2009/06/23

ثلاثية البلاد الكبيرة -2 (رواية رماد الماء)





السـلم هو جثة الحرب

لا شئ، لا شئ
لا شئ غير هياكل الأشجار المحترقة،
أشجار الحبحب، المهوقني،المانجو والتك العملاقة،
لا شئ، غير، هياكل من الفحم والرماد،
أما القشدة، الأناناسات، البابايات، غيرها من الشجيرات الهشة التنمو علي جوانب التلال الخصيبة الممتدة ما بين الدغل الأوسط والشرقي عبر قري :
لا لا،
شاري،
فترا،
وكهوف الكا المتفرقة فيما وراء بحيرة التماسيح، قبيلة الكا المرعبة، تمتد خلفها سلسلة جبلية وعرة يقولون: إنها أم البحيرات تحتضنها منذ أن خلق الله رجلاً أسود جميلا وسيدة سوداء ورمي بهما من السماء في أفريقيا: علي قمة شجرة جوغان، هذه الشجيرات الهشة لا وجود لأشباح هياكلها، لأن النيران، التهمتها تماماً، النيران التي يطفئها المطر ثم تشعلها قذائف الراجمات، قنابل الأنتينوف البرميلية والشحنات النووية الصغيرة محدودة الأثر، التمت صناعتها لتفعيل الحروب التقليدية في رقعة من الأرض محدودة: عشرة أعوام علي التوالي، الأرض سوداء: ليس نتيجة خصوبة أو أن الله خلق لها طيناً في بشرة الإنسان، لكن لأنها محترقة، أيضاً: تتناثر عليها بين مكان لآخر شظايا المقذوفات المدفعية: الهاون/ الرجمات / الدوشكا / م د،
فوارغ فوارغ فوارغ،
جثث الالآت العسكرية الثقيلة، إطاراتها، هياكلها، خوذات العسكر، البنادق المهشمة، الألغام الفاسدة و هي طفلات غير شرعيات لألغام لئيمة صامدة تنتظر تحت الأرض :
تسبح بحمد الله عسي الله أن يرزقها عثرة، هياكل عظمية، هياكل عظمية يا حبيبتي
هياكل عظمية،
قطط مشوية،
قردة مشوية،
صقور مشوية،
أرانب مشوية،
أسد، كلب، قط، ولد، ولد، ولد، نساء مشويات ينمن قرب جنائز الآلة،
أشجار مشوية،
أحذية، أحذية عليها بقايا أرجل بترتها الألغام،
أحذية تدوس علي أزرار دبابات هالكة،
أحذية هالكة، أحذية عسكر يا حبيبتي،
عسكر، أموات،أموات
مقابر جماعية، هاونات معطوبة،
جندي محترق نصفه الأعلى، نصفه الأسفل في الخندق، سحلية لا رأس لها، سحليتان، خوذ حديدية بداخلها روؤس، حراب ودروع من جلد وحيد القرن،
نمل شديد السواد منكمش علي نفسه، الأرض سوداء،
يدل علي وجود القرية الأواني الفخارية التي دائما ما يحملها البشر البائدون مهمة أن تعلن عنهم في الزمن القادم، زمن ليس بزمانهم، يدل عليها الأطفال المقـليين المشويين المتناثرين بين هنا وهنالك،تدل عليهم بقايا كهوف
تدل عليها قرب الماء المشوية،
تدل عليها الأغنام و الأبقار المشوية،
تدل عليها الدجاجات و هي ريش الآن منثور، يدل عليها طفل علي صدر أمه، هيكلان يتحاضنان تحت هيكل شجرة ويتساقط الرماد منها : عليهما،
سلاما،
سلاما،
كلما عبثت بها ريح لم تمت، هل تموت الريح، ثم، ثم،
عند منتصف الوادي علي بعد مسيرة أيام قليلة من مدينة نيلو الحدودية يوجد حطام لمبني، شيد من الحجارة والمواد المحلية الأخرى يبدو أنه المبني الوحيد بالوادي شيد بالحجارة، المبني المهدم، لكنه علامة تدل علي أثر إنسان، واضح أيضا أنه، أتخذ في وقت ما حامية مؤقتة للجيش، فبقايا موتهم تدل عليهم، تشير لأي حياتهم السابقة،
خنادق، فوارغ القذائف، صفائح الأطعمة الجاهزة بعضها فارغ بعضها محترق بما فيه، هياكل عظمية، خوذات الحديد بها جماجم ناضجة، بقايا سترات عسكرية، جسد مشنوق علي شجرة مانجو وهي علي شئ من الخضرة، أوراقها مشوهة وبليدة تنمو علي أشكال مرعبة،
الجثة المشنوقة،
جسد جاف تماما، لم تمسسه حتى الأطيار الجارحة أو الديدان، لشاب في مقتبل العمر لم تنبت له لحية بعد ولا شوارب، كان عاريا علي عنقه تتدلى تميمة كبيرة بين نابين لنمر أبيض كالبرد شعره مرسل، أشقر ,أيضا بسهولة يمكن التأكد من أن له عين واحدة فقط، الأخرى مفقوءة إذا جاز – هذا مستحيل بالطبع – لأحد أبناء القرية أن يصحو من موته أو يأتي من حيث أدخره الله ورأي هذه الجثة لصاح في ألم قائلا :
إنه بانارودنا،
إنه دائما أسوأ الناس حظاً،
كانت الريح تدور في المكان تصر صريرا مرعبا، تعبث برماد الأشياء تعمي أعين الموتى الفارغة، أعين الدبابات المحترقة، أعينها السرية جدا، لا أثر للحياة في الأرض لا إنسان لا حيوان، لكنك يا حبيبي : إذا تطلعت إلي السماء بعينيك الحلوتين لرأيت من وقت لآخر أسرابا من النسور الصلعاء تدور في حلقات، فاردة أجنحتها تحملها تيارات الهواء حيثما شاءت، هنالك أيضا أسراب الطيور المهاجرة تعبر المكان متجهة نحو الجنوب أو الشرق، نحو الغرب، أنها لا تهبط إطلاقا: أما في الليل، الليل يا حبيبتي زهرة تعشقينها دائما الليل يا حبيبتي قنديل، الليل نعاس لذيذ وقبلة، أما في الليل بعد أن يختفي آخر شعاع خصه الله بالشمس، وهو خير الخاصين عندها يا حبيبتي ....،
عندها يحيا الموتى،
يتمطون،
تطقطق عظامهم الجافة العطشى ميقظة البنادق والآلات الحربية المعطوبة فيرعون الألغام، يبنون الحواجز الترابية والأسلاك الشائكة، يطلقون قذائف الهاون والراجمات في الهواء فيحيلون الليل الساكن الساكت الشاجي، ليلك الجميل ليل عينيك السنجابيتين، فيحيلون ليلك جمرة كبيرة مستعرة، يقتلون بعضهم البعض، ينشدون ممجدين الظلام والكلاب الضالة، لاعنين مثقاب الداعرات بمنهاتن وبومباي ومدينة ود مدني وتسني، حتى إذا بزغ الفجر بليإليه العشر، عادوا إلي موتهم :
ماتوا فيه موتاً أسكت وأسكن من موتهم الأول،
فوق الأرض بقليل، دون السماء إلى أعلي الهضبة توجد البحيرة، حليقة من العشب والشجيرات التي تحيط بها في زمان ما قبل،
