2016/01/23

عبد العزيز بركة ساكن: الرواية مختبراً للتجريب 


يزن الحاج


بدت الرواية العربيّة منذ انطلاقتها كأنها تنطلق بمسارٍ عكسيٍّ مع الشّعر. كان الشّعر، برغم انتكاساته، أكثر تطوراً، وتناغماً مع الزمن المتسارع. أما الرواية، فكانت تحنّ دوماً إلى انطلاقاتها الكلاسيكية التقليدية، بحيث تبدو متخلّفة بمراحل عن زمنها، وبالتأكيد أشدّ تخلّفاً بما لا يُقاس مقارنةً بمثيلاتها الآسيوية والأفريقية والأميركية اللاتينية، وتبدو للمراقب كأنّها تراوح مكانها دون حراك. بل يمكن القول إنّها مضت أبعد بحيث تصلّبت في تقليديتها، شكلاً ومضموناً، لتعاقب أيّ محاولة للتجريب خارج الحدود المكرسة، بخاصة المرحلة التجريبيّة الثرية الممتدة من أواخر السبعينات حتى بداية التسعينات. تكرّست تلك النزعة لاعتبارات شتّى، ليس أقلها العودة إلى «التراث» ومحاولة تأصيل رواية عربية متمايزة عن مثيلاتها ومستندة إلى الأعراف الأدبية القديمة، ثم تضاعف الأمر مع ظهور الجوائز الروائية التي رسّخت شكلاً شبه موحّد للروايات «المطلوبة» والتي كانت أغلبها تقليدية تذكّرنا بالروايات التأسيسية في الأربعينات والخمسينات. نجت روايات قليلة من هذه القولبة، وتجرأت على كسر الطوق المفروض عليها على صعيدي النقد والقراءة لتحاول تكريس رواية «جديدة» تُقصي نفسها عن القوالب الروائية الجامدة التي اعتاد عليها القارئ بتواطؤ من النقّاد. يُشفَع لهذه المحاولات أخطاؤها حتى عند التصاقها بالنماذج الأوروبيّة المتباينة، مع أنّها بدت أحياناً محاولات لتوسّل الترجمة إلى اللغات الأجنبية أو دغدغة مشاعر المستشرقين بحيث يردّون إليهم بضاعتهم لكن بروحٍ شرقيّة.

لا تخرج رواية السودانيّ عبد العزيز بركة ساكن «الرجل الخراب» (مؤسسة هنداوي- القاهرة) عن هذا التصنيف. تُعيد إلينا هذه الرواية ثيمة صراع شرق-غرب، التي كادت تصبح مكرورة. ولكنّ الكاتب الذي كان واعياً لهذه النقطة، حاول التنويع على شكل الرواية بحيث تخرج عن التصنيفات السائدة ليوغل في التجريب إلى حد غير مسبوق عربياً. ليس ثمة جديد في حبكة الرواية التي تروي قصة حسني درويش جلال الدين (أو هاينرش شولز) في محاولاته للتأقلم مع النمسا والعادات والأعراف الغربية. درويش هو شرقيّ آخر يُضاف إلى ركام الشرقيين التائهين في الغرب. ليس ثمة مهرب من الصدام بين عقليته التي لم تستطع السنوات الطويلة كسر «شرقيتها»، والعقلية الغربية التي نجدها منفتحةً متطورة حداثيّة كما في جميع الروايات الأخرى. سنتذكر مصطفى سعيد وهجرته إلى الشمال؛ الفارق أنّ صراع مصطفى مع «الحضارة الغربيّة» والتهويمات الجنسية، تحوّل إلى صراع هويّاتي داخلي بين درويش وهاينرش؛ بين وعيٍ يحاول أن يصبح غربياً ولاوعيٍ يأبى التخلّي عن شرقيّته؛ بين تطبّع غربي وطبع شرقي. جميع التفاصيل الأخرى نافلة، بحيث تبدو مجرّد تنويع آخر على إيقاع قديم. ليس لهذا الصراع نهاية إلا بموت أحد الطرفين. وهذا الطرف هو الأضعف دوماً: الشرق.


ما يميّز رواية «الرجل الخراب» ليس الحبكة إذاً، بل أسلوب المعالجة الكتابية. اللغة، السرد، الشكل الروائي، رسم الشخصيات. والأهم، إخراج الراوي وتكريسه كاتباً آخر. تبدو الرواية كلاسيكيّة السرد للوهلة الأولى، لكنّ ساكناً يغيّر مواصفات هذه الكلاسيكية بحيث تستحيل تجريباً مفرطاً. تبدأ الرواية بكاتب لا يدّعي ابتعاده عن موضوع روايته، بل يقول بصراحة إنه يحكي قصة. ثم يفاجئنا الكاتب بتقديم الراوي ككاتبٍ ثانٍ أحياناً، وكشخصيّة أخرى أحياناً، بحيث نقضي شطراً جيداً من الرواية ونحن تائهون في صراعٍ آخر بين الكاتب والراوي. لم يكتف الكاتب بهذا، بل جعل الشخصيات كاملة الحريّة في رسم مصائرها، وسمح لها حتى في تحديد نهاية الحكاية/ الرواية. قبول هذا القدر من التجريب أو رفضه مرتبط بذائقة القراء المتباينة بالضرورة. لكن، ألا يبدو ترك الشخصيات لتقرر مصيرها ضرباً من المكر؟ ما الذي يبقى من دور الكاتب إذاً لو طرح لنا خيارات عدة على عدد الشخصيات بحيث يتحدّد مصير الشخصيّة، بل العمل بأكمله، على هواها؟ ألن يصبح الأمر ذريعةً بحيث يتمّ تعليق مصير إخفاق الرواية على الشخصيّات أو الراوي، لا على الكاتب؟ وفي الوقت ذاته، ألن يُعدّ نجاح الرواية من نصيب الراوي لا الكاتب، بخاصة مع إصرار الكاتب على مخاطبة قارئ أجنبي مُفترّض عبر ترجمة جميع المفردات التي يرى أنّ من سيترجم روايته قد يتعثّر بها؟ وأخيراً، ألن يصبح التجريب المفرط، لو تكرّر، بمثابة نموذج لا يلبث أن يصبح تقليدياً هو الآخر؟
جميع هذه الأسئلة مشروعة، ومفتوحة على إجابات متعددة ومختلفة باختلاف ذائقة المتلقّي. ولكنّها لا تعني أبداً بأنّ «الرجل الخراب» ليست متميّزة بقدر كبير؛ الرواية صغيرة الحجم بحيث تكون أقرب إلى نوفيلا برغم عدد الشخصيات الكبير بالمقارنة، وتطرح قضيّة لا تزال إشكاليّة، وتطرح شكلاً جديداً في الرواية العربيّة. جميع هذه الميزات تجعلها فريدة ضمن طوفان الروايات الضخمة التي تكاد تكون متماثلة؛ ومحاولة الخروج من جحيم التماثل يمكن اعتبارها فضيلة بحدّ ذاتها.

2016/01/19

بركة ساكن ..عريسا

زواج عبد العزيز بركة ساكن وأمل الخاتم في النمسا



أقيم الاسبوع الماضي حفل عرس الكاتب السوداني عبد العزيز بركة ساكن، والكاتبة الدكتورة السودانية أمل الخاتم،

 وذلك في أحد الفنادق في النسما، حيث يقيم «بركة ساكن»، وسط حضور لعدد من أفراد الأسرة.

وعبر عدد من الكتاب والمثقفين عبر صفحاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي عن سعادتهم لنبأ زواج «بركة ساكن» و«أمل الخاتم» السعيد، متمنين لهما دوام السعادة والمحبة.


2015/09/15

رواية الرجل الخراب كاملة

 

        الرَجُلُ الخَرَابْ

 

 

 

                              عبد العزيز بركة ساكن

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

إهداء: "لأُمي مريم بنت ابو جِبرين.

للأصدقاء أحمد زكي، كريستينا ازنجر، جان دوست، ورودي راينر، إلي أمل الخاتم، لمستنير والمهاتما، لجمال عباس ومي التجاني وسَلمى أبو سمرة، لرحاب سُليمان وحاتم جريس، لأُختيَّ محاسن وإحسان، لعمر بركة ومحمد بركة والفاتح بركة وذكي بركة ومحمد عوض  كاجوك وحسن عبيد، لاستاذي صالح فرح ومعتصم المقبول، لاستاذيَّ كمال الجزولي ومبارك الصادق. ولشخصٍ عليه فضل كبير فيما أكتب: الا وهو  الشيطان الذي كان يشاطرنا بيتنا الصغير في القضارف وإلى وقتٍ قريبٍ كان يَكُتب ليَّ الروايات ويقول لي ما لا يِنْقَالْ.

