2012/10/08

المَوتُ نَشْوةً: فصل من رواية ذَاكِرَةُ الخَنْدَرِيسِ




لم تعد علاقتي به ذات جدوى، أنا لا أفكر بطريقة مادية أو براغماتية، لقد أحببت بإخلاص، أظن أنه كان ومازال مخلصا في حبة لي، لكني الآن على مشارف الثلاثين من عمري، أريد أن أتزوج. في الحقيقة بصورة أدق أريد أن يكون لي طفل، أظن أن ذلك هدف نبيل وإنساني في مجتمع يدعي المحافظة والتمسح بقيم فوق ما نستطيع. مجتمع يقدس المظهر ولا يهمه جوهر الأشياء في شيء، في هذا السياق الذي هو واقع الحال لا يمكنني أن أنجب طفلا بغير أب. لآن تلك جريمة في حق الطفل وحق الأب وحقي، فالتربية الجيدة للطفل تبدأ من قبل ميلاده، ويجب أن يلاحظ أيضا أنني لا أريد أي أب كما اتفق، أريد أن أنجب طفلا من رجل أحبه، عندما أقول رجلا أحبه لا أعني غيره هو بالذات.
الأمر ليس بهذه البساطة. فكرت كثيرا فيما إذا كنت أحبه من أجل الطفل. أقصد من أجل تصوري الخاص للطفل الذي هو إنسان الغد. يعجبني أسلوبه في الحياة، علي الرغم من أن هذه الجملة عامة، قد لا تعني شيئا بالذات إلا أنها تعني الكثير بالنسبة لي، أو أنني أتوهم أنها كذلك. علمني حب الأطفال، كان يقول لي دائما إن الرجل مثل ذكر النحل لا فائدة منه ترجي إذا لم يستطع أن يضع أطفالا أقوياء في رحم سيدة، وإذا فعل ذلك فلا فائدة منه بعدها. عليه الرحيل. والمرأة الذكية هي التي لا تحتفظ بالرجل، لأنه سوف يسعى لنيل مكانة في الأسرة لا يستحقها في الغالب. يريد أن يصبح سيدا، ملكا وربا. كان الأحق بهذه المكانة الأطفال. هذه الفكرة رغم بدائيتها، في عمقها تحمل كثيرا من الدجل والاحتيال العاطفي، يهدف من ورائها بوضوح – هذا الوضوح أحبه فيه أكثر – أن يهبني طفلا دون أية روابط شرعية، أي بغير ذلك الطقس الاجتماعي البغيض لدينا نحن الاثنان، الذي لا مستقبل لأطفال في هذا المكان دونه. علمني حب الأطفال. علمني كيف أحب الأطفال، كل الأطفال في ذات اللحظة التي حرمني منهم فيها. كنا نراهم يوميا، يعومون في دفء سائلنا الأبيض الحميم، لهم طعم لاذع، كنا نراهم في المنازل، في الطرقات، المدارس، الأندية، ومن ثم ارتبط عملي بهم، فأنا أعمل في دار رعاية للمتشردين من الأطفال أو باسم ألطف “الأطفال فاقدو الرعاية الأسرية”. هي دار لمنظمة مجتمع مدني تطوعية. نقوم بتوفير الحد الأدنى لهم من متطلبات الحياة : إفطار بالفول المصري أو العدس، ماء للاستحمام، النظافة الشخصية وغسيل الملابس المتهرئة القديمة الممزقة، التي لا تتحمل الغسيل في الغالب، فتتمزق أكثر. نقدم لهم أيضا خدمات طبية عند الطلب. لكننا في الحقيقة لا نقدم لهم شيئا مهما، فقط نبقي علي الوضع كما هو. “العمل الفردي أو في جزر بدون تخطيط اجتماعي حكومي للمدى الطويل والقصير لا فائدة ترجي منه، ويظل كل ما نقدمه مجرد إبقاء علي الوضع كما هو بل تعقيده أكثر” وذلك لشح الإمكانات وقلة المحسنين الذين يقتنعون بأن رعاية المتشردين بها أجر أو ثواب في الحياة الأخرى أو تشبع حاجاتهم الآنية من المساهمة في دعم الخير الإنساني والمشاركة في استمرارية الحياة بألم أقل. مقابل الفكرة الأخرى التي ترى في المتشردين الشر في اكتماله وكامل شيطانيته. بل يحس البعض بأن المتشرد مخلوق أدني بكثير ليس اجتماعيا فحسب بل إنسانيا أيضا. كنا نحبهم ونحب بعضنا، كنت أحبه بغير شروط، نعم أخذت الشروط تنمو قليلا قليلا مثل الطحلب فوق سطح حجر علي ضفة النهر. عندما تحب المرأة فإنها تفكر بطريقة لا تشبه التي ورطتها في الحب، فإنها تفكر في الأطفال، البيت والزوج. وهذا طبيعي، لكنه قد يعيق فكرة الحب التي تنهض علي سلطة الجسد: رغائبه واختياره داخل دوامة الانتخاب الطبيعي.
كنت اقتنع بكثير من آرائه. القليل منها يستهويني، الآخر أتحمله بفريضة المحبة، وهو يفعل كذلك تجاه أفكاري الشاذة أيضا، وترددي المتكرر لكل منا ما يخصه من جنون وخير، لكن يبقي الحب القاسم المشترك وهو ما يبقينا علي صلة. وهذا التحليل مضللٌ أيضا، لأننا لسنا دائما علي ما يرام ولسنا دائما في حالات حب، قد يقع خصام بيننا يدوم لأيام طويلة، قد أكرهه، وتمر بي أيام قد أقع في حب شخص آخر وحدث ذلك مرتين خلال فترة علاقتي به وهي الآن في عامها الرابع. إذ ليس الحب هو الذي يبقينا معا: إنهم الأطفال. هذا ما توصلت إليه أخيرا، الأطفال الذين تستحيل عملية إنجابهم وتتعقد كلما مضي يوم من حياتي بدون أن يكون ذلك الشيء قد تخلق في رحمي.
كنا نمر سريعا أمام مستشفي أم درمان التعليمي. في اتجاه قبة الإمام المهدي. الجو كما هو في مايو حار جدا. كنا مرحين وقريبين من بعضنا البعض على الرغم من الحزنِ الذي يغمر قلبينا، لولا خوفنا من الشرطيين وخشيتنا من أن يرانا أحد أفراد النظام العام المتنكرين في هيئة مدنيين، لتلامسنا بأيدينا بل لأمسكنا بكفينا معاً ونحن نسير في هذا الطريق الفسيح. كانت دائما ما تغمرنا تلك النشوةُ الإنسانيةُ الجميلة كلما اختلينا ببعضنا في مكان آمن. نستطيع فيه أن نتعرى، نقبل بعضنا ونصلي صلاة الجسد. لقد فعلنا ذلك قبل ساعتين في بيت الخليفة عبد الله التعايشي الذي يطلقون علية تجاوزا”مِتْحَف”، تحت رعاية وحماية بعض الرسميين. هو أكثر الأمكنة أمانا لدينا نرتاده عندما نشتاق لبعضنا البعض، حتى ولو كنا متشاجرين لأن الجسد لا علاقة له بالخصومة، إذا وقعت فإنه يصلحها. اكتشفنا ذلك المكان بالصدفة البحتة، أقصد الغرفة السرية التي تقع تحت غرفة الخليفة مباشرة. بوابتها تفتح في الحمام المهجور، لا ندري في ماذا كان يستخدمها الخليفة، هل كان يخاف أن يتآمر عليه البعض وهو نائم، لذا كان ينتقل لهذه الغرفة الآمنة ليلا لينام بدون كوابيس؟ أم أنها كانت سجنا سريا أو بيت أشباح يستضيف فيه الخليفة وأخوه يعقوب جراب الرأي بعض المارقين الكفرة من جدودنا المشاكسين؟. لقد زعمنا حين اكتشافها أن إدارة السياحة نفسها قد لا تعلم عنها شيئاً. قمنا بمرور الأيام بفرشها بمفارش من الخيش و ملاءات كنا نهربها إلى هنالك كلما سنحت لنا فرصة لحملها في حقيبة اليد، قد شَرَدْنَا القطط المسكينة التي كانت تظن نفسها سيدة المكان الوحيدة، آخذة ذلك الحق من كونها أول من اكتشفه أي بوضع اليد. كنا نسمي الغرفة بيت جدنا التعايشي، وهو مؤسس الدولة السودانية الحديثة، بالتالي الأب الشرعي لعلاقتنا المربكة والراعي التاريخي لها، حيينا الحرس. كانوا يعرفوننا لكثرة ترددنا إلي البيت مدعين بأننا نقوم بدراسة أكاديمية عن بيت الخليفة، لكننا لم ندخل مرة أخري بل عبرناه إلي الحديقة الصغيرة التي تقع في مثلث تحيط بها طرقات الإسفلت. كانت الحديقة مزدهرة في يوم ما، لكنها أصبحت الآن بفعل الإهمال ما يشبه المزبلة، ولو أن الغرف التي استخدمت في الماضي كبوفيه مازالت قائمة.
كانت دكتورة مريم في انتظارنا ترتجف قلقا، تسيل الدموع من عينيها الطيبتين الواسعتين. أعطاها عبد الباقي القارورة البلاستيكية. فتحتها بيد مرتعشة. مضينا خلفها إلي الحجرة الخلفية حيث تخفي الأطفال. كانوا يموتون ببطيء شديد. يتلوون من آلام مبرحة في بطونهم، قد تقيئوا كل شيء، يشتكون من صداع يجعلهم يصرخون في ألم آلمنا نحن أيضا. سقتهم بترتيب بدا لنا عشوائيا، لكنها بكلمات متقطعة قالت إنها تفعل ذلك وفقا للمرحلة المرضية التي فيها كل طفل، والغريب في الأمر كان الأطفال يتحسنون بصورة سريعة أو هكذا بدأ لنا. وبعد نصف الساعة تكلم اثنان وبقي اثنان في حالة احتضار. بعد ساعة مات واحد وتحدث الآخر. كنا قد قمنا بتهريبهم من أحد الشوارع الطرفية حيث كانوا يقيمون بصورة دائمة في مصرف للمياه. وهو مكان مكشوف بالنسبة للفرقة حيث إنهم يستطيعون الوصول إليهم بسهولة ويسر وما يعده الأطفال مخبأ يراه الجماعة قلب المصيدة. أصيب الثلاثة بالعشى. وتوقعت دكتورة مريم أنهم سوف لا ينجون من العمى إذا نجوا من الموت. لأن مادة الميثانول التي أسرفوا في شربها خلال العشر ساعات الماضية. تقوم بتدمير شبكية العين. طبعا هذا بالإضافة إلي تدمير كثير من الأنسجة الحساسة بالأحشاء مثل الكبد والبنكرياس وغيرهما. سقيناهم كل العرق الذي استطعنا أن نحصل عليه بما لدينا من نقود قليلة. بعض بائعات العرق الكريمات عندما عرفن أننا نحتاجه لإنقاذ أطفال مهددين بالموت أعطيننا من لدنهن وسعهن. ودعين من قلوبهن الجميلة النقية السوداء لهم بالشفاء ولنا التوفيق.
أنا، عبد الباقي ودكتورة مريم، نمثل فريقا واحدا من عدة فُرقٍ أخرى تقوم بالمَهَمَّةِ ذاتها في الخرطوم، بحري وأم درمان. الهدف الرئيسي هو الوصول للأطفال المصابين قبل أن تصلهم الفرقة، وليس الوصول إليهم فحسب بل إخفاؤهم لأنهم في حالة خطر دائمة وسيصبح مصيرنا مثل مصير أصدقائنا في فريق آخر تم القبض عليهم وجُلدوا بحد حامل الخمر وغرموا ولعنوا ثم أُبقوا تحت الإقامة الجبرية بمنازلهم، وأصبح العمل أكثر تعقيداً خاصة بعد أن أفتي مُسلمٌ طيبٌ حريصٌ علي الدين أن العلاج بالعرق والأثينول حرام قطعا وأن الأفضل لهؤلاء الصبية الموت لأنهم إذا ماتوا سيموتون شهداء ويدخلون الجنة مع الشهداء والصديقين وحسنُ أولئك رفيقا. خيرٌ لهم من أن يحيوا ويعيشوا مجرمين ثم يموتوا بسوء الخاتمة: اللهم احفظنا واحفظ المسلمين، آمين يا رب العالمين. كنا نشعر أن واجبنا الإنساني يحتم علينا إنقاذ ما يمكن إنقاذه بأي أسلوب كان. و نشك بعمق في ان الفقيه المفتي طيب الذكر قادر علي ضمانة دخوله هو نفسه وبعض عشيرته الأقربين إلى الجنة، دعك من ترشيح الآخرين لها. أو كما أفتى لنا أحد الأصدقاء وهو يرمي في وجهنا أرقاماً مجنونةً عن أن السودان هو من أكبر المصادر للميثانول والأثينول وهما من فصيلة الكحول.الذين يستخدمهما الغرب بعد تنقيتهما لصنع ألذ أنواع الخمور المحرمة هنا في السودان ولا تفوقه في ذلك غير دولة البرازيل حيث إنها تمتلك أكبر مخازن الميثانول في العالم. وإذا كان هذا المفتي تقيا بما يكفي و لا يخشى لعنة رأس المال الإسلامي بالسودان. التي سوف تصيبه في مقتل. لتطرق ولو بحرف واحد لتقطير الكحول في مصنع السكر العملاق. وكأنما سمعه مفتى أكثر ذكاء، وأكثر منه مالا، حيث إنه قال بالحرف الواحد: لا حرمة في إنتاج و بيع الميثانول والأثينول فالبلح والعنب حلالان طيبان وهما مصدران للنبيذ الخبيث وهو محرم. فالعبرة في الاستخدام وليس في إنتاج المادة ذاتها، وإلا حرمنا البطاطس والسكر والذرة بجميع أنواعها، بل كثيرا ما أحل الله لنا من نعم الدنيا والعياذ بالله من غضب الله: أتحرمون ما أحل الله؟؟
إلى اليوم 20-7-2011 تم التأكد من موت ستة وسبعين متشردا وفقا للصحافة، وذلك في غضون أربعة وعشرين ساعة منذ أن اُكْتِشِفتْ أول حالة، واتضح من خلال المؤتمر الصحفي الذي أقامته جريدة السودان في اليوم نفسه . أن وزير الرعاية الإنسانية قد فوجئ هو نفسه بالأمر وبدا عليه الحزنُ العميق، ووصف الأمر بالمأساة. ربما كان مشغولا بالإعداد لزيارته الأخيرة للبرازيل. أما مسئول الشرطة فقد نفى نفيا قاطعاً أن هنالك جهة حكومية وراء اغتيال المتشردين. إنه يحتفظ الآن بعشرة من المدنيين المشتبه في تورطهم في القضية، لكنه يؤكد أيضا أن الأمر غير منظم وغير مقصود. اندهشنا جميعاً لآرائه القاطعة قبل انتهاء التحقيق. همست دكتورة مريم في أذني قائلة:
إذا أردنا معرفة الرقم السليم للمقتولين علينا دائماً أن نضرب رقم الصحافة في ثلاثة على الأقل.
قلت لها وبقلبي حسرة

هذا متفق عليه، للأسف.
كان الصحفيون حذرين كعادتهم تحت قانون الصحافة والمطبوعات الحازم الذي روعيت في صياغته مصلحة البلاد العليا. إلا أن أحدهم سأل سؤالاً لم يجبه عليه أحد، وتجاهلته حتى جريدته ذاتها. قيل إنه لم تقم له قائمة بعد ذلك، أقصد استغنت الصحيفة عن خدماته الجليلة بخطاب شكر ضاف مهذب، مرتب ثلاثة شهور، وأمنية حارة له بالتوفيق في جريدة أخرى. المشكلة كلها أنَّ سؤاله الضال. غير المسئول. الذي لم يرع فيه حُرمة المصالح الوطنية والدور الرسالي للأمم السودانية. حرمها من إعلانات بمبلغ يعادل مليون مرة مرتب الصحفي وأبيه وأمه إذا كانت حية وتعمل، وأبناء عمومته إلى يوم الدين، لأنَّ الشركة المعلنة الخَيَّرة تقصد من وراء الإعلان دعم خط الصحيفة الملتزم الوطني ورفع المقدرات المالية لمالكها الهمام، قد بدا لَنَا واضحاً الآن أنَّ: جريدتكم تستخدم براغيث وجرذان، وليس صحفيين محترمين.

