2014/08/05

تحميل موسيقي العظم - مجموعة قصصية


http://downloads.hindawi.org/books/95869360.pdf





من عوالم الأطفال والبراءة، ومن بواطن الأوطان وخفايا العلاقة بين الدم والحنين، ومن بداءة الوهم وتجليات الخيال والأسطورة، ومن ذاكرة الموت ومرويَّات الأشباح، من كلِّ ذلك وغيره يصنع «بركة ساكن» حكاياته وموسيقاه الخاصة، ويحبس الأنفاس على إيقاعاته السردية الآسرة.


رابط تحميل المجموعة القصصية موسيقي العظم


http://downloads.hindawi.org/books/95869360.pdf


2014/07/26

رواية "الرجل الخراب"



فصل من رواية الرجل الخراب اخر اعمال الروائي عبدالعزيز بركة ساكن

عَبَّر الراوي عن رغبته الآن في أن يعود لجملة تَمَّ ذِكرها في الفصل الأول ومَرَّ عليها مُرورا سريعاً، سننقلها هنا كما هي:
(فقد تخلص من الكلبين اللذين ورثهما من المرحومة أم زوجته نورا، السيدة لُوديا شولز، عندما كان يعمل معها كمُخَرِي للكلاب  ، أودعهما بعد وفاتها مباشرة ملجأ الحيوانات الأليفة التي لا كفيل لها.)
في الحقيقة تُوجد هنا كلمة تثير الارتباك كثيراً، وهي كلمة مُخَرّي، ومصدرها خُراء، ونستخدمها هنا للمعنى الحرفي لها، أى الشخص الذي يأخذ الكلاب إلى     خارج البيت لكي تتمشى وتقضي حاجتها، ثم يقوم بحمل برازها في كيس بلاستيكي ويلقي به في المكان المخصص لذلك، وهي سلال معدنية أو بلاستيكية تُوجد على جوانب الطرقات معلقة على أعمدة، وغالبا ما يقوم بهذا العمل صاحب الكلب نفسه الذي يجد تسلية ومتعة في التمشي مع كلبه المفضل، وإشباعا نفسيا لقيامه بالواجب تجاه حيوانه الذي في الغالب في مكانة الصديق المُقرب وفي ظروف كثيرة الحبيب الوحيد، كما كان الحال لدي أدولف هتلر، ولكن وجود تعبير (مُخَرِي الكلاب Die Hunde shitter) هنا يُقْصَدْ به شيء مختلف قليلاً، أى يُستخدم كوظيفة تخص السيد هاينرش Heinrich لأنه عندما جاء إلى النِمْسَا عمل بها كأول وظيفة أتيحت له بكرم سخي، وهي ليست وظيفة سهلة لرجل صورة الكلب في مخيلته حيوان نجس يجب عليه تجنب لمسه، فكيف يكون الحال في حمل خُرائِه وتمشيط جلده وملاطفته.
قد ورد أيضا في هذه الجملة اسم " السيدة لُوديا شولز"، ولكي نتحدث عن هذه المرأة الطيبة، لابد أن نعود إلى الوراء قليلاً، أقصد أن يقوم الراوي العليم بإخبارنا عن كيف وصل حسني درويش جلال الدين الصيدلاني، من أسيوط بصعيد مصر إلى مدينة سالزبورج "Salzburg" بالنمسا، والظروف الغريبة التي وجد نفسه فيها في بلد المهجر، والقصد هنا تبرير عمله كمُخَرِي للكلاب"Die Hunde shitter" لدى السيدة شولز أكثر مما هي لعبة فلاش باك" flashback" يستمتع بها الراوي مع تواطؤ فعلي ومفضوح من قبل المؤلف.
قبل عشرين سنة، أى بعد أن تخرج في كلية الصيدلة بدرجة الامتياز في جامعة أسيوط عن عمر يناهز خمسة وعشرين عاماً. قضى درويش فترة الامتياز في صيدلية حكومية بالمستشفى المحلي، حيث قابل الشخص الذي غير مجرى حياته تماماً، إثر حوار قصير جداً، لن ينساه أبدا.
قال له الرجل القصير البدين، الخمسيني ذو الرأس الأشيب، الذي يبدو عليه الإرهاق الشديد:
- أريد عقاراً منوماً يا دكتور.
- للأسف هذا العقار لا يمكن صرفه إلا بشهادة طبيب.
- أرجوك أنا لم أستطع النوم منذ ثلاثة أيام منذ أن حضرت لهذه البلاد اللعينة، أرجوك أن تساعدني لا أريد أن أذهب للطبيب، لا أتحمل سخافاته وأسئلته ونصائحه التي لا تفيد في شيء بينما كل ما أريده مجرد منوم.
- من أين أتيت أنت؟
- من السويد، جئت للاطمئنان على أمي.
- أريد أن أذهب أنا أيضا للسويد أو أية دولة أوروبية أو أمريكا. الحياة هنا تعني العدم، خاصة بالنسبة للشباب فأنا لا أعرف بعدما أقضي فترة الامتياز ماذا أفعل بحياتي.
- الأمر صعب جدا ولكنه سهل لشاب شجاع ولديه طُموح، ولكنك أيضا قد تتعرض للموت قبل أن تصل، الطريق إلى هنالك تحفها المخاطر، مافيا، تجار بشر، مهربون، بحار وأمواج ولصوص وأسوأ شيء عليك أن تبقى في دولة اسمها اليونان لبعض الوقت، وأضاف بصورة جادة: كل التسامح والجمال الذي في روايات نيكوس كازانتزاكس لا تصدقه، إما أنه  خيال أو أن الشعب اليوناني الذي كتب عنه نيكوس لا وجود له الآن.
ولكن درويش لم يقرأ نيكوس كازانتزاكس، بل لم يسمع بزوربا اليوناني، بالتالي لم تكن لهذه الجملة أية معنى لديه. ثم أضاف الرجل وهو يضع كمية كبيرة من المنوم في جيب سترته، يربت عليها براحة كفه ليتأكد من أنها  هنالك:
- ولكنك عندما تصل إلى أول دولة أوروبية أخرى سوف تنسى كل شيء وتعيش كإنسان، إنسان حقيقي.
ومنذ تلك اللحظة بدأ درويش في الإعداد للهجرة، عبر خارطة الطريق التي رسمها له الرجل بدقة، وخلال بعض العناوين وأرقام التلفونات التي تخص المهربين تمكن من إيجاد أول الخيط، أى الرجل الذي سوف يستقبله في ليبيا، المبلغ المطلوب، والوسيط المحايد ومن الرجل أيضا عرف كيف يتجنب بعض الشريرين والمتطرفين من اليونانيين وتحرشهم، لأن رحلته ببساطة قد تنتهي هنالك بقتله أو بتعفنه في سجن لا عنوان له.
درويش، كعادته كان محظوظا جدا، حيث أنه  حصل على جواز مزور في مصر وعليه تأشيرة صالحة لليونان، ولو أن الأمر كلفه بيع فدانين من أرض زراعية خصبة ورثها من جده لأمه، إلا أنه  لم يندم لذلك، بل ابتسم ابتسامة كبيرة عندما وجد الوسيط ينتظره على استقبال مطار أثينا، ويسلمه نصف ثمن الجواز نقدا، حيث يقوم باستخدامه مرة أخرى  لتخليص شخص ما من براثن فقر العالم الثالث إلى     مراتع الحلم بأوروبا.
لم يعرف إلى اليوم الاسم الحقيقي للوسيط، الذي كان صريحا معه عندما قال له بعربي فصيح ولكنة شامية: يمكنك أن تدعوني راشد، أو ما شئت. ثم انطلقا في عربة تاكسي، عبرا شوارع كثيرة واسعة وبعضها ضيق، مرا بمبانٍ جميلة مشيدة بطراز لا يعرفه، ولكنه كان عبر النافذة يحاول أن يرى شيئا من حضارة اليونان التي قرأ عنها في المدارس، أما ما كان يهمه أكثر  هو أن يتمعن في ملامح الناس، تلك الأوجه التي تعبرها العربة في سرعة بالغة، وتمر مثل الطيف أمام وجهه الملتصق على زجاج النافذة، يريد أن يتبين أيهم الشرير الذي حدثه عنه ذلك الرجل قبل شهور كثيرة بأسيوط عند الصيدلية، وكيف تبدو تلك الوجوه وهي تهم بالانقضاض عليه والتهامه. كانا صامتين، وفضل هو هذا الصمت على كلام قد ينبه سائق التاكسي إلى حقيقته، وكان أيضا خائفا من شيء ما لا يدريه، ربما لأنها هي المرة الأولى التي يسافر فيها خارج مصر وهي أيضا المرة الأولى التي يرتكب فيها أمرا غير شرعي ويحاسب عليه القانون، فاستخدامه لجواز مزور فكرة تثير فيه الرعب كلما تذكر كيف كان يرتجف في دواخله وترقص عضلات بطنه رعبا وهو يدخل مطار القاهرة ويقدم جوازه لموظف المطار، وكيف أن نظرة الموظف إليه    أربكته إلى الدرجة التي أصبح فيها أهون عليه أن يصرخ قائلا: "إنه جواز مزور خذوني"، من أن تبقى عينا رجل الجوازات عالقتين في وجهه مثل أشعة الليزر الموجهة، ولو أن تلك النظرة لم تبق سوى خمس ثوانٍ، إلا أنه  أحس بها سنوات طوال، إلى أن صعد للطائرة. كان ينتظر أن يأتي رجل شرطة ويأخذه للحبس، وعندما بدأت الطائرة في التحرك من الأرض، ثم الإقلاع، أحس للمرة الأولى في حياته أن الله وملائكته ورسله بل وجميع الشياطين يقفون في صفه تماما، يساندونه ويدفعونه للأمام، فبكى. والآن بدأ يخاف من جديد، يخاف من اليونانيين، لا يريد أن يموت هنا أو يتعفن في السجن، أو يصاب بعاهة ما، هو يهرب من بلاده من أجل مستقبل أفضل له ولأطفاله من بعده، ويريد أن يأتي بحبيبته في أسرع وقت ممكن، فهو أيضا   لا يتصور حياته من دونها، ولا يرغب إطلاقا في أن يعوق حياته بعض المتطرفين غير المسؤولين، الذين لا يرون فيه غير ضحية بشرية تصيبهم بمتعة بالغة وهم يؤذونها. ولكن هذا المسمى رشيد الذي يجلس قربه بثقة بالغة ورباطة جأش، الذي يبدو متأكدا من كل شيء في الدنيا، وكأنه الله ذاته، يبعد عنه المخاوف بمجرد جلوسه بمجرد سكونه بمجرد القوة والثقة العظيمة التي تبدو على محياه، بمجرد أنه صامت ولا يتحدث، أوقف سائق التاكسي فجأة، أعطاه بعض النقود، وعندما اختفت آثار العربة، تحرك على إشارته، عبرا شارعين عن طريق كبري للمشاة صغير، كان الكبري مزدحما بالمارة، ولدهشته رأى أن هنالك سحنات كثيرة من البشر تسير في أمان، بيض وسود، وصفر وحمر وبُنيين واستطاع أن يميز بعض السودانيين والمصريين والصينيين أو ما يشبهونهم من سحنات آسيوية وإفريقية. بالطبع كان هنالك اليونانيون، لم ينتبه إليه أحدٌ، بل لم ينظر إليه  أى من المارة ولو لثوان معدودات، كتلك النظرات التي رشقه بها ضابط الجوازات في القاهرة أو رصيفه في مطار أثينا، كلهم مشغولون، يسيرون بسرعة إلى أمكنة ما، مهمومون بأنفسهم. كان كل شيء يمضي طبيعيا، وليس هنالك فرق كبير بين الناس كما رآهم في القاهرة وكما يراهم الآن هنا في أثينا. كان يحمل حقيبة يد صغيرة جدا، وهو ما نُصح به، بها بنطلون واحد وقميصان، فرشة أسنان ومعجون، بلوزة قصيرة من القطن مهداة من حبيبته، وكتاب في الصيدلة. وضع الحقيبة جنبه وهو يجلس على كرسي صغير من الخشب، كان راشد قد جلس قربه يقدم له بعض النصائح بدقة:
 عليك ألا تخرج من هذا المكان إلا وأنا معك، أو أن يأتي شخص ويسألك قائلا: أحتاج منوماً وحبوب لقاح.
كل من في هذا المسكن مهاجرون، ولكن لا تأمن أن يكون من بينهم جواسيس وعملاء بل ومجرمون: لا تعطي سِرَّك  لشخص، وكل ما تقوله هو سر يا رجل، مجرد ذكر جنسيتك أو اسمك أو تاريخ ميلادك، قد يؤدي بك إلى ما لا تشتهي.
حاول أن تكون آخر من ينام وأول من يستيقظ.
لا تأكل إلا ما قمت بطبخه وإعداده بنفسك، وسأسلمك ما تحتاج من طعام الآن.
إذا حدث وتم القبض عليك، تأكد من أنك ستكون وحدك، سوف لا تجد من يقف بجانبك، لا أنا ولا غيري، ستسجن لبعض الوقت، ليس أقل من شهرين وسترسل إلى     مصر أو أية  بلد ما، وقد لا تصلها للأبد.
غدا عند السادسة صباحا، تحمل حقيبتك وتنتظر عند الباب، ونتمنى أن تسير الأمور على ما يُرام، بعد السادسة ودقيقة واحدة بالضبط إذا  لم ترني أو يحضر إليك من يسألك عن المنوم، عليك أن تعود لحجرتك وتمارس حياتك العادية إلى  إخطار آخر.
ثم أعطاه كيسا كبيرا به بعض الأطعمة، وودعه وخرج.