ماء البحيرة غاية الصفاء يمكن رؤية قاعها بكل سهولة ويسر، لكن الموت، الموت، الموت لمن شرب من مائها لأن شيطان كيميائي ينوم فيها منتشراً بين مسام مائها،
المطر يهطل بين الحين والحين ليسقي الأرض التي لا ترتوي، يغسل الأشجار،الآليات والجثث من الرماد والغبرة العالقة بها، يداعب الموتى مضيئاً إياهم بالبرق،هي لعبة يسميها الأطفال فيما قبل : غمضت لبدت،
تنبت نباتات غريبة لا عهد للوادي بها، تجري الخويرات بماء أسود، ثقيل لتصب في النهر البعيد في البلاد المجاورة، تخنق الأسماك، يصاب المواطنون بالإسهال الذي يعالج : بالموت،
يا حبيبتي الموت، البارد حيث لا دم فيه : هو،
ثمن السلام الدائم،

مقتل الحارس

الوقت منتصف النهار، هو مرهق عطشان جوعان يمضي إلى الأمام،لن يشرب، لو قليلاً من الماء، لأن التجربة علمته أن شرب الماء علي الجوع يصيبه بالتواء في أمعائه، حدث له ذلك عدة مرات،
الماء موجود في الأمكنة حوله ولو أن المطر قل هطوله في الثلاثة أيام الأخيرة، برك الماء لم تجف، الخويرات الصغيرة مازالت تحتضن بعضا من الماء، تجري الخويرات عند هطول المطر اتجاه بحيرة التماسيح هي بحيرة صغيرة غير موضحة في الأطلس، لا يعرفها الجغرافيون لكن الخريطة التفصيلية للمنطقة المقفولة التي سرقها من دار الوثائق القومية، تبين البحيرة، تعطي أدق التفاصيل عنها، عمقها، مساحتها، العدد التقريبي للتماسيح التي تسكنها، أصلها، فصلها، التماسيح هي ما يميز هذه البحيرة عن غيرها، التماسيح الأشرس في القارة كلها آكلة لحوم البشر، تسببت هذه التماسيح قبل عشرين عاماً في إبادة قرية بأكملها حينما زحفت في جماعات جائعة نحو القرية تختطف الأطفال، النساء والشباب أيضاً، تسعة وتسعين تمساحاً، كان هذا سبباً ذكرته الحكومة المركزية في الشرق في تعليلها لنقل مائة قرية من الدغل الشمالي والأوسط تخوم المدن الحضرية في الشرق، لو أن الهدف الأساسي من الترحيل بالتأكيد لم تقله الحكومة وتتهم كل من يشير إليه بالتحريض وإثارة الفتن وموالاة الدول المعادية بل الخيانة العظمي، كان سبب الترحيل يتمحور حول مسح الدغلين، تضييع هويتهم الثقافية والعرقية ودمجهم في ثقافة الأغلبية الحاكمة في الشرق بل، كما يؤكد بعض الدغليين الذين نالوا، قدراً من الثقافة : تجنيدهم لحماية ثقافة الشرقيين تبنيها والدفاع عنها ومحاربة ثقافتهم الخاصة، بدعوة أنها ثقافة وثنية، قديمة بائدة، ما برم بجيل غير صنم شيده الشيطان علي شط النهر العجوز، غير أن كثيراً من القبائل قاومت الترحيل اعتصمت بالدغل والأحراش،
يحمل علي ظهره سريره الجوال، ناموسيته وبعض الملابس، بعض الأطعمة المعلبة والمجففة، زودته به أمه، أمه التومة، اسمها قبل التهجير أنجو دورنا، هجرت هي صغيرة مع أسرتها من أواسط الدغل الأوسط، الآن تنكر أصولها، جدتها كما هو مؤكد لكبار المهجرين من قبيلة : الكا،
يحمل ضمن أمتعته كاميرا كوداك، حديثة، غالية الثمن، لديها قدرة علي التقاط صور الأشياء وتسجيل أصواتها من علي بعد سحيق، تستطيع العمل في كل الظروف، تحت الماء، عند العاصفة، تحت درجة حرارة غالية، عند درجة رطوبة غالية، بالليل، بالنهار، تعمل وحدها ببرمجة بسيطة سهلة،
تستطيع أيضاً،
كانت خفيفة الوزن صغيرة الحجم، إذا أضيف إلى الحمل سلاحه الشخصي وهو مسدس صغير ماركة النجمة، سيزن الحمل ثلاثون كيلو غراماً فقط أي نصف وزنه هو بالتمام، حدد هذا الوزن مسبقاً بصورة علمية مدروسة أخذت في الاعتبار المسافة، نوعية التربة، وعورة المسالك، حالة الطقس، فوق ذلك كله وزنه الشخصي واعتبارات الضرورة،
هو رجل شجاع ثري جدا من أسرة مجزرة في المال، مجزرة في الترحال والمغامرة، يكفي أن جده الأكبر، تيه تيه، أكله دب في أحراش التبت، كيف،
لا أحد،
كان يمشي متوغلاً في أحراش الغابة، عبر تربتها الصخرية الحمراء، علي أشواك السنت، النخيل المتسلق، أشواك الأيفوربيا المتوحشة، حذاؤه الكولمان الجيد، سيقيه لدغت الثعابين السامة، العناكب والقراد أيضا : السحالي، ذات الحذاء الذي سيخوض به برك الماء الراكدة، حقول الطين الحمراء، سيجد نفسه في مواجهة أرض فضاء شاسعة، ذلك لأول مرة منذ أن أطلق ساقية للمسافة، عندما تسلق ضفة الخور الترابية العالية، رأي علي البعد مبني تحيط به أشجار عالية خضراء، جلس علي حجر، أخذ يتفحص تفاصيل الخريطة، هي تشمل أدق خصائص المكان : علاماته، قناطير التراب، ضفة الخور العالية، وقف عليها قبل قليل، وجد المبني، كتب في تفسيره : مستر ومسس جيني، البدائيان،
عندما أدار صفحة التفسيرات التفصيلية وجد كليمات تشير إلى تاريخ تشييد المبني، مواد بنائه، عن ميول جينس البدائية، أصلهما أمريكا
إنهما عالمان خطيران في السلاح الحديث، اختفيا في ظروف غامضة،
هنالك أقاويل غير مؤكدة بل خيالية عن أحفادهما ولو أن الشروحات بدأت غريبة ومثيرة للأسئلة وروح المغامرة، إلا أنه لم يقف عندها كثيرا فهو شخص عملي ولا هدف له الآن غير استكمال الجزء العملي من رسالة الدكتوراه، التي سيقدمها بعد شهرين للمجلس العلمي، بعد ذلك بشهرين ستناقش الرسالة، إذا قبلت، سيتحقق حلم عمره، يصبح محاضراً في الحياة البرية، كما أنه لا يميل إلي ما يسميه بساخافات الخواجات، بدائية، مشاعية، وجودية وأشياء أخري يجد نفسه مدفوعاً لقراءتها دون لذة بل ويستطيع أن يقول لصديقه الصادق الكدراوي : أنني لا أفهم فيها شيئاً،
عندما أدرك بوابة المبني، المصنوعة من قنايات البامبو، أنزل ما بظهره من حمل، علي كومة من المحاريب، تمطي، تفحص المكان بعين سائلة، الباب القديم، الغارق في بركة من الوحل، المكان شائخ ومهجور هجراناً تاما، صامت كلوحة رديئة : كجثة، لا أثر لإنسان،
