوارع كثيرة واسعة وبعضها ضيق، مرا بمبانٍ جميلة مشيدة بطراز لا يعرفه، ولكنه كان عبر النافذة يحاول أن يرى شيئا من حضارة اليونان التي قرأ عنها في المدارس، أما ما كان يهمه أكثر  هو أن يتمعن في ملامح الناس، تلك الأوجه التي تعبرها العربة في سرعة بالغة، وتمر مثل الطيف أمام وجهه الملتصق على زجاج النافذة، يريد أن يتبين أيهم الشرير الذي حدثه عنه ذلك الرجل قبل شهور كثيرة بأسيوط عند الصيدلية، وكيف تبدو تلك الوجوه وهي تهم بالانقضاض عليه والتهامه. كانا صامتين، وفضل هو هذا الصمت على كلام قد ينبه سائق التاكسي إلى حقيقته، وكان أيضا خائفا من شيء ما لا يدريه، ربما لأنها هي المرة الأولى التي يسافر فيها خارج مصر وهي أيضا المرة الأولى التي يرتكب فيها أمرا غير شرعي ويحاسب عليه القانون، فاستخدامه لجواز مزور فكرة تثير فيه الرعب كلما تذكر كيف كان يرتجف في دواخله وترقص عضلات بطنه رعبا وهو يدخل مطار القاهرة ويقدم جوازه لموظف المطار، وكيف أن نظرة الموظف إليه    أربكته إلى الدرجة التي أصبح فيها أهون عليه أن يصرخ قائلا: "إنه جواز مزور خذوني"، من أن تبقى عينا رجل الجوازات عالقتين في وجهه مثل أشعة الليزر الموجهة، ولو أن تلك النظرة لم تبق سوى خمس ثوانٍ، إلا أنه  أحس بها سنوات طوال، إلى أن صعد للطائرة. كان ينتظر أن يأتي رجل شرطة ويأخذه للحبس، وعندما بدأت الطائرة في التحرك من الأرض، ثم الإقلاع، أحس للمرة الأولى في حياته أن الله وملائكته ورسله بل وجميع الشياطين يقفون في صفه تماما، يساندونه ويدفعونه للأمام، فبكى. والآن بدأ يخاف من جديد، يخاف من اليونانيين، لا يريد أن يموت هنا أو يتعفن في السجن، أو يصاب بعاهة ما، هو يهرب من بلاده من أجل مستقبل أفضل له ولأطفاله من بعده، ويريد أن يأتي بحبيبته في أسرع وقت ممكن، فهو أيضا   لا يتصور حياته من دونها، ولا يرغب إطلاقا في أن يعوق حياته بعض المتطرفين غير المسؤولين، الذين لا يرون فيه غير ضحية بشرية تصيبهم بمتعة بالغة وهم يؤذونها. ولكن هذا المسمى رشيد الذي يجلس قربه بثقة بالغة ورباطة جأش، الذي يبدو متأكدا من كل شيء في الدنيا، وكأنه الله ذاته، يبعد عنه المخاوف بمجرد جلوسه بمجرد سكونه بمجرد القوة والثقة العظيمة التي تبدو على محياه، بمجرد أنه صامت ولا يتحدث، أوقف سائق التاكسي فجأة، أعطاه بعض النقود، وعندما اختفت آثار العربة، تحرك على إشارته، عبرا شارعين عن طريق كبري للمشاة صغير، كان الكبري مزدحما بالمارة، ولدهشته رأى أن هنالك سحنات كثيرة من البشر تسير في أمان، بيض وسود، وصفر وحمر وبُنيين واستطاع أن يميز بعض السودانيين والمصريين والصينيين أو ما يشبهونهم من سحنات آسيوية وإفريقية. بالطبع كان هنالك اليونانيون، لم ينتبه إليه أحدٌ، بل لم ينظر إليه  أى من المارة ولو لثوان معدودات، كتلك النظرات التي رشقه بها ضابط الجوازات في القاهرة أو رصيفه في مطار أثينا، كلهم مشغولون، يسيرون بسرعة إلى أمكنة ما، مهمومون بأنفسهم. كان كل شيء يمضي طبيعيا، وليس هنالك فرق كبير بين الناس كما رآهم في القاهرة وكما يراهم الآن هنا في أثينا. كان يحمل حقيبة يد صغيرة جدا، وهو ما نُصح به، بها بنطلون واحد وقميصان، فرشة أسنان ومعجون، بلوزة قصيرة من القطن مهداة من حبيبته، وكتاب في الصيدلة. وضع الحقيبة جنبه وهو يجلس على كرسي صغير من الخشب، كان راشد قد جلس قربه يقدم له بعض النصائح بدقة:
 عليك ألا تخرج من هذا المكان إلا وأنا معك، أو أن يأتي شخص ويسألك قائلا: أحتاج منوماً وحبوب لقاح.
كل من في هذا المسكن مهاجرون، ولكن لا تأمن أن يكون من بينهم جواسيس وعملاء بل ومجرمون: لا تعطي سِرَّك  لشخص، وكل ما تقوله هو سر يا رجل، مجرد ذكر جنسيتك أو اسمك أو تاريخ ميلادك، قد يؤدي بك إلى ما لا تشتهي.
حاول أن تكون آخر من ينام وأول من يستيقظ.
لا تأكل إلا ما قمت بطبخه وإعداده بنفسك، وسأسلمك ما تحتاج من طعام الآن.
إذا حدث وتم القبض عليك، تأكد من أنك ستكون وحدك، سوف لا تجد من يقف بجانبك، لا أنا ولا غيري، ستسجن لبعض الوقت، ليس أقل من شهرين وسترسل إلى     مصر أو أية  بلد ما، وقد لا تصلها للأبد.
غدا عند السادسة صباحا، تحمل حقيبتك وتنتظر عند الباب، ونتمنى أن تسير الأمور على ما يُرام، بعد السادسة ودقيقة واحدة بالضبط إذا  لم ترني أو يحضر إليك من يسألك عن المنوم، عليك أن تعود لحجرتك وتمارس حياتك العادية إلى  إخطار آخر.
ثم أعطاه كيسا كبيرا به بعض الأطعمة، وودعه وخرج.
المنزل عبارة عن بناية سكنية كبيرة، يبدو أن معظم ساكنيها آسيويون. كانا قد صادفا البعض وهما يلجان مدخل المبنى لأول مرة بعد هبوطهما من التاكسي والتمشي لدقيقتين بالأرجل على طريق ضيقة مرصوفة بالحجارة. الغرفة التي يقيم فيها هي جزء من شقة كبيرة بها عدد من الحجرات لم يتسن له معرفة كم هو، ولكنه قدره بخمس أو ست حجرات، وفقا للأفراد الذين التقى بهم عند المطبخ المشترك أو عند الحمام العام، وبعض الأصوات التي تأتي إليه من هنا وهنالك. ليس بينه وبين الآخرين سوى تحية مختصرة وهي عبارة عن إشارة باليد وردها بذات السرعة والطريقة، متحاشياً الدخول في أية حوارات قد تأتي بعد التحية. من بين الساكنين سيدة وربما لها أكثر  من طفل، تبدو من هيئتها ولغتها حيث سمعها تتحدث مع أحد أطفالها أنها  من فلسطين أو سورية، وهنالك أيضا رجلٌ رآه يجلس في الصالة الواسعة يدخن سيجارة، له ذقن كبيرة وشعر كث، ويبدو كفيلسوف مخبول، أو مجنون فر من مستشفى الأمراض النفسية والعصبية، حياه رافعا كفه اليمنى، رائحة دخان السيجارة مميزة جدا، دخان يعرفه، جيدا، مر أمامه في طريقه للحمام، أشار الرجل إليه بأن يأتي إليه، تردد قليلا ولكنه مضى نحوه، أشار إليه    بأن    يجلس قربه على كنبة طويلة بُنية مثل لون الرجل الضخم ذي الرأس الكبيرة المستديرة، ذقنه الكثة تخفي كثيرا من ملامحه، مد له سيجارة في صمت، أشار إليه  درويش بما يعني أنه  لا يدخن، أعادها الرجل إلى علبتها في بطء، أخذ  يرسل دخان سيجارته في الهواء بمتعة خاصة وهو ينظر بعيدا حيث لا مكان بعينه، يبدو عليه الشرود، قال أخيرا باللهجة المصرية سائلاً وهو يحملق في وجه درويش:
- من فين أنت يا بيه؟
كان سؤال الرجل مفاجئا تماما لدرويش، فارتبك، تذكر وصايا راشد له أن كل ما يقوله يقع في خانة الأسرار، كان الرجل قد توقف عن التدخين في انتظار الإجابة وهو يحملق في وجه درويش الذي بدأت عليه تقلصات الحيرة وهو لا يعرف بمَ يجيب الرجل، وأخذت تدور الأسئلة في رأسه، منَ يكون هذا الرجل؟، أهو مخبر أم يريد امتحانه، أهو مجنون أم إنسان عادي بسيط، ماذا سأقول له؟ وعندما طال انتظار الرجل ربما ظن أن درويش قد لا يعرف اللغة العربية، فألقى عليه السؤال بإنجليزية ركيكة، ولكن بقي درويش صامتا يحملق في بلادة في وجه الرجل، شارد الذهن تماما، تتصارع الأسئلة في دماغه، أضاف الرجل:
- أنت لا تستطيع الكلام؟
تنفس درويش الصُعداء، وتأكد له تماما أن الله قد قاده لمخرج، أشار برأسه إيجابا.
قال له الرجل:
- إذا  أنت أبكم، معليش ربنا يشفيك يا أخي.
أشار درويش برأسه علامة الإيجاب، ونهض لكي يذهب، إلا أن الرجل أمسك بيده وأجلسه قربه مرة أخرى، نظر إليه وهو يقول:
- ماذا ستفعل في أوروبا كيف تعيش هنالك وأنت أبكم؟
قام درويش بعمل عدة إشارات لا معنى لها ألحقها بإشارات أخرى  أكثر  إبهاما، ثم أشار إليه بما يعني أنه  يريد أن ينام الآن ولكن الرجل لاحقه بسؤال آخر.
- هل أنت مصري؟
ها هو يجد نفسه في ورطة أخرى، وهو سؤال لا تحتاج الإجابة إليه إلى  كلام، فلغة الإشارة تكفي، حنية صغيرة للرأس إلى الأمام تعني نعم، هز الرأس في اتجاهين مختلفين تعني لا، والأصابع أيضا تجيد قول لا وكلتا الإجابتين تعني إفشاء للسر، بعد صمت محير، قال الرجل مرة أخرى:
- احتمال كبير جدا سيرحلونك بالبحر إلى إيطاليا، وعليك أن تكون حريصا جدا، لأنك قد تغرق، هل تعرف كيف تسبح؟ ولكن هنالك أيضا أسماكا متوحشة شرهة وفي الشاطئ قد تجد الدورية الإيطالية في انتظاركم، وهي مثل كتيبة من أسماك القرش. ابتسم فأظهر أسنانا كبيرة بنية اللون، قال كمن يوجه سؤالا إلى نفسه: هل واجهت سمكة قرش؟.