أكد الأطباء أن أسرع علاج للتسمم الميثانولي الحاد هو شرب جرعات خيرات من أخيه الأثينول وهو كما يعرفه العرب بالعرق، الذين هم أول الشعوب التي قامت بتقطيره في العالم. كلاهما سم قاتل، لكنهما يتعادلان. تشرح لنا دكتورة مريم ذلك علمياً كما يلي: التركيبة الكيميائية للميثانول…
كان الأطفال يرجوننا أن لا نتركهم يموتون، هم أيضا يريدون استعادة نظرهم. يرغبون في أن يرون العالم مثلما كانوا يرونه من قبل: ملوناً جميلاً ويجري أمامهم مثل القطط الضالة، نحن لا نملك الشيئين. كان يقول لهم بُقْا عليهم بالصبر والإصرار علي الحياة. في الحقيقة كانوا أكثر إصرارا علي الحياة من أي مخلوق رايته في حياتي. أبي كان رجلاً ميسور الحال فهو ليس ثرياً لكنه لم يكن ينقصه شيء. بالتأكيد لا مجال لمقارنة حياته مع حياة هؤلاء البائسين. علي الرغم من ذلك لم يكن شديد التمسك بالحياة كان سعيدا جدا لم يصب بأية أمراض مؤلمة لم يخنه أحد لم يدخل السجن. لم يقض ليلةً واحدة باكيا شاكيا. وكان يمتلك زوجة رائعة وفية: التي هي أمي الجميلة. يحب الحياة يعيشها بمتعة خاصة وله الحق في ذلك فلقد أعطته الحياة كل شيء. مات وهو في ريعان شبابه وما ذلك في رأيي إلا لأنه لم يكن متمسكا بالحياة تمسك هؤلاء المحرومين. الذين لم يعشوا يوما واحدا طيبا بأية مقاييس كونية، لكن الحياة في تقديرهم ثروة لا يمكن التفريط فيها. قالت لي أمي ذات يوم وكنت قد حدثتها عن طفلين مشردين مصابين بالسل ماتا ذات صباح: الموت خير لهم هؤلاء المساكين.
ولو أن الوقت غير ملائم للتحقيق إلا أننا كنا نريد أن نعرف من أين لهم بهذا المشروب القاتل. كيف تحصلوا عليه وهو غير مشاع، غير رخيص ولا يباع في البقالات أو عند الطبليات أو الباعة المتجولين. كانت لهم إجابات مختلفة، لكن أغربها هي إجابة آدم سانتو- توفي فيما بعد – الذي قال إنه تحصل عليه من المصري، كأن هذا المصري علماً علي رأسه نار. لكن البقية تحصلوا عليه من زملائهم الذين تحصلوا عليه من زملاء آخرين هكذا بلا نهاية ولا بداية. يفضل الأطفال المشردون عادة السلسون وهو مادة تستخدم للصق يدخل الميثانول في تصنيعها. رخيصة ويستنشق عبقها المثير. أنبوب واحد صغير يكفي لسكر عشرة متشردين وينيمهم مجنبا إياهم مشقة البحث عن طعام. يهبهم في الحلم الحياة، الراحة والجمال الذي ينشدونه. قد يستخدمون ما يقع في أيديهم من مسكرات أو مخدرات، خاصة الأشهر البنقو، المشكلة الوحيدة التي تمنعهم من تعاطي كل شيء هي المال. إنهم فقراء. عاطلون عن العمل حتى التسول فإنهم لا يتسولون، لا يسرقون، لا يرقصون ويغنون ويضحكون ويبكون في الطرقات مثل مشردي البرازيل، لكي يحصلوا على ثمن وجبة تافهة وجرعة كراك. لكنهم يرقدون هناك تحت ظل حائط أو نيمة أو وكر أو في بناية مهجورة. يأكلون البقايا باستمتاع قذر. المزبلة هي أعظم سوبر ماركت طبيعي وهبه الله للمتشردين. يتسلون بممارسة الجنس فيما بينهم. قد تكفي سيدة مجنونة واحدة نزوة شلة من المتشردين. أما المتشردة الجميلة – وهي كذلك دائما – فلا يمكن مسها بغير مقابل. ويصعب اغتصابها لشراستها. الأكثر عرضة للاغتصاب هم المتشردين الجدد نساء كانوا أم رجالا. طفلات أم أطفالا. وذلك قبل انتمائهم لشلة تقوم بحمايتهم وقائد يرعاهم. في الغالب يصبح المُغْتَصِبُ الأقوى هو من يقوم بالحماية لاحقاً حيث يصبح المُغْتَصَب واحدا من ممتلكاته الخاصة وفردا من شلته: وفياً ذليلاً طائعاً و لقوية ممتعة.
إذا توفر لدي المتشرد بعض ما يسكر، قليل مما يطعم، وشيء من الجنس من نوعه أو النوع الآخر لا يهم، فهو الأكثر سعادة والأكثر غني من رئيس دولة في العالم الثالث.
يتسلل الشيء إلي المعدة. يسمونه فيما بينهم الإسبرت وهو من مشتقات كلمة انجليزية تعني الروحsprit وربما كانت اختصاراً ذكياً لجملة المشروب الروحي. في اللحظات الأولى من احتسائه، يهب الشخص لذة مجنونة لا تقاوم، وعندما تبدأ عملية الأيض أو التمثيل الغذائي، تحمل الأعصاب وشايا سريعة إلي الكبد مخبرة إياه بأن سما زعافا يتغلغل في أحشاء ذلك المتشرد الذي نُعني بحمايته، وعلينا مسؤولية حياته، فيفرز الكبد الوفي إنزيم نازع الكحول. وهو متوفر ومحفوظ بصورة جيدة لمثل هذه اللحظات الصعبة والحروبات غير المتوقعة، لأن الكبد يعرف نزق وشيطنة سيده الإنسان، متشردا فقيرا كان، أم سياسياً غنياً. فيتحول الميثانول الذكي إلي مادة الفورمالدهيد شديدة السُمية ثم خلال ثلاث دقائق أخري يتحول إلي حمض النمليك، بهذه المراوغة الشيطانية. يفقد الكبد إمكان السيطرة عليه، لكنه يظل يفرز الأنزيم نازع الكحول، وتتراكم النواتج الاستقلالية السامة للميثانول بصورة متواصلة دون أدنى مقاومة من الجسد، بعد أن حيدت سلطة الكبد، من ثم تظهر أعراض التسمم. ولأن المتشرد هو مخلوق جائع، يحتسي هذا المشروب من أجل أن ينسي ألم الجوع، العوز، خيانة الأصحاب، مرارة الاغتصاب، ظلم الشرطي، إهانات المارة، قلق الحنين إلي الأسرة، الوساخة الشخصية، القمل، برغوث الثياب، والأمراض الكثيرة التي تنهش جسده، فإن الميثانول يجد بيئة جيدة ليُمتص سريعا عبر المعدة الخاوية الشرهة التي تنتظر ما يشغلها ويخفف عنها ألم إفرازاتها المُرة النشطة. لا يحس الشخص بأعراض التسمم إلا بعد مضي ست ساعات إلى ثلاثة أيام، هذا إذا شرب الشخص النحيل ذي الوزن الهزيل جرعة زائدة من الميثانول، هي في الغالب لا تتوفر لديه، فما يتوفر لديه بعض ملي غرامات من الأثينول، يضيف إليها خمسة أضعافها من الماء القراح، لذا لا تظهر علامات التسمم فيه إلا بعد شهور أو سنوات. أي بعد أن يقوم الأثينول بتدمير خلايا الكبد والبنكرياس. ذلك تماماً كما يفعل العرق “الميثانول+ الأثينول” للمدمنين عبر سنوات طويلة من اللذة، النشوة وأحلام اليقظة علي أنغام موت بطيء وبارد، تفسير هذا الموت السريع للضحايا هو أنهم قد تناولوا كميات كبيرة من الميثانول، ليس ذلك القدر الضئيل الذي اعتادوا على تناوله من صنوه الأثينول، فالتشخيص الطبي الباتع لحالاتهم يُطلق عليه الأطباء : التسمم الكحولي الحاد.
ما يقلقنا الآن أكثر، كيفية التعامل مع الجثة التي ترقد أمامنا مغطاة بأسمال باليات تفوح من فمها رائحة الموت مختلطة بقيء الأطفال علي أنغام شخير بعض من نام منهم. كنا نعي جيدا خطورة أن تُضبط الجثةُ في حوزتنا. يحزننا أيضا تركها في هذه الغرفة المهجورة مع الأطفال المرضي الذين لم يحدد مصيرهم بعد. الذين سيصبح مستقبلهم “علي كف عفريت” إذا وجدتهم الفرقة، فسيحقنون في الحال- حسب ظننا وبعض الظن إثم – بمادة الفورماليين الرخيصة القاتلة و يودعون الحياة التي يحبونها جدا رغم قسوتها إلي الجنة البغيضة التي أعدها لهم ذلك المفتي الفصيح، نحن لا نستطيع أن نفعل شيئا أكثر مما فعلنا . أن سقيناهم العرق وأطعمناهم اللبن الطازج ووهبنا إليهم جرعات كبيرة من زيت الخردل لتقوية معداتهم الملتهبة. كان الأمر كابوسا حقيقا. لكنا اُجبرنا على المغادرة السريعة وتركهم كما هم عندما اتصلت بنا حكمة رابح صديقتي وأخبرتنا أن الفرقة في طريقها إلينا. شاهدهم البعض قريبا جدا من مسرح البقعة يتعثرون في زحمة المرور، يطلقون صفير إنذار ونجدة، يردد العسكر المتحمسون صرخات الحرب وهم محشورون في عربة لنقل البضائع “دفار جامبو” عملاقة. أضافت:
لقد قاموا باعتقالات واسعة لناشطين، في أم درمان و الخرطوم، ولا ندري من هم وكم عددهم حتى الآن.
تقع الحديقة، قريبا جدا من مسرح البقعة، جنوب بيت الخليفة التعايشي، شرق سجن الخليفة، في الطريق إلي مستشفى الدايات، تحتل الحديقة المهجورة هذا المثلث الصغير. كان علينا أن نهرب في اتجاه بيت الخليفة، هذا هو الحل الوحيد، اقترحت دكتورة مريم أن نقوم بزيارة البيت، سوف لا يشك فينا أحد. تبادلتُ النظرات مع عبد الباقي، ابتسمنا لبعضنا، ونحن نسرع الخطى نحو البوابة القديمة الأثرية، التي تحرسها جماعة من الرسميين. قمنا بزيارتنا الثانية للبيت في اليوم نفسه. اندهشت دكتورة مريم عندما شاهدت الحفاوة التي استقبلنا بها الرسميون. في الحقيقة كانت هذه الحفاوة الدافئة، نتاج علاقة قديمة مستمرة سوف لا تخطر ببال صديقتنا الدكتورة، خاطبونا بالأساتذة ولم يأخذوا منا رسوم الزيارة المعتادة. كانوا يحسون من أعماقهم بأنهم يجب أن يقدموا لنا المساعدة المرجوة لربما تكرمنا بذكر أسمائهم في البحث الذي نقوم بإعداده أنا وعبد الباقي عن بيت الخليفة، ذلك المشروع الوهمي الذي سوف لن يُنجز أبداً.

جلسنا عند الفسحة أمام العربات التاريخية المهلهلة المهملة المغطاة بطبقة من الغبار سميكة. كان الظل باردا، تيار الهواء يمر شمالا جنوبا بحرية. كنا نحتاج لقدر كبير جدا من الهواء البارد لإنعاشنا وإعادة الحياة إلينا، قلوبنا وآذاننا تقفز خلف الجدران لتعانق موجودات الحديقة في الخارج، تحوم حول الأطفال المشردين. كان هتافهم قاسياً وعنيفا، مختلطا بصفارات الإنذار المرعبة، عندما أخذ الزوار يخرجون من بيت الخليفة مهرولين يتقصون ما يحدث في الخارج، خرجنا معهم. دارت العربة العملاقة دورتين قبيحتين حول الحديقة الصامتة، كانت مليئة بالجنود الشباب المتحمسين لفعل كل ما يؤمرون به. ليس بإمكانهم أن يلاحظوا شيئا بهذه الطريقة الاستعراضية الفجة في البحث. لأن الأطفال كانوا يرقدون في داخل الغرفة. ليس في حوش الحديقة، توقعنا أن يتوقفوا ويهبطوا ويدخلوا. لكنهم عندما أكملوا دورتهم الرابعة، اتخذت العربة الشارع الجانبي الشرقي الذي يقود إلى الإذاعة، تلاشى صراخهم الرهيب خلفهم تدريجيا، إلى أن اختفي نهائيا عندما انعطفت الشاحنة بهم يمين الإذاعة القومية متخذة طريق الطابية إلى مستشفى القوات المسلحة بأم درمان، أو إلى أي جحيم آخر لا ندريه.
لم نعد إلي الأطفال والمشردين بالحديقة، على الأقل الآن، كان هذا رأي الجميع، كما أننا لم نرجع إلى بيت الخليفة عبد الله التعايشي، مرة أخرى.
تشير الساعة إلى الثانية بعد الظهر، دكتورة مريم ستعود للعمل بمستشفى الحوادث بالخرطوم عند الثالثة والنصف، قد تحتاج إلى ساعة كاملة تقضيها في المواصلات العامة بين أم درمان والسوق العربي، لأن الوقت هو زمن ذروة التزاحم المروري، فالطرقات ضيقة وهي مصممة في عصر الاستعمار لبضعة عشرات من السيارات الصغيرة يستغلها السادة السياسيون والإنجليز، الآن على ذات الطرق أن تتحمل ما لا يقل عن مليوني سيارة في اليوم. فكان الخيار الأرجح أن نذهب معها أنا وبُقا إلى الخرطوم، من هنالك يذهب هو للسلمة وأنا لبحري، وسوف ننسق الخطوة القادمة عن طريق التلفونات أو الرسائل النصية القصيرة. تعرفت على دكتورة مريم منذ سنوات كثيرة مضت، أي منذ أن تخرجتُ في جامعة الأحفاد قبل خمس سنوات، كنت أقوم بقضاء فترة تدريبية بمنظمة رعاية الطفولة السويدية، التقيت بها هنالك، تعمل حينها منسقا لمشروع حماية الطفل بالمنظمة احتضنتني، وشملتني برعايتها منذ اليوم الأول الذي تقابلنا فيه، هي التي جعلتني ألم بالجوانب النظرية والعلمية في مجال حقوق الأطفال، ولم يكن فارق العمر بيننا كبيرا، كنت أصغر منها بثلاث سنوات، وهي تكبرني بخبرات عملية وإنسانية تفوق الخمسين عاماً، ومثل كل سودانيين يتقابلان في أي زمان أو أي مكان يجدان شخصا مشتركا بينهما هذا إذا لم يكتشفا أنهما أقارب، فبيني وبينها شخص عابر في حياتي، لكنه خلف فيَّ أثراً كبيراً ونهائياً، وهو أحد أقربائها بل ابن خالتها حسن إدريس. المرأة لا يمكنها أن تنسي الشخص الأول في حياتها، حتى إذا كان وقحا وناكرا للجميل مثل هذا الإدريس. أنا لا أحب أن أخوض في هذه الحكاية التي يؤلمني ذكرها الآن، هو لم يخدعني لكنني كنت أتوقع منه موقفا أكثر مروءة وإنسانية، أي ما تتوقعه كل فتاة من رجل تورطت معه في علاقة حميمة أدت إلى أن تجعلها حُبلى بِطفل. أتمني ألا أعود لهذه الحكاية مرة أخرى.