تمتم بتعويذتين قصيرتين تفيدان في دخول الأماكن المهجورة المعزولة التي كثيراً ما يسكنها الجن والشياطين وخلافهم من العفاريت، تبسمل، تلي بصوت مسموع أسماء أهل الكهف: مكسيما،
ثمليخا،
مرطونس،
نينوس،
ساريولس،
ذو نواس،
فليستطيونس،هو الراعي والراعي واعي،،
قمطير أو حمران أو ريان هو كلبهم،
ثم توكل علي الله والله خير من يتوكل عليه، دفع الباب، لكن الباب انهار انهيارا تاماً، متكوماً علي بركة من الطين مصدراً هديرا مفزعا مما جعله يقفز مبتعداً عن رشاش الماء وشظايا البنيان المهدود، لكنه لم يستطع الدخول، جثة الباب أصبحت عقبة تمنعه الولوج، لأن شجرة شوكية عملاقة، نمت خلف الباب مباشرة مغطية مساحة شاسعة من الأرض، كانت شبه زاحفة، لم ير مثلها في حياته من قبل، المبني يتوسط سياجاً ضخماً من أعمدة التك والمهوقني، تتعارض عليها عيدان القنا والبامبو مكونة مربعات صغيرة تتشعبط عليها المتسلقات الاستوائية دائمة الخضرة، ذات أزهار جذابة، أوراق كثيفة عريضة تعتم السياج فلا يمكن رؤية ما بالداخل،
تمشي قليلاً لصق السياج محاولاً تفحص ما بالداخل المحريبات وعشيبات الحسكنيت وما يسميه قوم الدغل الأوسط بالماجا هي عشبه لها أشواك تنطلق كالسهام نحو الفريسة أو كل شئ يمس الماج، لكنه رغم هجوم الماج والحسكنيتات وأشواك النخيل المتسلق، استطاع أن يميز الصخور الحمراء التي بني منها المبني القديم المشحون بأسرار أزمنة تليدة ذات شيخوخة بائلة تحيط به أشجار المانجو والموز في فنائه هنا / هناك تري بعض نباتات الأناناس،
هو لا يعرف شيئاً عن مستر ومسس جين البدائيين ولا يعرف شيئاً عميقاً عن البدائية غير أنها مرحلة تتعلق بأجدادنا القدماء كما تعلم من معلم التاريخ في المرحلة الابتدائية، غير أنه شئ ليس من اهتماماته، لكنه لم يتردد ثانية في الولوج داخل المكان عندما وجد معبراً صغيراً يمكنه من الدخول إذا حمي رأسه وظهره استخدم كفتيه في الحبو، فعل، هربت بعض الأرانب البيضاء والسحالي من قرب رجليه، قردان من علي شجرة مانجو يرقبانه بحذر واستغراب، لم يرهما، دار حول المبني دورات عدة، كانت نوافذه الكبيرة مغلقة لا منفذ للداخل غير أبواب موصدة، حسب تقديري يحتوي المبني علي ما بين ثلاث إلى أربع حجرات ومطبخ بالإضافة إلى قاعة كبيرة في الوسط وحجرات أخري صغيرة متداخلة في ذات المبني الأساسي، توجد بناية خارجية عرف أنها تمثل مرحاضاً، جذب باب المرحاض للخارج صر، صريرا بائسا، دون أن يقرأ إحدى التعويذات السبع، التي تفيد في دخول الأماكن المغلقة المهجورة دون أن ينادي بأسماء أهل الكهف أو يذكر مرطونس، يا صاحب البقية، بينما هو في شأن أن يقول بسم الله، إذا به يسمع شيئاً، قبل أن يتبين مصدر الصوت، سمع الفحيح،
قفز للخلف بحركة رياضية مشهراً بندقيته الصغيرة مصوبا إياها نحو ظلام المرحاض، لم يسمع شيئاً، عندما استدار للرحيل، خرجت، كانت حية شديدة الضخامة جلدها يتوهج مع أشعة الشمس المتسربة بين أفرع الأشجار، كأنها خيط سميك من الحرير مسقي بزيت نقي أسود، طولها يفوق المترين، لم ير مثلها في حياته، كانت جميلة مرعبة، سيطلق النار إذا حاولت مهاجمته أو مالت نحوه، هو لن يبادر، دارت الحية السوداء الجميلة المرعبة حول نفسها دورة واحدة ثم تكومت، سكنت، عدا مؤخرة ذيلها أخذت تبصبص كذيل كلب فخور بسيده، انسحب من المكان بسرعة معيداً بندقيته إلي جرابها في حزامه الجلدي، هو رجل شجاع عقلاني حينما يكون داخل المدينة، لا يؤمن بالتعاويذ والتمائم يسميها شعوذة، دجل وتخلف، في الجهة الجنوبية توجد شجرة فيكس إلستكا، أوراقها غزيرة، سميكة جميلة، لا يوجد شئ تحت الشجرة، مرت سحلية صغيرة صفراء منزعجة أمامه، اختبأت تحت أجمة من العشب، ثعبان صغير يتسلق شجرة قشطة، قفقفة صقر تأتي إلى مسمعه من بعيد، الساعة تشير إلي الثالثة بعد الظهر، الشمس دافئة نسبة لارتفاع درجة الرطوبة، نصب سريره الجوال بعيد المبني، لأن أسراب البعوض أخذت تحلق في كتلة كبيرة حوله، نصب أيضاً ناموسيته أشعل النار في كومة من الأعشاب في أرض فضاء قربه حتى لا تحترق الغابة، قام بقطع بعض الأخشاب والشوك صنع منهما سياجاً صغيرا حول سريره، اعتاد أن يفعل ذلك كل ليلة منذ الثالثة أو الرابعة بعد الظهر، أخرج خريطته، أخذ يدرسها بدقة متناهية كأنه يراها لأول مرة، تقول الخريطة : إن هذا المكان يبعد عن أقرب قرية حضرية مسيرة 15 يوماً مشياً علي الأقدام دون توقف، أي حوالي 54 ميلا، وتوجد بعض القبائل البدائية في مساحة ليست بالبعيدة لكنها غير محددة بدقة، يمكن الوصول إليها بسهولة أكثر من الدول المجاورة، حيث لا تبعد عنها أكثر من عشرة أميال، يبعد هذا المكان عن بحيرة التماسيح حوالي الخمسين ميلاً عن طرق شائكة جبلية، لأن البحيرة تقع بين منخفضين، ثلاثة جبال تحيط بها من جهة الشرق الجنوب والغرب، المدخل الوحيد للبحيرة عبر النهر، ينبع منها أو عبر مسلك الخويرات الصغيرة، تصب فيها هذا هو المسلك الأكثر أمناً، بنهر البحيرة توجد أيضاً بعض التماسيح الخطيرة، كل الإقليم يقع في المنطقة الاستوائية، دائمة الخضرة، دائمة الأمطار، كثيفة الأشجار يوجد بها كل ما خلق الله من حيوان : خصيصاً للمناخ الاستوائي تندر الأفيال والأسود وغيرها من الوحوش ذات الأجسام الضخمة القلة الموجودة منها تعيش في الأماكن حيث تقل الأشجار، أي الأماكن الكاشفة عن الأرض، بها من الطيور الطنان، طوقان، براكيت، مفو، الطاؤوس، بوقير، الوروار، عشرات من الأطيار الجميلة والنسور وأطيار لا يعرف لها اسما لكنه يخاف : البوم، يعرف ما يحدث غداً،