المنزل عبارة عن بناية سكنية كبيرة، يبدو أن معظم ساكنيها آسيويون. كانا قد صادفا البعض وهما يلجان مدخل المبنى لأول مرة بعد هبوطهما من التاكسي والتمشي لدقيقتين بالأرجل على طريق ضيقة مرصوفة بالحجارة. الغرفة التي يقيم فيها هي جزء من شقة كبيرة بها عدد من الحجرات لم يتسن له معرفة كم هو، ولكنه قدره بخمس أو ست حجرات، وفقا للأفراد الذين التقى بهم عند المطبخ المشترك أو عند الحمام العام، وبعض الأصوات التي تأتي إليه من هنا وهنالك. ليس بينه وبين الآخرين سوى تحية مختصرة وهي عبارة عن إشارة باليد وردها بذات السرعة والطريقة، متحاشياً الدخول في أية حوارات قد تأتي بعد التحية. من بين الساكنين سيدة وربما لها أكثر  من طفل، تبدو من هيئتها ولغتها حيث سمعها تتحدث مع أحد أطفالها أنها  من فلسطين أو سورية، وهنالك أيضا رجلٌ رآه يجلس في الصالة الواسعة يدخن سيجارة، له ذقن كبيرة وشعر كث، ويبدو كفيلسوف مخبول، أو مجنون فر من مستشفى الأمراض النفسية والعصبية، حياه رافعا كفه اليمنى، رائحة دخان السيجارة مميزة جدا، دخان يعرفه، جيدا، مر أمامه في طريقه للحمام، أشار الرجل إليه بأن يأتي إليه، تردد قليلا ولكنه مضى نحوه، أشار إليه    بأن    يجلس قربه على كنبة طويلة بُنية مثل لون الرجل الضخم ذي الرأس الكبيرة المستديرة، ذقنه الكثة تخفي كثيرا من ملامحه، مد له سيجارة في صمت، أشار إليه  درويش بما يعني أنه  لا يدخن، أعادها الرجل إلى علبتها في بطء، أخذ  يرسل دخان سيجارته في الهواء بمتعة خاصة وهو ينظر بعيدا حيث لا مكان بعينه، يبدو عليه الشرود، قال أخيرا باللهجة المصرية سائلاً وهو يحملق في وجه درويش:
- من فين أنت يا بيه؟
كان سؤال الرجل مفاجئا تماما لدرويش، فارتبك، تذكر وصايا راشد له أن كل ما يقوله يقع في خانة الأسرار، كان الرجل قد توقف عن التدخين في انتظار الإجابة وهو يحملق في وجه درويش الذي بدأت عليه تقلصات الحيرة وهو لا يعرف بمَ يجيب الرجل، وأخذت تدور الأسئلة في رأسه، منَ يكون هذا الرجل؟، أهو مخبر أم يريد امتحانه، أهو مجنون أم إنسان عادي بسيط، ماذا سأقول له؟ وعندما طال انتظار الرجل ربما ظن أن درويش قد لا يعرف اللغة العربية، فألقى عليه السؤال بإنجليزية ركيكة، ولكن بقي درويش صامتا يحملق في بلادة في وجه الرجل، شارد الذهن تماما، تتصارع الأسئلة في دماغه، أضاف الرجل:
- أنت لا تستطيع الكلام؟
تنفس درويش الصُعداء، وتأكد له تماما أن الله قد قاده لمخرج، أشار برأسه إيجابا.
قال له الرجل:
- إذا  أنت أبكم، معليش ربنا يشفيك يا أخي.
أشار درويش برأسه علامة الإيجاب، ونهض لكي يذهب، إلا أن الرجل أمسك بيده وأجلسه قربه مرة أخرى، نظر إليه وهو يقول:
- ماذا ستفعل في أوروبا كيف تعيش هنالك وأنت أبكم؟
قام درويش بعمل عدة إشارات لا معنى لها ألحقها بإشارات أخرى  أكثر  إبهاما، ثم أشار إليه بما يعني أنه  يريد أن ينام الآن ولكن الرجل لاحقه بسؤال آخر.
- هل أنت مصري؟
ها هو يجد نفسه في ورطة أخرى، وهو سؤال لا تحتاج الإجابة إليه إلى  كلام، فلغة الإشارة تكفي، حنية صغيرة للرأس إلى الأمام تعني نعم، هز الرأس في اتجاهين مختلفين تعني لا، والأصابع أيضا تجيد قول لا وكلتا الإجابتين تعني إفشاء للسر، بعد صمت محير، قال الرجل مرة أخرى:
- احتمال كبير جدا سيرحلونك بالبحر إلى إيطاليا، وعليك أن تكون حريصا جدا، لأنك قد تغرق، هل تعرف كيف تسبح؟ ولكن هنالك أيضا أسماكا متوحشة شرهة وفي الشاطئ قد تجد الدورية الإيطالية في انتظاركم، وهي مثل كتيبة من أسماك القرش. ابتسم فأظهر أسنانا كبيرة بنية اللون، قال كمن يوجه سؤالا إلى نفسه: هل واجهت سمكة قرش؟.
 ربنا يكون في العون، أنا أفضل الطيران، لذا أنتظر جوازا وتأشيرة منذ شهرين وخمسة أيام، ثم نظر إلى ساعة معلقة في الحائط وأضاف، وساعتين. صمت قليلا ثم تثآب، وضع السيجارة في المطفأة وتركها تدخن في بطء وهي تنطفئ، قال: الانتظار ممل، ولا أحد يريد الحديث هنا، في أية موضوع كان، يعتبرون ذلك ثرثرة، نعم إنهم يتحدثون ولكن بتحفظ، لا يقولون لك شيئا ذا فائدة، وأنت رجل طيب ولكن للأسف لا تتكلم، قد تجد علاجا لحالتك في أوروبا، حاول أن تصل السويد بأية طريقة كانت، السويد يرحبون بالأفارقة، إنهم شعب عظيم إلا أن لغتهم لا فائدة منها تُرجى، ولكن ما يهم وأنت لا تتحدث أية  لغة، فالأمر واحد بالنسبة لك، أنا أريد أن أذهب للسويد، لدي أقارب هنالك، أنا أصلا إريتري، هربت من السجن في أغردات، عشت في مصر فترة وفي السودان، اسمي صلاح سعد، من مدينة كرن، زوجتي وبنتي مازالتا هنالك، كنت أعمل في الصحافة فاتهمت بالتجسس، كله كذب في كذب، ولكنهم ضربوني ضربا شديدا في رأسي، إلى أن اعترفت بأفعال كثيرة لا حصر لها لم أقم بها ولم أسمعها بل لم تخطر على بالي مطلقا، ثم ضربوني مرة أخرى  لأنني لم أجد مبررا مقنعا لقيامي بها وأعتقد بعضهم أن بعضها ليست سوى كذبات. تحت شعر رأسي الآن أخاديد من الجروح القديمة، هل ترى هل ترى؟ وقام بإزاحة شعر رأسه  الكثيف بأنامله لتظهر آثار الجروح عميقة، حدث هذا قبل عامين ولكني ما زلت أراهم كل ليلة يضربونني، لولا البنقو لما استطعت الحياة، هل تحب البنقو؟ هنا يوجد بنقو، بأسعار معقولة جداً، أنا بدخن نوعا خفيفا، خفيفا جداً، أطلب لك علبة؟ عندما لم يجبه درويش أو أنه  لم ينتظر إجابة   من درويش فواصل في الكلام. أحيانا أصاب بدوخة، ولكني الآن في صحة جيدة، صمت قليلا ثم قال فجأة: هل رأيت المرأة، لا....لا، ليست المرأة أم الأطفال، لا لا، أم الأطفال إنسانة راقية وفاضلة، لو كنت أمينا عاما للأمم المتحدة لأعطيتها الخيار في أن تختار جنسية البلد التي ترغب فيها، حرام أن تُولد مثل هذه المرأة في العالم المتخلف الذي لا يعرف قيمة الإنسان، فأنا أقصد الأخرى، إنها  فتاة جميلة جاءت إلى هنا قبل أسبوع، إنها منحلة أخلاقياً، لقد حاولتُ ممارسة الجنس معها مرتين ولكنها رفضتني من دون مقابل، وأنا ما عندي نقود، كل النقود مع الوسيط، حاولتها مرتين أو ثلاث مرات لا أذكر ثم تناسيت أمرها. أنا شخص غير مِلْحَاحْ، هل معك نقود؟، أقصد بعض النقود، إذا  كانت لديك نقود فإنها لا تمانع أن تبيت معك الليلة، يمكنني أن أخبرها لك طالما كنت لا تتكلم، سأقدم لك مساعدة في هذا الشأن، فنحن رجال ونعرف حاجات بعض، النساء يا صديقي فاكهة الليل، هل أذهب لأطلب منها أن تأتي؟ أنا لا آخذ مقابل ذلك شيئاً، إنها  خدمة لصديق، مجرد خدمة لا أكثر، فإذا كان معك عشرة دولارات فهي تكفينا نحن الاثنين، هي لا تمانع في ذلك. نهض درويش من قربه، حاول الرجل الإمساك به ولكنه أفلت من قبضة كف الرجل القوية ومضى نحو حجرته، أغلقها خلفه جيدا، وحاول أن ينام. كانت الساعة التي بالحجرة تشير إلى الثامنة مساء، ويبدو أن الجميع مستيقظون، كانت تأتيه الأصوات من عمق سحيق بالمكان، صوت المرأة ذات الأطفال، بكاء طفل بين فينة وأخرى، صلاح سعد يتحدث مع شخص ما، أو أشخاص ما. أخرج كتاباً في الصيدلة وأخذ يقلب الصفحات بصورة اعتباطية. وحينما سمع طرقات على باب حجرته نهض مذعوراً، ولكنه لم يفتح الباب بل وقف خلفه يتحسس ما بالجهة الأخرى، ثم طُرِقَ البابُ مرة أخرى، كانت النقرات خفيفة جداً، مما جعله يستبعد أن الطارق هم رجالُ الشرطَة، كما أنه  استبعد أيضا أن يكون الطارق ذلك الملتحي المجنون، لأن مثل تلك الشخصية لا يمكن أن تطرق الباب بهكذا هدوء، ومر بخاطره أن تكون هي الصبية التي تحدث عنها الملتحي، نعم قد تكون هي، هل أقنعها، هل أرسلها إليّ: إذا  طَرَقت الباب مرة أخرى سأفتح لها. سمع لجب أقدام تمضي بعيداً، أقدام ثقيلة، انتظر لدقائق أخرى، أطفأ النور، رقد على سريره، وضع الغطاء الثقيل على جسده كله، ترك وجهه مكشوفاً ونام. حلم (بقضاة أرسطو)، هكذا أطلق عليهم في الحلم. هم شيوخ يونانيون يلبسون ملابس حمراء اللون، يركبون بغالا كبيرة لونها أسود، يحملون نبالا وأسهما على أكتافهم، وهم يقودونه عبر حبل طويل جدا، للدرجة التي لا يستطيع معها أن يرى آخر فرد منهم بصورة جيدة. ثم توقفوا به عند العراء، منطقة شبه صحراوية، بها أعشاب وأشجار عملاقة ولكنها جافة، وترك عليها غربان سوداء وبيضاء. حلوا أنشوطة الحبل من ساعديه. خلعوا ملابسه وألبسوه حُلة حمراء كالتي تُلبَس للسجناء المحكومين بالإعدام. قال له كبيرهم ذو الذقن الكثة والشعر الطويل، الرجل الذي يشبه ذلك الشخص الإريتري، بل لحد ما هو ذاته، قال له: أنت      الآن تمثل أمام محكمة شعب اليونان، فأنتم أيها المهاجرون السفلة تعوقون تنمية بلادنا وتسرقون ثرواتنا وتوسخون أرضنا، لذا سنحكم عليك بالإعدام، ولكن رأت المحكمة الموقرة أن تعطيك فرصة للنجاة. طلبوا منه أن يهرب للجهة التي يريدها، وأنهم سوف لا يبحثون عنه إلا بعد نصف الساعة بالتمام، فإذا لحقوا به فإنهم سوف يصلبونه في إحدى الشجرات اليابسات، ويتركونه وجبة شهية للغربان، وإذا لم يجدونه في خلالها، فإنه حر طليق. وانطلق يجري، ولكن فجأة توقفت رجلاه عن الحركة، وأصبح في حالة شلل تام، كانت أذناه تلتقطان دقات الساعة التي تمضي متسارعة، وتتحرك في مشهد سينمائي رقاصاتها عكس الدوران الطبيعي لها نحو نهاية كُتِبَ عليها: ثلاثون دقيقة. وخلفه ليس ببعيد عن ظهره يجلس أعضاء المحكمة على الأرض، يحتسون العرق ويطلقون الضحكات: كانوا عراة تماما، كما ولدتهم أمهاتهم.
استيقظ مبكرا كعادته، عند الخامسة والنصف صباحا، تسلل إلى الحمام، كان قلقا، ليست لديه أية رغبة في أن يقابل أى مخلوق كان، خصوصاً صلاح سعد، ولكن كان الرجلُ موجودا على الكنبة يدخن سيجارة بهدوء في ذات الوضع الذي تركه عليه بالأمس، وكأنه لم يذهب للنوم أو أنه  يسكن في المكان بل جزء من أثاثاته القليلة، ألقى عليه التحية بحركة من يده، وقبل أن يتبين رد الرجل حشر نفسه في غرفة الحمام، خلع جل ملابسه بسرعة، أحس بأن دقات قلبه تتلاحق، وأنه خائف، خائف من كل شيء، لماذا يخاف، ما هو أسوأ ما سيحدث له: الموت؟ هو سيموت في يوم ما مثله مثل كل المخلوقات، حتى القتلة العتاة سيموتون، مات هولاكو، مات جنكيزخان، مات هتلر، مات نيرون، مات فرانكو، مات الحجاج بن يوسف، وغيرهم ممن لم تعنه الذاكرة على استحضارهم الآن، مر بخاطره شطر بيت شعر لا يدري لمن هو، حفظه منذ أيام الدراسة:
 "إذا لم يكن من الموت بدٌ فمن العار أن تموت جبانا".
ما الذي أتى بذكرى الموت الآن، من هو ذلك الجبان؟ كان مرتبكا جدا، ويبدو أن آثار حلم الليلة السابقة مازالت تحركه من اللاوعي. عليه أن يفعل شيئا من أجل نفسه. من أجل إنسانيته المهدرة. فتح الدش بأقصى طاقة، فتح فمه واسعا، جذب أكبر قدر من الهواء، ملأ به رئتيه جيدا، ثم لم يتردد لحظة واحدة، ولم يفكر أيضا: غنى، نعم غنى بأعلى صوت وهبه إياه الخالق وباركته الملائكة في تلك اللحظة، أول أغنية خطرت بباله:
"No women
No cry
Do you remember
 when we use to sit
In the government yard.
of Trench town?"
إلى أن سمع طرقات عنيفة في باب الحمام، فخرج عارياً، ليجد صلاح سعد والمرأة وطفليها، سيدة أخرى سمراء سمينة، شخصين آخرين غريبين في ملابس النوم، كانوا مندهشين ينظرون في استغراب إلى الرجل الأبكم الذي يغني الآن. ابتسم، ابتسامة واسعة تكفي الجميع، أغلق الباب، أكمل حمامه في صمت، خرج، مضى نحو حجرته. صلى صلاة الصُبح في قِبْلَةٍ اختارها عشوائياً، جمع أشياءه، أصلح السرير، حملق في ساعة الغرفة، كانت السادسة إلا دقيقة واحدة، خرج ينتظر راشد أو من يسأله: هل لديك حبوب منوم وحبوب لقاح.