 ربنا يكون في العون، أنا أفضل الطيران، لذا أنتظر جوازا وتأشيرة منذ شهرين وخمسة أيام، ثم نظر إلى ساعة معلقة في الحائط وأضاف، وساعتين. صمت قليلا ثم تثآب، وضع السيجارة في المطفأة وتركها تدخن في بطء وهي تنطفئ، قال: الانتظار ممل، ولا أحد يريد الحديث هنا، في أية موضوع كان، يعتبرون ذلك ثرثرة، نعم إنهم يتحدثون ولكن بتحفظ، لا يقولون لك شيئا ذا فائدة، وأنت رجل طيب ولكن للأسف لا تتكلم، قد تجد علاجا لحالتك في أوروبا، حاول أن تصل السويد بأية طريقة كانت، السويد يرحبون بالأفارقة، إنهم شعب عظيم إلا أن لغتهم لا فائدة منها تُرجى، ولكن ما يهم وأنت لا تتحدث أية  لغة، فالأمر واحد بالنسبة لك، أنا أريد أن أذهب للسويد، لدي أقارب هنالك، أنا أصلا إريتري، هربت من السجن في أغردات، عشت في مصر فترة وفي السودان، اسمي صلاح سعد، من مدينة كرن، زوجتي وبنتي مازالتا هنالك، كنت أعمل في الصحافة فاتهمت بالتجسس، كله كذب في كذب، ولكنهم ضربوني ضربا شديدا في رأسي، إلى أن اعترفت بأفعال كثيرة لا حصر لها لم أقم بها ولم أسمعها بل لم تخطر على بالي مطلقا، ثم ضربوني مرة أخرى  لأنني لم أجد مبررا مقنعا لقيامي بها وأعتقد بعضهم أن بعضها ليست سوى كذبات. تحت شعر رأسي الآن أخاديد من الجروح القديمة، هل ترى هل ترى؟ وقام بإزاحة شعر رأسه  الكثيف بأنامله لتظهر آثار الجروح عميقة، حدث هذا قبل عامين ولكني ما زلت أراهم كل ليلة يضربونني، لولا البنقو لما استطعت الحياة، هل تحب البنقو؟ هنا يوجد بنقو، بأسعار معقولة جداً، أنا بدخن نوعا خفيفا، خفيفا جداً، أطلب لك علبة؟ عندما لم يجبه درويش أو أنه  لم ينتظر إجابة   من درويش فواصل في الكلام. أحيانا أصاب بدوخة، ولكني الآن في صحة جيدة، صمت قليلا ثم قال فجأة: هل رأيت المرأة، لا....لا، ليست المرأة أم الأطفال، لا لا، أم الأطفال إنسانة راقية وفاضلة، لو كنت أمينا عاما للأمم المتحدة لأعطيتها الخيار في أن تختار جنسية البلد التي ترغب فيها، حرام أن تُولد مثل هذه المرأة في العالم المتخلف الذي لا يعرف قيمة الإنسان، فأنا أقصد الأخرى، إنها  فتاة جميلة جاءت إلى هنا قبل أسبوع، إنها منحلة أخلاقياً، لقد حاولتُ ممارسة الجنس معها مرتين ولكنها رفضتني من دون مقابل، وأنا ما عندي نقود، كل النقود مع الوسيط، حاولتها مرتين أو ثلاث مرات لا أذكر ثم تناسيت أمرها. أنا شخص غير مِلْحَاحْ، هل معك نقود؟، أقصد بعض النقود، إذا  كانت لديك نقود فإنها لا تمانع أن تبيت معك الليلة، يمكنني أن أخبرها لك طالما كنت لا تتكلم، سأقدم لك مساعدة في هذا الشأن، فنحن رجال ونعرف حاجات بعض، النساء يا صديقي فاكهة الليل، هل أذهب لأطلب منها أن تأتي؟ أنا لا آخذ مقابل ذلك شيئاً، إنها  خدمة لصديق، مجرد خدمة لا أكثر، فإذا كان معك عشرة دولارات فهي تكفينا نحن الاثنين، هي لا تمانع في ذلك. نهض درويش من قربه، حاول الرجل الإمساك به ولكنه أفلت من قبضة كف الرجل القوية ومضى نحو حجرته، أغلقها خلفه جيدا، وحاول أن ينام. كانت الساعة التي بالحجرة تشير إلى الثامنة مساء، ويبدو أن الجميع مستيقظون، كانت تأتيه الأصوات من عمق سحيق بالمكان، صوت المرأة ذات الأطفال، بكاء طفل بين فينة وأخرى، صلاح سعد يتحدث مع شخص ما، أو أشخاص ما. أخرج كتاباً في الصيدلة وأخذ يقلب الصفحات بصورة اعتباطية. وحينما سمع طرقات على باب حجرته نهض مذعوراً، ولكنه لم يفتح الباب بل وقف خلفه يتحسس ما بالجهة الأخرى، ثم طُرِقَ البابُ مرة أخرى، كانت النقرات خفيفة جداً، مما جعله يستبعد أن الطارق هم رجالُ الشرطَة، كما أنه  استبعد أيضا أن يكون الطارق ذلك الملتحي المجنون، لأن مثل تلك الشخصية لا يمكن أن تطرق الباب بهكذا هدوء، ومر بخاطره أن تكون هي الصبية التي تحدث عنها الملتحي، نعم قد تكون هي، هل أقنعها، هل أرسلها إليّ: إذا  طَرَقت الباب مرة أخرى سأفتح لها. سمع لجب أقدام تمضي بعيداً، أقدام ثقيلة، انتظر لدقائق أخرى، أطفأ النور، رقد على سريره، وضع الغطاء الثقيل على جسده كله، ترك وجهه مكشوفاً ونام. حلم (بقضاة أرسطو)، هكذا أطلق عليهم في الحلم. هم شيوخ يونانيون يلبسون ملابس حمراء اللون، يركبون بغالا كبيرة لونها أسود، يحملون نبالا وأسهما على أكتافهم، وهم يقودونه عبر حبل طويل جدا، للدرجة التي لا يستطيع معها أن يرى آخر فرد منهم بصورة جيدة. ثم توقفوا به عند العراء، منطقة شبه صحراوية، بها أعشاب وأشجار عملاقة ولكنها جافة، وترك عليها غربان سوداء وبيضاء. حلوا أنشوطة الحبل من ساعديه. خلعوا ملابسه وألبسوه حُلة حمراء كالتي تُلبَس للسجناء المحكومين بالإعدام. قال له كبيرهم ذو الذقن الكثة والشعر الطويل، الرجل الذي يشبه ذلك الشخص الإريتري، بل لحد ما هو ذاته، قال له: أنت      الآن تمثل أمام محكمة شعب اليونان، فأنتم أيها المهاجرون السفلة تعوقون تنمية بلادنا وتسرقون ثرواتنا وتوسخون أرضنا، لذا سنحكم عليك بالإعدام، ولكن رأت المحكمة الموقرة أن تعطيك فرصة للنجاة. طلبوا منه أن يهرب للجهة التي يريدها، وأنهم سوف لا يبحثون عنه إلا بعد نصف الساعة بالتمام، فإذا لحقوا به فإنهم سوف يصلبونه في إحدى الشجرات اليابسات، ويتركونه وجبة شهية للغربان، وإذا لم يجدونه في خلالها، فإنه حر طليق. وانطلق يجري، ولكن فجأة توقفت رجلاه عن الحركة، وأصبح في حالة شلل تام، كانت أذناه تلتقطان دقات الساعة التي تمضي متسارعة، وتتحرك في مشهد سينمائي رقاصاتها عكس الدوران الطبيعي لها نحو نهاية كُتِبَ عليها: ثلاثون دقيقة. وخلفه ليس ببعيد عن ظهره يجلس أعضاء المحكمة على الأرض، يحتسون العرق ويطلقون الضحكات: كانوا عراة تماما، كما ولدتهم أمهاتهم.
استيقظ مبكرا كعادته، عند الخامسة والنصف صباحا، تسلل إلى الحمام، كان قلقا، ليست لديه أية رغبة في أن يقابل أى مخلوق كان، خصوصاً صلاح سعد، ولكن كان الرجلُ موجودا على الكنبة يدخن سيجارة بهدوء في ذات الوضع الذي تركه عليه بالأمس، وكأنه لم يذهب للنوم أو أنه  يسكن في المكان بل جزء من أثاثاته القليلة، ألقى عليه التحية بحركة من يده، وقبل أن يتبين رد الرجل حشر نفسه في غرفة الحمام، خلع جل ملابسه بسرعة، أحس بأن دقات قلبه تتلاحق، وأنه خائف، خائف من كل شيء، لماذا يخاف، ما هو أسوأ ما سيحدث له: الموت؟ هو سيموت في يوم ما مثله مثل كل المخلوقات، حتى القتلة العتاة سيموتون، مات هولاكو، مات جنكيزخان، مات هتلر، مات نيرون، مات فرانكو، مات الحجاج بن يوسف، وغيرهم ممن لم تعنه الذاكرة على استحضارهم الآن، مر بخاطره شطر بيت شعر لا يدري لمن هو، حفظه منذ أيام الدراسة:
 "إذا لم يكن من الموت بدٌ فمن العار أن تموت جبانا".
ما الذي أتى بذكرى الموت الآن، من هو ذلك الجبان؟ كان مرتبكا جدا، ويبدو أن آثار حلم الليلة السابقة مازالت تحركه من اللاوعي. عليه أن يفعل شيئا من أجل نفسه. من أجل إنسانيته المهدرة. فتح الدش بأقصى طاقة، فتح فمه واسعا، جذب أكبر قدر من الهواء، ملأ به رئتيه جيدا، ثم لم يتردد لحظة واحدة، ولم يفكر أيضا: غنى، نعم غنى بأعلى صوت وهبه إياه الخالق وباركته الملائكة في تلك اللحظة، أول أغنية خطرت بباله:
"No women
No cry
Do you remember
 when we use to sit
In the government yard.
of Trench town?"
إلى أن سمع طرقات عنيفة في باب الحمام، فخرج عارياً، ليجد صلاح سعد والمرأة وطفليها، سيدة أخرى سمراء سمينة، شخصين آخرين غريبين في ملابس النوم، كانوا مندهشين ينظرون في استغراب إلى الرجل الأبكم الذي يغني الآن. ابتسم، ابتسامة واسعة تكفي الجميع، أغلق الباب، أكمل حمامه في صمت، خرج، مضى نحو حجرته. صلى صلاة الصُبح في قِبْلَةٍ اختارها عشوائياً، جمع أشياءه، أصلح السرير، حملق في ساعة الغرفة، كانت السادسة إلا دقيقة واحدة، خرج ينتظر راشد أو من يسأله: هل لديك حبوب منوم وحبوب لقاح.