يعرف الشر المتربص بالإنسان، البوم،
لا يصرخ عبثاً البوم يصرخ : ليقول
وبمنطقة الدغل توجد بعض التجمعات البشرية التي قاومت التهجير الحكومي خلال الخمسين سنة الماضية، ودخلت الحكومة في حر وبات عرقية قصيرة حسمتها الأمم المتحدة بأن يهاجر من يريد الهجرة طائعاً ويترك بغابته من شاء طائعاً، هددت دولة لها قوة عسكرية، تستحق احترام الجميع بأنها ستتدخل إذا واصلت الحكومة الشرقية سياسة التهجير بالقوة، أعلنت الحكومة المركزية في الشرق ما أسمته سياسة المنطقة المقفولة، من يدخلها غير داعية أو بدون تصريح أو تفويض حكومي يعرض نفسه للسجن أو الجلد أو الثلاثة معاً، لكن من دخل هذا الدغل المحرم يعرف الجميع أن له عقوبة واحدة : أن يختفي للأبد، إذا قبضت عليه الحكومة المركزية بالشرق، كان سلطان تيه يعرف ذلك جيداً، لكن سلطان تيه بالذات لا تشك السلطة في عدم ولائه ولو أنه من جذر دغلي بحت إلا أنه لا يعترف بما يدعي -سريا- بالقومية الدغلية أو ما تسميه الحكومة بالدغليين هو ملكي أكثر من الملك، لذا حصل علي تصريح موقع من رأس السلطة مباشرة،
سلطان تيه شاب كثير الترحال، كان يقوم برحلاته بصحبة صديقه الصادق الكدراوي، عبر البلاد الكبيرة شرقاً وغرباً بالقطار، بالسيارة، ركبا الحمير و العجلات واحتال عليهما لصوص وواجها النهب المسلح في الجنوب و الغرب، كان الصادق الكدراوي هذا، كما يؤكد سلطان تيه نفسه : عيني التي تري، وأذني التي تسمع، عقلي الذي يحلل، لكن يعترف سلطان تيه أن الصادق الكدراوي هو : دليلي إلي عالم المرأة، الغامض،
هو شخص ليس بالإمكان الاستغناء عنه، تخلف الصادق الكدراوي في هذه الرحلة نتيجة لإصابته بداء التهاب المفاصل المؤلم، كانا من أسرتين غنيتين، كانا منعمين وكان الصادق الكدراوي ذو حظوة لدي النساء وطارح نفسه كمشروع للحب و العلاقات البناتية، مشروع كما يقول الصادق : قومي،
أقسم بينه وبين نفسه : أن يعاشر من كل قبيلة في البلاد الكبيرة، امرأة، أضعف الإيمان قبلة عميقة، أنها دعوة من أجل توحيد البلاد عاطفيا، بلاد بها عجز الدين و المنطق والثقافة و العرق : فلنجرب المرأة،
لا يحبان السياسة لا يحبان التحدث في الجنس القبيلة والعرق، المال، الفقر، الدين، أنهما مواطنان في البلاد الكبيرة : حسبهما ذلك،
وضع علي النار مزيدا من الأشواك وحطب السنت الخضراء عل دخانها يطرد البعوض و الحشرات الصغيرة الطائرة،
توضأ بماء المطر ثم شرع يصلي العصر، ثم أخرج مسبحته أخذ يردد بعض أسماء الله الحسنه، اعتاد أن يتلو بعض الأوراد، التي أخذها عن أبيه الذي يتبع طريقة صوفية لها طقسها الخاص و العميق، الآن، منذ أن بدأ رحلته نحو بحيرة التماسيح استعاض عن الأوراد بتعاويذ تفيد في تجنب الأرواح الشريرة : في المدينة كان يكفر بها،
وبعد أن حوط نفسه آمنا شرور الأشرار، أدار مؤشر الراديو الصغير إلي الـ BBC الإذاعة الوحيدة التي يصدق أخبارها ويثق فيما تقوله من خبر ويراسلها أيضا، مثل كل ليلة قضاها بهذا الدغل كانت الذئاب تحوم حوله وهي تقفقف، ومسدسه ماركة النجمة دائما معد لإطلاق النار لكنه لم يستخدمه إلي الآن، هو شخص حسن الحظ، لم يهاجمه إلي الآن حيوان مفترس نعم، يقل بالغاب الجاموس : هي حيوانات عدوانية بطبعها لكن الذئب،، لكن كلب، السبع، اللبوءة،
هل لدعوات أمه الطيبة التومة شأن، وإلا، ما سبب سكون حية المرحاض السوداء التي بإمكانها فعل ما تشاء، حلق عليه وطواطان، ضحك في ذات نفسه، كان طفلا في سن المراهقة يصحبه عدد من أصدقاء الطفولة المراهقين يحملون مسحوق لحم الوطواط، مخلوطاً برماد زيل السحلية وهم يختبئون خلف نباتات العشر، علي ضفة خور المقابر الكبير حيث يقضي الناس حاجاتهم وكانوا ينتظرون، نفيسة، الجميلة بنت الأستاذ القادمة حديثاًَ من المدينة الكبيرة، ستأتي في صحبة والدتها لقضاء الحاجة، سيضع الأطفال المراهقون خليط الوطواط والسحلية علي بول نفيسة الجميلة حتى لا تستطيع نفيسة الجميلة النوم ما لم يضاجعها أكثر الصبية حظاً ولسخرية القدر جاءت أخته الرضية وتبولت بمكان لم يره منها هو، كانت جميلة، دائما ما يحلم صديقه حماد بمعانقتها، كان حماد في موقع ليس بالبعيد عنها، عندما قضت حاجتها وغادرت انزلق حماد من تحت العشرة وصب مسحوق السحلية و الوطواط علي موقع بولها، ثم لما تأكد من أنها اختفت عن الأنظار، ذهب إلي مكمن صديقه، همس في إذنه،
كانت نفيسة هنالك، وسكبت مسحوقا علي بولها، هيا، لنعد، هل سأكون محظوظا الليلة،
وكان سلطان تيه يعرف نفسه بأنه الأكثر حظا بين أصدقائه، وسأفوز الليلة أنا بنفيسة ابنة الأستاذ، عندما التقي صبيحة اليوم الثاني، بادر سلطان تيه رفاقه في فخر، جاءتني نفيسة في منتصف الليل بعد أن نام كل من في المنزل، وصحبتني إلي منزلها حيث تنام وحدها بالبرندة ووالديها ينامان بالعوضة:
إنها وأني وأنها و...و
فضحك عليه الأطفال المراهقون ضحكا أثار شكوكه، ولم يعرف مكيدة حماد إلا بعد أعوام كثيرة علي الحادثة،
يبدو لسلطان تيه خلف ظلال النار بعيدا خلف شجرة صغيرة خيال شخص، وقبل أن تتأكد الرؤية اختفي الخيال، هل هي أشباح الليل، أو لربما دب النعاس في عيني، لكن عندما تناهي لمسمعه عواء ذئاب في ناحية اختفاء الشبح أمعن النظر، فترائي لناظراه ما يشبه ومضة برق خاطفة، قدح زناد، أو، إشعال عود ثقاب، لكنه يعرف علي الأقل خمس أنواع من الحشرات تضئ أثناء طيرانها : كلها توجد بالدغل، عواء الذئب يصبح أكثر إفزاعا هل اصطادت فريسة ما، أم أنها تحوم حول أشخاص/بشر كان بعضهم قربه قبل قليل،