2014/07/16

تحميل ثلاثية البلاد الكبيرة - الطواحين

الطواحين
http://downloads.hindawi.org/books/81840925.pdf



هل بإمكاننا أن نأمل في مُتنفَّسٍ للحرية في محيطٍ يملؤه الاستبداد والقهر؟ هل يُمكن التأسيس لجمالٍ خاصٍ وسط القبح؟ وهل يُمكن للعلاقات أن تحفظ نقاءها دون أن تُدنَّس بوقاحة الواقع؟ أسئلة تُطرح بشكل يوميٍّ في دوائر مُصمتة، تدور فيها الحكايات دون أن تصل لأكثر من دوائر جديدة لتساؤلات أكثر. «الطواحين» هي كتابةٌ عن دوائر الناس، يقف «عبد العزيز بركة ساكن» في مركز إحداها ليروي لنا حكاية نضالٍ ضدَّ السلطة المستبدة، على لسان امرأة تسكن عالمًا أصرَّ على أن يضعها في قالب أصغر من أحلامها، حكاية القدِّيسة «سهير حسَّان» و«المختار» الذي كان مُتنفَّسها للحكي، ومعهما جوقة من المتمردين على قواعد بالية لحياة سابقة التجهيز. عالمٌ غنيٌّ جديرٌ بالتناول، صاغه الكاتب ببراعةٍ في الجزء الأول من «ثلاثية البلاد الكبيرة» و«العاشق البدوي».
رابط تحميل الرواية
http://downloads.hindawi.org/books/81840925.pdf

تحميل ثلاثية البلاد الكبيرة - رماد الماء

رماد الماء
http://downloads.hindawi.org/books/26020959.pdf



نتساءل: كيف الفرار إن سُلِّمت آلة الحرب الطاحنة إلى غاضب أعمى؟ يغدو الهدم حينها أقلَّ الكوارث وطأة، فالقتل المجاني يطلُّ بشبحه على الجميع. «الحرب الأهلية» مصطلحٌ يمرُّ كمعلومة عابرة وسط الحكي، دون أن يعي قائله مدى بشاعة التقاتل بين أبناء أرض واحدة، كان لهم ذات يومٍ حلم مشترك وأمل واحد في الحياة في محيطٍ آمنٍ لا أكثر. «السلم هو جثة الحرب»؛ هكذا يفتتح الكاتب هذا الجزء من «ثلاثية البلاد الكبيرة والعاشق البدوي»، الذي يتركنا فيه لنعايش ما كان من ويلات وفظائع التقاتل الأهلي بأحراش «جنوب السودان» وقراه ومدنه قبل انفصاله، تأخذنا المشهديَّة المتقنة لنشاهد ما حدث رأي العين، نُحمَّل بالحقائق صادمةً عارية، ولا ننخدع بالسلام الذي كان ثمنه «الموت البارد».
رابط تحميل الرواية
http://downloads.hindawi.org/books/26020959.pdf

تحميل ثلاثبة البلاد الكبيرة - زوج امرأة الرصاص وابنته الجميلة

زوج امرأة الرصاص وابنته الجميلة







في «زوج امرأة الرصاص وابنته الجميلة» يستمر «بركة ساكن» في سبره لأغوار تلك القصمة التي شقت نسيج الوطن نصفين؛ يأخذنا بسحر سرده إلى أسرار الحرب المختبئة في غرف البيوت ونفوس ساكنيها، يطرح التساؤلات التي تكاد تقفز من الوجوه صارخة: حرب مَن ضد مَن؟ وما الهدف؟ كيف تخلطون الحرب بالجهاد؟ ولماذا يموت الناس؟ فداء الوطن، أم الإسلام، أم العدم؟ … لا إجابة، ولا وضوح سوى لصوت أحكامٍ عرفيةٍ تُنصَّب سيدةً على الجميع، حتى على سيف العشق الذي لم يسلم منها، فلا الجنوبية تحلُّ للشمالي، ولا العرب يحلون لﻟ «دينكا». بين ابتسامة «مليكة شول»، حكمة «جعفر»، غموض «محمد الناصر أحمد»، ومصير «ملوال»، تجتمع خيوط سردٍ متقنٍ لرحلةٍ عبر الحب والحرب،
رابط تحميل الرواية

2014/07/12

تحميل رواية العاشق البدوي

http://downloads.hindawi.org/books/57071363.pdf



العاشق البدوي

عبد العزيز بركة ساكن
ويتركنا في حنين إلى البشرة السمراء والأعين الغائرة.
«الإنسان هو مشروع فاشل لمخلوق أسمى»، بهذه العبارة الصادمة يبدأ الروائيُّ السودانيُّ «بركة ساكن» روايته «العاشق البدوي»، إحدى أجزاء سلسلة «ثلاثية البلاد الكبيرة والعاشق البدوي»، متنقِّلًا بين أكثر من راوٍ، منهم «سارة حسن» التي سردت مُعانَاتها في سجون النظام وما لاقته هي وغيرها من سجينات الرأي — الذي لم يكن يعجب السادة المرفهين في الحكومة — من تعذيب وقهر في الأقبية المظلمة، على يد ذلك الضابط الوسيم مدَّعِي الإيمان، حيث سَامَ هو ورفاقه تلك الأجساد الحزينة سوء العذاب، غير مهتمين بكونهن شيوعيات أم جمهوريات، فليس هناك أحد في مأمن من بطش النظام، حتى هؤلاء الذين ينتمون للحزب الحاكم، فالحقيقة الوحيدة هي القهر. والرواية التي بين يديك تُعَدُّ جزءًا مما يمكن اعتباره مشروعًا ثقافيًّا مستمرًّا للمؤلف الذي يؤكِّد دائمًا أنه يستهدف بكتاباته تجسيد واقع المهمَّشِين والضعفاء، ضحايا الظلم ووقود السلطة الباطشة.
رابط تحميل الرواية

تحميل رواية مسيح دارفور

http://downloads.hindawi.org/books/19028174.pdf




ليس هناك طرف منتصِر في تلك المعارك العبثيَّة التي يحشِد فيها السادة خيرة الشباب تحت شعارات مبتَذَلة ينطفئ رَوْنَقُها لحظة إطلاق النار في الميدان، ويصبِح وقتها الموت هو الحقيقة الوحيدة، وكعادة الحروب فإنها تستدعي أسوأ ما في الإنسان من كراهية وعنصرية حتى بين أبناء نفس البَشَرَة السمراء؛ فبينهم السادة والعبيد المناكيد، ووسط كل هذا الضجيج يخرج صوتٌ من دارفور يعلن أنه «مسيحٌ جديد» يأتي بالمعجزات، تسمِّيه الحكومة «النبي الكاذب» و«المسيح الدجال»، وترسل في طلب صلبه أحد زبانيتها، حيث تتوالى أحداث حابسة للأنفاس لا تَغِيب عنها مفردات التراث الشعبي السوداني الفريد.
رابط تحميل الرواية
http://downloads.hindawi.org/books/19028174.pdf

تحميل رواية الجنقو مسامير الارض


http://downloads.hindawi.org/books/86496931.pdf






الجنقو مسامير الأرض


عبد العزيز بركة ساكن


تحدث هذه الرواية عن الإنسان، بفقره وضعفه وآلامه، بأخطائه وخطاياه، تتحدث عن العمال الموسميين «الجَنْقُو» الذين تركوا قراهم الفقيرة بحثًا عن لقمة العيش وأملًا في العودة بثروة صغيرة تغير حياتهم، وفي سبيل ذلك يقبلون أن تطحنهم تروس الحياة الخشنة مرات ومرات، في مزارع السكر وحقول السمسم والمصانع ذات الآلات الرثَّة، فتتغير أعمالهم وأسماؤهم خلال شهور السنة؛ فهم «الجنقو» و«الفَحامين» و«كَاتَاكو» دون أن يغيب عنهم الشقاء لحظة، فلا يجدون مهربًا إلا  «الحلة» حيث تُغرَق الآمال والهموم في أقداح الخمور الرخيصة وأدخنة الحشيش السيئ التي يتشاركونها في الليالي الطويلة مع نساء بائسات يعرضن أجسادهن لقاء قروش قليلة، وبدلًا من أن يعود «الجنقو» مرة أخرى لأهليهم بعد شهور العمل الشاق يقررون أن يبقوا في الحلة، فمالهم تبدَّد وكذلك شطر كبير من العمر.
رابط تحميل الرواية

http://downloads.hindawi.org/books/86496931.pdf




2014/07/11

تحميل رواية مخيلة الخندريس -(ذاكرة الخندريس*)

http://downloads.hindawi.org/books/68592796.pdf








مخيلة الخندريس: ومن الذي يخاف عثمان بشري؟



تظل القضية الأساسية لدي الأديب السوداني «بركة ساكن»؛ هي قضية المهمشين الذين لم يختاروا قط ظروفهم السيئة، بل كأنها هي التي بحثت عنهم وفرضت عليهم القهر فرضًا. يحدثنا في هذه الرواية عن شريحة كبيرة من هؤلاء الذين طالما لفظهم المجتمع كأنهم وباء؛ إنهم أطفال الشوارع المشردين في مدن السودان بلا أيِّ تطلُّعٍ إلا إلى مواصلة الحياة ليومٍ آخر، على الرغم من أن حياتهم ليس بها ما يُغري بالعيش؛ فالطعام شحيح والملابس لا تكاد تستر عُريانًا وليست لأجسادهم حرمة، فالقهر هو اسم اللعبة وإن اختلف شكله ما بين اغتصاب وتعذيب وقتل؛ لذلك يلجئون للخمور الرخيصة لتحلق بهم في عوالم بعيدة، بالإضافة للكثير من القصص المؤسية نكتشفها معًا خلال صفحات الرواية التي وقع عليها الاختيار سنة ٢٠١٣م لتُدرَّس لطلبة وطالبات المعهد العالي الفني بمدينة «سالفدن» النمساوية، وذلك بعد ترجمتها إلى الألمانية.