الفصل الأوّل من رواية ” مسيح دارفور”

يبدو أنّ مصائرهما  قد ارتبطت ببعضها البعض  رباطاً لا فكاك منه، وليست هي الصدفة وحدها، ولكنهما في أحيان كثيرة كانا يسعيان لذلك، قد التقيا في المرة الأولى بتخطيط من القدر، و عملت أياد نجسة- وسمياها فيما بعد شيطانية- كثيرة في جعل ذلك  اللقاء مؤلماً و نهائياً .
في 23  نوفمبر 2002 حوالي الرابعة مساءً، عند نقطة تفتيش سُوبا على مشارف  مدينة  الخرطوم، توقف البص خلف باصات كثيرة سبقته في المكان و الزمان، ترجل السائقُ وفي معيته  المضيف اختفيا لبعض الوقت، عندما عادا كان في صحبتهما رجل  يحمل قائمة أسماء المسافرين بيد وبالأخرى قلماً أزرق ماركة بك، يرتدي بدلة سفاري رمادية، له عينان صغيرتان ضيقتان ولكنهما حادتان كعيني نسر كاسر، بنظرة واحدة، في ثوان معدودات شاهد كل الركاب، نظر الى القائمة، خطط بقلمه ثم أشار إلى البعض بأن يترجلوا من البص و يتبعونه، وذلك دون أن يكلف نفسه قول كلمةٍ واحدةٍ، نزل خمسة من  الشبان  في أعمار متقاربة،بصمت، في ترقب مضوا خلف الرجل ذي السفاري الرمادي، الذي دخل خيمةً من الكانفاس غبشاءَ،تقع شرق الطريق السريع، خلفها يقف لوري عليه قفصٌ  من  الحديد به نوافذٌ صغيرةٌ للتهوية  منسوجة من السيخ الصلب، باختصار كان اللوري قبيحاً، بائساً و مثيراً للتشاؤم . وانتبه الجميع وهم يصعدون إليه أنه أشبه بقبر من الحديد  على الأسفلت.
يصعب تتبع الدَوّامَات الأولية التي وجدا فيها نفسيهما، لأنها كانت سريعة بل تمر بصورة لولبية وعنيفة  لا تصدق، أُدخلا عدداً من المكاتب الحكومية الصفراء التي تفوح من جوانِبها رائحة الورق و السجائر البرنجي مختلطة بزنق الجوارب المتعبة، قابلا رجالاً من العسكر و المدنيين لهم نفس الملامح و السحنات، تم سؤالهما ذات الأسئلة مرارا و تكراراً،وقيل لهما ذات  الكلام مرارا و تكرارا وحُذِرا من ذات الأفعال، فعل ذلك كل من التقى بهما من الرجال العسكريين و الذين أخطر منهم وهم (العسكرومدنيين)، طلب أبراهيم خضر، وهو الأصغر عمراً، كان شحيما بعض الشيء، يتحدث بصورة متقطعة وهي عادة ورثها جد عن جد، طلب منهم ان يتركونه يوصل أخته التي تدرس بالجامعة وهي في سنتها الأولى و زيارتها الأولى لمدينة الخرطوم، ان يوصلها الى الداخلية و يكمل اجراءات تسجيلها ويعود اليهم مرة أخرى، ضحكوا من  سذاجته و قالوا له فيما يعني: تجدها عند الغافل. و اكد له (عسكرومدني) نحيف له شفاه مبتلة ترتجف لا ارادياً، ان الحكومة سوف تعين لها من يسهل كلما يخصها، فقط عليه ان يتفرغ لأداء الخدمة الوطنية وان يمضي الى المعسكر خالي البال من كل هم.
الشخص الآخر الذي سوف نتتبع أخباره عبر هذه الحكاية أيضاً، هو شيكيري تو تو كوه. الذي ظل صامتاً طوال فترة التحقيق، حتى انه لم يزرف دمعة واحدة في اللحظة التي بكى فيها كل المجندين عندما اقلعت بهم الطائرة العسكرية اليوشن العجور  نحو ما لا يعلمون من البلاد لكنهم جميعاً كانوا  موقنين انهم يتوجهون الى ميدان معركة ما حامي الوطيس، في الجنوب أو الغرب، بعد ان قضوا فترة التدريب على الأسلحة الخفيفة في الأربعين يوماً السابقة، وكانوا يعرفون انهم سوف لا يرون الخرطوم مرة أخرى إلا اذا كانت في الجحيمِ مدينةٌ  بهذا الإسم.
الشخص العادي و اقصد  هنا الطبيعي، في رأي ابراهيم خضر، هو الذي لا يرى غضاضة في ان يحب مدينة نيالا و يعشق الأستاذ محمود محمد طه،لا يوجد ربط بين الأثتبن غير انهما ينطبقان على الشخص  الطبيعي،شيكيرى توتو كوة لم يسمع بالأستاذ محمود محمد طه قبل ان يلتقي بابراهيم خضر  الذي ينتمي لهذا المفكر والفكرة معاً، ولا نظن ان ذلك سوف ينقص من أن شيكيري توتو  كوة شخص طبيعي شيئاً، ولكن والده تُوتو أخبره كثيراً عن مدينة نيالا، وحكى له عن اخته غير الشقيقة التي انقطع عنها قبل ميلاده بل قبل أن يتزوج كاجيلا أمه، تسكن حي الوادي. يستطيع الآن أن يتذكر اسمها،لأنه غريباً وكان دائماً ما يُوحي له بصورتها، بل كان يراها كما يصورها اسمها تتوسط عُشبٍ كثيفٍ و ابقارٍ و أغنامٍ  ترعى، و مطرٍ لا يتوقف. كان  أسمُها خريفية تُور جاموس، سوف يبحث عنها عندما يستقر به  الحال في المدينة، وإذا سمحوا لهم بالخروج من المعسكر.لابد أنها قد أصبحت عجوزاً كما هو الحال بأبيه الآن.
يؤرخان للقائهما الحقيقي باليوم  الذي اختيرا فيه عشوائياً من قبل ايد ما، للعمل ضمن وحدة  الأستخبارات الخاصة بالكتيبة التي أُدغما فيها، وعندما شاهدا  بعضهما البعض تذكرا ذلك  اليوم جيدا، الذي تم صيدهما فيه على مشارف مدينة  الخرطوم، ربما قابلا بعضهما البعض في معسكر التدريب بصحراء بغيضة شمال الجيلي، ولكنهما كانا وسط ألفين وثلاثمائة واثنين و  عشرين مجنداً، وكان المجندون  اما مشغولون بالهرب، لأن الفرصة  الوحيدة للنجاة هي الهرب من هذا المعسكر بالذات بالرغم من الحراسة المشددة  التي به، إلا ان المجند إذا لم  يتمكن من الهرب منه،فإنه لا محالة مواجهاً للموت في معركة ما، ضد سودانيين متمردين على الحكومة المركزية في غابة أو صحراء ما، اما أنهم مشغولون بمحاولة الإتصال باحد زويهم من أولي النفوذ الواصلين لكي يتدخل في الوقت المناسب ويفك أسرهم. في المعسكر  الوقت يمضي سريعا نحو ميدان القتال، ولا أحد يثق في الآخر، فيُشاع أنّ من  بين المجندين مُندسين يعملون لصالح السُلطة، ولا يُعرفون إلا عند  الذهاب للقتال، حيث أنهم يتخلفون،وإذا اشتركوا في المعركة فإنهم بصدد تصفية بعض ما يسمونهم الطابور الخامس و المربك في الأمر أنّ أي  من المجندين عرضة لكي يُصنّفْ طابورا خامساً ولأسباب واهية، ربما لطريقة لبسه أو لمجرد كلمة تفوه بها عرضاً بل لمجرد لون بشرته. لذا لم تتوطد علائقٌ لا جيدة ولا حسنة من قبل، بين شِكيري تُوتُو كُوة، وإبراهيم خضر إبراهيم، ولا بين احدهم و اي انسان آخر. ونستطيع ان نقول الأيام الأولى لهما في شعبة الإستخبارات شهدت  شُكوكا متبادلة بين الأثنين، و مشدات عنيفة كادت ان تنتهي بمعركة يدوية لولا برود أعصاب ابراهيم وحكمة شيكيري، ولكنهما  وجدا نفسيهما معا ذات موقف انساني عميق وظلا معا للأبد.
الليل في الصحراء بعيداً عن البيت لا يعني شيئاً غير العدم،والصحراء  لا تعني للجندي غير الهلاك، الجندي المعني ليس ذلك الثوري الذي يحارب من أجل قضية وطنية ضد عدو أجنبي دخيل، طالما آمن بها وتبناها، ولكن الحديث هنا عن الجندي الذي يُدفع للحروب دفعاً،الذي يصفي السياسيون بدمه حسابات و مطامع تخصهم،حتي إذا كانت ضد قبيلته و أسرته بل مسقط رأسه, مثل الذي ظل يحارب ثلاثين عاماً في ميدان معركة ولا يدري شيئاً عمن يَقتُل أو من سوف يقتله هو في آخر المطاف. ذلك الجنديُ الحزين. وكان ابراهيم الخضر دائما ما يسخر من الشهداء والأبطال الذين تُوجوا بهذه  الألقاب وهم يحاربون بني جلدتهم ذات بني تُرابهم.
الليل في الصحراء صحراء أخرى،  تدب في النفس مثل ثعبان اسطوري، كانا يزحفان  على بطنيهما فوق رمل بارد، قرب معسكر للمتمردين يطلقون عليه الأسم الحركي ط 50، كان الهدف مراقبة طريق الإمداد الصحراوي الذي يمر بنقطة شمال مدينة الفاشر بثلاثة مئة ميلاً وتحديد الوقت اللازم للإعتراض، وهو عمل روتيني يقوم به العسكريون عادة وهوايضا لحد ما سهل وأقل مخاطرة في ظل أجهزة  الرصد الصينية الحديثة التي لا تتطلب من الراصد أن يبقى قريباً من موقع  الحدث، بل يكفي أن يختار الزاوية المناسبة و الوقت المناسبين و أن يقبع في مسافة معقولة لكى يحصل على أفضل النتائج، المشكلة هي أنّ القائد طلب من شيكيري تو تو كُوة أن يقوم بمراقبة ابراهيم خضر و أن يعد تقريراً عنه، بل قيل لشكيري صراحة إنهم يشكون في ولاء إبراهيم.
و لا يدري شيكيري توتو كوة هل كان الضابط  جاداً ام انها هفوة كبيرة منه عندما أتبع اوامرة بلفظة قاسية و  مربكة، حيث قال: راقب العبد .
و افتكر شيكيري تو تو كوة ان اللفظة اطلقت عليه هو، حيث انه استبعد تماما ان المقصود بها ابراهيم خضر ابراهيم، حيث ان ابرهيم لا يمكن ان ينطبق عليه هذا اللفظ  وفقا للثقافة اليومية الموروثة، فابراهيم له بشرة صفراء ناصعة و شعر ناعم و بيدو واضحا من شكله الخارجي انه من تلك  المجموعات التي تُطلق لفظ  عبد على الآخرين، وليس هو من يُطلق عليه هذا اللفظ.  لذا اعتبر شيكيري أنّ الملازم يعنيه و استعد لمشاجرة عنيفة، إلا ان الملازم شرح له الأمر، و أكد له انهم يمتلكون التفاصيل عن كل   شخص أي ما وراء المظهر الخارجي، و قالوا  له ان اسرة ابراهيم لوقت قريب لها أسياد،  بل أن جدته المباشرة لها اسيادها الذين لولا الأنجليز  لكانوا مايزالون تحت القيد، و  ان والد ابراهيم هو ابن السيد، ليس يعني هذا انه ابن غير شرعي، لأن  امه ما ملكت ايمان سيدها، وهذا حلال في الشريعة ولم يختلف عليه فقيهان، ولكنه، كما أكدوا له شخص حاقد على الآخرين و المجتمع، لذا يتبنى الأفكار الهدامة، مثل الشيوعية و الجموهورية و غيرها.
كانت الأفكار تدور في رأس  شيكيري وهو يزحف على الرمل البارد قرب ابراهيم، وربما شطح بعض الشيء وهو يفكر في علاقة جدة إبراهيم  بالسيد، وهل لها زوج  آخر،  بل هل يحق لها أن تمتلك زوجا آخر، وما هي علاقة الزوج بالسيد، بل كيف صاد الصائدون النخاسة جدوده الأولين، لماذا لم يهربوا، هل قاوموا كثيراً، بل من هم النخاسة، أهم سودانيون كذلك؟ و تخيل نفسه مملوكاً لسيد يمارس الجنس مع أمه؟. كان إبراهيم مشغولا بقراءة اشارات الجهاز الصوتية، يعتبر ابراهيم ان هذه المهمة ليست سوى مضيعة للزمن لا أكثر، لأنه سوف لا ينقل لقائده أية معلومة مفيدة عما يسمونهم الطورابورا، و يتمنى في عمق ذاته ان يسطيع الطورا بورا الحصول على الإمدادات الكافية التي تمكنهم  من الإنتصار على جيشه و  سحقهم جميعاً بما فيهم هو نفسه، في الحقيقة ما كان يثق في شيكيري توتوكوة اطلاقاً، اولاً لأن شيكيرى لا يتكلم  كثيراً ولا يعبر عما في نفسه  بل لا يعرف عنه حتى الآن إلا القليل، ولقد حدثه هو كثيراً عن اسرته و أهله و همومه اليومية، بل حتى حبيبته و أبعد من ذلك انه حكي له كيف أصبح جمهورياً في اليوم ذاته الذي ذهب فيه للضحك و الشماتة على الجمهوريين في سجن كوبر، يوم إعدام ما يسميه او يرمز  اليه  ابراهيم بالأستاذ، في 18 يناير 1985 الساعة العاشرة صباحاً، برفقة  كثيرٍ من المستهترين و الجبهجية، قال له بصدق تام، عندما اعتلى الأستاذ منصة المشنقة، بمجرد النظر اليه- وقد تجنب الجميع أن  تلتقي أعينهم بعينيه- عرفت انه على حق، و اننا جميعا ليسوا سِوى القتلة. فلم يعدمة القُضاةُ ونيمرى وحدهما، ولكنا أيضا الذين لم نبذل جهد المُقِل في توقيفهم، قتلناه أكثر. لقد كان جميلاً، شجاعاً، نبياً، قديساً و  انساناً لا شبيه له، وهو يرفع رأسه في سُلطة مُطلقةً. أحسستُ في تلك اللحظة أنه كان بإمكانه أن يحوّل تلك  المِشْنَقَة إلى عرش عظيم ويُتوج نفسهَ ملكاً أسطورياً ونهائياً لهذا العالم، إذا أراد. ولكنه كان  يُريدُ أن يبقى هنالك، لوقت أكثر، وقتٍ  يُمّكنُ  جلاديه من أداء واجبهم التأريخي، مثل ذلك الوقت الذكي الذي تكرّم به السيّدُ المسيحُ بين أيدي بعض الغوغاء المتعطشين للدم الأنقى. يحكي له  يومياً عن كل ما يخطر بباله، ولكن  شيكيرى، كان يبتسم يعلق بإختصار ولكنه لا يقول شيئاً خاصاً به أبداً.
ولكن لدى شيكري اليوم رغبةٌ كبيرةٌ في التحدث،  يريد أن يقول شيئاً مهماً لأبراهيم، سيحكي له عن القائد و  يخبرة عن التقرير و رأي القيادة فيه، بل لا يخفى عنه حكاية انه عبد لقوم مازالوا يمتلكونه طالما كان حياً وسوف يتوارثونه أباً عن جد، و أبعد من ذلك سيقول له انه نتاج معاشرة “ما ملكت ايمانكم”، ولكنه عندما تحدث أخبره عن رغبته في الهرب من  الجيش، بأسرع ما يُمكن، مما أدهش إبراهيم خضر، لأنه ما كان يتوقع  ذلك من شيكيري بالذات، كان يحس بينه وبين نفسه أن هذا الشيكيري قد  تم تجنيده ضمن آليات السُلطة،حدثه، شيكيري على انه منذ  أن قُبض عليه كان يفكر في شيء واحد: الإنتقام إما الهرب. كما يجب أن  يَحس أيُ شخصٍ ذكي في مثل هذه الظروف، أَحسَّ إبراهيم خضر، و تأكدت له شُكوك قديمة، أنّ  شيكيري يريد أن يقيس مائه، ويسبر أغواره، فإبتسم كما يبتسم شيكيري عندما يحكي له هو  آلامه و أفراحه، فتشكك شيكيري توتو كوة في نوايا إبراهيم خضر، وأحسَّ أنه  لم يقدر الموقف جيداً،من ثَمَّ قرر أن  يتراجع عن تصريحِهِ و لكنه وجد نفسه قد تورط  أكثر، عندما أضاف: أفضل الإنتماء للمتمردين.
كانا يزحفان في الرمال منسحبين، فقد حان مَيعادُ استلام الوردية الثانية، الرملُ الباردُ: باردٌٌ. جسديهما الباردان ينسحقان على الرمل، كانت الوساوس باردة، ولكن في داخل الرجلين لغُة واحدة مشتركة تنموا رويداً رويدا،  لم يستطيعا التعبير عنها جيداً، بل كلما حاولا الإقتراب منها، ضَلا سُبل الإفهام،  ولكنهما أصبحا الآن أكثر قُرباً، عندما أخبر شيكيري إبراهيهم بأنّ القائدُ طلب  منه أن  يراقبه ويكتب عنه تقاريرٍ مفصلةٍ، ويعني ذلك فيما يعني ربما يُتوج إبراهيم قَريباً بِلقَبِ: البطلُ الشهيدْ.
طالما كان  يسخر من هذا اللقبِ بمرارة  ويكرهه.

فصل من رواية “مسيح دارفور”


طِرْ


القوة العسكرية المنوط بها حسم الأمر لا تتجاوز ال66 جندياً، وفريقا كبيراً من النجارين المهرة وشبه المهرة تم جلبهم بالقوة من نيالا وكاس وزالنجي. في الحقيقة كان هذا العدد كاف جدا للقضاء على ثورة نبي كاذب كما تم وصفه من قبل القادة الميدانيين وبعض الساسة الضالعين في إطلاق الألقاب الجيدة، كل قوته التي لا تحمل أي من الأسلحة هي 15 رجلاً وامرأة واحدة. وما يسمونه بالنبي الكاذب هذا قد أحيا في الجُمعة الماضية، أربعين شخصاً من الموت، وشكَّل من ريشة واحدة غُراباً حقيقياً جميلاً وقال له طِرْ: فَطَارَ.