 

 

 

                     

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

"أنت، أيها القارئ المرائي! ياشبيهي، يا أخي!"

T.S.Eliot  الأرض الخَرَابْ

 

                 
                             رواية الرجل الخراب _1
 

 

                                          مُخَرِي الكِلابْ  

نورا شولز، تبدو اليوم أكثر  سعادة من أى   وقت مضى في حياتها، فقد وجدت ابنتها ميمي أخيرا صديقاً (ein Freund)، ليس لأن ميمي ليست جميلة ولكنها كانت غير اجتماعية ودائما ما يغمرها إحساس بالوحدة، أو أنها  هي التي تجد نفسها في الوحدة، وكلما تقرب منها شاب ارتبكت وعملت على الابتعاد عنه بقدر الإمكان، وقد تُسْمِعَهُ بعض كلمات غير لائقات أيضا. كان هذا يمثل قلقا كبيرا للأسرة الصغيرة، خاصة أن ميمي تبلغ الآن من العمر الثامنة عشرة عاما بالتمام والكمال، ولا تزال هدايا ميلادها الثامن عشر تتناثر في حجرتها، لقد تعبت أمها كثيرا في أن تقبل ميمي صديقا، وأنفقت في ذلك مالا كثيراً، حيث إنها  عرضتها مرارا وتكرارا للباحثين الاجتماعيين بالمنطقة وأخذتها أكثر  من عشرين مرة لاختصاصي نفسي بفيينا، كانت تقوم نورا بنفسها بكل ذلك، ولم تجد العون من زوجها حُسني درويش الذي اسمه الآن هاينرش "Heinrich"، فقد كان يرى أنه  لا داعي للقلق بشأن البنت وأنها مازالت صغيرة، وعليها أن تنتبه لدراستها ويفضل أن تدخل في علاقة جيدة القصد منها الزواج، فهو لم يقل ذلك مباشرة لزوجته نورا ولكنه كان يفعل كلما يعزز رأيه، لأن ذلك ببساطة سيدعم فكرتها المسبقة عنه بعدم مقدرته على الاندماج في المجتمع الأوروبي، وأنه ليس برأسه الكبيرة سوى خرافات القرون الوسطى. وعندما أخبرته نورا هذا الصباح وهي في غاية السعادة أن ابنتنا الطيبة قد حصلت علي صديق وسيم في عمرها، في الحقيقة يكبرها بشهرين، قال لها محاولا أن يضع ابتسامة كبيرة مزيفة على وجهه الحليق بدقة، تخفي أحاسيسه الفعلية وتظهره كرجل متمدن يستحقها

-ياااااه...... أخيرا كم أنا سعيد بذلك.

احتضنته نورا وقبلته بحنو ثم جلست قربه على الكنبة الفسيحة وأخذت تحكي له عن توني.

ليس توني شابا وسيما جدا، أنه  عينة الأشخاص الذين لا يمكنك أن تطلق عليهم لقب القبح، ولكنه مقبول على كل حال، أما ما يميزه عن شباب هذه الأيام أنه  مؤدب ومحترم ولا يتعاطى أيا من المخدرات بل لا يحتسي الكحول، يحب الموسيقى جدا، وهو أيضا   يعزف على الجيتار ويغني أحيانا، درس إدارة الأعمال في جامعة سالزبورج Salzburg، من أسرة ثرية بعض الشيء ووالداه طبيبان معروفان في المدينة، إذا  كان به عيب واحد، وإذا اُعتبر ذلك عيبا أنه  يترك شعره دون حلاقة ويحتفظ ببعض أظافره طويلة، ولا يؤمن بأي من الرسل، ولكنه يؤمن بأن    هنالك خالقا للكون ولكن ليس هو الذي يرسل رسلا لكي يخبروا الناس عنه، في رأيه أن الرب قادر على توصيل ما يريده مباشرة لمخلوقاته، ورب في استطاعته أن يخلق كونا بهذه العظمة والتعقيد، لا تصعب عليه حيلة ابتكار عملية سهلة وجيدة في التعبير عما يريد أن تكون عليه مخلوقاته، بل باستطاعته برمجتها على مشيئة جلالته، بالتالي ما يكون عليه الكون الآن هو بالفعل إرادة الله. وتعرف أن زوجها قد يكون متحفظا بعض الشيء عندما يعرف ذلك في يوم ما، قالت له:

- توني أيضا   لا يكره العرب!

وهذه الجملة الأخيرة أخافته بالفعل،  فلنقل إنها أربكته، ولو أن زوجته كانت تظن أنها  من الإيجابيات، إلا أن درويش أو هاينرش Heinrich منذ أن قدم للنمسا في تسعينيات القرن الماضي قد قطع علاقته بكل ما هو مسلم وعربي، نعم أنه  في الآونة الأخيرة أخذ   يسافر كثيرا لزيارة أسرته بمصر والسودان ويسمي ذلك في إطار العلاقات الاجتماعية والإنسانية لا أكثر، قد لا يريد أن يورط نفسه في تحمل ما يقوم به المسلمون والعرب في شتى أنحاء العالم من خير وشر، ولكنه أيضا   كان يفضل أن يبدأ حياته من جديد، من دون تاريخ، تماما من دون أى   تاريخ، ولا يمكن أن نفسر تغيير اسمه إلى     هاينرش Heinrich واحدا من عمليات محو تاريخه الواعية جدا، فهو لم يفعل ذلك إلا لأنه إذا  أراد أن يحتفظ باسمه العربي عليه أن يدفع ما يعادل اليوم مبلغ 500 يورو عن كل اسم أى   ألف وخمسمائة يورو إذا  أراد أن يكون اسمه حُسني درويش جلال الدين، هذا إذا  أقنع دائرة الهجرة أن جلال الدين هو اسم واحد، وإلا عليه دفع ألفي يورو كاملة، وكان يحتاج للنقود في أشياء أخرى، ولا يرى أن هنالك داعيا ملحا لخسارة مبلغٍ كبيرٍ كهذا، لذا لم يحتفظ بأي من أسماء أسرته أو حتى اسمه فاختار أول اسم ورد لذهنه وهو هاينرش "Heinrich" ثم أضاف إليه كلمة شولز وهو اسم أسرة زوجته، "وأراح واستراح"، فما يفيد الاسم وما الفرق بين شولز ودرويش، وهو ليس عالما له نظريات مسجلة باسمه ولا كاتبا له مؤلفات مهمة ولا موسيقيا أو شاعرا، ولا حتى من أسرة مشهورة ذات تاريخ ما يريد أن يحمل اسمها، كما أن شهاداته الجامعية لا أحد يعترف بها هنا، وليس له أبناء سيرثونه خارج هذه البلاد، وهو أيضا   ليس له ما يرثه، إذا، ليس باسمه ما يهم. عندما يذهب لبلده في زيارة ما، فإنهم سينادونه باسمه الحقيقي القديم وحينها ستتحقق الفائدة إذا  كان لاسمه فائدة تذكر. هاينرش Heinrich يحب أن يبتعد عما يسميه منطقة الغليان وسيرة الغليان بل رائحته أيضا، فقد بدأ حياة جديدة منذ زمن ليس بالقصير، ولا يريد أن ينظر للوراء مرة أخرى، إلا بريبة وظنون، فكلمة عربي هنا مرادفة لكلمة مسلم، ويفهم كثيرٌ من الأوروبيين أن الكلمتين ترادفان ثلاث كلمات أخرى  وهي: الثراء الفاحش والفقر المدقع والتطرف الأعمى.

قال لها:

- أنا لا أهتم بموضوع الديانات كثيراً.

قالت له في إصرار، وهي تنظر في عينيه:

- بل تهتم، لقد رأيتك تصلي، مرتين على الأقل، مرة عندما كنا في الغابة قبل عشرين عاما على الأقل، ومرة قبل شهرين عندما كنا على شاطئ النهر الصغير في فايس باخ  Weissbach

قال لها، وهو يتجنب النظر إلى     ابتسامة نصر صغيرة تتشكل تدريجيا في فمها:

- نعم وربما سوف ترينني أفعل ذلك مرات أخرى، أحيانا أحس     بأنني مدين لله خاصة عندما أرى جمال الطبيعة، فإنني أراه هنالك، لذا ليست صلاتي سوى تحية شكر وعرفان، لا أكثر  فهي لا تخص دينا بعينه، ولا تعني شيئا لشخص غيري.

سألته سؤالا مفاجئا ما كان يتوقعه:

- هل أنت ما زلت مسلماً؟

قال لها مبتسما:

- نعم. 