2014/03/14

قراءة لرواية مسيح دارفور: د.عمرو عباس



القارىء:  لست ناقداً ادبياً. اذن اقترابي من اية رواية هو اقتراب قارىء، انفعالاتي، مشاعري تجاهها و ماذا تتركه الرواية من اثر. بدأت قراءة الروايات منذ عقود، من قصص كامل كيلاني، ارسين لوبين، روكامبول، مجلات الصبيان، سمير وميكي وغيرها.
اتجهت بعدها لروايات إحسان عبد القدوس، يوسف ادريس، فؤاد احمد عبد العظيم، نجيب محفوظ وغيرهم. اقتربت من الكتاب الاوربيين الكلاسيكيين من مثل شارلز ديكنز، اوسكار وايلد، فكتور هوجو  وغيرهم مع سلسلة لونقمانز، وكانت سلسلة مختصرة لروايات طويلة باللغة الانجليزية في المدارس الوسطى والثانوية. مع دخولي عالم السياسة بدأت التعرف على ادب الكتاب الروس من تولستوي، تشيخوف وحتى جوركي وغيرهم.
المرحلة الاخرى في عالم الرواية (بعد ان كانت قصة طويلة لها بداية، شخصيات، احداث ونهاية) جاءت مع رواية اولاد حارتنا لنجيب محفوظ، ثم الطيب صالح فى موسم الهجرة إلى الشمال وضو البيت لتجرنا إلى عالم مختلف من الكتابة. رافقها تعرفنا على روايات امريكيا اللاتينية، وكان مدخلنا اليها: مائة عام من العزلة لجارسيا ماركيز. كل هذة الروايات اتخذت خلفية ما "حارتنا في اولاد حارتنا، قرية الشمالية في موسم الهجرة إلى الشمال وماكوندو مائة عام من العزلة".
كل هذة الروايات اتخذت خلفية وبنت عليها احداث الرواية، ولانهم لديهم مواقف وانحيازات يودون الحديث عنها فقد اتخذوا "الخيال هو في تهيئة الواقع ليصبحَ فناً"، كما عبر ماركيز. لم يكن من مفر سوى أن يبني الروائيين العظام عالماً خيالياً وغرائبياً ليعبروا عن الواقع، لانهم اذا تناولوها في قصة فسوف تصبح منشوراً سياسياً او في افضل الحالات قصة كلاسيكية تمتاز بعمق الشخصيات. الخيال لدي هؤلاء جميعاً يلعب دوراً في اخفاء ما يودون الحديث عنة من حديث مباشر إلى تفكيك للعناصر المختلفة فى هذا الكائن الخفي. كانت مدينة أو قرية " ماكوندو" قلب ومركز أغلب أحداث مائة عام من العزلة، غطّاء للحرب الأهلية بين اللبراليين والمحافظين وتطور قرية ماكوندو التدريجي من مجرد قرية صغيرة بائسة إلى مدينة شهدت أولى معالم النمو الرأسمالي، نشوء طبقة عمالية وبداية إضرابات العمال والقتل الجماعي.
في العشرين سنة الماضية رغم شرائي لكثير منها، فقد تحدد تعاملي معها وهي ان الرواية الجيدة التي تستحق القراءة، التي اقرأها في جلسة واحدة او متتابعة في عدة جلسات، وربما فاتتني روايات عديدة من توجهي هذا. لفتتني ابنتي إلى عبد العزيز بركة عندما تم منع عدة روايات للكاتب اثناء عرضها في معرض الخرطوم للكتاب عام 2012. وجدت رواية "الجنقو مسامير الأرض" وقرأتها وكنت اعدها من ضمن افضل الروايات التي قرأتها. اتيحت لي قراءة العديد من روايات عبد العزيز اثناء اشتراكي في معرض الشارقة للكتاب وكان انطباعي العام أننا امام روائي مجيد من العيار الثقيل. ربما ما جذبني اكثر في رواية عبد العزيز، غير اللغة، الحبكة الدرامية، العوالم الغرائبية التي يصفها بدقة وعمق شديدين، البحث المضني الذي يقوم به لكتابة رواية. ولانني اقرأ الرواية من منطلق تكويني العلمي فانني من الذين يبحثون في اي رواية عن دقة المعلومات والوصف الواقعي للمكان، اذا كان هناك مكان.
لقد كانت لي نفس التجربة عندما عملت طبيباً عمومياً في مليط بدارفور (سبتمبر 1985- مارس 1986) وبدأت في كتابة رواية "السندلوبة" والتي استغرقت مني حوالي العشرة اعوام  ( لقد اضطررت لقراءة اغلب ما كتب عن دارفور انذاك (من ناختيقال، التونسى، سنادة، لادسلاف هولى، اوفاهي وغيرها من المصادر التي توفرت لي آنذاك). غير هذا فقد انثنيت في اقامتي الثانية (1989-1990)، مديراً للخدمات الصحية بالفاشر للقيام بزيارات لمعظم الاقليم، الحديث مع سكان اغلب المناطق ودراسة معمقة للوضع السياسي الاقتصادي والإجتماعي.
الروائي
التقيت بعبد العزيز، لاول مرة، في معرض الكتاب بالقاهرة فبراير 2014، ضمن مجموعة من الشابات والشباب من المبدعين (رشا عوض، صالح عمار، فايز السليك، رانيا مامون وغيرهم). دار حوار في الجلسة وفي اتصالات تليفونية لاحقة وقد كان من نتائجها أن هداني لرواية مسيح دارفور، والذي اعتبرها اكثر تطوراً من الجنقو. وهكذا كان، فبعد أن تجاهلتها لعدة ايام اقبلت عليها ولم اتركها إلا بعد أن انهيت قراءتها في حوالي نصف ليلة.
من خلال محاثاتي مع الروائي علمت انة كتب الرواية بعد ان عمل في دارفور لفترة. أنا مآخوذ بشكل ما بدارفور منذ اقامتي بها وزياراتي لها فى عام 2012، اثناء عملي لتحضير وثيقة سياسات واستراتيجيات اعادة اعمار دارفور وهذة حكاية اخرى. ولهذا فقد استغرقني عالمها الذي نسجة عبد العزيز ببراعة فائقة. وكان اكثر ما جذبني – وانا الخبير بتأريخ، جغرافية، سكان وتشابكات علاقاتها- أنني وجدتني وجهاً لوجة امام روائي امتلك ناصية هذة المنطقة بكل تعقيداتها.
واجه الروائي مآزقاً اخر في مسيح دارفور. مأزق واجهتة الكتابة الروائية عندما ارادت الخروج من الكلاسيكية التي كانت تتحدث عن عوالم ارستقراطية، طبقات وسطي، او حتى عندما كتب جوركي عن الطبقة العاملة او الأوكراني الشهير نيكولاي أوستروفسكي كيف سقينا الفولاذ. روايات تعطينا عالماً من الخير و الشر والصراع بينهما، حيث هناك ضحايا وظالمين. هذا المأزق هو الذي اعطانا الكتاب العظام ما بعد السبعينات. عبد العزيز ينتمي بشكل إلى عالم الوسط وثقافتة وفي نفس الوقت ينتمي لهامش هذه الثقافة وتربي جزئياً فيها. وهو لديه موقف فكري وسياسي حول القضايا التي تؤرق مثقفي الوطن، بل يعبر عنها في حياتة ودخل السجون دفاعاً عن مبادئه.
هذه هي الخلفية التي انطلق منها روائياً. عندما كتب الروائي الجنقو مسامير الأرض، استوقف القراء بنقلهم إلى عالم لا يعرف عنه مثقفي الوسط شيئاً كثيراً. عبر عن هذا الاستاذ طلحة جبريل " نقلتني الرواية إلى بيئة لا أعرف عنها شيئاً، وإلى مشاهد وصور، كتبت بعناية شديد، في بناء روائي متماسك". من جانب آخر " تعرضت معظم مؤلفاته للمصادرة حتى لقب في الأوساط الفنية بالزبون الدائم للرقيب". برر المجلس الاتحادي للمصنفات الفنية والأدبية في الخرطومقرارات الحظر لما تحتويه مؤلفاته من "مشاهد جنسية خادشة للحياء العام". وعبر هو عن الرواية "هي ليست رواية سيرة ذاتية، ولكني اتخذت وسيلة سردية تجعل الرواية كما لو أنها رواية سيرة ذاتية... هنا استعير آليات كتابة السيرة الذاتية لكتابة العمل الروائي التخيلي، وفي ذات الإطار يفسر استخدام الحوار الذي هو أصلا أداة مسرح والتصوير من السينما والفن التشكيلي وهكذا".
أن تكتب عن عالم مجهول لمثقفي الوطن شيء، وان تتناول قضية معروفة وتتناولها اجهزة الاعلام المختلفة المحلية والعالمية، شيء اخر. فمهما امتشق الروائي سيفه وشق بطن العوالم المختلفة في دارفور، فهي قد سبر كتاب آخرون غورها، تناولها الانثربولوجيون مراراً وحكاها المراسلون الصحفيون تكراراً. بجانب أن من يريد الحديث عن دارفور لابد ان ينطلق من موقف ايديولوجي ولا يمكنه الهروب من ذلك مهما كان حاذقاً. كان امام الروائي ان يستعمل كافة تكنيكاتة ويتوغل بنا في عوالم لم نطأها من قبل، متحاشياً المباشرة وان تتحول الرواية إلى قصة طويلة، او أن يجرب طرق اخرى مجازفاً ان تفلت منة قسمات ما يود ايصالة للقراء.         
الرواية
عندما انتهيت من قراءة الرواية، حوالي 214 صفحة، كتبت مابين عامى 2008-2012 وتجىء في 15 فصلاً غير الاهداء، كانت الكلمة المفتاحية التي لصقت في ذهنى، الموكب. بنى الروائي روايته، التي تتناول منطقة دارفور في السودان، والتي يمكن ان تكون في اي مكان آخر وقد وجد ما يجعل من روايةٍ عظيمةً. تجاوز ساكن محنة الخروج برواية فائقة الروعة، باختيار منطقة عرفها جيداً، اذ عمل في دارفور لفترة كافية، قرأ عنها ما كتبة الاخرون، سبر غور اناسها، دخل عوالمهم المغلقة بخبراته كما فعل في الجنقو، اختار شخصيات معقدة تلخص شخوص وفئات باكملها في الوطن، توغل داخلهم وفكك مشاعرها وتلمس كافة احاسيسها الرهيفة والعنيفة، الانسانية والحيوانية وغاص فيها عميقاً.
كل هذا لم يكن يخلق الرواية العظيمة، في أحسن حالاتها كانت لتكون رواية محسنة من الجنقو، تعطي المهتمين بدارفور حكاوي جديدة عن المآساة المرعبة التي تعيشها في صراع الحيوات. لو اعتمد عبد العزيز علي قدرتة على ايصال العوالم الغريبة لمثقفي الوسط، اختيار الشخصيات المعبرة عن الهامش وبنائها الدرامي او حتى اذا استورد كل التعابير الغريبة كانت ستظل رواية قصة طويلة. واجه الروائي ما واجهه الكتاب العظام عن كيف تتحول رواية تتحدث عن العادي الذي تتناولة الانباء، التقارير، شهادات السكان، نتائج التحقيق وغيرها إلى عمل أدبي يتجاوز المكان، الاحداث، الشخوص ليصبح عملاً ملحمياً، سوف يكون مشهداً يمكن ان تراه في كافة ارجاء الوطن، بل في اي مكان تدور فية احداث مماثلة.
عندما تصدى الروائي للاجابة علي الخروج من الرواية القصة إلى الرواية، لجأ لما استنة الروائيون العظام "الخيال هو في تهيئة الواقع ليصبحَ فناً". الخيال هنا ليس خيال الاحداث او الشخوص، لكن مزيج من التراث الشعبي، الاسطورة، البنى الغريبة وتعبيرها عن عالم غير واقعي تماماً. الروائي، كاتب عرف بمواقفة الواضحة تجاة قضايا وطنة، لدية رؤية وتعاطف شديد مع شخصيات بعينها، مواقف بعينها، الطبيعة، المحيط الجغرافي في الرواية، لكن كان عليه ان يقنع القارىء انه يبني شخصيات ومواقف ولا يستعملها لتعبر عنه ومجرد معابر ليبثنا افكاره، مهما كانت نبيلة، او يستلبنا في مواقعه لأننا نتعاطف معها. لو كان قد فعل لكنت ازحت الرواية جانباً وتركتها.
المسرح الكبير الذي اختاره عبد العزيز كخلفية عامة، دارفور، ثم اختار المكان: ضلاية وخربتي وهما في ظني انعكاسان لمكان واحد، والشخوص: الحكومة (مجندي الخدمة الوطنية الإلزامية، الجنود النظاميين،  المجاهدين وحرس الحدود وهو الاسم الرسمي للجنجويد)، السكان من عرب وزرقة ومسيح دارفور أو إبن الإنسان. في داخل الشخوص تفصيلات عديدة سوف نتناولها لاحقاً. عندما اراد الروائي تحويل الرواية من قصة او حكاية إلى عمل روائي عميق وانساني، جاء إلى المشهد بتراث حضاري وثقافي يضرب في جذور السودان الغربي من دارفور إلى المحيط الاطلسي، النبي عيسى (ابوه من الزرقة وامه من العرب). لم يأت بابوجميزة او غيره لكن آتي بالتراث الاسطوري الصوفي الذي نسجتة الحكايات والروايات المتنقلة عبر العصور. فمريم الحبيبة هي نتاج انصهار هجرة اندلسية قديمة تصاهرت مع التنجور والفور، التي تستدعي قصة احمد المعقور من بني هلال. هذا العنصر هو الذي نقل الرواية من الحكاوي العادية التي ينسجها كاتب بارع إلى رواية متماسكة جعلتني امسك قلمي واكتب عنها.
الروائي في بناء الاحداث كان حذراً ان يجهر بأي رأي في شخوصه، لذلك لجأ لرواية الحدث من وجهات نظر عدة، بدون تدخل منه بقدر الامكان، رغم ذلك فقد فلتت منه أحياناً بعض هواجسه، مواقفه واختياراتة.   اختيار بعض الاماكن جاء موحياً مثل قرية ضُلاية "التي هاجمها الجيش الحكومي والجنجويد فأبيدت واستبيحت نساؤها وبناتها.. يسمونهم جهراً وفي أوجههم أمبايات، وهي بعربي دولة النيجر موطنهم تعني العبيد". من ضلاية جاء جزء من شخوص الرواية، شارون وعبد الرحمن وغيرهم.  ضلاية كانت معادلاً موضوعيا لدارفور "أن أول أهداف ثورته هي تحرير مواطني قرية ضُلاية، ثم يضيف في يأس، لا يمكن أن تُحرر ضُلاية ما لم تُحرر دارفور كُلها". القرية الاخرى هي خربتي (في الأصل كانت كلمتين: خور وبتي، أي خور بتي، وبتي ليست هي ابنتي كما بدراجة كثير من أهل السودان، ولكنه اسم فقيه، أول من أقام بهذا المكان. وهو الشيخ آدم كُويا فكي بتي هارون). وقد كانت خربتي مدخلاً للروائي ليرمي باطروحتة الاساسية ان دارفور هي مكان التعايش بين كافة العرقيات "لكي يثبت شيخ بني حسن حُسن النية ، كانت في صحبته ابنته الصغرى وعشر أخريات من بنيات العُمد والشيوخ وطلب تزويجهم في الحال لأعيان خربتي، وبالمقابل قام أهالي خربتي بتعيين اثنيي عشرة فتاة من بناتهم وتزويجهن لأعيان بني حسن، تم ذلك في احتفالية ضخمة استمرت أسبوعاً كاملاً، رقص فيها الجميع على إيقاعات طبول بني حسن ونقارة الفور معاً".
عندما يتناول عبد العزيز الشخصيات لا يحاول مطلقاً اصدار احكامه، لكن يستخرج الاحكام من الاطراف المختلفة على بعضها. وهم في النهاية جميعها ضحايا بشكل او اخر، عدا المسئول الحكومي للسلطة المركزية والذي غرضه واضح بشكل ما للاطراف "الحرب بالنسبة للحكومة والجنجويد قد أدت غرضها بنسبة 90% وهو المتمثل في تهجير قبائل الدارفوريين إلى ثلاث جهات: المعسكرات إلى تخوم المدن الكبرى، مثل نيالا، الفاشر والجنينة وقد تبني لهم قرى نموذجية بتمويل عربي إسلامي يجبرون على الإقامة بها، وإما إلى دولة تشاد كلاجئين، أو للآخرة كموتى، وما تبقى من ال10% إما كرق في القرى التي يسيطر عليها الجنجويد، أو ينتظرون دورهم في الموت والتهجير لتحل محلهم المجموعات البشرية القادمة من النيجر وجمهورية تشاد تحت مسمياتٍ قبليةٍ كثيرةٍ".
اذا كان الروائي قد حشد الرواية بممثلي الهامش "عبد الرحمن، خريفية، مريم، شيكيري توتو كوة، شارون وغيرهم"، فقد مثل الوسط بأيديولوجيا نراها تبرز احياناً ولها ممثلين من الجيش، الشرطة، تجار نيالا وكلهم بدون اسماء محددة، او حتى ادوار محددة. هذا مهم لأن المهم ما تفعله الايديولوجيا وليس من يفعله، فهي في النهاية نظام كامل.
ايضاً مثل الوسط بصوت محدد له قسمات محددة، وبناه في الرواية جزءاً أصيلاً منها. ابراهيم خضر ابراهيم، هو المثقف السوداني، الذي يجبر على خدمة أيديولوجيا لا يؤمن بها، يحارب في جبهات لايعتقد انه على علاقة بها. وهو غير مأمون الجانب من النظام الذي يخدمه ويُطَلَبَ من شيكيري أن يتحرى عنه، فهو شخص حاقد على الآخرين والمجتمع، لذا يتبنى الأفكار الهدامة، مثل الشيوعية والجمهورية وغيرها.             أيضاً المقاتلين لا يطمئنون له، فبينما يقبلون شيكيري في صفوفهم مقاتلاً يختار هو أن يكون أسيراً. بنى الروائي تطور شخصية ابراهيم خضر كمثال للمثقف السوداني بكل خصائصة، ايجابياتة ونقائصه، وتوغل داخله للحفر عميقاً حتى نراه منكشفاً تماماً. لذلك لم يهتم الروائي بمتابعتة بدقة في احداث الرواية، ولكن تفرس بشدة في تكوينه العرقي والاجتماعي وجعله رمزاً لسنوات قضية دارفور آنذاك (عشر سنوات).
تناول الروائي تأريخ ابراهيم خضر الاُسَرِي بشكل تفصيلي، وجعل بعض تناوله يتم عن طريق شيكيري، فهو كمعظم السودانيين خليط من قبائل سودانية وعربية، وأن جعل هذه الواقعة التأريخية اكثر قرباً، ليجعلنا اكثر تاثراً بالحدث "جدته المباشرة لها اسيادها الذين لولا الانجليز لكانوا لا يزالون تحت القيد، وأن جد إبراهيم هو ابن السيد، ليس يعني هذا أنه ابن غير شرعي، لأن أمه ما ملكت أيمان سيدها، وهذا حلال في الشريعة ولم يختلف عليه فقيهان". ولكن ابراهيم ايضاً مثقل برغبة اسرته في الانتساب للجد اكثر من الجدة "وأن أهلهم في الزمان القديم كان لهم خدم وحشم ويبيعون ويشترون في العبيد كيفما شاءوا وكيفما اتفق". الحبكة الدرامية الاكثر حيوية جاءت من موقف ابراهيم خضر من مسيح دارفور. فقد قبل ان يكون رسول النظام لتحديد هوية و آراء الرجل، وليس اكثر من ذلك، أي أن لاينزلق للتساؤل عن حقيقة دعواه. عندما التقى به وحاوره " لم يكفر بالرجل، ولكنه لم يستطيع أن يؤمن به، ولو أنه اصبح من تابعيه، من أجل المعرفة"  
تناول عبد العزيز اخطر ظواهر الصراع في دارفور، الجنجويد. منذ البداية لايخفي الروائي موقفه منهم من خلال العديد من الشخصيات حتى شيكيري الذي جاء من منطقة لا علاقة له بها. استعمل الروائي اقسى الكلمات والجمل عند التعبير عنهم "ملابس متسخة مشربة بالعرق....شعور كثة تفوح منها رائحة الصحراء والتشرد....ليس من بينهم مدني، ولا متدين ولا مثقف....الفئة الغريبة... لا يعرف شيئاً عن الجنة او النار، يحارب من أجل هدف غامض...رائحته اشبة بالجيفة منها لرائحة الانسان....فصل رأس الطفل عن جسده تماما...أكل قطعة لحم نيئة اخرجها من ذات الجراب". مع تصاعد الاحداث تصل العلاقة بين كافة اطراف الهوامش والجنجويد إلى اللاعوده، فقد طلبت عبد الرحمن من شيكيري في الساعة الأولى من الزواج "إما أن ينتقم لها، أو يساعدها على الانتقام، ولا خيار ثالث". ثم يتطور الموقف إلى موقف عام من سكان المنطقة عبر عنها مسيح دارفور "اهون لجمل أن يدخل من ثقب إبرة من أن يدخل جنجويد ملكوت الله". الجنجويد في الرواية، كما تشي الجملة السابقة، تتجاوز المجموعة السكانية المعروفة بهذا الاسم إلى ان تكون تعبيراً عن كافة صانعي الايديولوجيا العربية المبنية علي الدين. كثير من الاوصاف، التي ترد في الرواية، شبيهة بما استعملها النظام الحاكم او اطلقت على ممارسات منتسبيه "أبو دجانة... مسك الختام... وليس من بينهم مثقف، ليس من بينهم معلم أو متعلم، مدير، أو حرفي، ليست لديهم قرية أو مدينة، أو حتى دولة.... استبدال القيادات المجتمعية والشعبية المتوارثة بقيادات شبابية أسمتهم الأمراء...الغنائم"  
بدأت الرواية بفصلها الاول المعنون طِرّ. قدم الفصل جميع الاطراف التي سوف نلتقي بها في الرواية، من الجندي، الجنجويد، صانع الايديولوجيا المتكئة على ديماجوجية مؤامرات اسرائيل وامريكا، ابناء الهامش وغيرهم. هنا تبدأ الرواية في الغوص في عالمها الخيالي، مسيح دارفور، باستدعاء إحياء الموتى، إذ من ريشة يقوم طائر "إذا به يرسم غراباً على الأرض، يضع الريشة في مكانها المناسب، بل الصحيح، تنمو بقية الرياش في أماكنها بالقرب من الريشة الأولى، تكتمل بنية الرياش، من ثم يظهر المنقار، القوائم، المخالب، إلى أن اكتمل الغراب...قال للغراب: طِرّ فطار الغراب".
انتهت الرواية من احداث مآساوية، قاسية ومؤلمة، اغلبها احداث غير انسانية من القتل، التلاعب بمصائر البشر يرتكبها اطراف متعددة من هذه الشخوص التي تتلاقي في كافة منحنيات الرواية، واقع بائس لها في ذكرياتنا صدى وحكايات كثيرة، هذه الاحداث، الشخوص والاماكن قادتنا إلى أن ننتظر الموكب، الذي يمثل الامل أن نتجاوز به هذا الموقف التعيس والذي تعاني فيه كافة الشخوص في الرواية، مهما كان موقفنا منهم ومهما كانت درجة شراستهم واستلابهم. " كانوا لا يدرون إلى أين يسير الموكب، ولكنهم كانوا يعرفون أنه يسير لوجهة ما وجهة كلها خير، إذا لم تكن نحو الجمال، فالموكب يدري وجهته. على الرغم من ثقل الصلبان كانوا يحسون كما لو أنهم يطيرون، يحلقون عالياً في السماء التي مثل أحضان أم عظيمة لا نهائية تضمهم إليها وتبتسم"