هو رجل شجاع، طوال هذه الأيام التي قضاها عابرا الدغل لم يصدف أن قابل أحدا، غير رجل واحد : قابله قبل يومين، رجل عاري كالشيطان مشعر طويل القامة، تصادفا ذات صباح عند خور كثيفة أعشابه، في طول الإنسان و يبدو أن الرجل كان يعد شركا بدائي لاصطياد حيوان صغير، بينما هو يفعل، إذا بسلطان تيه يخرج إليه من بين الأعشاب، فزع الاثنان، هرب سلطان تيه ناحية،
هرب الرجل ناحية،
تاركا وراءه شركا مصنوعا من صوف ذنب الزراف، بينما سلطان تيه يهرب بعيدا لم يلاحظ أن امرأة جميلة كأنها من قبيلة الكا كانت هي الأخرى تعد شركا في موضع ليس بعيد عن شرك الرجل، وأنها لم تهرب بل كانت تنظر إلي سلطان تيه وهو يهرب وعلي ظهره حمله، في برود تام ودون أدني اكتراث وكأنها تري هذا المشهد للمرة المليون،
وفقا للخريطة، لا توجد قرية قريبة من هذا الموقع، قرية لا لا تقع علي بعد يومين ونصف اليوم في اتجاه الغرب، من أين أتي الرجل الغريب، كانت الذئاب تعوي، أقفل الراديو ولو أن البرنامج كان سيثير انتباهه في الحالات العادية، فهو متابع جيد للبرامج العلمية، دار حول سريره عدة دورات دون سابق تفكير أخذ يردد تعويذة سرية تفيده في تحويط المكان،تبدأ، بـ، إيلاف قريش، تنتهي،
أصبحنا بالحديد،
أمسينا بالحديد،أمسينا بالحديد،
ما نفع إلا ربنا الشديد،
كان شجاعا، ذكيا، كان عقلانيا في تفسيره للظواهر الغريبة، أو، التي تبدو غريبة والمخافات،
تتجمع بعض السحابات فتخفي النجوم الكثيرة جدا، النجوم التي تساوي عدد نجوم المدينة مضروبا في، بالدغل لكل نبتة، نجم، هل خلقت هذه الأنجم من أجل الغابة فقط، نجمة من أجل كل صفقة،
لديه خوف فطري من المطر، لأن المطر : لا يفرق بين الصالح والطالح،
لأن المطر : يهبط علي الجميع،
لأن المطر : يعمق غربته ووحدته،
لأن المطر ثلاث مخافات،
مخافة من فوق : الماء
مخافة من تحت : السيل
مخافة من حيث لا يحتسب : الصاعقة،
إذا جاء المطر، سيدخل إلي البيت المهجور : الأفعى،
وما يمنع البيت من أن يكون مسكونا بالجن، من يدري،
خلط بين تعويذتين لا يستحب الخلط بينهما، أخذ تعويذاته السرية، حسيس النار، خلف صمت الراديو الصغير : خليط التعويذتين، دخل ناموسيته، أدار الراديو مرة أخري كان شجاعا،
لا يدري كيف قفزت حادثة وفاة والده إلي رأسه بالذات، حادث السير المشؤوم كانت رأسه، سحقت تماما علي الإسفلت هو ـ سلطان ـ والسائق نجيا من الموت وكان والده سينجو لولا أن قفز من العربة في اللحظة التي انحرفت فيها سيارة نقل ثقيلة نحو عربته الصغيرة التي كانت بصدد أن تتخطي عربة النقل، هو نفسه – سلطان – إذا كان قرب الباب لما تردد لحظة في القفز،، كل حمولة الشاحنة مرت علي رأس والده الأشيب ذو الصلعة، الملآنة بالفكاهة والحكاوي الملآنة بأسرار الصوفية وكلام الله، كان أبي رجلاً مرحاً متديناً،
جاء وحده : ذئب ضخم عجوز، يدور حول النار علي بعد متيرات قليلة عن مركزها كان يرقبه عبر مسام غزل الناموسية، يعرف أن الذئب يعجز عن مهاجمته واختراق سياج الشوك الذي حصر به نفسه، لكنه متيقناً من مقدرة هذا الذئب العجوز علي القفز فوق سياج الشوك والسقوط عليه مباشرة، تمزيقه ثم أكله، كل شئ ممكن الذئب العجوز يحفر بقوائمه الخلفية خنادق صغيرة وهو يقف مستديراً حول النار، بينما كان يغادر المنزل ليؤسس الخطوة الأولي لرحلته، دعت له أمه التومة بأن يحيطه الله برعايته ويعيده سالماً غانماً ويقيه شر (الكا) أكلة لحوم البشر، بالتأكيد، كانت في غيبوبة عن أصلها من جهة جدتها، لولا بعض الحياء لأوصته بأن لا يقترب من أية امرأة خاصة إذا صادفها في الغابة متهيئة للمواقعة، هكذا يصطاد (الكا) فرائسهم، إذا، واقعتها التصقت بها، إذا التصقت بها، بظفرها ثقبك في عدة مواضع، قطعت شريانك والنهاية، كانت لا تريده أن يذهب إلي بحيرة التماسيح، لأنها تعلم أنه سيذهب طالما أراد ذلك، لم تقف في طريقه كي لا تصيبه لعنة عقها، هي لعنة عجلها الله في الدنيا قبل الممات : لعنتان،
لم يكن في ذهن أمه أبداً : هذا الذئب العجوز،
دار دورتين سريعتين حول سياج الشوك ثم أختفي، فجأة عاد مندفعاً نحو السياج الشوكي مقذوفاً في اتجاه سلطان تيه، في تلك اللحظة أطلق سلطان رصاصة، أخطأت الذئب العجوز الجائع، ألحقه رصاصة أخري،
عوا الذئب عواء حزيناً،
سقط،
علي بعد أمتار قلائل من سرير سلطان، ثم أطلق، علي صدره رصاصتين أخيرتين

أهل الكهف

لا يدري متي خلد للنوم، عندما استيقظ، كانت الشمس علي هامات الأشجار، ولأنه ينام في موقع فضاء، أصابته أشعة الشمس من اتجاهات عدة، قربه علي بعد ثلاثة أمتار ترقد، جثة الذئب : قذرة متضخمة وعنيدة،
حوله، خارج السياج كانوا : جميعهم علي ما يبدو – ذكور، يحيطون خصورهم بقلائد من الخرز وأنياب الحيوانات المتوحشة ويخفون ما بين السرة وما فوق الركبة بقليل، بجلود أو أردية من النباتات،
من أعناقهم تتدلى التمائم،
يقفون حول السياج حاملين حراباً لها مقابض طويلة من القنا، البعض يحمل سهاماً البعض يحمل فؤوساً وأسلحة بدائية،
ينتعلون جلوداً سميكة، ربما كانت مصنوعة من جلد فرس البحر أو الجاموس، سود مثله، غير أن قامتهم عالية بعض الشيء وأجسامهم نحيفة متناسقة تشع :
قوة ورشاقة كأنهم نمر،