نستطيع أن نقدر عمر هاينرش "Heinrich" الآن بحوالي الستين عاما، وهذا اعتمادا على طبيب الأسنان ووثائق مكتب العمل، فهو لم يمتلك شهادة ميلاد، كل ما يعرفه عن تاريخ ميلاده هو شهادة أمه    بأنه ولد قبل حرب فلسطين التي وقعت بين اليهود والعرب بسنة كاملة، وكانت تقصد حرب 1948، ولكنها أيضا   قد تقصد حروبا سابقة لحرب 48 أو لاحقة لهذا التاريخ، أو العدوان الثلاثي علي مصر في 56، فذاكرتها مشحونة بحروب كثيرة، بعضها لم يحدث بعد، وبعضها حدث بعد وفاتها بعشرين عاما، وبعضها مجرد حكايات سمعتها من جداتها، وكان هاينرش Heinrich يعلم ذلك، ولكنه قرر لنفسه بأنه ولد في 1-1-1947، ووافقه بدرجة كبيرة طبيب الأسنان وحرر له شهادة بذلك، قدمها للجامعة من قبل ثُمَّ لمكتب العمل واعتمدها كتاريخ ميلاد رسميا له، والآن ينعم بالمعاش في ظل هذه الشهادة الواقعية وغير الصحيحة بالمرة، لأن عمره الفعلي غير ذلك، فهاينرش Heinrich قد ولد بعد ذلك التاريخ بعدة سنوات، أى   بالدقة في 30-10-1956، بالطبع لم يعمل بشهادة تقدير العمر التي استخرجتها له أمه    عند دخوله المدرسة بالسودان وهي أنه  مواليد 1-1-1950وإذا كنا الآن في سنة 2013، في شهر مايو، فإن عمره هو 57 عاما، وهذا غير مهم لأن لا أحد غير الراوي، العليم بكل شيء يعرف تلك الحقيقة، وسوف لا يعول عليها  كثيراً، ما عدا ما سوف يلاحظه القراء في الصفحات القادمة من الرواية، أن هاينرش Heinrich يقوم بأنشطة وأفعال أصغر من عمره المعلن بكثير، بل أنه  يأخذ المعاش الرسمي من الحكومة ويعمل في ذات الوقت في شركة ألبان مراقبا للتعبئة 25 ساعة في الأسبوع مع الاحتفاظ بصحة جيدة يحسده عليها كل من هو في عمره المُعلن وعمره الحقيقي أيضا، فمنذ أن قَدِم إلى     النمسا في 3-1-1992، لم يذهب للطبيب سوي مرتين، المرة الأولي إجباريا حيث أخذه مكتب الهجرة للفحص الشامل، والمرة الأخرى ذهب لطبيب الأسنان للتخلص من ضرس العقل المسوس. أما الطبيب البشري فلم يتشرف بزيارته إلى     اليوم بإرادته،( لم نضمن مرات ذهابه للطبيب البيطري، فلقد كانت كثيرة جدا وفقا لمهنته كمخري للكلاب مع الأم شولز.) لم يركب المواصلات العامة إلا ما ندر، أى   إذا  أراد السفر إلى     مدينة بعيدة، ولكنه يستخدم دراجة هوائية في كل مشاويره البعيدة والقريبة داخل المدينة، كما أنه  بعد أن أنجب ابنته الوحيدة ميمي في 30 ديسمبر 1995، اشترى دراجة خاصة بها مقعدٌ مريحٌ لها، وكلما كبرت في السن غيّر الدراجة بحيث تستوعبها أيضا   ولأن زوجته نورا أيضا   تؤمن بأن    الدراجة هي خير وسيلة للترحيل، فلم يجد صعوبة كبيرة في أن يعتمد على الدراجة في كل شيء، وعندما دخلت المدرسة الابتدائية كان للبنت عجلتها وحدها، فلقد "وافق شن طبقة" كما في المثل العربي. ويُرَجَّحْ احتفاظه بجسد رياضي أنيق لبركات الدراجة الهوائية ولا يُنسى في هذا الشأن ذكر حُبه للعمل واستيقاظه المبكر ولكنه يرى أيضا   أن عدم إفراطه في شرب البيرة، هو الذي هيأ له جسدا يخلو من الكرش تقريبا إلى     هذا العمر الطويل المُعْلن، والحقيقي غير المُعْلن، الأقل نسبياً.

رواية الرجل الخراب 2

بذلك، يمكن بسهولة للقارئ أن يعرف أن هذا اليوم هو نهاية الأسبوع لأنه اليوم الوحيد الذي يقضيه كله هاينرش Heinrich بالبيت، ولا يخرج منه مهما كلف ذلك، ويستطيع أن يتحايل على البقاء فيه بكل السُبل، فهو لا يدعي المرض مطلقا، لأنه لا ينسى حديثا للرسول الكريم يحذر فيه من ادعاء المرض، يحفظه عن ظهر قلب: "لاتمارضوا فتمرضوا فتموتوا". ولكنه قد يقول بصورة واضحة أنه  تعب جدا، ويشعر بحاجة للراحة، ولو أن زوجته نورا وابنته عرفتا عنه تلك الصفة البيتية إلا أنهما لم تقتنعا تماما لزمن طويل، وظلتا تتجاهلان رغبته تلك، وظل هو يصر على بقائه في البيت في اليوم الأول من إجازة نهاية الأسبوع، ثم أصيبت الأسرة كلها بداء البقاء بالبيت، وهذا يعني أن البنت موجودة الآن في البيت، ولكنها لسبب أو لآخر بقيت في حجرتها أو ربما لكي تعطي أمها وقتا كافيا لإخبار الأب بالتغيرات الجميلة التي تحدث لها، أو أنها  تفعل اللازم من أجل استقبال حبيبها. قالت له الأم:

- درويش، "وهي دائما ما تحب أن تدعوه بهذا الاسم لأنها تعلم أنه  الأحب إلى     نفسه ولو أنها  تنطق الراء بصورة أقرب       لحرف الغين، وأحيانا تنطقه غينا تماما، فيخرج اسمه من فمها، "دَغْوِيشْ"Derwech، وهو أيضا يحب أن تناديه كذلك، وفي الأيام التي يكون مولعا بها فإن تلك الغين تدغدغ قلبه بلذة ساحرة.

 - اليوم سيحضر توني للبيت.

قال منفعلاً:

- ماذا يريد؟

قالت ببرود:

- دعته ميمي.

- ولكن كيف تدعوه ميمي بغير علمنا، واليوم هو نهاية الأسبوع، ولم نكن مستعدين لذلك؟

- هي ليست دعوة بالمعنى المعروف، مجرد زيارة، أنه  لا يحتاج لشيء، تريده ميمي أن يتعرف بك أنت      بالذات، لقد حدثت الدعوة كما قالت لي ميمي بعفوية، لم يخططا لها، كانا يتحدثان في التلفون وقررا فجأة أن يحضر توني، وهذا قد لا يأخذ وقتا طويلاً، وأظن من اللائق تبادل بعض الكلمات مع صديق ابنتك، فأنا قابلته مرات كثيرة،  وسأعد لكم غداء سريعاً، ثم يبقيان معا، قد يحتاجان أن يكونا معاً، وأنا وأنت غير مطلوب منا أن نفعل شيئاً، سوى أن نبقى أبوين طيبين سعيدين بسعادة ابنتنا الوحيدة.

كانت جُملها غير مرتبة، وتشعر بأنها مرتبكة، وقد أحس     هو أيضا بأن    زوجته ليست طبيعية، همست له بصوت أكثر  هدوءا ونعومة:

- قد تكون تلك ليلة ابنتنا الأولى.

قال كمن لدغته عقرب:

- ماذا تقصدين بليلتها الأولى؟

قالت وهي تقترب منه:

- قد يفعلانها.

- ماذا يفعلان؟

قالت وهي تبتسم:

- لا أدري ولكن ما يرغبان في فعله، فهما حران في عمر يسمح لهما بفعل ما هو مناسب لهما.

صمت قليلا، يفكر(..............)