2013/12/23

مسيح دارفور .. قراءة: عبدالرحمن حسين دوسه

مقال عن الروائى عبدالعزيز بركة ساكن

مسيح دارفور

المؤلف: عبدالعزيز بركه ساكن

الناشر: أوراق للنشر والتوزيع

الطبعه الأولى: سبتمبر 2012

قراءة: عبدالرحمن حسين دوسه




رغم أن مَسْقَط رأسه ومَدْفَن سُرّتَه هى مدينة كسلا أرض القاش والتاكا، إلا أنه إختار دارفور أرض المِحْمَل والقرآن مهبطاً لشيطان إبداعه، فمخاض الإبداع دائماً ما يَحِن للجذور.

لعل أهم مايميز هذه الرواية, حيويه اللغة, كثافتها وغناها ثم الدلالات الفنية المدهشة التي تأخذ القارئ قُسْراً الى عوالم أكثر دهشة وتعقيداً لجهة قدرته على رصد الأحداث وإستدعاء التفاصيل لِيَرسِم منها مشاهد ترفد الذاكرة المضطربة أصلا بأشكال من الصور المتناقضة التي تزيدها حيرة وإرتباكاً.

يبدو أن إشكالية الهوية في أبعادها الإثنية والحضارية كانت الأكثر إلحاحاً وحضوراً على مخيلة المؤلف ووعيه. ففي كل فصل وصفحة وفقرة يحاول جاهداً تفكيك وتركيب وفهم هذه الإشكالية من خلال شخصيات الرواية التي إختارها المؤلف بعناية فائقة.

إبراهيم خضر إبراهيم, شخصية مركزيه أخذت حيزاً كبيراً من جهد المؤلف. يرجع أُصوله للخادمه " بخيته سَجَمْ الرَمَاد" والتي صادها تجار الرقيق من إحدى أرياف دارفور وباعوها للنخاسة في سوق أم درمان بمبلغ 55 ريالاً مجيدياً.

أُستثمرت في سوق الدعارة فأنجبت من أباء عدة. سُره, مستور, التوم, التومه (الفرخة الفاتيه) التي كانت الجدة المباشرة لإبراهيم خضر وأخته أمل خضر. تجاوزت الأخت محنة صراع الهوية وقلق الانتماء فأراحت نفسها من هذا الجدل المؤذي وغير المنتج.

كان إبراهيم خضر يحفر بعمق في جدار الذاكرة الإجتماعيه وينحت بإصرار على صخر الموروث الثقافي, يطرح الاسئله الممنوعة, يثير العواطف المكبوتة ويصف الإحداث المنسيه كل ذلك ليتأكد من حقيقة ذاته وأناه.