الشخص الذي صمم طريقة القضاء على الرجل، كان يمتلك خيالاً خصباً يُحْسَد عليه، كما انه يتسم ببرود أعصاب وإصرار علي القتل بصورة مُدهشة، وكان عليه أن ينجز الأمر بأسرع ما يمكن، وخاصة بعد أن تناوله الناس المروجون من المتربصين بالحكومة الوطنية في الفيسبوك والتويتر والمواقع الالكترونية العميلة مثل الراكوبة وسودان فوراول وغيرهما، كما أن الأمم المتحدة التي تدخل انفها في كل شيء فيما يخصها وما لا يخصها تتداول النقاش مع بعض الدول على إرسال مبعوث خاص لمعاينة موضوع النبي الدافورى الغريب كما أسمته الصحافة الغربية، من قربٍ كافٍ ورفع تقرير بذلك، كما أن الجماعات التي أعلنت إيمانها المطلق به حتى قبل أن تعرف تفاصيل دعوته، تتجمع الآن من كل أنحاء العالم وتسير في قافلة عملاقة نحو دارفور،عليه أن يقطع الطرق أمام هذا وذاك ويقوم بالتخلص منه بقتله، ولكنه يريد أن يقتله بطريقته الخاصة، بأسلوبه الذي يحب، يريد أن يختار له نهاية تليق بأسلوب ادعائه، يقول إنه المسيح، ليس متشبها به، وليس داعيا بدعوته، وليس احد تلامذته، ولا مريديه وليس المسيح الدجال ولا المهدي المنتظر، ولا برمبجيل، يقول إنه السيد المسيح بلحمه ودمه، وبهذا يستحق صلباً حزيناً بائساً يجعل كل من يحاول أن يدعي النبوة- وهم كُثر في هذه الأيام- أن يفكر ألف مرة قبل أن يعلن ذلك.

كان النجارون وأشباه النجارين مشغولين في صنع خمسة عشر صليباً من أفرع أشجار السنت المقطوعة حديثاً الصلبة وعليها بقايا الشوك، كانت صلبانا ثقيلة، يحاولون أن يجعلونها أثقل ما يمكن، يختارون السوق الأكثر رطوبة، المروية جيدا بماء الأنهر البعيدة في عمق الأرض، يضعون حولها دعامات ثقيلة من سوق أُخرى أكثر ثقلا، يدقون في أعماقها مسامير غليظة من الحديد الصلب ذات نهايات حادة، ويتم تذكيرهم بين وقت وآخر أنهم قد يُصلبون على ذات الصلبان التي يصنعونها الآن إذا لم تكن جيدة الصنع، كان النجارون وأشباه النجارين مجتهدين، يصِلون الليل بالنهار، أمامهم ثلاثون ساعة لا غير، العساكر لم يكونوا على أهبة، ولم يصبحون كذلك، لا يمكن أن يؤذي من لا سلاح له، بل من يقول انه سوف يبارك قاتليه؟ فكانوا لا يكفون عن لعب الورق، والشجار حول من الذي صنع البندقية الكلاشنكوف؟

الجنود ال66 شرسون، حاربوا في كل بقاع السودان، كانت لهم صولات وجولات في الجنوب والشرق والغرب، وقد يقاتلون في ميادين أخرى من ارض الوطن الحبيب، وهنا تكمن خطورتهم، أنهم متخصصون في القضاء على ثورات مواطنيهم بالذات، أي مثل القطط التي تأكل أبناءها، وتهرب من نُباح كلب الجيران، الجنود ال66 مدججون بأسلحة ثقيلة وخفيفة، دبابتين، ناقلتين للجنود وعربة لاندكروزر مزودة بدوشكا، يلفون رؤوسهم ووجوههم بشالات ملونة وكأنهم فرسان من قبيلة الطوارق، من الخطأ التعامل معهم وكأنهم شخص واحد، هم يختلفون كثيرا عن بعضهم البعض، في النشأة، والموطن، استخدامهم للسلاح، حبهم للحياة، وفي فهمهم للحرب، بل في إيمانهم بالقضايا التي يحاربون من اجلها، أسرهم،عشيقاتهم وأحبائهم، من له أبناء وبنات ومن هو أعزب ومن ليس له غير نفسه، حبهم للحياة، مقدراتهم على التضحية بالروح والدم، فال66 جنديا، هم في الحقيقة 66 إنسانا، يكتشف ذلك من يقترب منهم أكثر، من يستمع لنبض قلوبهم، من يتحسس جريان الدم في شرايينهم، من يستطيع أن يدخل أصابعه في جيوبهم ويلمس لزوجة فقرهم وحرمانهم، الجنود ال66 مستعدون لتنفيذ الأوامر في الحال.

إبراهيم خضر، ليس هو القائد الميداني، كما انه ليس صاحب قرار في مصير الرجل، وهو أيضا ليس من مهمته إقناعه وقيادته إلى جادة الطريق، كان مكلفا بفهم آراء الرجل، وكتابة تقرير وافي عن ذلك، لا أكثر ولا اقل، تحت عنوان وإرشادات معطاة مسبقة، ولا نريد منك أكثر من ذلك، وليس من ضمن تلك الأسئلة القائدة سؤال مثل: هل هو نبي أم لا؟ كان بوده أن يُسْأل مثل هذا السؤال، ولكنهم للأسف يعرفون ويؤمنون بأنه ليس نبيـا فآخر الأنبياء في الدين الإسلامي هو النبي محمد (ص) وآخر الأنبياء عند الدين المسيحي هو السيد عيسى المسيح أما البوذيون والصوفيون وغيرهم فيتمسكون بمقولة: كل عقل نبي، ويفتحون بذلك الباب واسعا لكل من هبَّ ودبَّ. الذين أرسلوه في هذه المَهمة، لا يخطر ببالهم مجرد خاطرة أن يكون هذا الرجل نبياً حقيقياً، أو كما يقول هو عن نفسه: عيسى ابن الإنسان.

وكان الجنود يلعبون الورق، يشربون المريسة اللذيذة التي يصنعونها من بقايا خبز الطعام وأشعة الشمس الحارقة، كانوا 66 جنديا، ينضوون تحت كتيبة جاءت لدارفور من شرق السودان، لذا يسمونهم الشرقية، شعارهم خنجر، عندما تراه تحس به يتوغل في جسدك، يخترق جلدك، ليقبل قلبك الخائف قبلة أخيرة لا فكاك منها، ليسوا بجة جميعا، بل في الحقيقة ليس من بينهم بجاوى بالمعني الدقيق، يعني أن البجة بهذه الفرقة الصغيرة عددهم خمسة أفراد، ليست لديهم شعور كثة، وليست بوجوههم أوشام، كتلك التي لدى جدودهم منذ ما قبل مملكة كوش، اقصد تلك الخطوط الثلاثة الأفقية، التي تشير للرب وهو في ذلك الزمان الفيل حيث انه كان اكبر المخلوقات حجماً، للأرض، والسماء. الشرقية بها تشكيلة من كل سكان السودان القديم والحديث، يوحدهم شيء واحد، وهو أنهم شجعان ولا يعصون الأوامر وإنهم يلعبون الورق في هذه اللحظة.

أما النجارون وأشباه النجاريين، فكانوا مرهقين جدا وناقمين وليسوا سعداء بالمرة، ولم يخفف عنهم دوام العمل الطويل المُمِل العمال المائة اللذين الحقوا بهم، وهم قاطعوا الأشجار الذين يتولوا توضيب الأخشاب،  الذين يثبتون المسامير في مواضعها، وطارقو  المسامير الحديدية الحادة القاسية، وصانعو  الطعام والشراب، الذين يرفضون رفضا قاطعا صناعة المحرمات مثل المريسة، كما أنهم ليس لهم خبرة في صنعها، كانوا لا يعرفون لم يصر القائد الميداني على صناعة الصلبان، أليس من الأسهل والمفيد للوقت ولهم أن يتم إعدام هذا الكافر ومن يتبعه بالرصاص، نعم انه مزعج ومخيف ويصدر ضجيجا مرعبا، ولكنه سيريحهم من صُنع هذه الصلبان البغيضة المعقدة، الثقيلة، كانوا شبه أميين، لا يعرفون شيئاً عن يوسف النجار، وحدثهم خطيب صلاة الجمعة، إن الصليب الذي يلبسه المسيحيون في أعناقهم مصلوب فيه شبيه السيد المسيح، وليس سيدنا عيسى ابن مريم، لأن الله رفعه للسماء وانزل بدلاً عنه هذا الرجل المسكين الذي صلبه اليهود وهم يظنونه عيسى ذاته، لِمَ يصر هذا العسكري على صلبهم، بينما لم يُصلب السيد المسيح عيسى ابن مريم؟ إذاً ما ذنبنا نحن النجارين؟

العسكر ال66 لا يرغبون في الحرب، وليست هي من ضمن هوايات أي منهم، أنهم من اسر كريمة تقدس الحياة وتحترم الجار والصديق، وتقيم الصلاة أيا كانت في الكنيسة أم في الجامع أو في أي من أمكنة الله الكثيرة، وتعرف أن الرب لا يحب أن تُقْتَل النفس البشرية، وانه حرم ذلك، ولكن من يطلق الأوامر هو من يتحمل الذنوب والخطايا التي تُرتكب في الحرب، أنهم سيطلقون الرصاص إذا أمروا بذلك ولكن المرتكب الحقيقي لجريمة القتل هو القائد الميداني وهو الوحيد الذي يمتلك حق إصدار الأوامر، إنهم يعرفون ذلك جيدا، وهذا اخطر ما في الأمر لأن ضمائرهم ستصاب بالموت، بالخدر البارد مثل الطين المخلوط بماء آسن، أي أنهم عندما يذهبون إلى منازلهم بعد كل معركة، سوف لا يحملون في ظهورهم أوزار موتى أبرياء أزهقوا أرواحهم قبل ساعات قلائل، القادة الميدانيون بدورهم يحمِّلون جرم ما يفعلون لقادة اكبر يتسكعون في المركز، يستحسنون شُرب القهوة المعطرة بحدائق أوزون، وبيرة بافاريا على شاطئ النيل الحبيب، وهؤلاء يقولون إن القاتل هو من أشعل الحرب، أي ذلك السياسي الرقيق الذي ينام في بيته مع أطفاله بعد أن يغني لهم بعض التبتبات ويرضي زوجته المتبرمة بأوقية من الذهب الخالص، والسياسي الحصيف، يقف وراء المايكروفون قائلاً: أمريكا وإسرائيل– وأخيرا أخذوا يضيفون حكومة جنوب السودان- وراء هذه الحروب، بذلك يكون قد ولغ من الدم ما يُشْبِع روح غول رحيم.

النجارون وأشباه النجارين، يصنعون الصلبان في مقاس واحد فقط، وهو يصلح للجميع، نساء ورجالاً، يعملون عليه بصورة نظرية، فليس لديهم تصور على كيفية عملها، لأنهم لم يروا ذلك من قبل، بل لم يشاهدوا صورا لأشخاص مصلوبين، لقد أُعطوا المقاسات من طول وسماكة الأخشاب وقوتها وعدد المسامير ونوعها، وفوق ذلك كله طُلب منهم أن يقوموا بدق المسامير على المصلوبين فيما بعد، لا يوجد أكثر حرفية من نجار في دق المسمار، أليس كذلك، ومن الأحسن أن تكون أنت من يَدُق المسمار وليس من يُدق المسمار في جبهته وكفتي يديه، وواحد طويل وسميك في منتصف الصدر.

الرجل ومحبيه ومؤيدوه كانوا يجلسون في مكان مجهول لدي الجميع، بما فيهم العسكر الذين جاؤا لقتلهم والنجارون الذي يصنعون الصلبان وإبراهيم خضر إبراهيم نفسه، ولكي يتضح هذا اللبس، دعونا نلقي نظرة على المكان، وهو عبارة عن موقع لقرية قديمة تم حرقها وإزالتها من الوجود قبل عامين، تقع في وادي عميق خصيب، حولها سلسلة جبلية مستطيلة، تحيط بنصفها الجنوبي والغربي، يوجد في لصق الجبل الغربي منبع مائي صغير، وكان هو من الأسباب التي قادت الجنجويد إلى المكان وإبادة ساكنيه، وإنهم فيما بعد جلبوا إليه بضعة مئات من الجمال لترعى فيه مع بعض الأسر، ولكننا الآن لا نرى إي من هؤلاء الجنجويد وأسرهم، لقد قضى عليهم الرجلُ بكلمة واحدة، قال لهم اذهبوا نحو بلدكم: فاخذوا جمالهم وأطفالهم ونساءهم وعادوا للنيجر، تركوا بعض بعر الإبل وقليل من الوبر متناثرا هنا وهنالك، ورائحة بول ماشيتهم ظلت عالقة بالهواء لأيام معدودات ثم زالت أو أنها لحقت بهم. هكذا بكل بساطة ويسر، على مبعدة من النبع ببضعة أمتار تُوجد مغارات كبيرة وصغيرة، وهي بقايا ثكنات دولة الداجو القديمة في قرون ما قبل الميلاد، مرسوم بها تفاصيل حياتهم اليومية، أنهم يقضون وقتا طويلاً بالداخل، لا يدري احد ما يفعلون، ولكنهم يخرجون في صبيحة كل جمعة، ويبقون في ظل راكوبة كبيرة منصوبة بين الأشجار التي تحيط بالنبع، وفي هذا المكان والزمان سيجدون جنودنا في انتظارهم والصلبان الغليظة تتشهى أجسادهم النحيلة الكافرة وتتشوق لعناقهم الأبدي.

النجارون وأشباه النجارين تعبوا من معالجة الأخشاب الصلبة الحمراء، استعانوا بالأغنيات التي تذخر بها ذاكراتهم المملوءة بنشارة الخشب، فحيح المناشير وانين الأشجار، بالنسبة للكثيرين منهم أن هذه المهمة التعيسة قد توفر لهم كثيرا من المال أو بعضه بالقدر الذي يمكنهم من توفير مصروفات منزلية ملحة ظلت عالقة في حبال المشيئات يوما بعد يوم وشهرا بعد شهر، وقد تبدو بسيطة تافهة لدى البعض مثل أحذية الأطفال، أو ثوب جديد للزوجة التي لا تملك سوى بعض الأحلام، قل بيتا صغيرا، أو تحسينات في القطيات القديمات، أو سروالاً جديداً لطفل كبير: قد  يعطوننا مالا كثيرا. أما بالنسبة للقلة فإنهم يتشاءمون كثيرا بصنع الصلبان وان المال الذي سوف يجنونه من ذلك هو مال حرمته مؤكدة،يقيسون في لا وعيهم بتحريم الإسلام للخمور، فما حُرّم شُربه تقطيره حرام بالتالي ما حرم لبسه فحرام صنعه، وهاهم يفعلون ما حرم الخالق، ويستر الله إذا لم يدخلوا النار يوم القيامة من جراء هذه الصلبان التي يقومون بصنعها الآن: يعملون بجد واجتهاد، بينما تدور كل هذه الهواجس في رؤؤسهم.

 الجنود ال66 والنجارون وأشباه النجارين، لا دخل لهم بما يدعيه الرجل من نبوة أو إلوهية أو ما يشاء، وما تنوي الحكومة من نوايا تجاهه، هو لا يضر بنا بشيء كما أن ما تنويه الحكومة لا شان لنا به، ولكنهم كانوا لا يسألون أنفسهم مثل هذه الأسئلة، اقصد أنها لا تخطر ببالهم، بمعنى آخر، أنهم لا يمضون بها إلى حيث نهاياتها، لم ينالوا فيما قبل المعرفة التي تمكنهم من صياغة مثل هذه الأسئلة، لقد حالت أسئلة اليومي دون أية أسئلة أخرى، أسئلة أكثر جمالا وتعقيدا، أو بالإمكان القول: لقد حيل بينهم وبين الأسئلة الفعلية أو طرائق نهاياتها، الأسئلة التي تخصهم كبشر، التي تخص خياراتهم بالذات، التي تجعلهم أحرار  في نهاية المطاف.

سمعوه يقول فيما بعد:

السجانُ هو سجين باختياره، والصليبُ لنا، ولمن صنعه.

ويقول أيضاً:

لا يصبح حراً من لا يستطيع أن يتبين أسئلته.

وكان يقصد الأسئلة التي تطلقهم أحرارا مثل طيور السمبر، ولم يتحدث يوما عن الإجابات، لأنها كما علموا: متغيرة.

في الجمعة السابقة خرجوا من أوكارهم وتمشوا قليلاً ناحية ما كان في الماضي وسط القرية، وقف الرجل عند كوم تراب عليه بعض الحجارة، قال لأصحابه، بلغة دارفورية قديمة يجيدونها جميعا عربا ودارفوريين:

من منكم يرى ما بداخل هذه الكوم من التراب؟.