حسنا، أشعر الآن برغبة الراوي في التوقف عن السرد قليلا، وهذه مشكلة الرواية في هذا العصر بعدما استطاع الرواة الذين كانوا في الماضي شخصيات ورقية هلامية من صنع مخيلة الكُتَّاب، أن يسيطروا على مصائر الأعمال السردية وتكون لهم كلمتهم ووجهة نظرهم، بل حكت لي كلتوم فضل الله وإحدى صديقاتي الكاتبات أن راويا خبيثا في روايتها الجديدة، قد تحرش بها. بالطبع لم أصدقها، كثير ما يلتبس الأمر علي كلتوم وتضيع عنها الخطوط الفاصلة بين الواقع والخيال ولكنني لم أستبعد ذلك تماماً، فقد أصبح الرواة-خاصة الراوي العليم والراوي من الخلف وضمير المتكلم- سُلطة فوق سُلطة الكاتب، من يظن نفسه قديما جداً الخالق الفعلي للنص والمتحكم المطلق في مصائر شخصياته وأداة سرده التي في مقدمتها الراوي نفسه، مما أفقد الكتاب كثيرا من حيلهم الموروثة، بل ماء وجههم في بعض الأحيان ومقدرتهم على الخلق والإبداع، إذا  على رغبة الراوي سنتوقف هنا قليلا، وسيأخذنا إلى     ما يدور في مخيلة درويش أو هاينرش Heinrich في هذه اللحظات وكيف أن الرجل جالَ بخياله وصالَ، ولكن قبل ذلك من المفيد أن نوضح أن هاينرش Heinrich قد وضع في شفتيه ابتسامةً عريضةً وأنه قال وكأنه في غيبوبة أو نوم مغنطيسي، بما يعني أنه  سعيد جداً، وأن زوجته نورا فهمت ذلك.

كان الليلُ مضاءً بقمر نصف مكتمل، ونسبة للأشجار الكثيفة، فإن ظلالها تجعل الليل شبه مظلمٍ، القرية كعادتها تنام مبكراً، تبقى الكلاب وحدها مستيقظة لساعة متأخرة من الليل، ولا يتوقع أحدهم أن فردا من أسرته خارج مرقده، إلا إذا  كان في سفر وعاد متأخرا، أو كان في احتفال بمناسبة ما، وكثيرة هي المناسبات التي تقام في القرية في هذا الموسم بالذات، أى   موسم ما بعد حصاد الذرة، ولكن نسبة للحالة النفسية العابرة التي يمر بها درويش فهو لم يحتج لحبكة درامية جيدة تبرر خروج ابنته في هذا المساء وبقائها إلى     تلك الساعة من الليل خارج المنزل، بل لم يحتج إلى     أن يتخيل حفلا قرويا بهيجا في أحد أطراف القرية لدى بعض الأقارب ذهبت إليه    البنت وعادت متأخرة، أو أى   من الحيل السردية، فهو غالبا ما يصف نفسه بأنه علمي وله خيالٌ محدود، لذا عمل عقله بصورة مباشرة، ابنته ميمي تتمشى في الطريق الذي يمر عبر الحقول، كان القمر كما ذكرنا في بداية هذه الفقرة نصف مكتمل، والأشجار العالية الشوكية تصطف على جانبي الطريق كأنها جنود أسطورية تقوم بحراسة المشاة، تنمو بينها نباتات الحسك والبوص وبعض الأعشاب الموسمية الصغيرة، تعشش تحتها الفيران كبيرة الحجم التي تنشط ليلا عندما تخلو الطرق من المارة الذين قد يصطادونها إذا  ما وقعت عليها عيونهم الشرسة، لا أحدا يأكل الفئران في القرية، ولكن لا أحدا يستطيع أن يقاوم متعة قتل الفئران، فهي في كل الأحوال عدوة ومضرة بالزرع والممتلكات الشخصية، ويُشاع بين السكان أنها  السبب الأساسي لمرض الطاعون وفيروس الكبد الوبائي أو ما يسمونه باليرقان. هذا المكان الذي تخيله موجودٌ بالفعل في قريته، أى   أنه  لم يجتهد كثيرا في استدعائه، ولكن أيضا   علينا هنا توضيح أن هذا المكان الذي تسير فيه ابنته الآن ذكريات كثيرة، بعضها جميل وبعضها غير محبب لنفسه، وهو دائما ما ينسى تلك التجارب المُرة غير المستحبة، وقد يحتفظ بالجميلة، ولكن الراوي العليم بكل شيء كما هو الآن في هذه الرواية يعرف حدثا مهما وقع لدرويش في هذا المكان بالذات، ولقد نسيه درويش تماماً، وإذا خطر بباله ذات يوم عندما تمارس الذاكرة ألاعيبها الصغيرة على البشر وترميهم بأثقالها، قد يظن أنه  حدث وقع لشخص ما آخر لا تربطه به صلة، فابنته تمشي بصورة عجلة وهي تتلفت خلفها بين الفينة والفينة كما يفعل الناس عادة بينما يسيرون في الظلام في مواقع المخافات، ثم تتخذ طريقا جانبية صغيرة عادة ما يتجنبها القرويون بالليل، وهي ذات الطريق التي وجد فيها هو نفسه قبل ثلاثين عاما رجلا غريبا عن القرية مقتولاً، تبين فيما بعد أن أخيه الأصغر هو الذي قام بقتله لسبب تعلم به كل القرية ما عدا الراوي العليم بكل شيء، طبعا لم يبلغ عنه الشرطة حتى يكفي نفسه شر الأسئلة البوليسية اللئيمة، طالما أن بعضهم سيفعل في وقت ما، ولكن في الحقيقة لم يفعل ذلك أى   من سكان القرية، وبقي الرجل هنالك لزمن طويل جدا، نهشت جثته الكلاب والقطط السائبة، أكلت منه النسور وبعض الغربان، إلى     أن تعفن، ثم تحلل، ثم أصبح هيكلا عظمياً، وبعد ذلك أسهمت الريح والأمطار والحكايات وصروف الدهر في بعثرة ما تبقى منه في الأزمنة والأمكنة، ولكن عُرِفَ ذلك الممر الضيق بممر الرجل المقتول. درويش يرى الآن أن هذه القصة ليست سوى إحدى الأساطير التي يختلقها العقل الجمعي ذو الخيال الخصب المنفلت في أحايين كثيرة، ولكن الراوي هنا يؤكد أنها  حدثت بالفعل، لولا أن حكاية هذا الرجل المقتول ليست هي موضوع السرد لانبرى الراوي في الإتيان بالأدلة التي تؤكد وجهة نظره بطريقة فنية مقنعة للقارئ، بل لكاتب الرواية نفسه، لأن كاتب الرواية يميل لظنون البطل الأساسي وهو درويش، بالتالي يشك في حدوثها.

 كانت ميمي فتاة بيضاء، ليست مثل أمها ولكنها ليست في لون الأب الأسمر، وهي نحيفة على نموذج صديقاتها العصريات، لها شفتان مكتنزتان أو كما يحلو لبعض الرواة القول مثل كرزتين كبيرتين وهو الشيء الذي يميزها ويجعلها أكثر  جمالا من كثيرات حولها، طويلة ولها شعر شديد السواد، ولكنها هنا كانت في لونه أى   بُنية بدينة، تلبس جلباباً قروياً جميلاً، لها شعر ذهبي قصير، تفوح منها رائحة عطر بلدي أقرب       لعبق الياسمين، أنه  يغمر أنفه الآن.

عندما سمعتْ البنتُ هاتفا يناديها أسرعت الخطى، تلفتت للمرة الأخيرة، ثم مضت في اتجاه الصوت بينما زادت دقات قلبها، وتعرقت كفها وهي تحس بنشوة عارمة تجتاح كل خلية من جسدها، خليط من الخوف والشعور بالأمان وهو الإحساس المجنون الذي ينتاب المرأة عندما تلتقي برجل على انفراد أول مرة، ذات مساء به نصف قمر، في الزقاق الذي تنمو أعشابٌ موسميةٌ على جانبيه، المتفرع من الشارع العام الذي يطلق عليه القرويون اسم: طريق الرجل المقتول.

قطع حبل خيالاته صوت زوجته نورا وهي تسأله إذا  كانت لديه رغبة في تناول بعض القهوة أجابها بكلمة واحدة

-اشناب "schnaps".

قالت مندهشة

- هل تشرب اشناب بالنهار، ماذا حدث لك؟

قال كمن يتحدث في الحلم:

- احتفالا بالمناسبة السعيدة.

قالت وهي تمضي نحو دولاب الخمور

- أنا أيضا   سأتناول البعض معك، أنه  يوم غير عادي، دعنا ننتشي قليلاً.