أبدع المؤلف فى توظيف الجنس كأداة فنية، إذ قام بتسليط الأضواء على تفاصيل حياة العبدالرحمانة بنت خريفية التى إحتلت مغامراتها مساحة سردية واسعة من الرواية.

هى يتيمة أُلتُقِطَتْ من قرية بغرب الجبل إستباحها الجنجويد. مكثت بمعسكر كلمة حتى البلوغ فهربت الى داخل نيالا. تبنتها العمة خريفية فأقامت معها بحى الوادى.

هنا تلتقى بشيكيرى توتو كوة – أخ خريفية -  الجندى القادم من جبال النوبة. إنتهزا غياب العمة فدخلا فى مُجاسدات ساخنة ومجنونة. "فعلا كل ما يمكن أن يفعله شخصان ناضجان يؤمنان بأن الجسد يستطيع أن يفكر بعمق ولذة أكثر مما يفعله العقل". كل ما قالته العمة عند عودتها وأكتشافها السر "ود البُقسْ عَرّسْتَ بِتّى".

ولأنها شبقة وطازجة الرغبات فلا تتردد لحظة فى إستخدام جسدها سلاحاً تصطاد به الجنجويد وتغوى به الثوار فى آن واحد.

هذا الجنجويدى ذو اللباس الطويل والمتسخ والشئ القصير والهزيل يهجم على العبدالرحمانة. حسناً لقد وقع فى شراكها. تقوم هى بلمس الشئ برفق متوحش فينتصب. وبحكم خبرتها تدفعه فى الوقت المناسب حتى لا يلوثها بقاذوراته. تُحَرِّرُ جَسَدَها من مخالب كتفيه، وبضربة واحدة تُقضِى على الجنجويدى القادم من صحارى النيجر ثم تهتف:

"إننى الآن أنتقم لكل أسرتى وأقربائى". كانت تعوض إنهزاماتها النفسية والوجدانية بإنتصارات جنسية.

أهم مايتميز به عبدالعزيز ساكن هو الشجاعة الفائقة في مواجهة الحقائق الإجتماعية المسكوت. يواجهها بعد أن يقوم بتعريتها تماماً. يفعل ذلك عن وعي وإختيار, بل وإنحيازاً وإنتصاراً لطبقته حسب إعترافه. صحيح أنه يحاول أحياناً أن يلتزم الحياد تجاه هذه الحقائق ولكن يبدو أن قلق الإنتماء والصراع النفسي والشعور بحدة الفوارق الطبقية والإجتماعية سرعان مايحملانه حملاً لإجترار مقولات جاهزة فتبدو لغته متشنجة وأحياناً أخرى متحاملة وبعبارة أكثر صراحة يصبح وعيه الفنى ضحية منطلقاته الأيدلوجية وخلفياته السياسية.

تجسيد ذلك يتمظهر جلياً في تناوله وتعاطيه مع أقبح حقيقة في تاريخنا الإجتماعي أي ظاهره الرق. هنا نستحضر مرة أخرى إبراهيم خضر. إنه يكره السلطنة الزرقاء ويعتبرها أساس إشكالات الهوية في السودان. التومه بنت بخيته ترى الأنجليز أفضل من المهديه والخواجه كتشنر خير من المهدي وخليفته. مذكرة الساده المهدي والميرغني والهندي لمدير المخايرات الانجليزي في مارس 1925م.

الإستنتاج المنطقي الذي يمكن أن يخرج به القارئ من تأمل هذه التجسيدات وقراءة ما خلف سطورها فضلاً عن الإيحاءات والإشارات المنحازة، هو أن المؤلف يكشف عن رؤاه السياسية والأيدلوجية الكامنة في وعيه أكثر من إتخاذ موقف موضوعى ومنطقى تجاه الأحداث وفقاً لسياقها التاريخى.

لم يكتف المؤلف بغزو وعينا الخرب بأدق تفاصيل الحرب ومآسيها ومفردات الحياة اليومية في دارفور, إنما إختار أيضا أن يبحر بنا عميقاً في عوالم الصوفية بكل إشراقاتها وتجلياتها وغموضها, ومن خلال هذا الإبحار رسم لنا صوراً باطنه لايدركها القارئ إلا بعين القلب ونور البصيرة كما يقول إبن عربى.

هاهو النجارون وأشباه النجارين مع الجند ال 66 يستمعون للرجل الذي يعلمهم معنى الأيمان ( الكفر يا أحبائي درجة بالغة التعقيد من الأيمان) وفي ذات جمعة يحملق الرجل في عيون الجند المسعورين ثم يخاطبهم قائلا ( لايفيدني إيمان المؤمن بقدر ما يضرني كفر الكافر بي، لأن من يكفر بي إنما يكفر بنفسه فأنا جميع الخلق وليس الخالق شيئا آخر, أقصد أنا أنتم واحدا واحدا).

عندما إستفسر الحواريون عن معنى الكلمة قال ( إنها لاتكون مع شئ ولايكون شئ معها, ولكنها إذا إسْتَوْطَنَتْ القلب ملأته بالأشياء) وقبل أن يتحرك الموكب حدق صوب مريم المجدلية ثم قال لأتباعه "لاتصنعوا مني صنماً وتعبدوه, لأنني لا أصنع منكم أرباباً وآلهة"

شحطات صوفيه تثير الشك واليقين فلا تستطيع معها تبين حدود الإيمان وحدود الكفر فتجد نفسك حائراً أمام هذه النصوص كمن يرفع حجاباً ثقيلاً عن كنزٍ غامض مخفي في الأعماق.

من التقنيات التي برع المؤلف في إستخدامها, تقنية إستحضار الخُرافة الشعبية في إضفاء جماليات فنيه تريح نفس القارئ, فعندما إختارت العبدرحمانه بنت خريفية الحرب وإتجهت نحو جبل أب كَردوس, ترددت العمه خريفية في اللحاق بها بسبب ماشاع وقتئذ في نيالا عن ظهور ( البرطابرطا) ذلك المخلوق الخرافي الذي وصفه المؤلف بدقة بالغة حتى أيقظ كوابيس الطفولة المختزنة في لاوعينا.

سادتى، هذه رواية لم تكتب لكي تقرأ ولكنها كتبت للتأمل والتذوق ثم التأمل مرة أخرى. رواية متماسكة في الجوهر والشكل، فريدة في اللغة والمعنى، غنية بالصور والمشاهد، عميقة الدلالات والإشارات.

في الواقع هذا عمل فني عجز تاريخنا الأدبي عن إنتاجه فجاء بركه ساكن ليأذن بميلاد روائي عملاق ولا أشك مطلقاً في أن عبدالعزيز وأثناء كتابته لهذا العمل بخشم القربة كان يشعر بحركه النبات في نموها بأعالى جبل مرة ويقرأ فى ذات الوقت لغة النقوش المترقرقة على صفحات مياه وادي بارلي.

عبدالرحمن حسين دوسة
الدوحة – قطر
19/07/2013

2013/10/17

تدريس رواية "مخيلة الخندريس" للروائي السودانى بركة ساكن بالمعهد العالى بالنمسا



فيينا في 16 اكتوبر / بنا / قرر المعهد العالي الفني بمدينة سالفدن، سالسبورج النمسا، تدريس رواية "مخيلة الخندريس"، للروائي السوداني الكبير عبد العزيز بركة ساكن، للطلاب والطالبات في هذا العام الدراسي . 
وقد ترجم الرواية للألمانية الدكتورة إشراقة مصطفى، وقام بنشرها المركز الأفريقي الآسيوي بفيينا عام 2011 .