2014/07/16

تحميل ثلاثية البلاد الكبيرة - الطواحين

الطواحين
http://downloads.hindawi.org/books/81840925.pdf



هل بإمكاننا أن نأمل في مُتنفَّسٍ للحرية في محيطٍ يملؤه الاستبداد والقهر؟ هل يُمكن التأسيس لجمالٍ خاصٍ وسط القبح؟ وهل يُمكن للعلاقات أن تحفظ نقاءها دون أن تُدنَّس بوقاحة الواقع؟ أسئلة تُطرح بشكل يوميٍّ في دوائر مُصمتة، تدور فيها الحكايات دون أن تصل لأكثر من دوائر جديدة لتساؤلات أكثر. «الطواحين» هي كتابةٌ عن دوائر الناس، يقف «عبد العزيز بركة ساكن» في مركز إحداها ليروي لنا حكاية نضالٍ ضدَّ السلطة المستبدة، على لسان امرأة تسكن عالمًا أصرَّ على أن يضعها في قالب أصغر من أحلامها، حكاية القدِّيسة «سهير حسَّان» و«المختار» الذي كان مُتنفَّسها للحكي، ومعهما جوقة من المتمردين على قواعد بالية لحياة سابقة التجهيز. عالمٌ غنيٌّ جديرٌ بالتناول، صاغه الكاتب ببراعةٍ في الجزء الأول من «ثلاثية البلاد الكبيرة» و«العاشق البدوي».
رابط تحميل الرواية
http://downloads.hindawi.org/books/81840925.pdf

تحميل ثلاثية البلاد الكبيرة - رماد الماء

رماد الماء
http://downloads.hindawi.org/books/26020959.pdf



نتساءل: كيف الفرار إن سُلِّمت آلة الحرب الطاحنة إلى غاضب أعمى؟ يغدو الهدم حينها أقلَّ الكوارث وطأة، فالقتل المجاني يطلُّ بشبحه على الجميع. «الحرب الأهلية» مصطلحٌ يمرُّ كمعلومة عابرة وسط الحكي، دون أن يعي قائله مدى بشاعة التقاتل بين أبناء أرض واحدة، كان لهم ذات يومٍ حلم مشترك وأمل واحد في الحياة في محيطٍ آمنٍ لا أكثر. «السلم هو جثة الحرب»؛ هكذا يفتتح الكاتب هذا الجزء من «ثلاثية البلاد الكبيرة والعاشق البدوي»، الذي يتركنا فيه لنعايش ما كان من ويلات وفظائع التقاتل الأهلي بأحراش «جنوب السودان» وقراه ومدنه قبل انفصاله، تأخذنا المشهديَّة المتقنة لنشاهد ما حدث رأي العين، نُحمَّل بالحقائق صادمةً عارية، ولا ننخدع بالسلام الذي كان ثمنه «الموت البارد».
رابط تحميل الرواية
http://downloads.hindawi.org/books/26020959.pdf