نريد أن نوضح هنا شيئا آخر، وهو أن هاينرش Heinrich يخاف من ردود أفعال زوجته وابنته، ولا يثق تماما أنهما قد لا تترددان في رميه في الشارع في أية    لحظة، بعيدا عن البيت الذي يمتلكه هو وحده، وهذا ليس مجرد تخيل منه، ولكنه حدث بالفعل قبل خمسة أعوام، حينما دخل في ثورة غضب- وهي الأخيرة بالطبع- وضرب ابنته في خدها بظهر كفه، وما كان من الأم إلا أن استدعت رجال الشرطة الذين أخذوه مباشرة للحبس، وتم حرمانه من الاقتراب من بيته إلا بعد إخطاره بذلك – أعادوه بعد شهرين- وأُدْخِلَ في برامج متابعة نفسية شديدة القسوة لعام كامل. وأصبح يؤمن بحقيقة تلك المقولة الشهيرة هنا، حول من لهم أولوية الحماية، كالآتي:

 (الأطفال أولا ثم النساء ثم الكلاب إذا  كان بالبيت كلب أو القطط في حالة عدم وجود الكلب، ثم الرجل)

الحمد لله أنه  لم يكن لديهم كلب بالبيت ولا قط، (فقد تخلص من الكلبين اللذين ورثهما من المرحومة أم زوجته نورا، السيدة لُوديا شولز، عندما كان يعمل معها كمُخَرِي للكلاب Die Hunde shitter، أودعهما بعد وفاتها مباشرة ملجأ الحيوانات الأليفة التي لا كفيل لها). كما أنه  كرجل أجنبي مشكوك في سلوكه ودرجة اندماجه المجتمعي"Assimilation oder Aufnahme"، وتحيط به الظنون، فقد يحتل- في هذه الحالة - موقعا بعد السيارة مثلاً. ولكن فوق ذلك كله يعلم أن نورا تحبه وابنته أيضا   تحبه جدا وهو يحبهما.  ولكن القانون لا يراعي أية    فضيلة للمحبة، ويعمل بصورة ميكانيكية، وعليه بالظاهر كما عليه أن يحافظ على الأخلاق الأوروبية المكتسبة عبر سنوات طويلة من نضال الإنسان ضد الظلم والتمييز ضد المرأة ومصادرة الحريات الشخصية وغيرها، أو كما لقنه المُرشد الاجتماعي، وهي خطبة طويلة مملة مكرورة ولكنها جادة جداً، وعليه أن يحفظها عن ظهر قلب إذا  أراد الاحتفاظ بأسرته. هنالك أيضا شيء جدير بالاهتمام وهو شخصية زوجته نورا وفقا لتاريخ حياتها الذي يعرفه جيدا_ سيتطرق الرواي لذلك بالتفصيل فيما بعد_  عليه أن يحذرها وألا يركن لما يظهر منها من تعاطف وعاطفة وحسن عشرة وسلوك، في عمقه لا يظن أن الإنسان يمكن أن يتغير بهذه السرعة الرهيبة، من متشرد إلى       مستقر يشبه الأمر لديه كتحول محارب غوريللا إلى        سياسي مدني في رمشة عين، كما حدث لزوجته نورا، يحدثه قلبه بأن    الأمر غير طبيعي، أو أنه  لا يفهم كثيرا في البشر، أو أن الإنسان الأوربي له بُنية نفسية غير تلك التي يعرفها عن البشرعامة. قالت له نورا وهي تضع كأسا بها اشناب مقطر من زهرة الهولوندا، ذلك ما يفضله دائماً:

- بعد خمس دقائق سيكون توني هنا، سيصل عند العاشرة.

وقبل أن يرد مرت ابنته أمامه في اتجاهها للحمام، لم ير شيئا مختلفا فيها اليوم، ولكنها كانت سريعة في حركتها بعض الشيء أو كما خُيِّل إليه، ترتدي فستانا قصيرا جميلاً جديدا، لم يره من قبل، الجزء الأعلى من صدرها عارٍ تماماً، حَمْلق فيها قليلا قبل أن تختفي في الممر الذي يقود للحمام، صَبَّ الكأس كلها في حلقه في جُرعة واحدة، وطلب كأساً أخرى، ثم دارت في رأسه  الدوائر:

كان قد خلد للنوم، مثل كل من في القرية، ولكنه استيقظ على صوت ابن عمه الأمين ود النور يصيح قرب رأسه، ويطلب منه أن ينهض بسرعة، أخبره بالأمر في ثوان معدودات وكلمات محددة وحادة، كأنها مُعدة منذ قرون لكي تُقال في مثل هذه المناسبة الثقيلة على القلب، لم يستفسر كثيراً، فقط مَرَّ على حجرة ابنته، في الجزء الآخر من البيت، أضاء النور لكي يتأكد من أنها  ليست هنالك بالفعل، فوجد سريرها خالياً، ولم ير أيضا   حذاءها، مر أيضا   مرورا سريعا إلى     المكان الذي تنام به زوجته، في البرندة الصغيرة التي تقع بين المطبخ وحجرة ابنته. سمع شخيرها وهي عادة اكتسبتها بعد أن أصيبت في أنفها في حادث صغير قبل عدة أعوام. عاد للديوان حيث ينتظره الأمين بعينين محمرتين من الغضب، عليهما دموع متحجرة حامية، على الرغم من الإضاءة الخافتة بحجرته إلا أنه  استطاع أن يتبين مدى غضب ابن عمه وتأثره بالحدث وهو ما يجب أن يكون عليه وجهه في تلك اللحظة الفاصلة في الحياة، حيث إن شرف الأسرة يغوص عميقا في الوحل، الفضيحة التي سوف لا يغسلها غير الدم. قال جملة واحدة سريعة، وكأنه يخاطب العالم كله الذي يبحلق فيه الآن وينتظر رد فعل شجاع وتاريخي منه هو بالذات وفي هذه اللحظة:

- سندفنهما أحياء.

بينما كان يأخذ سكينته الكبيرة من تحت المخدة ويمتشق عصاه وبطاريته. خرجا وهما يهرولان في صمت ظاهري وضجيج عنيف في صدريهما، نحو الزقاق الذي تنمو أعشابٌ موسميةٌ على جانبيه، المتفرع من الشارع العام الذي يطلق عليه القرويون اسم: طريق الرجل المقتول.

رواية الرجل الخراب 3

                                         مُخَرِي الكلابْ

عَبَّر الراوي عن رغبته الآن في أن يعود لجملة تَمَّ ذِكرها في الفصل الأول ومَرَّ عليها مُرورا سريعاً، سننقلها هنا كما هي:

(فقد تخلص من الكلبين اللذين ورثهما من المرحومة أم زوجته نورا، السيدة لُوديا شولز، عندما كان يعمل معها كمُخَرِي للكلاب die Hunde shitter ، أودعهما بعد وفاتها مباشرة ملجأ الحيوانات الأليفة التي لا كفيل لها.)

 في الحقيقة تُوجد هنا كلمة تثير الارتباك كثيراً، وهي كلمة مُخَرّي، ومصدرها خُراء، ونستخدمها هنا للمعنى الحرفي لها، أى   الشخص الذي يأخذ الكلاب إلى     خارج البيت لكي تتمشى وتقضي حاجتها، ثم يقوم بحمل برازها في كيس بلاستيكي ويلقي به في المكان المخصص لذلك، وهي سلال معدنية أو بلاستيكية تُوجد على جوانب الطرقات معلقة على أعمدة، وغالبا ما يقوم بهذا العمل صاحب الكلب نفسه الذي يجد تسلية ومتعة في التمشي مع كلبه المفضل، وإشباعا نفسيا لقيامه بالواجب تجاه حيوانه الذي في الغالب في مكانة الصديق المُقرب وفي ظروف كثيرة الحبيب الوحيد، كما كان الحال لدي أدولف هتلر، ولكن وجود تعبير (مُخَرِي الكلاب Die Hunde shitter) هنا يُقْصَدْ به شيء مختلف قليلاً، أى   يُستخدم كوظيفة تخص السيد هاينرش Heinrich لأنه عندما جاء إلى     النِمْسَا عمل بها كأول وظيفة أتيحت له بكرم سخي، وهي ليست وظيفة سهلة لرجل صورة الكلب في مخيلته حيوان نجس يجب عليه تجنب لمسه، فكيف يكون الحال في حمل خُرائِه وتمشيط جلده وملاطفته.

قد ورد أيضا   في هذه الجملة اسم " السيدة لُوديا شولز"، ولكي نتحدث عن هذه المرأة الطيبة، لابد أن نعود إلى     الوراء قليلاً، أقصد أن يقوم الراوي العليم بإخبارنا عن كيف وصل حسني درويش جلال الدين الصيدلاني، من أسيوط بصعيد مصر إلى     مدينة سالزبورج"Salzburg" بالنمسا، والظروف الغريبة التي وجد نفسه فيها في بلد المهجر، والقصد هنا تبرير عمله كمُخَرِي للكلاب"Die Hunde shitter" لدى السيدة شولز أكثر  مما هي لعبة فلاش باك" flashback" يستمتع بها الراوي مع تواطؤ فعلي ومفضوح من قبل المؤلف.