2012/10/08

المَوتُ نَشْوةً: فصل من رواية ذَاكِرَةُ الخَنْدَرِيسِ




لم تعد علاقتي به ذات جدوى، أنا لا أفكر بطريقة مادية أو براغماتية، لقد أحببت بإخلاص، أظن أنه كان ومازال مخلصا في حبة لي، لكني الآن على مشارف الثلاثين من عمري، أريد أن أتزوج. في الحقيقة بصورة أدق أريد أن يكون لي طفل، أظن أن ذلك هدف نبيل وإنساني في مجتمع يدعي المحافظة والتمسح بقيم فوق ما نستطيع. مجتمع يقدس المظهر ولا يهمه جوهر الأشياء في شيء، في هذا السياق الذي هو واقع الحال لا يمكنني أن أنجب طفلا بغير أب. لآن تلك جريمة في حق الطفل وحق الأب وحقي، فالتربية الجيدة للطفل تبدأ من قبل ميلاده، ويجب أن يلاحظ أيضا أنني لا أريد أي أب كما اتفق، أريد أن أنجب طفلا من رجل أحبه، عندما أقول رجلا أحبه لا أعني غيره هو بالذات.
الأمر ليس بهذه البساطة. فكرت كثيرا فيما إذا كنت أحبه من أجل الطفل. أقصد من أجل تصوري الخاص للطفل الذي هو إنسان الغد. يعجبني أسلوبه في الحياة، علي الرغم من أن هذه الجملة عامة، قد لا تعني شيئا بالذات إلا أنها تعني الكثير بالنسبة لي، أو أنني أتوهم أنها كذلك. علمني حب الأطفال، كان يقول لي دائما إن الرجل مثل ذكر النحل لا فائدة منه ترجي إذا لم يستطع أن يضع أطفالا أقوياء في رحم سيدة، وإذا فعل ذلك فلا فائدة منه بعدها. عليه الرحيل. والمرأة الذكية هي التي لا تحتفظ بالرجل، لأنه سوف يسعى لنيل مكانة في الأسرة لا يستحقها في الغالب. يريد أن يصبح سيدا، ملكا وربا. كان الأحق بهذه المكانة الأطفال. هذه الفكرة رغم بدائيتها، في عمقها تحمل كثيرا من الدجل والاحتيال العاطفي، يهدف من ورائها بوضوح – هذا الوضوح أحبه فيه أكثر – أن يهبني طفلا دون أية روابط شرعية، أي بغير ذلك الطقس الاجتماعي البغيض لدينا نحن الاثنان، الذي لا مستقبل لأطفال في هذا المكان دونه. علمني حب الأطفال. علمني كيف أحب الأطفال، كل الأطفال في ذات اللحظة التي حرمني منهم فيها. كنا نراهم يوميا، يعومون في دفء سائلنا الأبيض الحميم، لهم طعم لاذع، كنا نراهم في المنازل، في الطرقات، المدارس، الأندية، ومن ثم ارتبط عملي بهم، فأنا أعمل في دار رعاية للمتشردين من الأطفال أو باسم ألطف “الأطفال فاقدو الرعاية الأسرية”. هي دار لمنظمة مجتمع مدني تطوعية. نقوم بتوفير الحد الأدنى لهم من متطلبات الحياة : إفطار بالفول المصري أو العدس، ماء للاستحمام، النظافة الشخصية وغسيل الملابس المتهرئة القديمة الممزقة، التي لا تتحمل الغسيل في الغالب، فتتمزق أكثر. نقدم لهم أيضا خدمات طبية عند الطلب. لكننا في الحقيقة لا نقدم لهم شيئا مهما، فقط نبقي علي الوضع كما هو. “العمل الفردي أو في جزر بدون تخطيط اجتماعي حكومي للمدى الطويل والقصير لا فائدة ترجي منه، ويظل كل ما نقدمه مجرد إبقاء علي الوضع كما هو بل تعقيده أكثر” وذلك لشح الإمكانات وقلة المحسنين الذين يقتنعون بأن رعاية المتشردين بها أجر أو ثواب في الحياة الأخرى أو تشبع حاجاتهم الآنية من المساهمة في دعم الخير الإنساني والمشاركة في استمرارية الحياة بألم أقل. مقابل الفكرة الأخرى التي ترى في المتشردين الشر في اكتماله وكامل شيطانيته. بل يحس البعض بأن المتشرد مخلوق أدني بكثير ليس اجتماعيا فحسب بل إنسانيا أيضا. كنا نحبهم ونحب بعضنا، كنت أحبه بغير شروط، نعم أخذت الشروط تنمو قليلا قليلا مثل الطحلب فوق سطح حجر علي ضفة النهر. عندما تحب المرأة فإنها تفكر بطريقة لا تشبه التي ورطتها في الحب، فإنها تفكر في الأطفال، البيت والزوج. وهذا طبيعي، لكنه قد يعيق فكرة الحب التي تنهض علي سلطة الجسد: رغائبه واختياره داخل دوامة الانتخاب الطبيعي.
كنت اقتنع بكثير من آرائه. القليل منها يستهويني، الآخر أتحمله بفريضة المحبة، وهو يفعل كذلك تجاه أفكاري الشاذة أيضا، وترددي المتكرر لكل منا ما يخصه من جنون وخير، لكن يبقي الحب القاسم المشترك وهو ما يبقينا علي صلة. وهذا التحليل مضللٌ أيضا، لأننا لسنا دائما علي ما يرام ولسنا دائما في حالات حب، قد يقع خصام بيننا يدوم لأيام طويلة، قد أكرهه، وتمر بي أيام قد أقع في حب شخص آخر وحدث ذلك مرتين خلال فترة علاقتي به وهي الآن في عامها الرابع. إذ ليس الحب هو الذي يبقينا معا: إنهم الأطفال. هذا ما توصلت إليه أخيرا، الأطفال الذين تستحيل عملية إنجابهم وتتعقد كلما مضي يوم من حياتي بدون أن يكون ذلك الشيء قد تخلق في رحمي.
كنا نمر سريعا أمام مستشفي أم درمان التعليمي. في اتجاه قبة الإمام المهدي. الجو كما هو في مايو حار جدا. كنا مرحين وقريبين من بعضنا البعض على الرغم من الحزنِ الذي يغمر قلبينا، لولا خوفنا من الشرطيين وخشيتنا من أن يرانا أحد أفراد النظام العام المتنكرين في هيئة مدنيين، لتلامسنا بأيدينا بل لأمسكنا بكفينا معاً ونحن نسير في هذا الطريق الفسيح. كانت دائما ما تغمرنا تلك النشوةُ الإنسانيةُ الجميلة كلما اختلينا ببعضنا في مكان آمن. نستطيع فيه أن نتعرى، نقبل بعضنا ونصلي صلاة الجسد. لقد فعلنا ذلك قبل ساعتين في بيت الخليفة عبد الله التعايشي الذي يطلقون علية تجاوزا”مِتْحَف”، تحت رعاية وحماية بعض الرسميين. هو أكثر الأمكنة أمانا لدينا نرتاده عندما نشتاق لبعضنا البعض، حتى ولو كنا متشاجرين لأن الجسد لا علاقة له بالخصومة، إذا وقعت فإنه يصلحها. اكتشفنا ذلك المكان بالصدفة البحتة، أقصد الغرفة السرية التي تقع تحت غرفة الخليفة مباشرة. بوابتها تفتح في الحمام المهجور، لا ندري في ماذا كان يستخدمها الخليفة، هل كان يخاف أن يتآمر عليه البعض وهو نائم، لذا كان ينتقل لهذه الغرفة الآمنة ليلا لينام بدون كوابيس؟ أم أنها كانت سجنا سريا أو بيت أشباح يستضيف فيه الخليفة وأخوه يعقوب جراب الرأي بعض المارقين الكفرة من جدودنا المشاكسين؟. لقد زعمنا حين اكتشافها أن إدارة السياحة نفسها قد لا تعلم عنها شيئاً. قمنا بمرور الأيام بفرشها بمفارش من الخيش و ملاءات كنا نهربها إلى هنالك كلما سنحت لنا فرصة لحملها في حقيبة اليد، قد شَرَدْنَا القطط المسكينة التي كانت تظن نفسها سيدة المكان الوحيدة، آخذة ذلك الحق من كونها أول من اكتشفه أي بوضع اليد. كنا نسمي الغرفة بيت جدنا التعايشي، وهو مؤسس الدولة السودانية الحديثة، بالتالي الأب الشرعي لعلاقتنا المربكة والراعي التاريخي لها، حيينا الحرس. كانوا يعرفوننا لكثرة ترددنا إلي البيت مدعين بأننا نقوم بدراسة أكاديمية عن بيت الخليفة، لكننا لم ندخل مرة أخري بل عبرناه إلي الحديقة الصغيرة التي تقع في مثلث تحيط بها طرقات الإسفلت. كانت الحديقة مزدهرة في يوم ما، لكنها أصبحت الآن بفعل الإهمال ما يشبه المزبلة، ولو أن الغرف التي استخدمت في الماضي كبوفيه مازالت قائمة.
كانت دكتورة مريم في انتظارنا ترتجف قلقا، تسيل الدموع من عينيها الطيبتين الواسعتين. أعطاها عبد الباقي القارورة البلاستيكية. فتحتها بيد مرتعشة. مضينا خلفها إلي الحجرة الخلفية حيث تخفي الأطفال. كانوا يموتون ببطيء شديد. يتلوون من آلام مبرحة في بطونهم، قد تقيئوا كل شيء، يشتكون من صداع يجعلهم يصرخون في ألم آلمنا نحن أيضا. سقتهم بترتيب بدا لنا عشوائيا، لكنها بكلمات متقطعة قالت إنها تفعل ذلك وفقا للمرحلة المرضية التي فيها كل طفل، والغريب في الأمر كان الأطفال يتحسنون بصورة سريعة أو هكذا بدأ لنا. وبعد نصف الساعة تكلم اثنان وبقي اثنان في حالة احتضار. بعد ساعة مات واحد وتحدث الآخر. كنا قد قمنا بتهريبهم من أحد الشوارع الطرفية حيث كانوا يقيمون بصورة دائمة في مصرف للمياه. وهو مكان مكشوف بالنسبة للفرقة حيث إنهم يستطيعون الوصول إليهم بسهولة ويسر وما يعده الأطفال مخبأ يراه الجماعة قلب المصيدة. أصيب الثلاثة بالعشى. وتوقعت دكتورة مريم أنهم سوف لا ينجون من العمى إذا نجوا من الموت. لأن مادة الميثانول التي أسرفوا في شربها خلال العشر ساعات الماضية. تقوم بتدمير شبكية العين. طبعا هذا بالإضافة إلي تدمير كثير من الأنسجة الحساسة بالأحشاء مثل الكبد والبنكرياس وغيرهما. سقيناهم كل العرق الذي استطعنا أن نحصل عليه بما لدينا من نقود قليلة. بعض بائعات العرق الكريمات عندما عرفن أننا نحتاجه لإنقاذ أطفال مهددين بالموت أعطيننا من لدنهن وسعهن. ودعين من قلوبهن الجميلة النقية السوداء لهم بالشفاء ولنا التوفيق.
أنا، عبد الباقي ودكتورة مريم، نمثل فريقا واحدا من عدة فُرقٍ أخرى تقوم بالمَهَمَّةِ ذاتها في الخرطوم، بحري وأم درمان. الهدف الرئيسي هو الوصول للأطفال المصابين قبل أن تصلهم الفرقة، وليس الوصول إليهم فحسب بل إخفاؤهم لأنهم في حالة خطر دائمة وسيصبح مصيرنا مثل مصير أصدقائنا في فريق آخر تم القبض عليهم وجُلدوا بحد حامل الخمر وغرموا ولعنوا ثم أُبقوا تحت الإقامة الجبرية بمنازلهم، وأصبح العمل أكثر تعقيداً خاصة بعد أن أفتي مُسلمٌ طيبٌ حريصٌ علي الدين أن العلاج بالعرق والأثينول حرام قطعا وأن الأفضل لهؤلاء الصبية الموت لأنهم إذا ماتوا سيموتون شهداء ويدخلون الجنة مع الشهداء والصديقين وحسنُ أولئك رفيقا. خيرٌ لهم من أن يحيوا ويعيشوا مجرمين ثم يموتوا بسوء الخاتمة: اللهم احفظنا واحفظ المسلمين، آمين يا رب العالمين. كنا نشعر أن واجبنا الإنساني يحتم علينا إنقاذ ما يمكن إنقاذه بأي أسلوب كان. و نشك بعمق في ان الفقيه المفتي طيب الذكر قادر علي ضمانة دخوله هو نفسه وبعض عشيرته الأقربين إلى الجنة، دعك من ترشيح الآخرين لها. أو كما أفتى لنا أحد الأصدقاء وهو يرمي في وجهنا أرقاماً مجنونةً عن أن السودان هو من أكبر المصادر للميثانول والأثينول وهما من فصيلة الكحول.الذين يستخدمهما الغرب بعد تنقيتهما لصنع ألذ أنواع الخمور المحرمة هنا في السودان ولا تفوقه في ذلك غير دولة البرازيل حيث إنها تمتلك أكبر مخازن الميثانول في العالم. وإذا كان هذا المفتي تقيا بما يكفي و لا يخشى لعنة رأس المال الإسلامي بالسودان. التي سوف تصيبه في مقتل. لتطرق ولو بحرف واحد لتقطير الكحول في مصنع السكر العملاق. وكأنما سمعه مفتى أكثر ذكاء، وأكثر منه مالا، حيث إنه قال بالحرف الواحد: لا حرمة في إنتاج و بيع الميثانول والأثينول فالبلح والعنب حلالان طيبان وهما مصدران للنبيذ الخبيث وهو محرم. فالعبرة في الاستخدام وليس في إنتاج المادة ذاتها، وإلا حرمنا البطاطس والسكر والذرة بجميع أنواعها، بل كثيرا ما أحل الله لنا من نعم الدنيا والعياذ بالله من غضب الله: أتحرمون ما أحل الله؟؟
إلى اليوم 20-7-2011 تم التأكد من موت ستة وسبعين متشردا وفقا للصحافة، وذلك في غضون أربعة وعشرين ساعة منذ أن اُكْتِشِفتْ أول حالة، واتضح من خلال المؤتمر الصحفي الذي أقامته جريدة السودان في اليوم نفسه . أن وزير الرعاية الإنسانية قد فوجئ هو نفسه بالأمر وبدا عليه الحزنُ العميق، ووصف الأمر بالمأساة. ربما كان مشغولا بالإعداد لزيارته الأخيرة للبرازيل. أما مسئول الشرطة فقد نفى نفيا قاطعاً أن هنالك جهة حكومية وراء اغتيال المتشردين. إنه يحتفظ الآن بعشرة من المدنيين المشتبه في تورطهم في القضية، لكنه يؤكد أيضا أن الأمر غير منظم وغير مقصود. اندهشنا جميعاً لآرائه القاطعة قبل انتهاء التحقيق. همست دكتورة مريم في أذني قائلة:
إذا أردنا معرفة الرقم السليم للمقتولين علينا دائماً أن نضرب رقم الصحافة في ثلاثة على الأقل.
قلت لها وبقلبي حسرة

هذا متفق عليه، للأسف.
كان الصحفيون حذرين كعادتهم تحت قانون الصحافة والمطبوعات الحازم الذي روعيت في صياغته مصلحة البلاد العليا. إلا أن أحدهم سأل سؤالاً لم يجبه عليه أحد، وتجاهلته حتى جريدته ذاتها. قيل إنه لم تقم له قائمة بعد ذلك، أقصد استغنت الصحيفة عن خدماته الجليلة بخطاب شكر ضاف مهذب، مرتب ثلاثة شهور، وأمنية حارة له بالتوفيق في جريدة أخرى. المشكلة كلها أنَّ سؤاله الضال. غير المسئول. الذي لم يرع فيه حُرمة المصالح الوطنية والدور الرسالي للأمم السودانية. حرمها من إعلانات بمبلغ يعادل مليون مرة مرتب الصحفي وأبيه وأمه إذا كانت حية وتعمل، وأبناء عمومته إلى يوم الدين، لأنَّ الشركة المعلنة الخَيَّرة تقصد من وراء الإعلان دعم خط الصحيفة الملتزم الوطني ورفع المقدرات المالية لمالكها الهمام، قد بدا لَنَا واضحاً الآن أنَّ: جريدتكم تستخدم براغيث وجرذان، وليس صحفيين محترمين.