كانت مريم، تلك المرأة الجميلة التي سُميت فيما بعد بمريم الحبيبة، ومن قبل سماها القائد العسكري المتمرد شارون بمريم المجدلية، قبل أن تتركه وتنضم لجماعة الرجل. قالت له:

أنا لا أرى شيئاً.

وكذلك أكد بقية أصحابه أنهم لا يرون شيئاً، قال لهم إن بإمكانهم أن يروا إذا أرادوا، وكانوا يريدون ولكنهم لا يرون شيئاً، وقال لهم أشياء كان يقولها كثيرا، تخص الموت والحياة والإنسان وقدراته غير المتناهية، وفي تلك اللحظة هبت ريح خفيفة، كانت بها ريشة طائر، هبطت الريشة على كتف احد أصحابه وكان يقف قريبا منه، أي بينه ومريم الحبيبة، اخذ الريشة، لونها رمادي تميل للسواد، كانت أشبه بريشة غراب أو طائر سمبر صغير، قال لهم:

- إن الريشة هي الطائر.

 وبينما كانوا مندهشين ينظرون، إذا به يرسم غرابا على الأرض، يضع الريشة في مكانها المناسب، بل الصحيح، تنمو بقية الرياش في أماكنها بالقرب من الريشة الأولى، تكتمل بنية الرياش، من ثم يظهر المنقار، القوائم، المخالب، إلى أن اكتمل الغراب، يبتسم، ثم سألهم:

- هل منكم من يستطيع أن يجعل هذا الغراب يطير؟

 قال رجل من الأعراب اسمه حامد:

-لا أظن أن احدنا يستطيع ذلك.

فقال للغراب:

- طِرْ.

 فطار الغراب وحلق بعيداً، تقلب في الفضاء مستعرضاً جناحية وسواد أرياشه، نعق مخترقا  السماء الصافية نحو الشرق إلى ما لا يدرون، إلى أن اختفى عن دائرة نظرهم جميعاً، فقال لهم:

- إذا كان قد قال أي منكم  لهذا الغراب كما قلت له لفعل، كل ما ينقصه هو كلمة: طِرْ.

وقال لهم:

-إذا كانت الريشة تدري الكلمة، لقالتها لنفسها، فجمعت أشلاء الجسد الذي كانت تنتمي إليه، استدعت دمها ونعيقها، وروحها وطارت، لما انتظرت مجيئُنا لحظة.

وظن الكثيرون انه قد يعني بذلك أن الكلمة في الأحياء كما هي في الأشياء.

وقال لهم:

اعدوا العدة للموكب.

وما كانوا حينها يدرون ما هو الموكب، ولكنهم أخذوا يعدون له العدة.

وقال لهم:

الموكب الموكب.

كان النجارون وأشباه النجارين، مشغولين بصناعة الصلبان الثقيلة، الجنود ال66 يلعبون الورق، والرجل يعلم الكلمة للمؤمنين به وللكافرين على حد سواء، ويعدهم للموكب، لا يدرون متى قال لهم:

 الكُفرُ يا أحبائي درجةٌ بالغةُ التعقيد من الإيمانْ

2011/06/19

من حظر رواية "الجنقو .. مسامير الأرض"؟ -عصام ابو القاسم


إقتباس:
وما يهمنا في هذا المقال هو لجنة القصة والرواية وهي اللجنة التي قامت بحظر الرواية الفائزة (الجنقو مسامير الأرض للكاتب عبد العزيز بركة ساكن )وقد ظننت وبعض الظن إثم أن اللجنة تضم كتاباً من المتشددين الذين انغلق تفكيرهم في نفق يسير في اتجاه واحد.. ولكنني حقيقة دهشت غاية الدهشة حينما اطلعت على القائمة التي تضم لجنة التحكيم والإجازة والحظر على الرواية. وقد طلبت الإذن بنشرها حتى نبرئ جميعاً ساحة مجلس المصنفات، فالعيب فينا ومن بيننا وليس في مجلس المصنفات الذي اختار مجموعة من المحكمين لو أنهم تركوا لنا الخيار لأجزناهم بالانتخاب ومن الغريب ان يتم الحظر من مثل هذه المجموعة المنتقاة بعناية شديدة وقد استأذنت اللجنة المسؤولة بالمصنفات في نشر أسماء الذين يكونون لجنة المخطوطات الثقافية في ما يختص بالرواية وهم:
الأستاذ إبراهيم إسحق.. الأستاذ مجذوب العيدروس.. الأستاذ أحمد الصادق.. الأستاذ الخاتم عبدالله.. الأستاذ عيسى الحلو
.
من مقالة بثينة خضر مكي /جريدة الاهرام اليوم السودانية/ عدد 18 يونيو 2011 وعنوانه :يا للمفاجأة.. نقاد وكتاب كبار وراء مصادرة النصوص الإبداعي
ة
حظر روايته «الجنقو: مسامير الأرض» الفائزة بجائزة الطيب صالح للإبداع الروائي في دورتها الأخيرة يكون عبدالعزيز بركة ساكن (مواليد 1963) الكاتب السوداني الأكثر تعرضاً لقرارات الحظر التي أصدرها المجلس الاتحادي للمصنفات الفنية والأدبية في الخرطــوم، عــلى الأقل خلال العقد الأخير، إذ صودرت مجمــوعته القصصية «امرأة من كمبو كديس» في 2009 وجمعت من جناح مكتبة عزة في معرض الخرطوم الدولي للكتاب، كما يقول في حديثه إلى «الحياة».

وقبلها كانت أمانة الخرطوم عاصمة للثقافة العربية 2005 أصدرت مجموعته القصصية «على هامش الأرصفة» إلا انها سارعت إلى سحبها بعد اجتماع ساخن لمسؤولين نشرت وقائعه صحيفة «الحياة» المحلية وقد استغرب بعضهم محتوى المجموعة القصصية الـ «خادش للحياء العام»!

وبذلك تكون معظم أعمال بركة ساكن الأدبية «محظورة» في الخرطوم... وهو يقول أيضاً إن ثلاثيته التي ضمّت روايات «الطواحين» و«رماد الماء» و«زوج امرأة الرصاص وابنته الجميلة» التي صدرت أخيراً تحت عنوان «ثلاثية البلاد الكبيرة» ضمن منشورات «مكتبة الشريف الأكاديمية»، هي الأخرى لم تسلم، فالثلاثية صودرت قبل شهرين إلا أن ناشرها تمكّن من فك حظرها شرط ألا يوزعها!».

سألت وليد سوركتي من مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي، وهي الجهة المنظمة للجائزة والناشرة، إذا كان مجلس المصنفات حظر أي منشورات أخرى لهم فقال: «لأول مرة منذ عام 1999 ـ حيث بدأنا النشر ـ لا يوافق المجلس على كتاب من منشوراتنا». ويقول أيضاً: «اقترحنا على بركة قبل النشر أن يحذف بعض الكلمات التي رأينا انها قد تثير حفيظة بعض الجهات، لكننا شددنا على حقه في القرار باعتبار أن العمل عمله».

ويقول بركة: «الغريب انني وافقت على الحذف والرواية المحظورة هي رواية حذف منها ما حذف».

أما نور الهدى صاحب «دار عزة» فأكد أن مجلس المصنفات حظر 17 عنواناً من إصدارات داره منذ تأسيسها في 2001 ولكن ليس بينها مجموعة «امرأة من كمبو كديس»!

وكان الكاتب عبدالعزيز بركة عمم نسخة من قرار الحظر الأخير، عبر الايميل، للأصدقاء والمعارف، مصحوبة بالمادة 15 التي استند إليها المجلس في قرار الحظر، ونشر روايته على رابط في الانترنت بالتزامن مع حملة تضامن مع روايته أطلقها بعضهم على الفايسبوك تحت عنوان: «تضامن لفك حظر رواية الجنقو مسامير الأرض» وتضامنت مع الكاتب مواقع الحوار الثقافي الإلكترونية!

وأصدر اتحاد الكتّاب بياناً استنكر فيه حظر الرواية كونها فازت بجائزة الطيب صالح للإبداع الروائي وورد فيه: «إن الرواية المحظورة هي عمل إبداعي حاز تقدير لجنة محترمة من كبار المبدعين والنقاد الرصينين في السودان...». وجاء في البيان أيضاً: «إننا في اتحاد الكتاب السودانيين نشجب مثل هذا المسلك الذي يجنح الى فرض وصاية لا معنى لها ولا موجب، على إنتاج المبدعين السودانيين، ونراه مسلكاً ساذجاً غاب عنه ما وفرته ثورة الاتصالات والمعلوماتية من قنوات للتواصل والانفتاح اللامحدود...».

وفي حديثه إلى «الحياة» قال الناقد مجذوب عيدروس المحرر الثقافي في صحيفة «الصحافة» إن عملية الحظر لم تعد مجدية «في عصر الانترنت»، مشدداً على أهمية تعهد الجهات المختصة بمسألة تصنيف الكتب وإجازتها لنقاد وكتّاب لهم دراية، بخصائص العمل الإبداعي، «لكن للأسف مثل هذه اللجان يشغلها أناس لا صلة لهم بالإبداع...».

ويضيف: لكن على الكتّاب أن ينتبهوا أيضاً إلى أن كتبهم عرضة للحظر لأن ثمة قيماً رقابية ما زالت تتحكم فينا... لذا ينبغي لهم أن يتحايلوا على ذلك بالرمز والتلميح، والقارئ بمقدوره أن يفهم».

ويشير عيدروس إلى عددٍ من العناوين الروائية التي صدرت أخيراً من دون أن تحظر وهي لكتّاب مثل: عيسى الحلو وأحمد الفضل ومحمد خلف الله سليمان وسواهم، موضحاً انها تحايلت علي هذا الواقع الرقابي وكسبت موقعها في المكتبة السودانية.

لكنّ الناقد مصطفي الصاوى يلح علي ضرورة ألا يتخوّف الكتّاب من الحظر: «الإبداع شرطه الحرية». لا أعرف الجهة التي حظرت الرواية لكنها حاكمت العمل علي أساس أخلاقي وليس فنياً». ويرى الصاوي أن الكاتب بركة ساكن مستهدف بذاته من هذه الجهة.

تعكس رواية «الجنقو: مسامير الأرض» الأجواء الغرائبية لحياة «الجنقو»، وهم عمال الزراعة المطرية الموسمية، في المنــاطق الحدودية بين السودان وإثيوبيا وأرتيريا، وهي تحكي علاقتهم عن الأرض والنساء والتجوال، وتقارب التحولات التي حصلت في واقعهم «العمالي» نتيجة إدخـال الآلة الزراعية الحديثة.

2010/12/18

حوار مع الكاتب السودانى المثير للجدل :عبدالعزيز بركة ساكن- صحيفة الجزائر الجديدة- اجرته:وداد الحاج


-تلقبون في الأوساط الثقافية بالزبون الدائم لمقص الرقيب كيف تم بناء هذه العلاقة الملتبسة مع الرقابة ؟
الرقيب، ذلك الوحش الوفي و القارئ المواظب لأعمالي، ناقدي المهووس المنحاز دائما ضد كتاباتي، المصاب بجنون العظمة وعقدة النقص في ذات اللحظة، الذي لا يؤمن إلا بأفكاره الخاصة عن الدين و الأدب، وهو لم يسمع بهما بعد، والذي لديه مقدرة خارقة علي وزن الأدب بميزان الدين و الأخلاق وقانون النظام العام و (المشروع الحضاري ) للسلطة وكل شيء آخر ماعدا ذائقة الفن.
هذه العلاقة الملتبسة سببها سوء فهم لا أكثر، حيث يظن البعض أن في كتابتي ما يسيء لمشروعاتهم الأيدلوجية و يخترق خطاباتهم المستقرة ، بالطبع لا اقصد ذلك، كلما افعله هو إنني انحاز لمشروعي الإنساني أي اكتب عن طبقتي أحلامها آلامها طموحاتها المذبوحة و سكينتها أيضا التي تذبح هي بها الآخر، وحتى لا يلتبس الأمر مرة أخرى، اقصد بطبقتي المنسيين في المكان و الزمان، الفقراء المرضي الشحاذين صانعات الخمور البلدية الداعرات المثليين، المجانين، العسكر المساقين إلى مذابح المعارك للدفاع عن سلطة لا يعرفون عنها خيرا، المتشردين، أولاد و بنات الحرام ، الجنقو العمال الموسميين،الكتاب الفقراء، الطلبة المشاكسين، الأنبياء الكذبة، وقس على ذلك من الخيرين و الخيرات من أبناء وطني، إذا أنا كاتب حسن النية و أخلاقي بل داعية للسلم و الحرية، ولكن الرقيب لا يقرأني إلا بعكس ذلك.
عند ما صودرت مجموعتي القصصية الأولى على هامش الأرصفة، كانت قد صادرتها نفس الجهة التي قامت بطباعتها وهي وزارة الثقافة في إطار فعالية الخرطوم عاصمة للثقافة العربية! حيث ظن بعض السلطويين أنني أحاكم مشروع العاصمة الثقافية العربية من داخله، وكان ذلك في 2005، ثم حدثت معاكسات هنا وهنالك ولم يتم إعطائي إطلاقا طوال العقدين من الكتابة المتواصلة (رقم قيد) خاصا بالسودان لأي من كتبي، ثم جاءت الطامة الكبرى عندما صادروا روايتي الجنقو مسامير الأرض، مدعين أنها تتحدث عن المسكوت عنه و أن بها ما يخدش الحياء العام و أنها تخالف قانون المصنفات الأدبية و الفنية في المادة 15 منه، وقمت بتقديم شكوى ضد وزارة الثقافة، وهي الأولى من نوعها في السودان، و القضية الآن تنظر في المحاكم.
-
مباشرة بعد حصولك على جائزة الطيب صالح للرواية قلت أنك تشعر و كأنك مصاب بالغثيان هل تشعر بعدم جدوى مثل هذا النوع من التكريمات؟
ومازلت أحس به،اشعر بأنني سعيت إليها مدفوعا ، حيث أنها تمثل البديل الوحيد لتوصيل الكتاب إلى القارئ و الناقد الجاد في بلد لا توجد فيه مؤسسة ثقافية فعلية رسمية واحدة، ومكبل فيه العمل الثقافي بقوانين عفا عنها الزمن وهي اقرب لقوانين محاكم التفتيش في القرون الغابرة، لقد كنت وصوليا وحقيرا وانأ استلم تلك الجائزة وغيرها من الجوائز، حقيقة لم أحس بنيلي للجائزة أنني أنجزت بذلك شيئا ذا بال، بل فضحت نفسي أكثر. بالطبع، مع كامل احترامي لجائزة الطيب صالح ومركز عبد الكريم مرغني الذي يعمل في صمت و ظروف صعبة من اجل الثقافة و الإنسان.

-أثارت ثلاثيتك البلاد الكبير من حولها الكثير من الزوابع التي لم تهدأ بعد لحد الساعة و قيل أنها تعرضت للحجز و المنع من التوزيع هل يعني ذلك أنك أمعنت في القفز على الحواجز وتعدي الخطوط الحمراء؟
المشكلة في المنفستو الخاص الذي أتبناه ولم احد عنه حتى الآن، لمَنْ اكتب ولِمَ أكتب، وكيف أكتب؟

-بعيد خروجك من مغامرة الثلاثية الأولى خضت غمار عمل آخر اخترت له اسم (الجنقو- مسامير الأرض) و يبدوا أن شبح الرقيب لا زال وفيا لتعامله السابق معك رغم كونها حظيت بجائزة مسابقة الطيب صالح؟
رواية الجنقو مسامير الأرض، لم تشفع عنها جائزة الطيب صالح ولا المحكمين ولا القراء، وسوف تظل مصحوبة بلعنات السلطات السودانية إلى أن يمن لنا الله و الشعب بثورة ديمقراطية في زمن ما، وتقام المؤسسات الثقافية التي ترعى الحريات ويأتي وزراء الثقافة الذين يفرقون ما بين الأدب و الأجندات الحزبية.
محنة الجنقو لا تنفصل عن محنة الشعب السوداني كله
وتظل الكتابة عندي طقس حر لا يعترف بقيد ولا سلطة و لا مصنفات أدبية ولا قانون نظام عام، الكتابة هي التي تخلق قانونها و أخلاقها و دياناتها السرية و مشهدها القومي وقارئها أيضا .