تحميل ثلاثبة البلاد الكبيرة - زوج امرأة الرصاص وابنته الجميلة

زوج امرأة الرصاص وابنته الجميلة







في «زوج امرأة الرصاص وابنته الجميلة» يستمر «بركة ساكن» في سبره لأغوار تلك القصمة التي شقت نسيج الوطن نصفين؛ يأخذنا بسحر سرده إلى أسرار الحرب المختبئة في غرف البيوت ونفوس ساكنيها، يطرح التساؤلات التي تكاد تقفز من الوجوه صارخة: حرب مَن ضد مَن؟ وما الهدف؟ كيف تخلطون الحرب بالجهاد؟ ولماذا يموت الناس؟ فداء الوطن، أم الإسلام، أم العدم؟ … لا إجابة، ولا وضوح سوى لصوت أحكامٍ عرفيةٍ تُنصَّب سيدةً على الجميع، حتى على سيف العشق الذي لم يسلم منها، فلا الجنوبية تحلُّ للشمالي، ولا العرب يحلون لﻟ «دينكا». بين ابتسامة «مليكة شول»، حكمة «جعفر»، غموض «محمد الناصر أحمد»، ومصير «ملوال»، تجتمع خيوط سردٍ متقنٍ لرحلةٍ عبر الحب والحرب،
رابط تحميل الرواية

2014/07/12

تحميل رواية العاشق البدوي

http://downloads.hindawi.org/books/57071363.pdf



العاشق البدوي

عبد العزيز بركة ساكن
ويتركنا في حنين إلى البشرة السمراء والأعين الغائرة.
«الإنسان هو مشروع فاشل لمخلوق أسمى»، بهذه العبارة الصادمة يبدأ الروائيُّ السودانيُّ «بركة ساكن» روايته «العاشق البدوي»، إحدى أجزاء سلسلة «ثلاثية البلاد الكبيرة والعاشق البدوي»، متنقِّلًا بين أكثر من راوٍ، منهم «سارة حسن» التي سردت مُعانَاتها في سجون النظام وما لاقته هي وغيرها من سجينات الرأي — الذي لم يكن يعجب السادة المرفهين في الحكومة — من تعذيب وقهر في الأقبية المظلمة، على يد ذلك الضابط الوسيم مدَّعِي الإيمان، حيث سَامَ هو ورفاقه تلك الأجساد الحزينة سوء العذاب، غير مهتمين بكونهن شيوعيات أم جمهوريات، فليس هناك أحد في مأمن من بطش النظام، حتى هؤلاء الذين ينتمون للحزب الحاكم، فالحقيقة الوحيدة هي القهر. والرواية التي بين يديك تُعَدُّ جزءًا مما يمكن اعتباره مشروعًا ثقافيًّا مستمرًّا للمؤلف الذي يؤكِّد دائمًا أنه يستهدف بكتاباته تجسيد واقع المهمَّشِين والضعفاء، ضحايا الظلم ووقود السلطة الباطشة.
رابط تحميل الرواية

تحميل رواية مسيح دارفور

http://downloads.hindawi.org/books/19028174.pdf




ليس هناك طرف منتصِر في تلك المعارك العبثيَّة التي يحشِد فيها السادة خيرة الشباب تحت شعارات مبتَذَلة ينطفئ رَوْنَقُها لحظة إطلاق النار في الميدان، ويصبِح وقتها الموت هو الحقيقة الوحيدة، وكعادة الحروب فإنها تستدعي أسوأ ما في الإنسان من كراهية وعنصرية حتى بين أبناء نفس البَشَرَة السمراء؛ فبينهم السادة والعبيد المناكيد، ووسط كل هذا الضجيج يخرج صوتٌ من دارفور يعلن أنه «مسيحٌ جديد» يأتي بالمعجزات، تسمِّيه الحكومة «النبي الكاذب» و«المسيح الدجال»، وترسل في طلب صلبه أحد زبانيتها، حيث تتوالى أحداث حابسة للأنفاس لا تَغِيب عنها مفردات التراث الشعبي السوداني الفريد.
رابط تحميل الرواية
http://downloads.hindawi.org/books/19028174.pdf

تحميل رواية الجنقو مسامير الارض


http://downloads.hindawi.org/books/86496931.pdf






الجنقو مسامير الأرض


عبد العزيز بركة ساكن


تحدث هذه الرواية عن الإنسان، بفقره وضعفه وآلامه، بأخطائه وخطاياه، تتحدث عن العمال الموسميين «الجَنْقُو» الذين تركوا قراهم الفقيرة بحثًا عن لقمة العيش وأملًا في العودة بثروة صغيرة تغير حياتهم، وفي سبيل ذلك يقبلون أن تطحنهم تروس الحياة الخشنة مرات ومرات، في مزارع السكر وحقول السمسم والمصانع ذات الآلات الرثَّة، فتتغير أعمالهم وأسماؤهم خلال شهور السنة؛ فهم «الجنقو» و«الفَحامين» و«كَاتَاكو» دون أن يغيب عنهم الشقاء لحظة، فلا يجدون مهربًا إلا  «الحلة» حيث تُغرَق الآمال والهموم في أقداح الخمور الرخيصة وأدخنة الحشيش السيئ التي يتشاركونها في الليالي الطويلة مع نساء بائسات يعرضن أجسادهن لقاء قروش قليلة، وبدلًا من أن يعود «الجنقو» مرة أخرى لأهليهم بعد شهور العمل الشاق يقررون أن يبقوا في الحلة، فمالهم تبدَّد وكذلك شطر كبير من العمر.
رابط تحميل الرواية

http://downloads.hindawi.org/books/86496931.pdf




2014/07/11

تحميل رواية مخيلة الخندريس -(ذاكرة الخندريس*)

http://downloads.hindawi.org/books/68592796.pdf








مخيلة الخندريس: ومن الذي يخاف عثمان بشري؟



تظل القضية الأساسية لدي الأديب السوداني «بركة ساكن»؛ هي قضية المهمشين الذين لم يختاروا قط ظروفهم السيئة، بل كأنها هي التي بحثت عنهم وفرضت عليهم القهر فرضًا. يحدثنا في هذه الرواية عن شريحة كبيرة من هؤلاء الذين طالما لفظهم المجتمع كأنهم وباء؛ إنهم أطفال الشوارع المشردين في مدن السودان بلا أيِّ تطلُّعٍ إلا إلى مواصلة الحياة ليومٍ آخر، على الرغم من أن حياتهم ليس بها ما يُغري بالعيش؛ فالطعام شحيح والملابس لا تكاد تستر عُريانًا وليست لأجسادهم حرمة، فالقهر هو اسم اللعبة وإن اختلف شكله ما بين اغتصاب وتعذيب وقتل؛ لذلك يلجئون للخمور الرخيصة لتحلق بهم في عوالم بعيدة، بالإضافة للكثير من القصص المؤسية نكتشفها معًا خلال صفحات الرواية التي وقع عليها الاختيار سنة ٢٠١٣م لتُدرَّس لطلبة وطالبات المعهد العالي الفني بمدينة «سالفدن» النمساوية، وذلك بعد ترجمتها إلى الألمانية.