أكد الأطباء أن أسرع علاج للتسمم الميثانولي الحاد هو شرب جرعات خيرات من أخيه الأثينول وهو كما يعرفه العرب بالعرق، الذين هم أول الشعوب التي قامت بتقطيره في العالم. كلاهما سم قاتل، لكنهما يتعادلان. تشرح لنا دكتورة مريم ذلك علمياً كما يلي: التركيبة الكيميائية للميثانول…
كان الأطفال يرجوننا أن لا نتركهم يموتون، هم أيضا يريدون استعادة نظرهم. يرغبون في أن يرون العالم مثلما كانوا يرونه من قبل: ملوناً جميلاً ويجري أمامهم مثل القطط الضالة، نحن لا نملك الشيئين. كان يقول لهم بُقْا عليهم بالصبر والإصرار علي الحياة. في الحقيقة كانوا أكثر إصرارا علي الحياة من أي مخلوق رايته في حياتي. أبي كان رجلاً ميسور الحال فهو ليس ثرياً لكنه لم يكن ينقصه شيء. بالتأكيد لا مجال لمقارنة حياته مع حياة هؤلاء البائسين. علي الرغم من ذلك لم يكن شديد التمسك بالحياة كان سعيدا جدا لم يصب بأية أمراض مؤلمة لم يخنه أحد لم يدخل السجن. لم يقض ليلةً واحدة باكيا شاكيا. وكان يمتلك زوجة رائعة وفية: التي هي أمي الجميلة. يحب الحياة يعيشها بمتعة خاصة وله الحق في ذلك فلقد أعطته الحياة كل شيء. مات وهو في ريعان شبابه وما ذلك في رأيي إلا لأنه لم يكن متمسكا بالحياة تمسك هؤلاء المحرومين. الذين لم يعشوا يوما واحدا طيبا بأية مقاييس كونية، لكن الحياة في تقديرهم ثروة لا يمكن التفريط فيها. قالت لي أمي ذات يوم وكنت قد حدثتها عن طفلين مشردين مصابين بالسل ماتا ذات صباح: الموت خير لهم هؤلاء المساكين.
ولو أن الوقت غير ملائم للتحقيق إلا أننا كنا نريد أن نعرف من أين لهم بهذا المشروب القاتل. كيف تحصلوا عليه وهو غير مشاع، غير رخيص ولا يباع في البقالات أو عند الطبليات أو الباعة المتجولين. كانت لهم إجابات مختلفة، لكن أغربها هي إجابة آدم سانتو- توفي فيما بعد – الذي قال إنه تحصل عليه من المصري، كأن هذا المصري علماً علي رأسه نار. لكن البقية تحصلوا عليه من زملائهم الذين تحصلوا عليه من زملاء آخرين هكذا بلا نهاية ولا بداية. يفضل الأطفال المشردون عادة السلسون وهو مادة تستخدم للصق يدخل الميثانول في تصنيعها. رخيصة ويستنشق عبقها المثير. أنبوب واحد صغير يكفي لسكر عشرة متشردين وينيمهم مجنبا إياهم مشقة البحث عن طعام. يهبهم في الحلم الحياة، الراحة والجمال الذي ينشدونه. قد يستخدمون ما يقع في أيديهم من مسكرات أو مخدرات، خاصة الأشهر البنقو، المشكلة الوحيدة التي تمنعهم من تعاطي كل شيء هي المال. إنهم فقراء. عاطلون عن العمل حتى التسول فإنهم لا يتسولون، لا يسرقون، لا يرقصون ويغنون ويضحكون ويبكون في الطرقات مثل مشردي البرازيل، لكي يحصلوا على ثمن وجبة تافهة وجرعة كراك. لكنهم يرقدون هناك تحت ظل حائط أو نيمة أو وكر أو في بناية مهجورة. يأكلون البقايا باستمتاع قذر. المزبلة هي أعظم سوبر ماركت طبيعي وهبه الله للمتشردين. يتسلون بممارسة الجنس فيما بينهم. قد تكفي سيدة مجنونة واحدة نزوة شلة من المتشردين. أما المتشردة الجميلة – وهي كذلك دائما – فلا يمكن مسها بغير مقابل. ويصعب اغتصابها لشراستها. الأكثر عرضة للاغتصاب هم المتشردين الجدد نساء كانوا أم رجالا. طفلات أم أطفالا. وذلك قبل انتمائهم لشلة تقوم بحمايتهم وقائد يرعاهم. في الغالب يصبح المُغْتَصِبُ الأقوى هو من يقوم بالحماية لاحقاً حيث يصبح المُغْتَصَب واحدا من ممتلكاته الخاصة وفردا من شلته: وفياً ذليلاً طائعاً و لقوية ممتعة.
إذا توفر لدي المتشرد بعض ما يسكر، قليل مما يطعم، وشيء من الجنس من نوعه أو النوع الآخر لا يهم، فهو الأكثر سعادة والأكثر غني من رئيس دولة في العالم الثالث.
يتسلل الشيء إلي المعدة. يسمونه فيما بينهم الإسبرت وهو من مشتقات كلمة انجليزية تعني الروحsprit وربما كانت اختصاراً ذكياً لجملة المشروب الروحي. في اللحظات الأولى من احتسائه، يهب الشخص لذة مجنونة لا تقاوم، وعندما تبدأ عملية الأيض أو التمثيل الغذائي، تحمل الأعصاب وشايا سريعة إلي الكبد مخبرة إياه بأن سما زعافا يتغلغل في أحشاء ذلك المتشرد الذي نُعني بحمايته، وعلينا مسؤولية حياته، فيفرز الكبد الوفي إنزيم نازع الكحول. وهو متوفر ومحفوظ بصورة جيدة لمثل هذه اللحظات الصعبة والحروبات غير المتوقعة، لأن الكبد يعرف نزق وشيطنة سيده الإنسان، متشردا فقيرا كان، أم سياسياً غنياً. فيتحول الميثانول الذكي إلي مادة الفورمالدهيد شديدة السُمية ثم خلال ثلاث دقائق أخري يتحول إلي حمض النمليك، بهذه المراوغة الشيطانية. يفقد الكبد إمكان السيطرة عليه، لكنه يظل يفرز الأنزيم نازع الكحول، وتتراكم النواتج الاستقلالية السامة للميثانول بصورة متواصلة دون أدنى مقاومة من الجسد، بعد أن حيدت سلطة الكبد، من ثم تظهر أعراض التسمم. ولأن المتشرد هو مخلوق جائع، يحتسي هذا المشروب من أجل أن ينسي ألم الجوع، العوز، خيانة الأصحاب، مرارة الاغتصاب، ظلم الشرطي، إهانات المارة، قلق الحنين إلي الأسرة، الوساخة الشخصية، القمل، برغوث الثياب، والأمراض الكثيرة التي تنهش جسده، فإن الميثانول يجد بيئة جيدة ليُمتص سريعا عبر المعدة الخاوية الشرهة التي تنتظر ما يشغلها ويخفف عنها ألم إفرازاتها المُرة النشطة. لا يحس الشخص بأعراض التسمم إلا بعد مضي ست ساعات إلى ثلاثة أيام، هذا إذا شرب الشخص النحيل ذي الوزن الهزيل جرعة زائدة من الميثانول، هي في الغالب لا تتوفر لديه، فما يتوفر لديه بعض ملي غرامات من الأثينول، يضيف إليها خمسة أضعافها من الماء القراح، لذا لا تظهر علامات التسمم فيه إلا بعد شهور أو سنوات. أي بعد أن يقوم الأثينول بتدمير خلايا الكبد والبنكرياس. ذلك تماماً كما يفعل العرق “الميثانول+ الأثينول” للمدمنين عبر سنوات طويلة من اللذة، النشوة وأحلام اليقظة علي أنغام موت بطيء وبارد، تفسير هذا الموت السريع للضحايا هو أنهم قد تناولوا كميات كبيرة من الميثانول، ليس ذلك القدر الضئيل الذي اعتادوا على تناوله من صنوه الأثينول، فالتشخيص الطبي الباتع لحالاتهم يُطلق عليه الأطباء : التسمم الكحولي الحاد.
ما يقلقنا الآن أكثر، كيفية التعامل مع الجثة التي ترقد أمامنا مغطاة بأسمال باليات تفوح من فمها رائحة الموت مختلطة بقيء الأطفال علي أنغام شخير بعض من نام منهم. كنا نعي جيدا خطورة أن تُضبط الجثةُ في حوزتنا. يحزننا أيضا تركها في هذه الغرفة المهجورة مع الأطفال المرضي الذين لم يحدد مصيرهم بعد. الذين سيصبح مستقبلهم “علي كف عفريت” إذا وجدتهم الفرقة، فسيحقنون في الحال- حسب ظننا وبعض الظن إثم – بمادة الفورماليين الرخيصة القاتلة و يودعون الحياة التي يحبونها جدا رغم قسوتها إلي الجنة البغيضة التي أعدها لهم ذلك المفتي الفصيح، نحن لا نستطيع أن نفعل شيئا أكثر مما فعلنا . أن سقيناهم العرق وأطعمناهم اللبن الطازج ووهبنا إليهم جرعات كبيرة من زيت الخردل لتقوية معداتهم الملتهبة. كان الأمر كابوسا حقيقا. لكنا اُجبرنا على المغادرة السريعة وتركهم كما هم عندما اتصلت بنا حكمة رابح صديقتي وأخبرتنا أن الفرقة في طريقها إلينا. شاهدهم البعض قريبا جدا من مسرح البقعة يتعثرون في زحمة المرور، يطلقون صفير إنذار ونجدة، يردد العسكر المتحمسون صرخات الحرب وهم محشورون في عربة لنقل البضائع “دفار جامبو” عملاقة. أضافت:
لقد قاموا باعتقالات واسعة لناشطين، في أم درمان و الخرطوم، ولا ندري من هم وكم عددهم حتى الآن.
تقع الحديقة، قريبا جدا من مسرح البقعة، جنوب بيت الخليفة التعايشي، شرق سجن الخليفة، في الطريق إلي مستشفى الدايات، تحتل الحديقة المهجورة هذا المثلث الصغير. كان علينا أن نهرب في اتجاه بيت الخليفة، هذا هو الحل الوحيد، اقترحت دكتورة مريم أن نقوم بزيارة البيت، سوف لا يشك فينا أحد. تبادلتُ النظرات مع عبد الباقي، ابتسمنا لبعضنا، ونحن نسرع الخطى نحو البوابة القديمة الأثرية، التي تحرسها جماعة من الرسميين. قمنا بزيارتنا الثانية للبيت في اليوم نفسه. اندهشت دكتورة مريم عندما شاهدت الحفاوة التي استقبلنا بها الرسميون. في الحقيقة كانت هذه الحفاوة الدافئة، نتاج علاقة قديمة مستمرة سوف لا تخطر ببال صديقتنا الدكتورة، خاطبونا بالأساتذة ولم يأخذوا منا رسوم الزيارة المعتادة. كانوا يحسون من أعماقهم بأنهم يجب أن يقدموا لنا المساعدة المرجوة لربما تكرمنا بذكر أسمائهم في البحث الذي نقوم بإعداده أنا وعبد الباقي عن بيت الخليفة، ذلك المشروع الوهمي الذي سوف لن يُنجز أبداً.

جلسنا عند الفسحة أمام العربات التاريخية المهلهلة المهملة المغطاة بطبقة من الغبار سميكة. كان الظل باردا، تيار الهواء يمر شمالا جنوبا بحرية. كنا نحتاج لقدر كبير جدا من الهواء البارد لإنعاشنا وإعادة الحياة إلينا، قلوبنا وآذاننا تقفز خلف الجدران لتعانق موجودات الحديقة في الخارج، تحوم حول الأطفال المشردين. كان هتافهم قاسياً وعنيفا، مختلطا بصفارات الإنذار المرعبة، عندما أخذ الزوار يخرجون من بيت الخليفة مهرولين يتقصون ما يحدث في الخارج، خرجنا معهم. دارت العربة العملاقة دورتين قبيحتين حول الحديقة الصامتة، كانت مليئة بالجنود الشباب المتحمسين لفعل كل ما يؤمرون به. ليس بإمكانهم أن يلاحظوا شيئا بهذه الطريقة الاستعراضية الفجة في البحث. لأن الأطفال كانوا يرقدون في داخل الغرفة. ليس في حوش الحديقة، توقعنا أن يتوقفوا ويهبطوا ويدخلوا. لكنهم عندما أكملوا دورتهم الرابعة، اتخذت العربة الشارع الجانبي الشرقي الذي يقود إلى الإذاعة، تلاشى صراخهم الرهيب خلفهم تدريجيا، إلى أن اختفي نهائيا عندما انعطفت الشاحنة بهم يمين الإذاعة القومية متخذة طريق الطابية إلى مستشفى القوات المسلحة بأم درمان، أو إلى أي جحيم آخر لا ندريه.
لم نعد إلي الأطفال والمشردين بالحديقة، على الأقل الآن، كان هذا رأي الجميع، كما أننا لم نرجع إلى بيت الخليفة عبد الله التعايشي، مرة أخرى.
تشير الساعة إلى الثانية بعد الظهر، دكتورة مريم ستعود للعمل بمستشفى الحوادث بالخرطوم عند الثالثة والنصف، قد تحتاج إلى ساعة كاملة تقضيها في المواصلات العامة بين أم درمان والسوق العربي، لأن الوقت هو زمن ذروة التزاحم المروري، فالطرقات ضيقة وهي مصممة في عصر الاستعمار لبضعة عشرات من السيارات الصغيرة يستغلها السادة السياسيون والإنجليز، الآن على ذات الطرق أن تتحمل ما لا يقل عن مليوني سيارة في اليوم. فكان الخيار الأرجح أن نذهب معها أنا وبُقا إلى الخرطوم، من هنالك يذهب هو للسلمة وأنا لبحري، وسوف ننسق الخطوة القادمة عن طريق التلفونات أو الرسائل النصية القصيرة. تعرفت على دكتورة مريم منذ سنوات كثيرة مضت، أي منذ أن تخرجتُ في جامعة الأحفاد قبل خمس سنوات، كنت أقوم بقضاء فترة تدريبية بمنظمة رعاية الطفولة السويدية، التقيت بها هنالك، تعمل حينها منسقا لمشروع حماية الطفل بالمنظمة احتضنتني، وشملتني برعايتها منذ اليوم الأول الذي تقابلنا فيه، هي التي جعلتني ألم بالجوانب النظرية والعلمية في مجال حقوق الأطفال، ولم يكن فارق العمر بيننا كبيرا، كنت أصغر منها بثلاث سنوات، وهي تكبرني بخبرات عملية وإنسانية تفوق الخمسين عاماً، ومثل كل سودانيين يتقابلان في أي زمان أو أي مكان يجدان شخصا مشتركا بينهما هذا إذا لم يكتشفا أنهما أقارب، فبيني وبينها شخص عابر في حياتي، لكنه خلف فيَّ أثراً كبيراً ونهائياً، وهو أحد أقربائها بل ابن خالتها حسن إدريس. المرأة لا يمكنها أن تنسي الشخص الأول في حياتها، حتى إذا كان وقحا وناكرا للجميل مثل هذا الإدريس. أنا لا أحب أن أخوض في هذه الحكاية التي يؤلمني ذكرها الآن، هو لم يخدعني لكنني كنت أتوقع منه موقفا أكثر مروءة وإنسانية، أي ما تتوقعه كل فتاة من رجل تورطت معه في علاقة حميمة أدت إلى أن تجعلها حُبلى بِطفل. أتمني ألا أعود لهذه الحكاية مرة أخرى.