-كيف تصف لنا تضاريس راهن المشهد الثقافي السوداني؟
المشهد الثقافي السوداني اليوم ، ضعيف على مستوى المؤسسات و الاهتمام الرسمي،حيث لا توجد مجلات أدبية أو جرائد متخصصة في الثقافة لا توجد دور عرض قومية أو اهتمام مؤسسي سوى بعض المسابقات هنا وهنالك ما بين وقت و آخر حسب أمزجة أولي الأمر الذين تنام الثقافة في ذيل مراقد أولوياتهم، و الحق يقال، ليست الثقافة وحدها تبقى هنالك في الذيل، و لكن الصحة و التعليم و الخدمة الاجتماعية . ولكن يظل المشهد الثقافي واعدا بمجهودات المثقين و الكتاب الشخصية و الذاتية ، يراهن على الأجيال الجديدة في مجالات الإبداع الشتى، التي قامت على أكتاف أسماء كبيرة سبقتها مثل: بشرى الفاضل و تابان لولي ينج، السر اناي، إبراهيم اسحق، عيسى الحلو ،مبارك الصادق،بثينة خضر مكي، زينب بليل ، الطيب صالح، محمود محمد مدني، على المك، محمد المهدي بشرى، عالم عباس، النور عثمان أبكر،الفيتوري، كمال الجزولي ،صلاح احمد إبراهيم، عبد القدوس الختم،نبيل غالي، علي مؤمن، مجذوب عيدروس،محمد المهدي المجذوب،عبد الله شابو ، وغيرهم، ويكفي اليوم ان نستعرض بعض الأسماء لتضح صورة المشهد الآن: في مجال الرواية نجد: منصور الصويم، أمير تاج السر،إبراهيم سلوم، حمد الملك، أبكر آدم إسماعيل، محسن خالد، طارق الطيب، جمال محجوب، عباس عبود،محمد جميل، الحسن البكري، محمد الطيب، هشام آدم و محمد خير وغيرهم.
وفي مجال القصة القصيرة هنالك احمد أبو حازم ، احمد عوض، استلا قايتانو، رانية مأمون، سارة الجاك، رامية رحمة، جمال طه غلاب،عصام أبو القاسم، فايز حسن العوض،عادل القصاص، يحيى فضل الله، كلتوم فضل الله،م.م.م. عثمان،الهادي راضي، وغيرهم
وفي الشعر، نجد من أسماء هذا الجيل نجلاء عثمان التوم، الصادق الرضي، بابكر الوسيلة، عاطف خيري، عصام عيسى رجب، محمد الصادق، نصار الحاج، محمد مدني، رانية محجوب، محفوظ بشرى، مأمون التلب،قرنق توماس،مارول مارول، احمد النشادر، اشراقة مصطفى، خالد حسن، إيمان آدم وآخرين.
وفي النقد يمكن أن نذكر بعض الأسماء الجادة مثل هاشم مرغني،صلاح عوض الله، إبراهيم عابدين، احمد الصادق،معاوية البلال، محمد الربيع محمد صالح،محمد جيلاني، وفاء طه، لمياء شمت.
معترفا بانحيازي لجيل التسعينيات، الذين استفادوا من تجارب من سبقوهم و بنوا على ما تحصلوا عليه من تواصل إنساني و معلوماتي في عصر ثورة الاتصالات و خاصة الإنترنت، واحتكوا جيدا بكتاب من جيلهم و أجيال سبقتهم في الوطن العربي وخارجه، وساعد المهجر أيضا في أن تُرفد الرواية بكتاب شباب لهم ثقافة هجين بالتالي اتسمت كتاباتهم بما هو مهجري وسوداني، بما هو عالمي ومحلي وبما هو شخصي وعام.

-ربط أحد الكتاب بينكم و بين الروائي العالمي باولو كويهلو من منكما يشبه الآخر؟
- هواجس الكتابة لدى الكاتب السوداني عموما ولدى
بركة ساكن على وجه الخصوص.
يتباين الكتاب السودانيون في تلك كثيرا، حسب مدارسهم الفنية و الأدبية و منطلقاتهم الأيدلوجية و رؤيتهم للأدب، فالبعض يرى أن الكتابة يجب ألا تتناول قضايا الواقع السوداني مثل الحروب التي استمرت منذ استقلال السودان إلى اليوم، الصراع المر في دارفور، الحريات الشخصية، قضايا الهوية، بل يجب عليها أن تحلق عاليا في مجاهل اللغة الجميلة الشاعرية و عوالم الحب و دواخل الإنسان، وهم كثرة،ولهم الحق في ذلك . والبعض يرى غير ذلك، وانأ واحد من ذلك البعض وهم قلة، حيث أن مشروعي هو الإنسان، في كل حالاته، في فرحه و أحزانه في تقوته و ضلالاته، في جنونه ووعيه، بالتالي اهتم بقضايا المجتمع ، أتعامل مع الواقع مطوعا كل أعمالي و خبراتي الكتابية لذلك، فهاجسي الآن هو حرب دارفور ومعاناة التشريد و الموت و الفقر و الجهل التي يعيشها الناس هنالك، كلما رأيت جندا يتوجهون لدارفور، كلما أرسل الصينيون طائرات و ناقلات عسكرية للسلطة، كلما رأيت قاطرات تحمل دبابات و مدافع لدارفور، كلما شممت رائحة بندقية ، كلما رأيت مسئولا يكبر ممجدا الحرب ، كلما احتفل حربيون بانتصاراتهم، بكى قلبي وانجرحت أحبار الكتابة وانحاز قلمي للواقع.
مدى إطلاعكم على التجارب الإبداعية في الجزائر؟
جزء مما تتلمذنا عليه كان من تلك الكتابات الجميلة لجزائريين ويعجبني بصورة خاصة رشيد بوجدرة وقرأته منذ وقت بعيد وظللت اقرأه إلى اليوم، بالتأكيد قرانا الطاهر وطار وواسيني الأعرج الذي أعجبت بعالمه الجميل و لغته المدهشة،قرأنا لكثيرين آخرين عبر الشاشة العنكبوبتية و موقع (المحلاج) للغرباوي ، ولدي صداقات مع بعض المبدعين الجزائريين مثل سهيلة بورزق صاحبة موقع (فوبيا). ولقد نُشرت لي ضمن كتاب سودانيين آخرين ثلاث قصص في ببلوغرافيا القصة السودانية بعنوان ( غابة صغيرة) و كانت قد صدرت ضمن فعاليات الجزائر عاصمة للثقافة العربية، أعدها الشاعر نصار الحاج.

2010/10/21

من قصة «رماد الماء» - بشاعة الحرب وحلاوة السلم.. «1-3» عبد العزيز ساكن في ثلاثية البلاد الكبيرة- نقد وتحليل الدكتور بابكر الأمين الدرديري


عظمة السلام
قصة: رماد الماء
وأنا أقرأ في قصيدة الشاعر الجاهلي زهير بن أبي سلمى، وهي معلقته التي مطلعها:
أمن أم أوفى دمنة لم تكلم بحومانة الدراج فالمتثلم
والتي يذكر فيها بشاعة الحرب ودمويتها وما تورثه من ضغائن وأحقاد ومرارات وقتل ودمار وعدوات انسانية وشعور بالكراهية الأبدية، ثم يدعو للسلم وتجنب الحرب والعيش في سلام ومحبة وأخاء، حيث يقول:
وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم وما هو عنها بالحديث المرجم
متى تبعثوها تبعثوها ذميمة وتضو إذا ضريتموها فتضرم
فتعركم عرك الرحا بثقالها وتلقح كشافاً ثم تنتج فتتئم
هذه هي صورة الحرب من قديم الزمان وحياة البشرية نجد فيها الظلم والمآسي والموت والتشرد وانتهاك الحرمات والخراب والدمار، ولا أحد يحب الحرب ولا يريدها، ولكنها تفرض نفسها في بعض الأحيان لأسباب قد تكون مقنعة في بعض الأحيان، وغير مقنعة في أكثر الأحيان خاصة إن صاحبها الظلم والاعتداء والغرض وحب الذات والاعتداد بالقوة والنفس والجنس.
وذلك ما صوره الروائي الرائع الذي استوطن مكانته وتربع عليها في قوة واعتداد: عبد العزيز بركة ساكن.. الأديب الروائي في رائعته التي كتب لها عنوان «رماد الماء».. والتي وصف فيها بشاعة الحرب وما تدفع إليه من خراب ودمار وفناء وموت للإنسان وللأحياء وللحياة الإنسانية والطبيعة بكل مكوناتها وخصائصها وتصوراتها وتناقضاتها..
السلم هو جثة الحرب:
لا شئ لا شئ
لا شئ غير هياكل الأشجار والمحترقة..
أشجار الحبحب، المهوقني، المانجو، والتك العملاقة..
لا شئ غير هياكل من الفحم والرماد..
إنها الحرب والموت التي تدمر كل شئ ولا تبقى على حياة ولا حركة ولا أمل فإذا كان زهير بن أبي سلمى صوّر بشاعة الحرب ودمارها وقتلها للحياة مباشرة ونصاً، فإن الروائي الرائع عبد العزيز بركة ساكن لم يصور بشاعتها وتدميرها للحياة مباشرة، بل عمد إلى الكلمة المعبرة والوصف المعبر عن الموت والقتل والدمار والبشاعة، بكل ما تحمل هذه الكلمات من تصوير مرعب وبشع يجعل الأبدان تقشعر منه، عبر عن ذلك في لغة مباشرة تعطي المعنى المراد قوياً ومعبراً وتعطي مردوداً قوياً ورائعاً منفراً من الحرب ومحبباً إلى السلم والسلام والعيش الهنئ في ظل سلام أبدي ينعم بالرخاء والمحبة والسلام، وينعم بالتنمية والرخاء والود والنماء والعمران للحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والفكرية، ويؤسس لمجتمع قوي ومتماسك ويؤسس إلى شعب واحد متوحد تعمه الحياة الاجتماعية الكريمة وتعمه نعمة النماء والرخاء والمحبة والود والسلام، ويسعى نحو التقدم والتحضر والرقي، مما يجعل له حياة كريمة وعزيزة يسودها الترابط والتكاتف والعيش الهنئ وبلوغ مصاف الأمم الراقية المتحضرة المتقدمة في عزة ومحبة وترابط أبدي، ليس فيه تفرقة ولا تمييز ولا تهميش ولا نبذ ولا فرقة..
عشرة أعوم على التوالي، الأرض سوداء.. ليس نتيجة خصوبة أو أن الله خلق لها طيناً في بشرة الإنسان، لكن لأنها محترقة، أيضاً: تتناثر عليها بين مكان لآخر شظايا المقذوفات المدفعية: الهاون، الراجمات، الدوشكا، م.د، فوارغ فوارغ فوارغ، جثث الآلات العسكرية الثقيلة، إطاراتها، هياكلها، خوذات العسكر، البنادق المهشمة، الألغام الفاسدة وهي طفل غير شرعي لألغام لئيمة صامدة تنتظر تحت الأرض، تسبح بحمد الله عسى الله ان يرزقها عثرة..
.. هياكل عظمية، هياكل عظمية يا حبيبتي، هياكل عظمية، قطط مشوية، قردة مشوية، صقور مشوية، أرانب مشوية، أسد، كلب، قط، ولد ولد، ولد، نساء مشويات ينمن قرب جنائز الآلة، أشجار مشوية أحذية، أحذية عليها بقايا أرجل بترتها الألغام، أحذية تدوس على أزرار دبابات هالكة، أحذية عسكرية يا حبيبتي، عسكر أموات، أموات، مقابر جماعية، هاونات معطوبة، جندي محترق نصفه الأعلى، نسفه الأسفل في الخندق، سحلية لا رأس لها، سحليتان، خوذ حديدية بداخلها رؤوس، حراب ودروع من جلد وحيد القرن، نمل شديد السواد، منكمش على نفسه، الأرض سوداء تدل علي وجود القرية، الأواني الفخارية التي دائماً ما يحملها البشر البائدون مهمة أن تعلن عنهم في الزمن القادم، زمن ليس بزمانهم، يدل عليها الأطفال المقليين المشويين، المتناثرين بين هنا وهناك، تدل عليها بقايا كهوف، تدل عليها قرب الماء المشوية، تدل عليها الأغنام، الأبقار المشوية، تدل عليها الدجاجات، وهي ريش الآن منثور، يدل عليها طفل على صدر أمه، هيكلان عظميان يتحاضنان تحت شبح شجرة، ويتساقط الرماد منها عليهما..
سلاماً سلاماً كلما عبت بها الريح لم تمت، هل تموت الريح؟ إنها الحرب وبشاعة الحرب والقتل والدمار والموت الذي يقضي على كل شئ، إنه شئ بغيض لا يحتمله إنسان بل قد يغرق منه موتاً.. مناظر آثار الحرب مرعبة وقاتلة ومحزنة وشديدة الأسى.. ولكن الإنسان أي إنسان هذا؟ ذلك الذي لا ينظر إلى هذا الخراب والدمار والبشاعة التي تتخلق عن الحرب والقتل خاصة بأسلحة الدمار الحديثة الفتاكة المهلكة.. في تلك اللحظات ينسى الإنسان كل ذلك ولا يتذكره ولا ينظر إليه ولا يستوعبه إلا بعد فوات الأوان واستحالة الرجوع والانفكاك منه..
إنها صورة بشعة صورها هذا الروائي الرائع عبد العزيز بركة ساكن، بقدرة تعبيرية رائعة وموحية قلما تجد مثلها في وصف بشاعة الحرب ونتائجها ومخلفاتها المحزنة للإنسانية وللمجتمع الانساني..
أراد عبد العزيز بركة ساكن ان يقول: هذه هي الحرب بصورتها تلك وبشاعتها ونتائجها المحزنة القاتلة التي تقضي على كل الحياة الانسانية هو لم يقل ذلك مباشرة بل بالوصف لآثار تلك الحرب البشعة وذلك الحدث البشع المدمر.. وقد تناول وصف ذلك وصوره بكل ما يملك من قوة الكلمات والتعابير ومضامين اللغة وحيثياتها ومفهوماتها ومدلولاتها، وما تشير إليه وترمي وتوحي.. إنه التعبير بعبارات تجسم المأساة وتوضح مكنوناتها وتوضح جوانبها وتظهر تفاعلاتها كأنما هي شريط سينمائي يُشاهد ويُرى.. ويُحس،، ويُمس.. تستوعبه النفس ببشاعته وترفضه وتتمنى السلام والأمن.. والأمان وحياة الأطمئنان..
الحرب مكروهة ومنفرة وبغيضة ولا أحد يريدها، ولكنها قدر الإنسان لتحقيق أطماعه وتحقيق رغباته وغاياته وتحسين ظروف معيشته وأحواله وتبديل حياته إلى الأحسن والأفضل.. ولكن عاقبتها وخيمة ومرعبة وثمنها غالٍ وباهظ.. ولكنها رغبة الإنسان ومحاولة تحقيقها في لحظة غفلة وستر عقل وبعد عن التفكير الصحيح في التفاوض وعرض الأمر بوضوح، ومناقشته في تعقل ورغبة في حل المشاكل الناجمة عن الظلم والقهر والتسلط والتهميش وعدم الاهتمام بالوجود الانساني في المجتمع المعاش، والقضاء علي تطلعاته ورغباته في العيش الكريم في ظل تنمية دائمة وأمن، ولا يتم ذلك بالقطهر والظلم والشدة والبطش وهضم الحقوق الإنسانية التي جعلها الله للإنسان أن يحيا بها في مجتمع كريم فاضل آمن، ويعيش بها في رغد وأمن وسلام..
إنها الحرب التي تقضي على كل ذلك لأنها عندما تندفع وتثور وتتحقق وتشتعل، فمن الصعب التحكم فيها وفي نتائجها وما تؤول إليه من دمار وخراب، وموت وقتل، وقضاء على الحياة والأحياء.. كما صور ذلك الروائي والأديب الرائع عبد العزيز بركة ساكن في لغة يختص بها في قصصه ورواياته كما إبراهيم إسحق في أع ماله القصصية والروائية خاصة روايته «حدث في القرية» التي كتبها بلغة ولهجة غرب السودان في دارفور، خاصة منطقة الفاشر وما حولها..
فاللغة هي الوعاء المعبر بوضوح وجلاء عن الأديب أو المبدع، وتميزه عن غيره من المبدعين على نطاق الوطن العربي.. كما الأديب والقاص الرائع المبدع عيسى الحلو.. وغيره من كتاب القصة والرواية المسرحية، التي تحمل في بصماتها شخصية ذلك الانسان المبدع بكل ما تحمل من سمات ومضامين وحيثيات وعبارات، ومنهج قصصي وروائي وإبداع في ذلك يتغير ويتكون من مبدع إلى مبدع، ومن قاص إلى قاص، ومن روائي إلي روائي، ويتجلى ذلك بوضوح لدى مبدعين كثر في هذا المجال منذ الأزل إلى يومنا هذا.. وفي ذلك نشير إلى ا سلوب وتناول المبدع الرائع والمشهور والذائع الصيت «الطيب صالح» في كل أعماله وما تميز به من أسلوب مبدع اختص به وعرف وتفرد..
لذلك فإن «عبد العزيز بركة ساكن» له تميزه الخاص به في اللغة والسرد والتناول القصصي المبدع في تصوير الحقائق من كل جوانبها، وإظهار ما فيها من مقومات إبداعية يختص بها ويتفرد.. وهذه من سمات الإبداع الرائع المتفرد الذي يحمل في طياته حقيقة الوجود والتكوين والتفرد عند كل.. إنها سمات إبداعية تستوعبها اللغة بكل ما تحمل من كلمات أو عبارات أو نصوص أو حيثيات ومضامين، تتفرد بكل دون غير، ولهذا فإنه يعرف بها ويتميز دون الغير.. كما الجاحظ في زمانه.. وكما المقفع وكما بديع الزمان الهمزاني.. إنها سمات لغوية متفردة تحتضن الحدث من كل جوانبه وتبرز مكوناته، وتجسم مدلولاتها، وتشخص حالاته، وتوضح جوانبه وتحتويه.. وبذلك يكون رد الفعل قوياً ومدركاً، وقوياً ومعبراً بكل ما تحمل هذه العبارات من معانٍ.
.. كانت الريح تدور في المكان تصر صريراً مرعباً، برماد الأشياء، تعبث برماد الأشياء، تعمي أعين الموتى الفارغة، أعين الدبابات المحترقة أعينها السرية جداً، لا أثر للحياة في الأرض، لا إنسان!! لا حيوان!! لكنك يا حبيبتي إذا تطلعت إلى السماء بعينيك الحلوتين لرأيت من وقت لآخر اسراباً من النسور الصلعاء تدور في حلقات، فاردة أجنحتها، تحملها تيارات الهواء حيثما شاءت، هناك أيضاً أسراب الطيور المهاجرة تعبر المكان متجهة نحو الجنوب أو الشرق، نحو الغرب إنها لا تهبط إطلاقاً: أما في الليل، الليل يا حبيبتي زهرة تعشقينها دائماً، الليل يا حبيبتي قنديل الليل نعاس لذيذ وقبلة، أما في الليل بعد أن يختفي آخر شعاع خصه الله بالشمس، و هو خير الخاصين عندها يا حبيبتي..