2014/03/14

قراءة لرواية مسيح دارفور: د.عمرو عباس



القارىء:  لست ناقداً ادبياً. اذن اقترابي من اية رواية هو اقتراب قارىء، انفعالاتي، مشاعري تجاهها و ماذا تتركه الرواية من اثر. بدأت قراءة الروايات منذ عقود، من قصص كامل كيلاني، ارسين لوبين، روكامبول، مجلات الصبيان، سمير وميكي وغيرها.
اتجهت بعدها لروايات إحسان عبد القدوس، يوسف ادريس، فؤاد احمد عبد العظيم، نجيب محفوظ وغيرهم. اقتربت من الكتاب الاوربيين الكلاسيكيين من مثل شارلز ديكنز، اوسكار وايلد، فكتور هوجو  وغيرهم مع سلسلة لونقمانز، وكانت سلسلة مختصرة لروايات طويلة باللغة الانجليزية في المدارس الوسطى والثانوية. مع دخولي عالم السياسة بدأت التعرف على ادب الكتاب الروس من تولستوي، تشيخوف وحتى جوركي وغيرهم.
المرحلة الاخرى في عالم الرواية (بعد ان كانت قصة طويلة لها بداية، شخصيات، احداث ونهاية) جاءت مع رواية اولاد حارتنا لنجيب محفوظ، ثم الطيب صالح فى موسم الهجرة إلى الشمال وضو البيت لتجرنا إلى عالم مختلف من الكتابة. رافقها تعرفنا على روايات امريكيا اللاتينية، وكان مدخلنا اليها: مائة عام من العزلة لجارسيا ماركيز. كل هذة الروايات اتخذت خلفية ما "حارتنا في اولاد حارتنا، قرية الشمالية في موسم الهجرة إلى الشمال وماكوندو مائة عام من العزلة".
كل هذة الروايات اتخذت خلفية وبنت عليها احداث الرواية، ولانهم لديهم مواقف وانحيازات يودون الحديث عنها فقد اتخذوا "الخيال هو في تهيئة الواقع ليصبحَ فناً"، كما عبر ماركيز. لم يكن من مفر سوى أن يبني الروائيين العظام عالماً خيالياً وغرائبياً ليعبروا عن الواقع، لانهم اذا تناولوها في قصة فسوف تصبح منشوراً سياسياً او في افضل الحالات قصة كلاسيكية تمتاز بعمق الشخصيات. الخيال لدي هؤلاء جميعاً يلعب دوراً في اخفاء ما يودون الحديث عنة من حديث مباشر إلى تفكيك للعناصر المختلفة فى هذا الكائن الخفي. كانت مدينة أو قرية " ماكوندو" قلب ومركز أغلب أحداث مائة عام من العزلة، غطّاء للحرب الأهلية بين اللبراليين والمحافظين وتطور قرية ماكوندو التدريجي من مجرد قرية صغيرة بائسة إلى مدينة شهدت أولى معالم النمو الرأسمالي، نشوء طبقة عمالية وبداية إضرابات العمال والقتل الجماعي.
في العشرين سنة الماضية رغم شرائي لكثير منها، فقد تحدد تعاملي معها وهي ان الرواية الجيدة التي تستحق القراءة، التي اقرأها في جلسة واحدة او متتابعة في عدة جلسات، وربما فاتتني روايات عديدة من توجهي هذا. لفتتني ابنتي إلى عبد العزيز بركة عندما تم منع عدة روايات للكاتب اثناء عرضها في معرض الخرطوم للكتاب عام 2012. وجدت رواية "الجنقو مسامير الأرض" وقرأتها وكنت اعدها من ضمن افضل الروايات التي قرأتها. اتيحت لي قراءة العديد من روايات عبد العزيز اثناء اشتراكي في معرض الشارقة للكتاب وكان انطباعي العام أننا امام روائي مجيد من العيار الثقيل. ربما ما جذبني اكثر في رواية عبد العزيز، غير اللغة، الحبكة الدرامية، العوالم الغرائبية التي يصفها بدقة وعمق شديدين، البحث المضني الذي يقوم به لكتابة رواية. ولانني اقرأ الرواية من منطلق تكويني العلمي فانني من الذين يبحثون في اي رواية عن دقة المعلومات والوصف الواقعي للمكان، اذا كان هناك مكان.
لقد كانت لي نفس التجربة عندما عملت طبيباً عمومياً في مليط بدارفور (سبتمبر 1985- مارس 1986) وبدأت في كتابة رواية "السندلوبة" والتي استغرقت مني حوالي العشرة اعوام  ( لقد اضطررت لقراءة اغلب ما كتب عن دارفور انذاك (من ناختيقال، التونسى، سنادة، لادسلاف هولى، اوفاهي وغيرها من المصادر التي توفرت لي آنذاك). غير هذا فقد انثنيت في اقامتي الثانية (1989-1990)، مديراً للخدمات الصحية بالفاشر للقيام بزيارات لمعظم الاقليم، الحديث مع سكان اغلب المناطق ودراسة معمقة للوضع السياسي الاقتصادي والإجتماعي.
الروائي
التقيت بعبد العزيز، لاول مرة، في معرض الكتاب بالقاهرة فبراير 2014، ضمن مجموعة من الشابات والشباب من المبدعين (رشا عوض، صالح عمار، فايز السليك، رانيا مامون وغيرهم). دار حوار في الجلسة وفي اتصالات تليفونية لاحقة وقد كان من نتائجها أن هداني لرواية مسيح دارفور، والذي اعتبرها اكثر تطوراً من الجنقو. وهكذا كان، فبعد أن تجاهلتها لعدة ايام اقبلت عليها ولم اتركها إلا بعد أن انهيت قراءتها في حوالي نصف ليلة.
من خلال محاثاتي مع الروائي علمت انة كتب الرواية بعد ان عمل في دارفور لفترة. أنا مآخوذ بشكل ما بدارفور منذ اقامتي بها وزياراتي لها فى عام 2012، اثناء عملي لتحضير وثيقة سياسات واستراتيجيات اعادة اعمار دارفور وهذة حكاية اخرى. ولهذا فقد استغرقني عالمها الذي نسجة عبد العزيز ببراعة فائقة. وكان اكثر ما جذبني – وانا الخبير بتأريخ، جغرافية، سكان وتشابكات علاقاتها- أنني وجدتني وجهاً لوجة امام روائي امتلك ناصية هذة المنطقة بكل تعقيداتها.
واجه الروائي مآزقاً اخر في مسيح دارفور. مأزق واجهتة الكتابة الروائية عندما ارادت الخروج من الكلاسيكية التي كانت تتحدث عن عوالم ارستقراطية، طبقات وسطي، او حتى عندما كتب جوركي عن الطبقة العاملة او الأوكراني الشهير نيكولاي أوستروفسكي كيف سقينا الفولاذ. روايات تعطينا عالماً من الخير و الشر والصراع بينهما، حيث هناك ضحايا وظالمين. هذا المأزق هو الذي اعطانا الكتاب العظام ما بعد السبعينات. عبد العزيز ينتمي بشكل إلى عالم الوسط وثقافتة وفي نفس الوقت ينتمي لهامش هذه الثقافة وتربي جزئياً فيها. وهو لديه موقف فكري وسياسي حول القضايا التي تؤرق مثقفي الوطن، بل يعبر عنها في حياتة ودخل السجون دفاعاً عن مبادئه.
هذه هي الخلفية التي انطلق منها روائياً. عندما كتب الروائي الجنقو مسامير الأرض، استوقف القراء بنقلهم إلى عالم لا يعرف عنه مثقفي الوسط شيئاً كثيراً. عبر عن هذا الاستاذ طلحة جبريل " نقلتني الرواية إلى بيئة لا أعرف عنها شيئاً، وإلى مشاهد وصور، كتبت بعناية شديد، في بناء روائي متماسك". من جانب آخر " تعرضت معظم مؤلفاته للمصادرة حتى لقب في الأوساط الفنية بالزبون الدائم للرقيب". برر المجلس الاتحادي للمصنفات الفنية والأدبية في الخرطومقرارات الحظر لما تحتويه مؤلفاته من "مشاهد جنسية خادشة للحياء العام". وعبر هو عن الرواية "هي ليست رواية سيرة ذاتية، ولكني اتخذت وسيلة سردية تجعل الرواية كما لو أنها رواية سيرة ذاتية... هنا استعير آليات كتابة السيرة الذاتية لكتابة العمل الروائي التخيلي، وفي ذات الإطار يفسر استخدام الحوار الذي هو أصلا أداة مسرح والتصوير من السينما والفن التشكيلي وهكذا".