قبل عشرين سنة، أى   بعد أن تخرج في كلية الصيدلة بدرجة الامتياز في جامعة أسيوط عند عمر يناهز خمسة وعشرين عاماً. قضى درويش فترة الامتياز في صيدلية حكومية بالمستشفى المحلي، حيث قابل الشخص الذي غير مجرى حياته تماماً، إثر حوار قصير جداً، لن ينساه أبدا.

قال له الرجل القصير البدين، الخمسيني ذو الرأس الأشيب، الذي يبدو عليه الإرهاق الشديد:

- أريد   عقاراً منوماً يا دكتور.

- للأسف هذا العقار لا يمكن صرفه إلا بشهادة طبيب.

- أرجوك أنا لم أستطع النوم منذ ثلاثة أيام منذ أن حضرت لهذه البلاد اللعينة، أرجوك أن تساعدني لا أريد   أن أذهب للطبيب، لا أتحمل سخافاته وأسئلته ونصائحه التي لا تفيد في شيء بينما كل ما أريده مجرد منوم.

- من أين أتيت أنت؟

- من السويد، جئت للاطمئنان على أمي.

- أريد   أن أذهب أنا أيضا   للسويد أو أية    دولة أوروبية أو أمريكيا. الحياة هنا تعني العدم، خاصة بالنسبة للشباب فأنا لا أعرف بعدما أقضي فترة الامتياز ماذا أفعل بحياتي.

- الأمر صعب جدا ولكنه سهل لشاب شجاع ولديه طُموح، ولكنك أيضا   قد تتعرض للموت قبل أن تصل، الطريق إلى     هنالك تحفها المخاطر، مافيا، تجار بشر، مهربون، بحار وأمواج ولصوص وأسوأ شيء عليك أن تبقى في دولة اسمها اليونان لبعض الوقت، وأضاف بصورة جادة: كل التسامح والجمال الذي في روايات نيكوس كازانتزاكس لا تصدقه، إما أنه  خيال أو أن الشعب اليوناني الذي كتب عنه نيكوس لا وجود له الآن.

ولكن درويش لم يقرأ نيكوس كازانتزاكس، بل لم يسمع بزوربا اليوناني، بالتالي لم تكن لهذه الجملة أية    معنى لديه. ثم أضاف الرجل وهو يضع كمية كبيرة من المنوم في جيب سترته، يربت عليها براحة كفه ليتأكد من أنها  هنالك:

- ولكنك عندما تصل إلى     أول دولة أوروبية أخرى  سوف تنسى كل شيء وتعيش كإنسان، إنسان حقيقي.

ومنذ تلك اللحظة بدأ درويش في الإعداد للهجرة، عبر خارطة الطريق التي رسمها له الرجل بدقة، وخلال بعض العناوين وأرقام التلفونات التي تخص المهربين تمكن من إيجاد أول الخيط، أى   الرجل الذي سوف يستقبله في ليبيا، المبلغ المطلوب، والوسيط المحايد ومن الرجل أيضا   عرف كيف يتجنب بعض الشريرين والمتطرفين من اليونانيين وتحرشهم، لأن رحلته ببساطة قد تنتهي هنالك بقتله أو بتعفنه في سجن لا عنوان له.

درويش، كعادته كان محظوظا جدا، حيث أنه  حصل على جواز مزور في مصر وعليه تأشيرة صالحة لليونان، ولو أن الأمر كلفه بيع فدانين من أرض زراعية خصبة ورثها من جده لأمه، إلا أنه  لم يندم لذلك، بل ابتسم ابتسامة كبيرة عندما وجد الوسيط ينتظره على استقبال مطار أثينا، ويسلمه نصف ثمن الجواز نقدا، حيث يقوم باستخدامه مرة أخرى  لتخليص شخص ما من براثن فقر العالم الثالث إلى     مراتع الحلم بأوروبا.

لم يعرف إلى     اليوم الاسم الحقيقي للوسيط، الذي كان صريحا معه عندما قال له بعربي فصيح ولكنه شامية: يمكنك أن تدعوني رشيد، أو ما شئت. ثم انطلقا في عربة تاكسي، عبرا شوارع كثيرة واسعة وبعضها ضيق، مرا بمبانٍ جميلة مشيدة بطراز لا يعرفه، ولكنه كان عبر النافذة يحاول أن يرى شيئا من حضارة اليونان التي قرأ عنها في المدارس، أما ما كان يهمه أكثر  هو أن يتمعن في ملامح الناس، تلك الأوجه التي تعبرها العربة في سرعة بالغة، وتمر مثل الطيف أمام وجهه الملتصق على زجاج النافذة، يريد أن يتبين أيهم الشرير الذي حدثه عنه ذلك الرجل قبل شهور كثيرة بأسيوط عند الصيدلية، وكيف تبدو تلك الوجوه وهي تهم بالانقضاض عليه والتهامه. كانا صامتين، وفضل هو هذا الصمت على كلام قد ينبه سائق التاكسي إلى     حقيقته، وكان أيضا   خائفا من شيء ما لا يدريه، ربما لأنها هي المرة الأولى التي يسافر فيها خارج مصر وهي أيضا   المرة الأولى التي يرتكب فيها أمرا غير شرعي ويحاسب عليه القانون، فاستخدامه لجواز مزور فكرة تثير فيه الرعب كلما تذكر كيف كان يرتجف في دواخله وترقص عضلات بطنه رعبا وهو يدخل مطار القاهرة ويقدم جوازه لموظف المطار، وكيف أن نظرة الموظف إليه    أربكته إلى     الدرجة التي أصبح فيها أهون عليه أن يصرخ قائلا: "إنه جواز مزور خذوني"، من أن تبقى عينا رجل الجوازات عالقتين في وجهه مثل أشعة الليزر الموجهة، ولو أن تلك النظرة لم تبق سوى خمس ثوانٍ، إلا أنه  أحس     بها سنوات طوال، إلى     أن صعد للطائرة. كان ينتظر أن يأتي رجل شرطة ويأخذه للحبس، وعندما بدأت الطائرة في التحرك من الأرض، ثم الإقلاع، أحس     للمرة الأولى في حياته أن الله وملائكته ورسله بل وجميع الشياطين يقفون في صفه تماما، يساندونه ويدفعونه للأمام، فبكى. والآن بدأ يخاف من جديد، يخاف من اليونانيين، لا يريد أن يموت هنا أو يتعفن في السجن، أو يصاب بعاهة ما، هو يهرب من بلاده من أجل مستقبل أفضل له ولأطفاله من بعده، ويريد أن يأتي بحبيبته في أسرع وقت ممكن، فهو أيضا   لا يتصور حياته من دونها، ولا يرغب إطلاقا في أن يعوق حياته بعض المتطرفين غير المسؤولين، الذين لا يرون فيه غير ضحية بشرية تصيبهم بمتعة بالغة وهم يؤذونها. ولكن هذا المسمى رشيد الذي يجلس قربه بثقة بالغة ورباطة جأش، الذي يبدو متأكدا من كل شيء في الدنيا، وكأنه الله ذاته، يبعد عنه المخاوف بمجرد جلوسه بمجرد سكونه بمجرد القوة والثقة العظيمة التي تبدو على محياه، بمجرد أنه  صامت ولا يتحدث، أوقف سائق التاكسي فجأة، أعطاه بعض النقود، وعندما اختفت آثار العربة، تحرك على إشارته، عبرا شارعين عن طريق كبري للمشاة صغير، كان الكبري مزدحما بالمارة، ولدهشته رأى أن هنالك سحنات كثيرة من البشر تسير في أمان، بيض وسود، وصفر وحمر وبُنيين واستطاع أن يميز بعض السودانيين والمصريين والصينيين أو ما يشبهونهم من سحنات آسيوية وإفريقية. بالطبع كان هنالك اليونانيون، لم ينتبه إليه    أحدٌ، بل لم ينظر إليه    أى   من المارة ولو لثوان معدودات، كتلك النظرات التي رشقه بها ضابط الجوازات في القاهرة أو رصيفه في مطار أثينا، كلهم مشغولون، يسيرون بسرعة إلى     أمكنة ما، مهمومون بأنفسهم. كان كل شيء يمضي طبيعيا، وليس هنالك فرق كبير بين الناس كما رآهم في القاهرة وكما يراهم الآن هنا في أثينا. كان يحمل حقيبة يد صغيرة جدا، وهو ما نُصح به، بها بنطلون واحد وقميصان، فرشة أسنان ومعجون، بلوزة قصيرة من القطن مهداة من حبيبته، وكتاب في الصيدلة. وضع الحقيبة جنبه وهو يجلس على كرسي صغير من الخشب، كان راشد قد جلس قربه يقدم له بعض النصائح بدقة:

 عليك ألا تخرج من هذا المكان إلا وأنا معك، أو أن يأتي شخص ويسألك قائلا: أحتاج منوماً وحبوب لقاح.