تقاطيع وجوههم وسيمة قاسية حادة، بدأ من الواضح لديه أنهم محاربون من قبيلة بدائية تقيم بمقام ليس ببعيد سمعوا إطلاق الرصاص أو رأوا لهب النار بالليل، يستطيع أن يؤكد لنفسه أنهم ليسوا أكلة لحوم البشر: (الكا) تقيم بعيد جداً عن هذا الموضع، حسب وعيه بجغرافية المكان السكانية، ربما كانوا من قبيلة (لا لا)،، لكن السؤال الساخن الآن هو – ماذا سيفعلون بي- هل سيرمونه بالحراب، إذا خرج من ناموسيته ظناً منهم أنه سيبادرهم بالهجوم، - هل أبدأ أنا بإطلاق النار، رصاصتان في الهواء ترعبهم فيهربون فزعاً، ثم أهرب أنا بدوري أم أنتظر لأري رد فعلهم، لا، لا،، يكون ردي متأخراً، بعد فوات الأوان – تريث يا سلطان تيه، تريث، أتري ما سيكون تصرف الصادق الكدراوي إذا كان في ورطتي،أإذا كنا معاً لابد أنه سيختلق فعلاً يجعلهم يرمون أسلحته ويعانقوننا واحداً واحداً من ثم يأخذوننا إلي مساكنهم ويؤمنون لنا الطعام والشراب ثم يكرموننا بأجمل فتاتين في القرية كعادة كثير من القبائل البدائية في كرمها للضيف، لكن أين الصادق الكدراوي، أطلق الرصاص في الهواء: أنتظر .... تريث لا تفعل شيئاً أن كثيراً من القبائل البدائية لها طبع مسالم، أطلق، لا تنطلق، كانوا صامتين كأنهم يستنبطون ما يدور في ذهنه،
بعيدا عن ذهن سلطان تيه كان الصباح جميلاً ومشرقاً، طيور زرقاء ذات مناقير حمراء ترك علي أغصان شوكة، تغرد نغماً خفيفا حلواً ثم تطير فجأة نحو الغرب، من بعيد يأتي نشيد المغني : طائر صغير الحجم له ذيل طويل، به لونان في الغالب الأزرق والأبيض، كان نشيده الحلو يعمق براءة الصباح : يزيده بهاء،
سلطان، تعلم التفاؤل بسماع المغني منذ أول صباح عانقه بالدغل ولو أنه لم يره غير مره واحدة نسبة لاختبائه بين أوراق الأشجار العريضة،
بعيداً عن وعيه المشوش بالمأساة : إيقاع الطبل الآتي من عمق المسافة جميل أيضاً، يحتاج لكي يتبول، يعلو صوت الطبل يقترب، كلما دنا أكثر اتضح صوت الجوقة التي تتبع الإيقاع والنشيد، بأسرع مما توقع : ظهرت طلائعهم بين الأشجار الغزيرة،
عندما دخلوا الأرض الفضاء، عدهم، واحداً واحداً، من داخل ناموسيته كانوا عشرين شخصاً من بينهم امرأة جميلة سوداء، تلبس رداء جيد الصنع من الجينز، صدرها عاري، عليه ثديان نزقان، تتدلى ما بينهما تميمة كبيرة الحجم، من العاج، من بينهم، رجل أبيض البشرة، يلبس مثلهم : أشقر،
عيناه خضراوان كقط، في الحق كانت له عين واحدة، الأخرى مفقوءة، يبدو كما خيل لسلطان تيه أن هذا الأبيض حوري، الحواري كما يعرفه سلطان تيه، ليس من الجن بل هو مولود نتيجة طفرة وراثية من أب وأم أسودين، الطفرة هي نتيجة تفاعلات كيمائية أو فيزيائية في الجينات وهذا بالضبط ما تعلمه من أستاذ الأحياء بالثانوي،لكن قفزت في وعيه مسألة مستر ومسس جيني :، يكون هذا من مخلفاتهما،
أنفجر الصمت بوصول القادمين، أخذ الجميع في شرب شئ أتي به القادمون في قرب كبيرة من الجلد وأوعية من القرع و الفخار، كانت رائحة المشروب ذكية أثارت فيه شهية الشرب شهية الشرب كشهية الموت،
تبدأ بأكلان في القلب، لا تنتهي إلا بنهاية الجسد،
لا يأبهون به كأنه لم يكن، هو يهتم بكل تفاصيل فعلهم، خصلات الأشقر المجنونة، أسنة رماحهم، أطيارهم الراكة علي شوكة، ذئبهم أو ذئبه، لا فرق، طبلهم الذي صمت ونام علي شجرة عرديب طفلة، سمائهم الزرقاء ذات السحيبات البيض الخفيفات، هو نفسه : أسيرهم،
القابع تحت ناموسيته يرغب الموقف ويؤسس لفعل،
أما أن ينجيه،
أما أن يميته، أما أن يخو زقه،
والعياذ بالله من الخازوق، لوقوعه في مسافة ما بين النجاة و الموت،
وقف الجماعة لشخص قادم احتراما، ظهر من بين الأعشاب يمتطي حمارا وحشيا أليفا،
يلبس رداءً ثقيلا حول خصره، تتدلى علي جانبي الحمار وعلي صدره تمائم وعقود، علي كتفه فراءً ناعم يغطي كثيرا من صدره، من الواضح أن القادم ذو شأن، كان كبيرا في العمر، بدأ عليه التعب والإرهاق، برفقة جماعة راجلة وحامرة أيضا،
جلس الجميع في دائرة، في إحدى طرفيها القادم : الكهل،
وبعد مداولات طالت، برطانة لا يفهم سلطان تيه منها شيئا، أزاح المحاربون الشبان الأشواك، قام نفر منهم بجر جثة الذئب إلي حيث الطبل القابع الساكن الساكت تحت العرديبة الطفلة، حدث ذلك برفق شديد، أدي الجمع صلاة صامتة في شكل رقص حزين، اتبعته نقرات خفيفة علي الطبل أداها الأبيض الأشقر الأعور، مخلفات آل جيني، أو كما يظن،
يبدو أنني قتلت شيئا مهما، شيئا مقدسا،
تورطت يا سلطان تيه،
أين الصادق الكدراوي،
هل سيقتلونني، كما قتلت،
هل يربطونني لأبناء الذئب ينتقمون مني،
هل، هل،
أخذ بعض المحاربين يسلخون الذئب، بينما اتجه الرجل الشيخ نحوه، معهم الفتاة الناهد الجميلة، بعض المحاربين، وقفوا حوله في حلقة، كان رجلاً شجاعاً سلطان تيه، وهو يرتعد من الخوف في انتظار المصير المجهول، لا وقت لديه لقراءة التعاويذ أو ذكر أسماء أهل الكهف وكلبهم، بينما في شتاته إذا بصوت الفتاة يأتيه بكل وضوح :
Who is there?
بلغة إنجليزية سليمة دون أية لكنة، كأنما هي لغتها الأم، أحس بطمأنينة بالغة كأنما قفز من حضن الغول إلي حضن أمه مباشرة، دون مقدمات أزاح الناموسية ببطيء، أطل بوجهه نحو الجمع الذين كانت دهشتهم أكبر لتبينهم أنه ليس إلا رجلاً أسود مثلهم، جهة كأوجههم، كل شئ فيه فيهم إلا أسلوب لباسه الذي رأوه من قبل عند مسس ومستر جيني في أيامهم الأولي ورأوه بين حين وآخر يلبسه الصيادون ورآه من يذهب منهم للمدينة حيث يلبسه الشرقيون، يلبسه الحكوميون الذين كثيراً ما اصطدموا بهم، يلبسه العسكر الحكوميون،
رأوا فيه شخصاً عادياً، ربما كان صياداً ضل طريقه،
من أنت،
Who are you?