أن تكتب عن عالم مجهول لمثقفي الوطن شيء، وان تتناول قضية معروفة وتتناولها اجهزة الاعلام المختلفة المحلية والعالمية، شيء اخر. فمهما امتشق الروائي سيفه وشق بطن العوالم المختلفة في دارفور، فهي قد سبر كتاب آخرون غورها، تناولها الانثربولوجيون مراراً وحكاها المراسلون الصحفيون تكراراً. بجانب أن من يريد الحديث عن دارفور لابد ان ينطلق من موقف ايديولوجي ولا يمكنه الهروب من ذلك مهما كان حاذقاً. كان امام الروائي ان يستعمل كافة تكنيكاتة ويتوغل بنا في عوالم لم نطأها من قبل، متحاشياً المباشرة وان تتحول الرواية إلى قصة طويلة، او أن يجرب طرق اخرى مجازفاً ان تفلت منة قسمات ما يود ايصالة للقراء.         
الرواية
عندما انتهيت من قراءة الرواية، حوالي 214 صفحة، كتبت مابين عامى 2008-2012 وتجىء في 15 فصلاً غير الاهداء، كانت الكلمة المفتاحية التي لصقت في ذهنى، الموكب. بنى الروائي روايته، التي تتناول منطقة دارفور في السودان، والتي يمكن ان تكون في اي مكان آخر وقد وجد ما يجعل من روايةٍ عظيمةً. تجاوز ساكن محنة الخروج برواية فائقة الروعة، باختيار منطقة عرفها جيداً، اذ عمل في دارفور لفترة كافية، قرأ عنها ما كتبة الاخرون، سبر غور اناسها، دخل عوالمهم المغلقة بخبراته كما فعل في الجنقو، اختار شخصيات معقدة تلخص شخوص وفئات باكملها في الوطن، توغل داخلهم وفكك مشاعرها وتلمس كافة احاسيسها الرهيفة والعنيفة، الانسانية والحيوانية وغاص فيها عميقاً.
كل هذا لم يكن يخلق الرواية العظيمة، في أحسن حالاتها كانت لتكون رواية محسنة من الجنقو، تعطي المهتمين بدارفور حكاوي جديدة عن المآساة المرعبة التي تعيشها في صراع الحيوات. لو اعتمد عبد العزيز علي قدرتة على ايصال العوالم الغريبة لمثقفي الوسط، اختيار الشخصيات المعبرة عن الهامش وبنائها الدرامي او حتى اذا استورد كل التعابير الغريبة كانت ستظل رواية قصة طويلة. واجه الروائي ما واجهه الكتاب العظام عن كيف تتحول رواية تتحدث عن العادي الذي تتناولة الانباء، التقارير، شهادات السكان، نتائج التحقيق وغيرها إلى عمل أدبي يتجاوز المكان، الاحداث، الشخوص ليصبح عملاً ملحمياً، سوف يكون مشهداً يمكن ان تراه في كافة ارجاء الوطن، بل في اي مكان تدور فية احداث مماثلة.
عندما تصدى الروائي للاجابة علي الخروج من الرواية القصة إلى الرواية، لجأ لما استنة الروائيون العظام "الخيال هو في تهيئة الواقع ليصبحَ فناً". الخيال هنا ليس خيال الاحداث او الشخوص، لكن مزيج من التراث الشعبي، الاسطورة، البنى الغريبة وتعبيرها عن عالم غير واقعي تماماً. الروائي، كاتب عرف بمواقفة الواضحة تجاة قضايا وطنة، لدية رؤية وتعاطف شديد مع شخصيات بعينها، مواقف بعينها، الطبيعة، المحيط الجغرافي في الرواية، لكن كان عليه ان يقنع القارىء انه يبني شخصيات ومواقف ولا يستعملها لتعبر عنه ومجرد معابر ليبثنا افكاره، مهما كانت نبيلة، او يستلبنا في مواقعه لأننا نتعاطف معها. لو كان قد فعل لكنت ازحت الرواية جانباً وتركتها.
المسرح الكبير الذي اختاره عبد العزيز كخلفية عامة، دارفور، ثم اختار المكان: ضلاية وخربتي وهما في ظني انعكاسان لمكان واحد، والشخوص: الحكومة (مجندي الخدمة الوطنية الإلزامية، الجنود النظاميين،  المجاهدين وحرس الحدود وهو الاسم الرسمي للجنجويد)، السكان من عرب وزرقة ومسيح دارفور أو إبن الإنسان. في داخل الشخوص تفصيلات عديدة سوف نتناولها لاحقاً. عندما اراد الروائي تحويل الرواية من قصة او حكاية إلى عمل روائي عميق وانساني، جاء إلى المشهد بتراث حضاري وثقافي يضرب في جذور السودان الغربي من دارفور إلى المحيط الاطلسي، النبي عيسى (ابوه من الزرقة وامه من العرب). لم يأت بابوجميزة او غيره لكن آتي بالتراث الاسطوري الصوفي الذي نسجتة الحكايات والروايات المتنقلة عبر العصور. فمريم الحبيبة هي نتاج انصهار هجرة اندلسية قديمة تصاهرت مع التنجور والفور، التي تستدعي قصة احمد المعقور من بني هلال. هذا العنصر هو الذي نقل الرواية من الحكاوي العادية التي ينسجها كاتب بارع إلى رواية متماسكة جعلتني امسك قلمي واكتب عنها.
الروائي في بناء الاحداث كان حذراً ان يجهر بأي رأي في شخوصه، لذلك لجأ لرواية الحدث من وجهات نظر عدة، بدون تدخل منه بقدر الامكان، رغم ذلك فقد فلتت منه أحياناً بعض هواجسه، مواقفه واختياراتة.   اختيار بعض الاماكن جاء موحياً مثل قرية ضُلاية "التي هاجمها الجيش الحكومي والجنجويد فأبيدت واستبيحت نساؤها وبناتها.. يسمونهم جهراً وفي أوجههم أمبايات، وهي بعربي دولة النيجر موطنهم تعني العبيد". من ضلاية جاء جزء من شخوص الرواية، شارون وعبد الرحمن وغيرهم.  ضلاية كانت معادلاً موضوعيا لدارفور "أن أول أهداف ثورته هي تحرير مواطني قرية ضُلاية، ثم يضيف في يأس، لا يمكن أن تُحرر ضُلاية ما لم تُحرر دارفور كُلها". القرية الاخرى هي خربتي (في الأصل كانت كلمتين: خور وبتي، أي خور بتي، وبتي ليست هي ابنتي كما بدراجة كثير من أهل السودان، ولكنه اسم فقيه، أول من أقام بهذا المكان. وهو الشيخ آدم كُويا فكي بتي هارون). وقد كانت خربتي مدخلاً للروائي ليرمي باطروحتة الاساسية ان دارفور هي مكان التعايش بين كافة العرقيات "لكي يثبت شيخ بني حسن حُسن النية ، كانت في صحبته ابنته الصغرى وعشر أخريات من بنيات العُمد والشيوخ وطلب تزويجهم في الحال لأعيان خربتي، وبالمقابل قام أهالي خربتي بتعيين اثنيي عشرة فتاة من بناتهم وتزويجهن لأعيان بني حسن، تم ذلك في احتفالية ضخمة استمرت أسبوعاً كاملاً، رقص فيها الجميع على إيقاعات طبول بني حسن ونقارة الفور معاً".