كل من في هذا المسكن مهاجرون، ولكن لا تأمن أن يكون من بينهم جواسيس وعملاء بل ومجرمون: لا تعطي سِرَّك  لشخص، وكل ما تقوله هو سر يا رجل، مجرد ذكر جنسيتك أو اسمك أو تاريخ ميلادك، قد يؤدي بك إلى     ما لا تشتهي.

حاول أن تكون آخر من ينام وأول من يستيقظ.

لا تأكل إلا ما قمت بطبخه وإعداده بنفسك، وسأسلمك ما تحتاج من طعام الآن.

إذا حدث وتم القبض عليك، تأكد من أنك ستكون وحدك، سوف لا تجد من يقف بجانبك، لا أنا ولا غيري، ستسجن لبعض الوقت، ليس أقل من شهرين وسترسل إلى     مصر أو أية    بلد ما، وقد لا تصلها للأبد.

غدا عند السادسة صباحا، تحمل حقيبتك وتنتظر عند الباب، ونتمنى أن تسير الأمور على ما يُرام، بعد السادسة ودقيقة واحدة بالضبط إذا  لم ترني أو يحضر إليك من يسألك عن المنوم، عليك أن تعود لحجرتك وتمارس حياتك العادية إلى     إخطار آخر.

ثم أعطاه كيسا كبيرا به بعض الأطعمة، وودعه وخرج.

المنزل عبارة عن بناية سكنية كبيرة، يبدو أن معظم ساكنيها آسيويون. كانا قد صادفا البعض وهما يولجان مدخل المبنى لأول مرة بعد هبوطهما من التاكسي والتمشي لدقيقتين بالأرجل على طريق ضيقة مرصوفة بالحجارة. الغرفة التي يقيم فيها هي جزء من شقة كبيرة بها عدد من الحجرات لم يتسن له معرفة كم هو، ولكنه قدره بخمس أو ست حجرات، وفقا للأفراد الذين التقى بهم عند المطبخ المشترك أو عند الحمام العام، وبعض الأصوات التي تأتي إليه    من هنا وهنالك. ليس بينه وبين الآخرين سوى تحية مختصرة وهي عبارة عن إشارة باليد وردها بذات السرعة والطريقة، متحاشياً الدخول في أية    حوارات قد تأتي بعد التحية. من بين الساكنين سيدة وربما لها أكثر  من طفل، تبدو من هيئتها ولغتها حيث سمعها تتحدث مع أحد أطفالها أنها  من فلسطين أو سورية، وهنالك أيضا رجلٌ رآه يجلس في الصالة الواسعة يدخن سيجارة، له ذقن كبيرة وشعر كث، ويبدو كفيلسوف مخبول، أو مجنون فر من مستشفى الأمراض النفسية والعصبية، حياه رافعا كفه اليمنى، رائحة دخان السيجارة مميزة جدا، دخان يعرفه، جيدا، مر أمامه في طريقه للحمام، أشار الرجل إليه    بأن    يأتي إليه، تردد قليلا ولكنه مضى نحوه، أشار إليه    بأن    يجلس قربه على كنبة طويلة بُنية مثل لون الرجل الضخم ذي الرأس الكبيرة المستديرة، ذقنه الكثة تخفي كثيرا من ملامحه، مد له سيجارة في صمت، أشار إليه    درويش بما يعني أنه  لا يدخن، أعادها الرجل إلى     علبتها في بطء، أخذ   يرسل دخان سيجارته في الهواء بمتعة خاصة وهو ينظر بعيدا حيث لا مكان بعينه، يبدو عليه الشرود، قال أخيرا باللهجة المصرية سائلاً وهو يحملق في وجه درويش:

- من فين أنت      يا بيه؟

كان سؤال الرجل مفاجئا تماما لدرويش، فارتبك، تذكر وصايا راشد له أن كل ما يقوله يقع في خانة الأسرار، كان الرجل قد توقف عن التدخين في انتظار الإجابة وهو يحملق في وجه درويش الذي بدأت عليه تقلصات الحيرة وهو لا يعرف بمَ يجيب الرجل، وأخذت تدور الأسئلة في رأسه، منَ يكون هذا الرجل؟، أهو مخبر أم يريد امتحانه، أهو مجنون أم إنسان عادي بسيط، ماذا سأقول له؟ وعندما طال انتظار الرجل ربما ظن أن درويش قد لا يعرف اللغة العربية، فألقى عليه السؤال بإنجليزية ركيكة، ولكن بقي درويش صامتا يحملق في بلادة في وجه الرجل، شارد الذهن تماما، تتصارع الأسئلة في دماغه، أضاف الرجل:

- أنت      لا تستطيع الكلام؟

تنفس درويش الصُعداء، وتأكد له تماما أن الله قد قاده لمخرج، أشار برأسه إيجابا.

قال له الرجل:

- إذا  أنت      أبكم، معليش ربنا يشفيك يا أخي.

أشار درويش برأسه علامة الإيجاب، ونهض لكي يذهب، إلا أن الرجل أمسك بيده وأجلسه قربه مرة أخرى، نظر إليه    وهو يقول:

- ماذا ستفعل في أوروبا كيف تعيش هنالك وأنت أبكم؟

قام درويش بعمل عدة إشارات لا معنى لها ألحقها بإشارات أخرى  أكثر  إبهاما، ثم أشار إليه    بما يعني أنه  يريد أن ينام الآن ولكن الرجل لاحقه بسؤال آخر.

- هل أنت      مصري؟

ها هو يجد نفسه في ورطة أخرى، وهو سؤال لا تحتاج الإجابة إليه    إلى     كلام، فلغة الإشارة تكفي، حنية صغيرة للرأس إلى     الأمام تعني نعم، هز الرأس في اتجاهين مختلفين تعني لا، والأصابع أيضا   تجيد قول لا وكلتا الإجابتين تعني إفشاء للسر، بعد صمت محير، قال الرجل مرة أخرى:

- احتمال كبير جدا سيرحلونك بالبحر إلى     إيطاليا، وعليك أن تكون حريصا جدا، لأنك قد تغرق، هل تعرف كيف تسبح؟ ولكن هنالك أيضا   أسماكا متوحشة شرهة وفي الشاطئ قد تجد الدورية الإيطالية في انتظاركم، وهي مثل كتيبة من أسماك القرش. ابتسم فأظهر أسنانا كبيرة بنية اللون، قال كمن يوجه سؤالا إلى        نفسه: هل واجهت سمكة قرش؟.