2010/09/28

بَيتيَ:غَابةٌ صَغيرةٌ وَجبلٌ،بَيتُهَا قَلبَيْ. - (مجلة الى الثقافية)

قلبي زرائبُ خنازيرٍ، أعشاشُ دجاجِ وزنبقةٌ سوداءْ. في فصل المطر تمر البروق عبر نافذتي، تستريح قليلاً على لحافي الباردِ، تدفئه، تغني لي بهزيمها العنيف. تدهش دجاجات القلب و خنازيره، قلبي مطرقةٌ وعيناها طبلانْ.
في هذا الصباح، لا امرأة لي، لذا ظلت أظافري تطول، نمى الفطر الطيب في إبطيَّ، وعلي هامتي يسكن العنكبوت. عندما لا تكون امرأتي في البيت، أذهب الى المقبرة ، احمل لها بقايا ماتركت في غرفة النوم، جرائد صفراء، قصائد لم تكتمل، اشرطة فديو لحفل تخرجها من الجامعة، احذيتها الكثيرة الخالية من الكعوب، ورود و اناتيك صغيرة، جهاز موسيقي عاطل، قوارير عطر كثيرة،هاتفها الذي ظل يرن الليل كُله- كنت اخشي ان تكون هي من يتصل- آنية المطبخ، جواربها، صور طفولتها، سريرنا السنطي الفسيح، عيناها مسمرتان في كل زوايا البيت، يدها تلوح لي خلف الستائر، حقائبها الكبيرة المملوءة بالأشياء، التي لم تستخدمها قط، صورتي الشخصية في ملف المرض اللعين، لحظة أن شاهدتها أول مرةٍ، أحمل لها قُنينة الدواء، مصاحفها و كتيباتها الصفراء.
عندما لا تكون في البيت فانها حتما تكون هنالك، تملأ الغياب اغنيات باهيات، لماذا يترك لك الراحلون مسئولية ذكرياتهم، لماذا يتركون لك البيت وحدك، لماذا يتركون ملابسهم هنا وهنالك، لماذا لا يحملون معهم بعض الأمتعة الخاصة، مثل اشجار الزينة و الأصص، دولاب الملابس المحشو،عطر الصندل، الأعشاب الطبية، والجدران. لماذا يتركون رائحة اجسادهم في المكان، لماذا لا يأخذون ارواحهم أيضاً؟
عرفت الآن الحكمة من أن أجداي كانوا يدفنون مع الراحل كلما يخصه، لأنهم كانوا يعرفون، ان الراحل يبقي حزينا في متعلقاته.
في هذا الصباح لا امرأة لي، ليس هنالك من يطقطق اصابعي لينبهني ان وقت العمل قد آن، و أن الأطفال سيمضون الى المدرسة و ان الطريق اليوم به وردتان، ولا موسيقي غير نشيد الحياة، كل تلك الأغنيات سوف لا تجد شفةً تموسقها، وجسداً يرقصها، تبقى في أغبية الروح، ما بين دجاجة وأخرى خنزير، يمرق انوفه في الوحل، يبحث عن اصل الأشياء، تقرصه دودتان، الرجل الذي قُدَّ من عُشبة الخريف، لا يثمر الا في ساعة الفصول. يرتب ايقاعِه بنشيد الوقت، ولا وقت لي. أنام في ارجوحة صمتي و لا صمت لي. اتجول مابين اليوم و غروب الشمس، لا شمس لي. أعرفُ كيف اضحك بنصف قلبٍ و أبكي بالقلب كُله، مثل صديقي أحمد زكي. تعلمتُ من الطائر فلسفة الريشة، فكتبتُ. وتعلمتُ من الريشةِ حكمةِ الطيران، فحلقتُ بعيدا في سماوات الحبيبة. علمتني الحبيبة ألا اثق إلا في الجسد ، فهو لا يكذب بل يبقى مثل الوجود: فانيا ودائما.
في هذا الصباح تحكي لي العُشيباتِ ما يبكيني و يضحكني، تحدثني عن الله، وكنت اظنني قد مررت على الجبل مرات كثيرة، و أنني خبرتُ الغابة مثل كف يديّ، و أظنني في الوحدة صرتُ العالم كله، وكان البرقُ يمر بنافذتي، يقبِّلُ طينَ الشبابيك، يتوعدني بهزيم يطيح بالعالم خلف الطرقاتِ المنسية. العالمُ يبقى دائما تحت سطوة البرق، يبلل المطر شفة البرق، يلعق بلسانه الروج البني، تتبسم العصافير الصغيرة المتخفية تحت النافذة، عصافيرُ الكُلجْ كُلجْ.

صباحي يخلو من امرأةٍ، أعني : يخلو من طعم الخبز الطازج وثرثرة الماء.

على كفي تنمو اشجار الجوغان، تمتد اغسانها في دمي، تظلل وجهي وتركُ عليها اليمامات، تزرغ اليمامات في عيني، وعندما ينتهي موسم المطر الصيفي تثمر الذكرايات الجميلة. لم يكن ضمن احلامنا الموت، كنا نتجاهله و نثور عليه لأننا لم نتعرف على ثروته العدمية بعد ، لعبنا على ظهره الفسيح ورسمنا تمائم البقاء في ساقيه بالحناء و الحنظل، وظننا – وكنا محقين- إنَّ الموت مات، و قلنا لي: احذر الحياة. الحياة تغويني كسُرَةِ الطَفَلةِ. كسرطان حميم يذهب بأنفاسك الشهية نحو بئر الإختناق، مثل كابوس لا فكاك منه إلا بالرحيل.
يخلو الصباح منك: يخلو مني، يبدو غريباً عن نزق الفجر ووسوسة اللإنتشاء.

عبد العزيز بركة ساكن
الكرمك
26-7-2010

ثِمَارُ البَيتِ - خاص كيكا

قال لي جدي:
ثمرة البيت الظل، ثمرة الشوكة الوخز، ثمرة الوخز الآهة.
ثم نام، قلت له: ما ثمرة النوم؟ قال : الأحلام.
ثمرة الأحلام الإنسان.
وثمرة الإنسان الحروب.
ثم شرع طبوله في وجهي، شرعت في وجهه كتاب الانفجار الكبير لجيمس هاوكينج.
وأخذنا نتجادل في معنى الكون.
عرجنا لسبل الخير و المعصية، تجادلنا في أنني – إذا صُمتُ- أصبح طودا و أكبر كذاكرة الأطفال، وان الطفل يولد مختل الأخلاق فيفسده أبواه أو يصبح مثلي – من رحمه الله- مفخرة الضالين.
أنا لا اكتب شعرا.
بل أكتب نثرا بأدوات الشعر، أو اكتب شعرا بألوية النثر، أو أني أتحرر من قيد الاثنين الذهبي معا ، و أمشى في الظلمة ممتطيا شاع الروح المجنون كسعلوات العقل الغيبي.
جدي يفهم معنى الشعر المكتوب بغير حروف وصياح، ويفهم في موسيقى الضوء وكيمياء الوشم وأنا الجاهل بما يجهل جدي، و العارف في السر: حريف الروح.
من يغضبك يثير جنون ذنوبك.
من يكرهك، يقول أبي: جنبك شرور محبته.
ثمرة البيت الأطفال، ثمرة الأطفال الأم، ثمرة الأم أبي.
ثمرة الشوكة خوف الشجرة، وثمرة الشجرة أن يألفها الطير.
ثمرة النوم سفر الروح، ثمار الروح السيَّاف.
ثمرة الأحلام بنات الليل، ثمار البنت الأحضان.
ثمرة الحرب.
ثمرة الإنسان.
ثمرة الوهم.
ثمرة النص السردي كتابُ هكذا تكلم زرادشت.
ثمار زرادشت الأديان.
ثمار الأديان.
ثمار الأسئلة.
ثمار طيور الفجر.
ثمار المخبول الموتور: في أديس أببا، كل شيء بارد.
ماعدا النساء و البيتزا دي- نابولي.


أديس أببا

14-9-2010

2010/09/16

فِي المِحْنةِ شَخْصَانْ - خاص كيكا

أنا شخصان: طينيٌ ورمليٌ. في جوفي قلبان: بنيٌ و أسودْ. تعشقني بنتان: تُوتا وهند. وفي نحري ملكان: سيفٌ وحربةْ. لي قبران: روضةٌ من رياض الجنة وقبو من نار. فابعثني يا صاحبي،أينما شئتَ. ابصقني، كيفما كنتَ. ارسمني على كهفك أو كفك أو في بوصلة عينيك. اصلبني أو توجني، فأنا فعلان و مفعولان: نَبِيٌ فِي معركةٍ وفي الأخرى شيطانْ. ش
استيقظُ إذ استيقظُ من نومي سكران. أتوهم أني ملك و أني صعلوك و أني كعبةٌ تربةٌ. أتوهمُ أني أتوهمُ، فيفجعني الإعلام بان لي وطنان. وطنٌ كالطين و آخر كالطيان. ابني منهما عرشي، اغسل فيهما وجهي، وأتبولُ أو أتوضأُ بالنيل الأزرق و الأبيض و الأحمر و الأسود كأسماك البلبوط الوحلانة في ألم الطوفان. واني أتذكر إذ أتذكر كل نِساء العالمِ فِي قُبْلةْ.
واني استنكر إذ استنكر هذا الليل المتبرج و المفتون بقطرة ماء يستخلصها من إبط الوردة طنانٌ مجنونْ، استودعُها- باسم الله - رحم البنت.
لم يخلقني في تلك الليلة ربي، لم يقرأ جدي في أذنيَّ : "إنَّا أنزلناهُ في ليلةِ القدرْ"، لم تُطعمني أُمي مِنْ ثدييها لُغةَ الشعَراءِ المُنْتَعِظِينْ كهوائيات التلفون. كان الصبيةُ مَشْغولين بصناعة مركب نوح. يخلقها أطفال الحارة من عُشب البيت و أقصاب البوص. لم يُتكاثرَ كالطحلب أو يُسْتنسخَ أو يُتصورَ في المَاءِ أو العُشبةَ حبيبي، بل كُنا مُنذُ الطلقة شخصٌ واحدٌ.
يطلقَ النارَ على كبدي و يهتفَ منتصراً.
بعد قليلٍ، يسْقُطَ مَيْتَاً.
ويُسمى في بيت الزوجةِ مقتولاً، ولدى الأم: قتيلان.
فأنا في عُرفِ الطلقةِ مجرد لحم يُثْقبْ، مَحض دماءٍ يتدفق من أوردة وشرايين شتى، محض صُراخ وآهات يصدرها مَلْحُومٌ مكلومْ.
ابعثني يا صاحبي في حضن حبيبي. ابعثني كالطير ملائكة و خيول. ابعثني في الليل نبياً بغير كتابٍ و قمرْ، بدون جناحين. أتبركُ بوحلِ خطاياي. فأنا شخصان بإثمين وفضائح شتى، ابعثني يا صاحبي. سَئمتُ القبرَ. سَئمتُ الجَنةَ ولم تدهشني بُنياتِ الحورِ "المفعوصات" وتطواف الوِلْدَانْ.
وَطني مُنذُ الطلقةِ أوطانْ. و أنا شَخْصٌ وَاحدْ، لكني في المِحنةِ شَخْصِانْ. لا أعرف اسمي بالفطرة، في الواقع: لِي اسمانْ.

الدمازين
1-9-2010


2010/07/18

صَلاةُ القَلبْ -خاص كيكا

سيدي ابن الإنسان، لأننا لم نلتق منذ أكثر من ألفي عام، منذ ان افترقنا في ظلمات اورشليم، اقصد منذ ان كنا أطفالاً نلعب في ازقة السماء بالنجوم وشجيرات الكون الزاهيات، كانت لنا نفس الذاكرة ونفس الروح ونفس المسافات الطاعنات في العِشق، كانت لنا ذات المريمات تنمو في أظافرهن لجَب الجُند الذين سوف يأخذونك إلى هنالك و يسوقونني إلى هنا، يشيدون بيني وبينك أحجارا من ألفى سنة ونيف، لكن لا أحد يمحوا ذاكرتي من رسم قلبك البهي، الذي ظل ينبض بين أضلعي، يدغدق أحشائي بكلام الله الطيب، يقول لي في السر: الحقيقةُ،سوف تطلقك حُراً.
أريد أن أقول لك الآن، بعد كل هذا الدهر من الأيام الطويلات، بعد أن استفحل شجن الروح وصار مميتا مثل أسف صديقنا يوحنا الأسخريوطي المسكين، أقول لك : إن الحقيقة لم تستطع أن تطلقني حُراً، لقد كبلتني بقيد من نار، كلما برد صار أكثر قسوة، كلما غنيت له، صارت عيناه غولات كاسرات وعضتني في وجهي، لم تحررني الحقيقة يا سيدي، انما ادخلتني بيت الرعب، واصبح هنالك مليون صليب يطلبني، مليون مسمار تتشهي دمي، ودمي بالكاد يفي حاجة القلب للحب، بالكاد يحمل مراكب المريمات الى قيامتي، تماما كما خبرناه أنت و انا قبل ألفي عام و نيف، الحقيقةُ الآن أحبسها في كمبيوتري الشخصي، مثلها مثل حبيباتي، زجاجات القهوة، أشعار بدر شاكر السياب وسمعة صديقتي السيئة - لقد صار لي صديقات في الآونة الأخيرة، بعضهن لهن سيرةُ عطرة- لم تتعبني الحقيقة كما يبدو للحراس، لم تتعبني يا سيدي أبدًا، لكنني كنت لها بالمرصاد، تقاتلنا في شوراع القاهرة،عند الخور الكبير في قريتنا بخشم القربة، على دير المحرق باسيوط: أنت تذكر ذلك المكان جيدا، أينما خبرتها نازلتها، كرجل لرجل أو كرجل لحقيقة، ولو انني غالبا ما أكون رجلا، كم مرة كنت سيدة، مرة غانية من بعلبك، مرات كثيرات شاعرة يوغندية تنظم شعرها من جذور البابايات و البفرا وتزقزق كطائر الليل، كم مرة صرت مثل مريم أمي، سيدة لأبناء كثيرين و بقرة، في كل مرة أكبد الحقيقة خسائر تليق بقبح قلبها الشرير، بقبح قلبي الطيب كقلبك الذي ينبض الآن في صدري بدم من رمل وطين، قلبي قلبك حيث تخاطفته الأطيار بعدما ركت علي تويجاته الفراشات كنبيات من اللون و الرفرفة، سيدي، صديق طفولتي، ابن حارتنا الفقيرة: ذات ماء المطر .
أحبك منذ قبل ان نفترق الي مساء الليلة، ولم انكرك سوى مرتين، مرة عندما صرخت طفلةٌ في أزقة قلبي، اغتصبها جنجويد من الجن، أمام ناظري و أشار إليَّ ببندقيةٍ وحربةْ: أتعرفها؟
ونكرتك مرة أخرى وكنت أسير حول المكان، بينما مريم و مريم ومريم، يحاورن الحراس، رمقني الحارس اتخفى خلف أجمة من العُشب البري و استنط لمقالته ثم شاهدته يرتشي ثلاث مرات، فهتف بي صارخا، ما رأيت، قلت له : لا شيء.
ولم انكرك كثيرا في حروبات شاسعات بدرافور ولو انني رأيتك تحصى جراحات الموتى، تضع على وجعي عصابة من النار، رأيتك في الشارع مرتين و تحت شجرة النيم في بيتنا تلاعب الخراف، رأيتك تضحك، تبكي وتقود جحافلاً من الأطفال و المشردين لبيتك في سويداء قلبي، لم أنكرك وَلو أنّكَ ألمتني بالحقيقةِ، التي أطلقتني حُراً مِنكَ أنت بالذاتْ.