عندما يتناول عبد العزيز الشخصيات لا يحاول مطلقاً اصدار احكامه، لكن يستخرج الاحكام من الاطراف المختلفة على بعضها. وهم في النهاية جميعها ضحايا بشكل او اخر، عدا المسئول الحكومي للسلطة المركزية والذي غرضه واضح بشكل ما للاطراف "الحرب بالنسبة للحكومة والجنجويد قد أدت غرضها بنسبة 90% وهو المتمثل في تهجير قبائل الدارفوريين إلى ثلاث جهات: المعسكرات إلى تخوم المدن الكبرى، مثل نيالا، الفاشر والجنينة وقد تبني لهم قرى نموذجية بتمويل عربي إسلامي يجبرون على الإقامة بها، وإما إلى دولة تشاد كلاجئين، أو للآخرة كموتى، وما تبقى من ال10% إما كرق في القرى التي يسيطر عليها الجنجويد، أو ينتظرون دورهم في الموت والتهجير لتحل محلهم المجموعات البشرية القادمة من النيجر وجمهورية تشاد تحت مسمياتٍ قبليةٍ كثيرةٍ".
اذا كان الروائي قد حشد الرواية بممثلي الهامش "عبد الرحمن، خريفية، مريم، شيكيري توتو كوة، شارون وغيرهم"، فقد مثل الوسط بأيديولوجيا نراها تبرز احياناً ولها ممثلين من الجيش، الشرطة، تجار نيالا وكلهم بدون اسماء محددة، او حتى ادوار محددة. هذا مهم لأن المهم ما تفعله الايديولوجيا وليس من يفعله، فهي في النهاية نظام كامل.
ايضاً مثل الوسط بصوت محدد له قسمات محددة، وبناه في الرواية جزءاً أصيلاً منها. ابراهيم خضر ابراهيم، هو المثقف السوداني، الذي يجبر على خدمة أيديولوجيا لا يؤمن بها، يحارب في جبهات لايعتقد انه على علاقة بها. وهو غير مأمون الجانب من النظام الذي يخدمه ويُطَلَبَ من شيكيري أن يتحرى عنه، فهو شخص حاقد على الآخرين والمجتمع، لذا يتبنى الأفكار الهدامة، مثل الشيوعية والجمهورية وغيرها.             أيضاً المقاتلين لا يطمئنون له، فبينما يقبلون شيكيري في صفوفهم مقاتلاً يختار هو أن يكون أسيراً. بنى الروائي تطور شخصية ابراهيم خضر كمثال للمثقف السوداني بكل خصائصة، ايجابياتة ونقائصه، وتوغل داخله للحفر عميقاً حتى نراه منكشفاً تماماً. لذلك لم يهتم الروائي بمتابعتة بدقة في احداث الرواية، ولكن تفرس بشدة في تكوينه العرقي والاجتماعي وجعله رمزاً لسنوات قضية دارفور آنذاك (عشر سنوات).
تناول الروائي تأريخ ابراهيم خضر الاُسَرِي بشكل تفصيلي، وجعل بعض تناوله يتم عن طريق شيكيري، فهو كمعظم السودانيين خليط من قبائل سودانية وعربية، وأن جعل هذه الواقعة التأريخية اكثر قرباً، ليجعلنا اكثر تاثراً بالحدث "جدته المباشرة لها اسيادها الذين لولا الانجليز لكانوا لا يزالون تحت القيد، وأن جد إبراهيم هو ابن السيد، ليس يعني هذا أنه ابن غير شرعي، لأن أمه ما ملكت أيمان سيدها، وهذا حلال في الشريعة ولم يختلف عليه فقيهان". ولكن ابراهيم ايضاً مثقل برغبة اسرته في الانتساب للجد اكثر من الجدة "وأن أهلهم في الزمان القديم كان لهم خدم وحشم ويبيعون ويشترون في العبيد كيفما شاءوا وكيفما اتفق". الحبكة الدرامية الاكثر حيوية جاءت من موقف ابراهيم خضر من مسيح دارفور. فقد قبل ان يكون رسول النظام لتحديد هوية و آراء الرجل، وليس اكثر من ذلك، أي أن لاينزلق للتساؤل عن حقيقة دعواه. عندما التقى به وحاوره " لم يكفر بالرجل، ولكنه لم يستطيع أن يؤمن به، ولو أنه اصبح من تابعيه، من أجل المعرفة"  
تناول عبد العزيز اخطر ظواهر الصراع في دارفور، الجنجويد. منذ البداية لايخفي الروائي موقفه منهم من خلال العديد من الشخصيات حتى شيكيري الذي جاء من منطقة لا علاقة له بها. استعمل الروائي اقسى الكلمات والجمل عند التعبير عنهم "ملابس متسخة مشربة بالعرق....شعور كثة تفوح منها رائحة الصحراء والتشرد....ليس من بينهم مدني، ولا متدين ولا مثقف....الفئة الغريبة... لا يعرف شيئاً عن الجنة او النار، يحارب من أجل هدف غامض...رائحته اشبة بالجيفة منها لرائحة الانسان....فصل رأس الطفل عن جسده تماما...أكل قطعة لحم نيئة اخرجها من ذات الجراب". مع تصاعد الاحداث تصل العلاقة بين كافة اطراف الهوامش والجنجويد إلى اللاعوده، فقد طلبت عبد الرحمن من شيكيري في الساعة الأولى من الزواج "إما أن ينتقم لها، أو يساعدها على الانتقام، ولا خيار ثالث". ثم يتطور الموقف إلى موقف عام من سكان المنطقة عبر عنها مسيح دارفور "اهون لجمل أن يدخل من ثقب إبرة من أن يدخل جنجويد ملكوت الله". الجنجويد في الرواية، كما تشي الجملة السابقة، تتجاوز المجموعة السكانية المعروفة بهذا الاسم إلى ان تكون تعبيراً عن كافة صانعي الايديولوجيا العربية المبنية علي الدين. كثير من الاوصاف، التي ترد في الرواية، شبيهة بما استعملها النظام الحاكم او اطلقت على ممارسات منتسبيه "أبو دجانة... مسك الختام... وليس من بينهم مثقف، ليس من بينهم معلم أو متعلم، مدير، أو حرفي، ليست لديهم قرية أو مدينة، أو حتى دولة.... استبدال القيادات المجتمعية والشعبية المتوارثة بقيادات شبابية أسمتهم الأمراء...الغنائم"  
بدأت الرواية بفصلها الاول المعنون طِرّ. قدم الفصل جميع الاطراف التي سوف نلتقي بها في الرواية، من الجندي، الجنجويد، صانع الايديولوجيا المتكئة على ديماجوجية مؤامرات اسرائيل وامريكا، ابناء الهامش وغيرهم. هنا تبدأ الرواية في الغوص في عالمها الخيالي، مسيح دارفور، باستدعاء إحياء الموتى، إذ من ريشة يقوم طائر "إذا به يرسم غراباً على الأرض، يضع الريشة في مكانها المناسب، بل الصحيح، تنمو بقية الرياش في أماكنها بالقرب من الريشة الأولى، تكتمل بنية الرياش، من ثم يظهر المنقار، القوائم، المخالب، إلى أن اكتمل الغراب...قال للغراب: طِرّ فطار الغراب".
انتهت الرواية من احداث مآساوية، قاسية ومؤلمة، اغلبها احداث غير انسانية من القتل، التلاعب بمصائر البشر يرتكبها اطراف متعددة من هذه الشخوص التي تتلاقي في كافة منحنيات الرواية، واقع بائس لها في ذكرياتنا صدى وحكايات كثيرة، هذه الاحداث، الشخوص والاماكن قادتنا إلى أن ننتظر الموكب، الذي يمثل الامل أن نتجاوز به هذا الموقف التعيس والذي تعاني فيه كافة الشخوص في الرواية، مهما كان موقفنا منهم ومهما كانت درجة شراستهم واستلابهم. " كانوا لا يدرون إلى أين يسير الموكب، ولكنهم كانوا يعرفون أنه يسير لوجهة ما وجهة كلها خير، إذا لم تكن نحو الجمال، فالموكب يدري وجهته. على الرغم من ثقل الصلبان كانوا يحسون كما لو أنهم يطيرون، يحلقون عالياً في السماء التي مثل أحضان أم عظيمة لا نهائية تضمهم إليها وتبتسم"