قال إنه باحث أكاديمي في طريقه إلي بحيرة التماسيح لأنه يعد رسالة مهمة عن التماسيح، ضحكت الفتاة فجأة ضحكاً أثار غيظه، ضحكاً أثار فضول أصحابها، ارتفعت أصواتهم احتجاجاً لعدم الفهم وأنهم يريدون ترجمة فورية لما يقال، نظرت نحو الشيخ المنتظر تفسير ما يضحك، رطنت، وما أن خلصت من القول حتى أندلق الجميع في وحل الضحك، ثم تحدث الكواكيرو وهو الشيخ بلغة لا لا، قالت المترجمة لسلطان تيه،
يقول الكواكيرو انك صائد تماسيح وانك صائد ماهر وقتلك للحارس دليل، أكد سلطان تيه انه دارس أكاديمي، استمات في برهنة ذلك لأنه يعلم أن الدغليين لا يحبون اثنين : سلطات الشرق،
والصيادين،
طلب منهم فحص متعلقاته، طلب منه الكواكيرو أن يعطيهم السلاح الذي قتل به الحارس، أمن المسدس بهدوء وأعطاه للفتاة، ناولته بدورها للكواكيرو، قلبه يمنة ويسري، بكل حرفيه أخرج خزانة الرصاص، ثم أعطي المسدس والخزانة لأحد المحاربين، وضعه في سلة من السعف، قاموا بفحص معداته بدقة متناهية، فحصوا كفتي يديه وكتفه، وجدوا علب طعام محفوظة وجدوا كتباً بها تماسيح مصورة، كاميرا، فأس صغيرة، مدية صغيرة، أقلام، لم يجدوا أنياباً نادرة أو عاجاً أو جلد حيوان نفيس أو مصل حية،
ولكنك قتلت الحارس،
أتدري ما عقوبة ذلك إذا كنت صيادا،
لكنك طالب علم،
نحن نقدر لك ذلك،
ولو أنك تدرس شيئا تافها لا فائدة منه، ترجي شيئا تسكنه خمسون روحا شريرة،
لكنك قتلت الحارس،
نعرف أنه لولا قتلك له لقتلك، أنت تدافع عن نفسك نعرف ذلك،
لكن هذا لا يسقط عنك عقوبة قتل الحارس، فأنت قتلت الحارس،
عقوبة ذلك في العادة أن تحل روحه فيك وأن يحل جسده فيك،
أما روحه فأنها في اللحظة التي قتلته فيها،
دخلتك،
أما جسده،
نقوم بحبسك أعلي الجبل إلي أن تأكل آخر قطعة منه، عندها سيحل جسده فيك حينها،
سنطلق سراحك : مذؤباً،
أولاً، سارت مجموعة المحاربين الشبان يحملون شرائح لحم الذئب علي عصي طويلة من البامبو، كل أثنين يحملان قناة واحدة طويلة، تتدلى علي جوانبها شرائح اللحم، تقطر دهناً، كان حيواناً شحما، تبعه حامل الإيقاع، الرجل الأبيض ذو العين الواحدة القطيه والخصلات الشقراء، يقرع الطبل بإيقاع حزين ممل خفيض، ثم، سلطان تيه علي ظهره حاجياته كلها، خلفه مجموعة من المحاربين الشبان يحملون حرابهم وعصيهم، يغنون لحناً حزيناً موقعاً بطبل الرجل الأشقر الأعور، أصواتهم تعلو فجأة حتى تصبح، الهتاف ثم تنخفض فجأة لتصير، الهمس،
همساً عميقاً،
وفي حركة أخري تتدرج أصواتهم ما بين الهمس والهتاف، تتنقل من الأول للأخير بكل سلاسة وحرفية، ثقافتهم في مجال الغناء والموسيقي أحلي وإلا وجد اسما مناسباً لما يقومون بأدائه أما الآن، فهو يسمي ذلك هارموني أو يسميه تما هي لو استطاع أن يمتع نفسه بذلك دون تعارف لتمكن من طرد كثير من السؤالات السوداء،
كيف تتحدث هذه الصبية المتخلفة اللغة الإنجليزية وكأنها لغتها الأم، لكن عندما هدأت أعصابه قليلاً، اطمأن قلبه، عاد وربط ذلك بمستر ومسس جيني،
ما هو مصيري،أنت في ورطة، هل سأخرج سالماً من هذه الورطة،
ما بين القرية والغابة أرض تخلو من الأشجار الضخمة، لكنها مغطاة تماماً بالأعشاب الناعمة ذات الأشواك الدقيقة بعض المهوقنيات والتك في أعمار صغيرة، بدأت له القرية من علي البعد قباب صغيرة مصنوعة من مادة بنية، شكلت لها خلفية طبيعية في هضبة عالية خضراء عليها الأشجار زاهية الخضرة تحرسها، وكما هو موضح في الخريطة يوجد منبع مائي صغير أعلي الهضبة، هاهو الجبل يفوق تصوره، في الحق لم تكن لديه تصورات مسبقة عن المكان، كل تصوره كان ينصب علي بحيرة التماسيح، موقعها بين الجبال، شكلها، مائها، تماسيحها، رمال التماسيح البيضاء الباردة تحتها يرقد بيضها، كمرته تسجل حركة التماسيح وعلاقتها الأسرية والجنسية والغذائية، الآن وجد نفسه في موقف يجبره علي إجلال جمال المكان و إحساس تفاصيل عظمتها، كلما اقترب أكثر من القرية، تميزت الألوان الحجرية الزاهية التي طليت بها الكهوف، ثم جاء أطفال القرية كأنهم النعام بسوقهم الغبشاء وأعينهم النجلاء، رؤوسهم عليها قنابيرهم، ليسوا كما رأي من أطفال، كانوا هادئين طيبين، لاحظ ذلك عندما اقتربوا من موكب المحاربين، جلسوا علي جانبي السبيل علي العشب احتراماً لموكب الكبار، ولو انهم، شحنوا بالفضول، كانوا يحملقون في لحم الذئب وقاتله بعيون سئآلة وحب استطلاع يكبته الأدب و الطقس، هكذا تراصوا إلي مدخل القرية، النسوة الجميلات حزانى يجلسن علي قارعة الطريق أيديهن علي رؤوسهن، أنغام الإيقاع القطي الحزين : يبكين،
يصدرن مواء عميقا، جعله يحس حقيقة الجرم الذي ارتكبه، ثم يعلو صراخهن ونقعهن عندما يمر أمامهن موكب لحم الحارس المقتول،
دن، دم دم، دم، دن، دم دم، دن
كان الرجل الأبيض ذو العين القطيه جميلاً يدق الطبل،
حزينا جداً،
طاف الموكب الحزين كثيراً أزقات القرية نهرته كلابها، هربت من بين أرجل المتكوكبين، دجاجاتها البرية المستأنسة وهي تكيك، إلي أن توقف أخيراً أمام دار ذات فناء متسع، دخل اللاحمون بذئبهم : دخل هو،
كان شجاعاً وهو يحس برعدة الخوف تصعقه في عمق السؤال، ذات السؤال الجبان : بئس المصير، أنت في ورطة،
ماذا سيفعلون بي،
أين الصادق الكدراوي،
وبدخوله واللاحمون في الدار ذات الفناء المتسع، تفرق المحاربون، تفرقت النائحات يتبعن صغارهن النعام،أصواتهن تختفي تدريجياً، تتلاشى تماماً،
وسط فناء الدار توجد مظلة كبيرة من البامبو مسقوفة بحصير ناعم بدقة وأناقة ذكرته بالكنيسة التي في أحد أحياء المهجرين في الشرق، توجد بالمظلة مقاعد خشبية مصنوعة من حطب العرديب والمهوقني، بعض الشيوخ يجلسون بالمكان، طلبوا منه إنزال ما بظهره، أن يجلس علي أحد المقاعد الخشبية، أن يشرب ما قدم إليه، أن يستمع للقول المترجم بواسطة الناهد، أن يرد، أن يقال إليه أخيراً، اتبع هذين المحاربين إلي كهفك، هنالك أعلي الهضبة،