 ربنا يكون في العون، أنا أفضل الطيران، لذا أنتظر جوازا وتأشيرة منذ شهرين وخمسة أيام، ثم نظر إلى     ساعة معلقة في الحائط وأضاف، وساعتين. صمت قليلا ثم تثآب، وضع السيجارة في المطفأة وتركها تدخن في بطء وهي تنطفئ، قال: الانتظار ممل، ولا أحد يريد الحديث هنا، في أية    موضوع كان، يعتبرون ذلك ثرثرة، نعم إنهم يتحدثون ولكن بتحفظ، لا يقولون لك شيئا ذا فائدة، وأنت رجل طيب ولكن للأسف لا تتكلم، قد تجد علاجا لحالتك في أوروبا، حاول أن تصل السويد بأية طريقة كانت، السويد يرحبون بالأفارقة، إنهم شعب عظيم إلا أن لغتهم لا فائدة منها تُرجى، ولكن ما يهم وأنت لا تتحدث أية    لغة، فالأمر واحد بالنسبة لك، أنا أريد   أن أذهب للسويد، لدي أقارب هنالك، أنا أصلا إريتري، هربت من السجن في أغردات، عشت في مصر فترة وفي السودان، اسمي صلاح سعد، من مدينة كرن، زوجتي وبنتي مازالتا هنالك، كنت أعمل في الصحافة فاتهمت بالتجسس، كله كذب في كذب، ولكنهم ضربوني ضربا شديدا في رأسي، إلى     أن اعترفت بأفعال كثيرة لا حصر لها لم أقم بها ولم أسمعها بل لم تخطر على بالي مطلقا، ثم ضربوني مرة أخرى  لأنني لم أجد مبررا مقنعا لقيامي بها وأعتقد بعضهم أن بعضها ليست سوى كذبات. تحت شعر رأسي الآن أخاديد من الجروح القديمة، هل ترى هل ترى؟ وقام بإزاحة شعر رأسه  الكثيف بأنامله لتظهر آثار الجروح عميقة، حدث هذا قبل عامين ولكني ما زلت أراهم كل ليلة يضربونني، لولا البنقو لما استطعت الحياة، هل تحب البنقو؟ هنا يوجد بنقو، بأسعار معقولة جداً، أنا بدخن نوعا خفيفا، خفيفا جداً، أطلب لك علبة؟ عندما لم يجبه درويش أو أنه  لم ينتظر إجابة   من درويش فواصل في الكلام. أحيانا أصاب بدوخة، ولكني الآن في صحة جيدة، صمت قليلا ثم قال فجأة: هل رأيت المرأة، لا....لا، ليست المرأة أم الأطفال، لا لا، أم الأطفال إنسانة راقية وفاضلة، لو كنت أمينا عاما للأمم المتحدة لأعطيتها الخيار في أن تختار جنسية البلد التي ترغب فيها، حرام أن تُولد مثل هذه المرأة في العالم المتخلف الذي لا يعرف قيمة الإنسان، فأنا أقصد الأخرى، إنها  فتاة جميلة جاءت إلى     هنا قبل أسبوع، إنها منحلة أخلاقياً، لقد حاولتُ ممارسة الجنس معها مرتين ولكنها رفضتني من دون مقابل، وأنا ما عندي نقود، كل النقود مع الوسيط، حاولتها مرتين أو ثلاث مرات لا أذكر ثم تناسيت أمرها. أنا شخص غير مِلْحَاحْ، هل معك نقود؟، أقصد بعض النقود، إذا  كانت لديك نقود فإنها لا تمانع أن تبيت معك الليلة، يمكنني أن أخبرها لك طالما كنت لا تتكلم، سأقدم لك مساعدة في هذا الشأن، فنحن رجال ونعرف حاجات بعض، النساء يا صديقي فاكهة الليل، هل أذهب لأطلب منها أن تأتي؟ أنا لا آخذ   مقابل ذلك شيئاً، إنها  خدمة لصديق، مجرد خدمة لا أكثر، فإذا كان معك عشرة دولارات فهي تكفينا نحن الاثنين، هي لا تمانع في ذلك. نهض درويش من قربه، حاول الرجل الإمساك به ولكنه أفلت من قبضة كف الرجل القوية ومضى نحو حجرته، أغلقها خلفه جيدا، وحاول أن ينام. كانت الساعة التي بالحجرة تشير إلى     الثامنة مساء، ويبدو أن الجميع مستيقظون، كانت تأتيه الأصوات من عمق سحيق بالمكان، صوت المرأة ذات الأطفال، بكاء طفل بين فينة وأخرى، صلاح سعد يتحدث مع شخص ما، أو أشخاص ما. أخرج كتاباً في الصيدلة وأخذ يقلب الصفحات بصورة اعتباطية. وحينما سمع طرقات على باب حجرته نهض مذعوراً، ولكنه لم يفتح الباب بل وقف خلفه يتحسس ما بالجهة الأخرى، ثم طُرِقَ البابُ مرة أخرى، كانت النقرات خفيفة جداً، مما جعله يستبعد أن الطارق هم رجالُ الشرطَة، كما أنه  استبعد أيضا   أن يكون الطارق ذلك الملتحي المجنون، لأن مثل تلك الشخصية لا يمكن أن تطرق الباب بهكذا هدوء، ومر بخاطره أن تكون هي الصبية التي تحدث عنها الملتحي، نعم قد تكون هي، هل أقنعها، هل أرسلها إليّ: إذا  طَرَقت الباب مرة أخرى  سأفتح لها. سمع لجب أقدام تمضي بعيداً، أقدام ثقيلة، انتظر لدقائق أخرى، أطفأ النور، رقد على سريره، وضع الغطاء الثقيل على جسده كله، ترك وجهه مكشوفاً ونام. حلم (بقضاة أرسطو)، هكذا أطلق عليهم في الحلم. هم شيوخ يونانيون يلبسون ملابس حمراء اللون، يركبون بغالا كبيرة لونها أسود، يحملون نبالا وأسهما على أكتافهم، وهم يقودونه عبر حبل طويل جدا، للدرجة التي لا يستطيع معها أن يرى آخر فرد منهم بصورة جيدة. ثم توقفوا به عند العراء، منطقة شبه صحراوية، بها أعشاب وأشجار عملاقة ولكنها جافة، وترك عليها غربان سوداء وبيضاء. حلوا أنشوطة الحبل من ساعديه. خلعوا ملابسه وألبسوه حُلة حمراء كالتي تُلبَس للسجناء المحكومين بالإعدام. قال له كبيرهم ذو الذقن الكثة والشعر الطويل، الرجل الذي يشبه ذلك الشخص الإريتري، بل لحد ما هو ذاته، قال له: أنت      الآن تمثل أمام محكمة شعب اليونان، فأنتم أيها المهاجرون السفلة تعوقون تنمية بلادنا وتسرقون ثرواتنا وتوسخون أرضنا، لذا سنحكم عليك بالإعدام، ولكن رأت المحكمة الموقرة أن تعطيك فرصة للنجاة. طلبوا منه أن يهرب للجهة التي يريدها، وأنهم سوف لا يبحثون عنه إلا بعد نصف الساعة بالتمام، فإذا لحقوا به فإنهم سوف يصلبونه في إحدى الشجرات اليابسات، ويتركونه وجبة شهية للغربان، وإذا لم يجدونه في خلالها، فإنه حر طليق. وانطلق يجري، ولكن فجأة توقفت رجلاه عن الحركة، وأصبح في حالة شلل تام، كانت أذناه تلتقطان دقات الساعة التي تمضي متسارعة، وتتحرك في مشهد سينمائي رقاصاتها عكس الدوران الطبيعي لها نحو نهاية كُتِبَ عليها: ثلاثون دقيقة. وخلفه ليس ببعيد عن ظهره يجلس أعضاء المحكمة على الأرض، يحتسون العرق ويطلقون الضحكات: كانوا عراة تماما، كما ولدتهم أمهاتهم.

استيقظ مبكرا كعادته، عند الخامسة والنصف صباحا، تسلل إلى     الحمام، كان قلقا، ليست لديه أية    رغبة في أن يقابل أى   مخلوق كان، خصوصاً صلاح سعد، ولكن كان الرجلُ موجودا على الكنبة يدخن سيجارة بهدوء في ذات الوضع الذي تركه عليه بالأمس، وكأنه لم يذهب للنوم أو أنه  يسكن في المكان بل جزء من أثاثاته القليلة، ألقى عليه التحية بحركة من يده، وقبل أن يتبين رد الرجل حشر نفسه في غرفة الحمام، خلع جل ملابسه بسرعة، أحس     بأن    دقات قلبه تتلاحق، وأنه خائف، خائف من كل شيء، لماذا يخاف، ما هو أسوأ ما سيحدث له: الموت؟ هو سيموت في يوم ما مثله مثل كل المخلوقات، حتى القتلة العتاة سيموتون، مات هولاكو، مات جنكيزخان، مات هتلر، مات نيرون، مات فرانكو، مات الحجاج بن يوسف، وغيرهم ممن لم تعنه الذاكرة على استحضارهم الآن، مر بخاطره شطر بيت شعر لا يدري لمن هو، حفظه منذ أيام الدراسة:

 "إذا لم يكن من الموت بدٌ فمن العار أن تموت جبانا".

ما الذي أتى بذكرى الموت الآن، من هو ذلك الجبان؟ كان مرتبكا جدا، ويبدو أن آثار حلم الليلة السابقة مازالت تحركه من اللاوعي. عليه أن يفعل شيئا من أجل نفسه. من أجل إنسانيته المهدرة. فتح الدش بأقصى طاقة، فتح فمه واسعا، جذب أكبر قدر من الهواء، ملأ به رئتيه جيدا، ثم لم يتردد لحظة واحدة، ولم يفكر أيضا: غنى، نعم غنى بأعلى صوت وهبه إياه الخالق وباركته الملائكة في تلك اللحظة، أول أغنية خطرت بباله:

"No women

No cry

Do you remember

 when we use to sit

In the government yard.

of Trench town?"

إلى أن سمع طرقات عنيفة في باب الحمام، فخرج عارياً، ليجد صلاح سعد والمرأة وطفليها، سيدة أخرى  سمراء سمينة، شخصين آخرين غريبين في ملابس النوم، كانوا مندهشين ينظرون في استغراب إلى     الرجل الأبكم الذي يغني الآن. ابتسم، ابتسامة واسعة تكفي الجميع، أغلق الباب، أكمل حمامه في صمت، خرج، مضى نحو حجرته. صلى صلاة الصُبح في قِبْلَةٍ اختارها عشوائياً، جمع أشياءه، أصلح السرير، حملق في ساعة الغرفة، كانت السادسة إلا دقيقة واحدة، خرج ينتظر راشد أو من يسأله: هل لديك حبوب منوم وحبوب لقاح.