2010/07/17

زوج من أجل أجاك الطويلة

بعد ست سنوات من الحياة في مدينة الخرطوم والدراسة المتواصلة، عمدت اجاك للعودة الى مسقط رأسها في ابيرو، وهي قرية صغيرة تابعة لمحلية شويبت برمبيك ولاية البحيرات بجنوب السودان، و على الرغم من الإنقطاع الطويل عن ابيرو، إلا ان أجاك مازالت تذكر كل شيء عن القرية، ولم تنس اللغة أو العادات و التقاليد، ومازالت تذكر جداتها و جدودها و امهاتها جميعا و كل من كان في القرية حين مغادرتها لها، وكانت اجاك من الجيل الجديد في القرية حيث انها لم توشم في جبهتها بعلامات القبيلة، و احتفظ لها والداها بأسنانها الأمامية البيضاء المشعة، كلما لم تأت به معها مرة اخرى هو السكسك الذي يحيط بخاصرتها تلك الخرزات البيضاء و السوداء، حيث انها اصبحت بدينة بعض الشيء ولم تتحمل ضغط الخيط على خاصرتها، لذا تركته في البيت بالخرطوم، لكن غير ذلك كانت اجاك كما هي، طويلة ممشوقة القوام مثل شجرة تك، سوداء البشرة ليست كقلب الآبنوس، بل مثل الليل ذاته، صدراء ناهد، لها اذرع طويلة و رقيقة، وعينان بهما نظرات حادة وثاقبة كعيني النمرة، و يجب ان يلاحظ شيء آخر ايضا، ان أجاك لم تتزوج الى تلك اللحظة، وهي الوحيدة التي بقيت من بنات جيلها بغير زوج الى الآن، لربما شغلتها سنوات الدراسة االطويلة عن اسئلة الجسد، كانت اجاك فارعة القوام، سوداء كالليل لها ذراعان طويلان رقيقان، وعينان تشعان رغبة كعيني نمرة، وهذا مهم جدا، لأن اجاك سوف تُقيم بعد قليل بعدد من الأبقار وفقا لقوامها و جموح جسدها اللذان سوف يقرران من هو الزوج وكم هي الأبقار التي ستسحق كمهر لها، وكيف ان أباها دووت يحبها أكثر من كل أخواتها، وأنها ما يفخر به وذلك واضحا من الأغنية الخاصة التي يغنيها لها وحدها:
اجاك يا بقرتي
اجاك يا بقرتي المقدسة
يا بنت عُشب النيل
اجاك يا بقرتي اجاك يا بقرة عشب النيل جدها العظيم.
لم تنس اجاك، ان تستبدل ملابسها وهي تغادر شيوبت الى ابيرو، تخلصت من كل شيء، لفت جسدها الجميل الطويل بقطعة قماش زاهية الألوان وهي اللاوي او الزى الرسمي لقبيلتها، عبارة عن ملاءة ينتهي طرفها الأعلى على كتفها الأيمن وتدور حول نصف الجسد بغنج غابوي مدهش، تظهر نصفه و تخفي نصفه، ليعلن النصف المخبوء عن النصف غير المحجوب، وهذا سره و سحره، اختارت جلبابا بسيطا من الحرير الملون لم تكن له أكمام و عاري تماما من الصدر، وهو أكثر ما يليق بجسدها من ملبس، فاجاك كغيرها من البنيات تعرف ما يليق بجمالها وما هو حري بإثارة دهشة الرجال ودهشة أنوثتها هي أولا، كانت في رفقتها أمها التي انتظرتها في شويبت منذ بداية الأسبوع لتصطحبها في رحلة بالأرجل الى القرية تستغرق الساعة في غالب الأحيان عبر غابة سافنا غنية مستوحشة، انضم لركب المستقبلين رجال ونساء أقرباء والديها و عشيرتها، اجاك سوف تصبح أول طبيبة من ابيرو، وستظل الوحيدة التي تتمتع بهذا اللقب الى عشر أعوام اخرى، كان هم أمها الوحيد ان تتزوج اجاك قبل كل شيء، ان تنجب أطفالا يحفظون نسل الأسرة، وظلت طوال الأسابيع الماضية منذ ان سمعت بان ابنتها في الطريق الى ابيرو، تتحف الشيخ بالهدايا لكي يقضي وقتا أطول في طلب الزوج لأبنتها من الجد الأكبر للأسرة الذي هو عُشب النيل، وكانت تعرف ان ابنتها سوف لا تتزوج بسهولة، لأنها طويلة و شديدة السواد وممشوقة القوام، يعني هذا ان مهرها قد يتجاوز الألف بقرة، وهذا غالبا ما لا يتوفر لشخص عادي، في الحقيقة كان هذا هم العشيرة الأقربين جميعا، من أين لزوج بألف بقرة في وقت تهب فيه بقايا الحرب التي دارت عشرين عاما في المكان قضت على مراحات كثيرة من الأبقار و أضعافها من الإنسان، حتى لو شاء ان يبقي دينا كثيرا عليه، حتى لو ساعده الأقرباء، ولم يتحدث شخص واحد عن خيارات أجاك، التي همست لأمها، بأنها سوف تتزوج رجلا من الخرطوم، ليس من الدينكا، بل هي الى الآن لا تعرف قبيلته، وانه يعمل في الصحافة، طبعا سألتها أمها عما هي الصحافة، فلم تستطع اجاك ان تجد لغة مناسبة لشرح الكلمة، لم تمانع الأم ولكنها فقط أكدت على عدد البقرات، لأن أبيها سوف يموت من الغبن إذا نقصت بقرة واحدة من الألف المتفق عليها كحد ادني لمهر لبنت في طولها ولها ذراعان بهذا الجمال.
في الغد جاء كثير من الشبان من بعض القرى المجاورة و أقاموا حفلا احتفاء بعودة اجاك، رقصوا معها، وقفزوا في السماء محاولين تجاوز ذراعيها المرفوعين للأعلى، و غنوا لها و شبهها كل منهم بأجمل بقراته، و أعطاها اسمها، فكانت: كتنج، و لول، و نيانج، أكوي، يار، أكور، أين، وجنطوك، و ابتهجت صاحباتها و غنين معها، وتقدم لها منقار للزواج، لمنقار زوجتان اخريتان، وقال إنه سيدفع ثلاثمائة بقرة عدا وحالاً، قالت أمها إنَّ ذلك لا يسوى عدد الخرزات التي تزين عنق بنتها، تقدم إليها ملوال أجوك، وهو شاب وسيم من دينكا بور، له زوجة واحدة فقط وورث أبقارا كثيرة وأطفالا و امرأتين عن أبيه المتوفى، قال إنه سيدفع من أجل أجاك، خمسمائة بقرة، ومن ضمنها ثوره الخاص، وهو مال لا يستهان به وتكريم مدهش، إلا أن أم أجاك قالت، إن ذلك المال لا يسوى قيمة الرحط الذي سوف يحيط خصر ابنتها الجميلة، و إنها أحبطت في فتيان الدينكا وفشلهم في تكريم ابنتها بما يليق بطولها، و اعتبرت هذا من علامات ان الدنيا تصير للفناء و ان الكون قد ينتهي قريبا طالما كان هذا هو حال القيم و الأخلاق، رفضت من تقدموا لها فيما بعد حتى قبل ان تعرف عروضهم المغرية التي جاؤوا بها، واستفسرت مرة اخرى عن الزوج الذي حدثتها أجاك عنه فيما قبل، كم يمتلك من الأبقار، وكم تمتلك أسرته، ومن هو جد أسرته؟ قالت لها أجاك إنها لا تعرف شيئا عن أسرته ولكنها متأكدة أنه لا يمتلك ولا عجلا واحداً: إنه صحفي يا أمي.
حسنا دعينا نذهب مرة أخرى للشيخ، ليدعوا لنا جدك عُشب البحر، ويسأله عن مقدار القرابين التي تقدم إليه من أجل أن يستجيب لحاجتك لزوج يجيد تقييمك و يعرف قدرك ولديه مال يمكنه من فعل ذلك، قالت أجاك إنها لن تفعل، فذهبت أمها وحدها، و ذبحت دجاجات بيضاء و دجاجات سوداء كما طُلب منها، و أقامت في خدمة الشيخ ساعة من الزمان، ووعدها بالخير.
ابيرو قرية صغيرة جدا، عدد المنازل بها لا يتعدى مئة بيتا، وبها اسر معروفة لم تنقص ولم تزد من أكثر من عشر سنوات، أي منذ ان انتهت الحرب الطويلة، كلها مبنية من أفرع الأشجار و البامبو و العشب الموسمي، تقيم الأسر في تجمعات سكنية يخصص جانب منها للأبقار و الجانب الآخر لسكنى الإنسان، وفي مثل هذا الوقت، الصيف تكون الحياة أكثر سهولة و الحركة ليس لها من معيق، لذا لم يستغرب الناس في القرية وفادة أشخاص من قرى بعيدة قد لا يعرفونهم ولم يشاهدونهم من قبل، و الرجل الذي عَرّفَ نفسه بِطون، ذو الصوت الجهوري، كان واحدا ممن أتوا من بعيد لخطوبة أجاك، ونسبة للطريقة الشاذة التي قَدَّم بها نفسه، قالت أجاك عنه في نفسها: إنه موهوم.
من الرسومات و الوشمات التي في بطنه وعلى جبهته وكتفه، عرف الجميع أنه يكمل الآن عامه الأربعين، وأوضح العُقد الذي يلتف حول عنقه، وعلى ساعديه، أنه قتل نمراً أو نمورا كثيرة. لم يندهش الناس كثيرا لعُريه، فلقد كان عارياً تماماً، يطلي جسده بالرماد، حتى لا يكاد الناس ان يروا من لونه الطبيعي شيئاً، شعره مصفوف جيدا ومسقي ببول الثيران، عن طريق الطبل التي جاء يحملها على كتفه مع حرابة، أيقظ القرية كلها ذات صباح باكر، وغني بصوت قوي كأنه زئير الأسد، ولما هب الناس إليه، رقص قافزا في السماء عشر قفزات، كان طويلاً ونحيفا، وتلعب أشياؤه بين ساقيه في الهواء كأنها رانب مجنونة، وتبدو مضحكة ولكن نسبة للجدية التي ظهر بها، لم يستطع أحد أن يضحك، ثم غرز رمحه في باطن الأرض الصلبة، نظر بعيدا نحو الغابة، وقال: أنا أسمي طُون قوقريال طُون، و انظروا إلى تلك السحابة، ما هي إلا أغبرة حوافر الأبقار التي أتيت بها مهرًا لأجاك، سوف لا تجدون مكاناً تحفظونها فيه بالقرية، ستصلكم بعد قليل.
قالت أجاك إنها لن تتزوجه ولو أنه جاء بأبقار العالم كلها، أكدت لها الأم إنها سوف تتزوجه رضيت أم لم ترض،لأن امها إذا كانت قد رفضت الزواج من والدها ما كانت هي على قيد الحياة الآن، وإن مهرها ملكا لأسرتها وليس ملكا لها هي،وان والدها يحتاج لخمسين بقرة منه لسداد متأخر صداق امها، و أن اخوانها الخمس يحتاجونه ايضا لكي يتزوجوا به، و ان كثيراً من الأقارب ينتظرون نصيبهم من هذا المهر، وأنها لا ترى شيئا يعيب طُون قوقريال طُون سوى انه فخور بنفسه أكثر مما يجب، وكان عليه ان يستر عورته بجلد النمر الذي قتله، و ألا يثير كل تلك الضجة بصوته المرعب و الطبل القبيح الذي يعلقه على كتفه، غير ذلك لا يعيبه شيء.
عندما انشغل الناس بعد الأبقار، صُنع الزرائب، واقتراح القسمة، هربت أجاك لتحتمي بالغابة، كانت تجري بأسرع ما تستطيع، وعندما توغلت في الدغل، شاهدته يجري خلفها، كان سريعا كما الريح، أمسك بها، حملها على كتفه ومضى بها في خُطى سريعة ناحية النهر، وهو يغني بصوت أجش ماكرٍ.
عبد العزيز بركة ساكن
18-6-2010

2010/07/15

مَقَالةُ العَاشِقِ فِي الليَلُ -مجلة الي الثقافية

عَلى حَوافِ البِنتِ، البِنتُ و الإشتهاءُ النقيُ، جزائركُ المنتقاةُ، سقسقةُ المكانِ، دوائرُ الإلتصاقِ، حُمى العِشق، دَاءُ الرعشةِ، على حوافك تسترخي البحارُ المسحورةُ تبتلع سفنَ دمٍ متعجرفٍ وحارقٍ، في ظلمةِ الفُسِق النضرْ، محراب التوبة يشيده كل صباح سُلطان العاشقين، وينفيه الكلبُ المُثقف الأنيقْ.
ابتسامتك، انتبهاهة نهدك الأيسر، سموم انفاسك، الرسالات السماوية فيك، عطسة العاشق، قصائد الشاعر التي خبأها الله في رحم امرأة ستولد فيما بعدك وفيما بعد اطفال الشهداء، مثلهم مثل امهاتهم، يبصرون القريب بعيدا و يرون البعيد ملتصقا بهم كالقلب، لذا يقتلهم الساسة و الهولاكيون، يشوون دمهم على نصل المقصلة: ابتسامتك مطلية باللذة وزهرة البرتقال.
مثلي مثل اصدقائي، اقرأ الطواسين عندما اختلي بنفسى، و اتفرس في رسوم فان جوخ عندما التقى بحبيبتي في غُرفة البيت الخلفية، على شاشة عرض سوف نستخدمها فيما بعد لمشاهدة البرونوفلم، ويدهشني سلمان رشدي في أطفال منتصف الليل وذلك فقط عندما تلفظ القوارير انفاسها الأخيرة وتئز الريح في تجويف الكأس، قال لي المهاتما غاندي:
في البدء يتجاهلونك
ثم يسخرون منك
ثم يحاربونك
ثم تنتصر
وقلتِ لي انت، وبصوتك بحتهُ و بأناشيدك روعةُ العناقِ، دعك من الروح العظيم، غاندي، دعك من شجر الثورة و التحرير،أنا دولتك، والمتمردوين، وساستك الفاسدون، وسوار روحك،والمستعمرون و الخونة،انا شعبك الطيب، اكتب مقالتك فيَّ وعني، أنا العاشقة و انت سلطان أمكنتي جميعا، وتلك أمكنتي ما بين أصابعك و قبلتك و آهِ اللذة، لك كل شيء وكل ماهو لا شيء.
سيدتي
سيدة الليل
سيدة المسافة ما بين الشيء و الشيء
سيدة القلب كله
سيدة العاشقات جميعهن، سيدة البنيات النمامات على مقهي حليوة بشارع المك نمر، سيدة اللائي جلسن على بنبر القطيعة و الثرثرة الطازجة في بقايا ليل و زيتون و خمور بلدية، وسيدة ُ حالمةٍ تستيقظ في اواخر الليل، تنفك من ذراع العاشق السكران، تحرر ضفائرها من كفيه، تسحبُ من تحت صدره سُرتها الجميلة، يحملها حمار النوم لمرقدي في الغرفة الأخرى، كانت كالشبح في شَبق النُعاس و هلوسة المشي الليلي الخطر، حرمتُ علي نفسي ما حرمتْ: حبيبات أصحابي، نساء المكتبات العامة، بنيات الغرف الأخرى، ما حمل حمار النوم و فهد الشهوات إلي، كل من ذكرهن تي اس اليوت في شعره، استثني الائي يتحدثن عن مايكل انجلو في المقهى فحسب.
سيدة المرايا و الحكايا والجوال الضاج.
سارسمك ، سأرسم نمر و قطة، سأرسم شفة واسعة كالبحر، وشاطئين كزغبك، سارسم طائرين كبيرين في مكان عينيك، سأرسم شجرة زقوم وليمون و بفرة، سأرسم خوف صديقتي نهلة عليَّ وصوتها عبر الهواء المكهرب بالرطانات و الفرنجة الجادون في كل شيء.
سيدتي أنا،
أنا وحدي : عَبْدٌ لقُبَلاتِكِ الشَهِيةْ.

عبد العزيز بركة ساكن
30-6-2010