2013/12/23

مسيح دارفور .. قراءة: عبدالرحمن حسين دوسه

مقال عن الروائى عبدالعزيز بركة ساكن

مسيح دارفور

المؤلف: عبدالعزيز بركه ساكن

الناشر: أوراق للنشر والتوزيع

الطبعه الأولى: سبتمبر 2012

قراءة: عبدالرحمن حسين دوسه




رغم أن مَسْقَط رأسه ومَدْفَن سُرّتَه هى مدينة كسلا أرض القاش والتاكا، إلا أنه إختار دارفور أرض المِحْمَل والقرآن مهبطاً لشيطان إبداعه، فمخاض الإبداع دائماً ما يَحِن للجذور.

لعل أهم مايميز هذه الرواية, حيويه اللغة, كثافتها وغناها ثم الدلالات الفنية المدهشة التي تأخذ القارئ قُسْراً الى عوالم أكثر دهشة وتعقيداً لجهة قدرته على رصد الأحداث وإستدعاء التفاصيل لِيَرسِم منها مشاهد ترفد الذاكرة المضطربة أصلا بأشكال من الصور المتناقضة التي تزيدها حيرة وإرتباكاً.

يبدو أن إشكالية الهوية في أبعادها الإثنية والحضارية كانت الأكثر إلحاحاً وحضوراً على مخيلة المؤلف ووعيه. ففي كل فصل وصفحة وفقرة يحاول جاهداً تفكيك وتركيب وفهم هذه الإشكالية من خلال شخصيات الرواية التي إختارها المؤلف بعناية فائقة.

إبراهيم خضر إبراهيم, شخصية مركزيه أخذت حيزاً كبيراً من جهد المؤلف. يرجع أُصوله للخادمه " بخيته سَجَمْ الرَمَاد" والتي صادها تجار الرقيق من إحدى أرياف دارفور وباعوها للنخاسة في سوق أم درمان بمبلغ 55 ريالاً مجيدياً.

أُستثمرت في سوق الدعارة فأنجبت من أباء عدة. سُره, مستور, التوم, التومه (الفرخة الفاتيه) التي كانت الجدة المباشرة لإبراهيم خضر وأخته أمل خضر. تجاوزت الأخت محنة صراع الهوية وقلق الانتماء فأراحت نفسها من هذا الجدل المؤذي وغير المنتج.

كان إبراهيم خضر يحفر بعمق في جدار الذاكرة الإجتماعيه وينحت بإصرار على صخر الموروث الثقافي, يطرح الاسئله الممنوعة, يثير العواطف المكبوتة ويصف الإحداث المنسيه كل ذلك ليتأكد من حقيقة ذاته وأناه.

أبدع المؤلف فى توظيف الجنس كأداة فنية، إذ قام بتسليط الأضواء على تفاصيل حياة العبدالرحمانة بنت خريفية التى إحتلت مغامراتها مساحة سردية واسعة من الرواية.

هى يتيمة أُلتُقِطَتْ من قرية بغرب الجبل إستباحها الجنجويد. مكثت بمعسكر كلمة حتى البلوغ فهربت الى داخل نيالا. تبنتها العمة خريفية فأقامت معها بحى الوادى.

هنا تلتقى بشيكيرى توتو كوة – أخ خريفية -  الجندى القادم من جبال النوبة. إنتهزا غياب العمة فدخلا فى مُجاسدات ساخنة ومجنونة. "فعلا كل ما يمكن أن يفعله شخصان ناضجان يؤمنان بأن الجسد يستطيع أن يفكر بعمق ولذة أكثر مما يفعله العقل". كل ما قالته العمة عند عودتها وأكتشافها السر "ود البُقسْ عَرّسْتَ بِتّى".

ولأنها شبقة وطازجة الرغبات فلا تتردد لحظة فى إستخدام جسدها سلاحاً تصطاد به الجنجويد وتغوى به الثوار فى آن واحد.

هذا الجنجويدى ذو اللباس الطويل والمتسخ والشئ القصير والهزيل يهجم على العبدالرحمانة. حسناً لقد وقع فى شراكها. تقوم هى بلمس الشئ برفق متوحش فينتصب. وبحكم خبرتها تدفعه فى الوقت المناسب حتى لا يلوثها بقاذوراته. تُحَرِّرُ جَسَدَها من مخالب كتفيه، وبضربة واحدة تُقضِى على الجنجويدى القادم من صحارى النيجر ثم تهتف:

"إننى الآن أنتقم لكل أسرتى وأقربائى". كانت تعوض إنهزاماتها النفسية والوجدانية بإنتصارات جنسية.

أهم مايتميز به عبدالعزيز ساكن هو الشجاعة الفائقة في مواجهة الحقائق الإجتماعية المسكوت. يواجهها بعد أن يقوم بتعريتها تماماً. يفعل ذلك عن وعي وإختيار, بل وإنحيازاً وإنتصاراً لطبقته حسب إعترافه. صحيح أنه يحاول أحياناً أن يلتزم الحياد تجاه هذه الحقائق ولكن يبدو أن قلق الإنتماء والصراع النفسي والشعور بحدة الفوارق الطبقية والإجتماعية سرعان مايحملانه حملاً لإجترار مقولات جاهزة فتبدو لغته متشنجة وأحياناً أخرى متحاملة وبعبارة أكثر صراحة يصبح وعيه الفنى ضحية منطلقاته الأيدلوجية وخلفياته السياسية.

تجسيد ذلك يتمظهر جلياً في تناوله وتعاطيه مع أقبح حقيقة في تاريخنا الإجتماعي أي ظاهره الرق. هنا نستحضر مرة أخرى إبراهيم خضر. إنه يكره السلطنة الزرقاء ويعتبرها أساس إشكالات الهوية في السودان. التومه بنت بخيته ترى الأنجليز أفضل من المهديه والخواجه كتشنر خير من المهدي وخليفته. مذكرة الساده المهدي والميرغني والهندي لمدير المخايرات الانجليزي في مارس 1925م.

الإستنتاج المنطقي الذي يمكن أن يخرج به القارئ من تأمل هذه التجسيدات وقراءة ما خلف سطورها فضلاً عن الإيحاءات والإشارات المنحازة، هو أن المؤلف يكشف عن رؤاه السياسية والأيدلوجية الكامنة في وعيه أكثر من إتخاذ موقف موضوعى ومنطقى تجاه الأحداث وفقاً لسياقها التاريخى.

لم يكتف المؤلف بغزو وعينا الخرب بأدق تفاصيل الحرب ومآسيها ومفردات الحياة اليومية في دارفور, إنما إختار أيضا أن يبحر بنا عميقاً في عوالم الصوفية بكل إشراقاتها وتجلياتها وغموضها, ومن خلال هذا الإبحار رسم لنا صوراً باطنه لايدركها القارئ إلا بعين القلب ونور البصيرة كما يقول إبن عربى.

هاهو النجارون وأشباه النجارين مع الجند ال 66 يستمعون للرجل الذي يعلمهم معنى الأيمان ( الكفر يا أحبائي درجة بالغة التعقيد من الأيمان) وفي ذات جمعة يحملق الرجل في عيون الجند المسعورين ثم يخاطبهم قائلا ( لايفيدني إيمان المؤمن بقدر ما يضرني كفر الكافر بي، لأن من يكفر بي إنما يكفر بنفسه فأنا جميع الخلق وليس الخالق شيئا آخر, أقصد أنا أنتم واحدا واحدا).

عندما إستفسر الحواريون عن معنى الكلمة قال ( إنها لاتكون مع شئ ولايكون شئ معها, ولكنها إذا إسْتَوْطَنَتْ القلب ملأته بالأشياء) وقبل أن يتحرك الموكب حدق صوب مريم المجدلية ثم قال لأتباعه "لاتصنعوا مني صنماً وتعبدوه, لأنني لا أصنع منكم أرباباً وآلهة"

شحطات صوفيه تثير الشك واليقين فلا تستطيع معها تبين حدود الإيمان وحدود الكفر فتجد نفسك حائراً أمام هذه النصوص كمن يرفع حجاباً ثقيلاً عن كنزٍ غامض مخفي في الأعماق.

من التقنيات التي برع المؤلف في إستخدامها, تقنية إستحضار الخُرافة الشعبية في إضفاء جماليات فنيه تريح نفس القارئ, فعندما إختارت العبدرحمانه بنت خريفية الحرب وإتجهت نحو جبل أب كَردوس, ترددت العمه خريفية في اللحاق بها بسبب ماشاع وقتئذ في نيالا عن ظهور ( البرطابرطا) ذلك المخلوق الخرافي الذي وصفه المؤلف بدقة بالغة حتى أيقظ كوابيس الطفولة المختزنة في لاوعينا.

سادتى، هذه رواية لم تكتب لكي تقرأ ولكنها كتبت للتأمل والتذوق ثم التأمل مرة أخرى. رواية متماسكة في الجوهر والشكل، فريدة في اللغة والمعنى، غنية بالصور والمشاهد، عميقة الدلالات والإشارات.

في الواقع هذا عمل فني عجز تاريخنا الأدبي عن إنتاجه فجاء بركه ساكن ليأذن بميلاد روائي عملاق ولا أشك مطلقاً في أن عبدالعزيز وأثناء كتابته لهذا العمل بخشم القربة كان يشعر بحركه النبات في نموها بأعالى جبل مرة ويقرأ فى ذات الوقت لغة النقوش المترقرقة على صفحات مياه وادي بارلي.

عبدالرحمن حسين دوسة
الدوحة – قطر
19/07/2013