يخرج وعلي ظهره حاجياته، لمح ما يشبه عربة جيب في مظلة من البامبو عند ركن بعيد بالدار، من جاء بعربة كهذه هنا، ماذا يفعل هؤلاء البدائيين بها، لا تشغل نفسك بأمور جانبية يا سلطان، الأهم كهفك، ذئبك، سجنك، بحثك، طعامك، فليكن الجيب أو فلتكن طائرة نفاثة، لا تشغل نفسك، لا، لا،
الناهد ذات الصدر العاري بارعة جداً في التحدث باللغة الإنجليزية، ذات مهارات ترجمانية عالية، كانت تستخدم اصطلاحات لا يعرفها هو : القارئ المواظب علي اللغة الإنجليزية وكثيراً ما كان يردد،
آسف، آسف،
تعيد صياغة السؤال بلغة أسهل كلمات أبسط ولو أنها كانت لا تدري أية لغة هي الأسهل وأيها، المهم كانت تقوم باستعمال مترادفات تسهل علي معرفة السؤال بالتالي الإجابة، هي جميلة، جامحة رشيقة، ينقصها فقط شخص كالصادق الكدراوي ليقيس مدي تماشي مؤهلها الجمالي الظاهر مع .......... الامتاعية، أو كما يسميها الكدراوي : إيقاعها السري ما دون السري،
سوداء ربما كانت أكثر سواداً منه، بشرتها ناعمة ملساء ذات لمعان خفيف ساحر كأنها مدهونة بزيت سحري، جميلة، في زيها البسيط المكون من رداء الجينز الأزرق الباهت والخرزات الملونة، قالت له وهما يسيران خلف المحاربين : أنت ستبقي بالكهف دون حراسة، يجب عليك أن لا تحاول الهرب، لأن القبيلة تحيط بالجبل بيوتها، لأن الذئاب تحيط بالقبيلة، لأن برم بجيل يحيط بالذئاب، أنت بغير سلاحك، فمن ينجيك، لعنة الحارس تطاردك دائماً، طالما لم تكن أنت جسده، لأن روحه تريد أن تستقر في جسده هو بالذات جسدك أنت،
أنا لا أفهم شيئاً،
قالت الحسناء ذات الجينز الباهت، عليك أن تأكل كل قطعة من لحمه يؤتي إليك بها، عليك أن تفترش جلد الذئب لحافاً لك، عليك أن تحتفظ برأسه معلقة علي باب كهفك، عليك أن تلبس نابيه قلادة، عليك ثم عليك،
كان تعباً مرهقاً من جراء المشوار الطويل والحمل والخوف من مفاعيل المشروب في جسده فلم يقل شيئاً،
فقط يريد أن ينام
لا أكثر،
يريد أن ينام، آه، همم، م، م م،
يقع الكهف في قمة الهضبة، كهفاً كبيراً، حفر في صخر ضخم، لا يستطيع سلطان تيه أن يتخيل، مجرد تخيل : كيف حفر هذا الكهف، من الذي حفره،لماذا، في الحق الدغليون أنفسهم لا يعرفون تاريخاً أو حدثاً أو شخصاً يؤرخ لهذا الكهف لكنهم يعرفون كيف يستخدمونه، غمره إحساس أولي بأن هذا الكهف هو مسكن ما يعرفهم بأهل الكهف، لو أنه مدرك في وعي حقيقي أن أهل الكهف كانوا علي بعد آلاف الأميال من هذا الموقع، علي مدن ترقد، نحو البحر الأبيض المتوسط، في قمة الهضبة أرض مسطحة متسعة تمتد علي مدي ما يبصر، بها غابات وجبيلات، مجاري مائية، حيوانات، عين أو بحيرة، قرأها في الخارطة :
وما لم يعلم،
ليس لديه ما يقوله لها، لا شئ فقط يريد نوما هادئا عميقا، عندما يستيقظ فليطعمونني عظام الذئب لا أبالي،
كان شجاعا وهو يحس بفراغ الكهف يسري في قلبه، كالأكلان البارد المرعب، كما لو أن حية انزلقت علي ظهره وهو عاري، كان يخاف في شجاعة منقطعة النظير، رهبة الفراغ،
في هذا الركن كما تري كومة من الحطب الجاف، بإمكانك استخدامها للتدفئة وطرد البعوض والذبابة الرملية وذبابة النوم، توجد بكثرة في هذه البلدة، تحتاج النار للإضاءة، يقول الجد برمبجيل،
الضوء،رجل شجاع،حارس أمين، وامرأة لا، تكذب،
لا يريد أن يعرف من هم لالا، لا يريد أن يعرف من هو جدهم برمبجيل،
لا يريد أن يعرف من هو الضوء، يريد فقط أن يبقي أحد المحاربين بجانبه،
سنعود الآن تاركين لك مدية ورمح وعصاه، تحتاج بين الحين والآخر للدفاع عن نفسك من يدري، لا لن يقرب الحارس كهفك هذا أبداً، لأنه لا يوجد في قمة هذا الجبل غير الأرانب والثعابين وبعض الغزلان،
هل تريد شيئاً،
كان الكهف كبيراً خاليا، يحس الآن بصداع حاد، في حاجة للذهاب للمرحاض هنا كل مكان لا يراك فيه أحد : مرحاض،
أينما اختليت بنفسك أنت في مرحاض،
بسم الله،
تبول،
سوف آتيك أيضاً غداً، تحتاج شيئا، علي كل، سيداول المحاربون علي مدك بالماء، الطعام وما تريد،الشمس تغيب الآن، خلفها شفق في لون الدم، أو، البرتقال وفقاً للحالة النفسية للمشاهد ونبض قلبه، يود لو استطاع أن يجعل الشمس لا تغيب، أن تبقي جمرة مشتعلة، نور يضئ به ظلمات الخوف، تبعد عنه مسافات، كلما غامت الرؤية كلما أحس بوحدة أحجر، كلما أحس أكثر : بفراغ الكهف،
ليإلي طويلة قضاها في ظلمات الدغل محيطاً نفسه بالتعاويذ،العصي والصلاة، تحوم حوله المخافات، لأول مرة في حياته يحس : الخوف،
إذا، هل كنت أستمد شجاعتي من المسدس، أخذ المسدس، أخذت الشجاعة، أم أن فراغ الكهف هو الذي أشعل قصاصات الخوف فيه، أو، ثم صلي صلاة المغرب، قرأ جهراً كلمات من حزب الأمان كان، حفظها عن أبيه عرضاً ونتيجة لتكراره لها ليلة تلو ليلة، مخافة تلو مخافة، ما أكثر مخافات، ما كان يهتم بقراءة والده اهتماماً فعلياً، يري فيها شيئاً مكروراً مملاً، الآن، أمام جلال الفراغ، الأمر يختلف، من بين أوراد والده يعشق صلاة النقطة، يعشق لغتها الصوفية الشفيفة، لكنه لا يحفظ منها أية كلمة،
ولو أنه يحس موسيقي روح لغتها تحلق الآن، تملأ الكهف غناء صامتاً،
ولو أنه يتلمسه الآن : بنبض قلبه،
لماذا لم يصبح شخصاً متصوفا بصورة جادة قاطعة كوالده،
النار كانت شهية دافئة،هدأ، شاء أن يرتب أفكاره بصورة منتظمة، عندما يقضي مدة سجنه سيذهب مباشرة إلي بحيرة التماسيح، كم من الوقت سيقضيه هناك
يريد أن يعود للمدينة : الآن،
وطواط يزعجه ضوء النار، يخرج مندفعاً نحو الخارج، لم يستطع سلطان تيه أن يتبين أن رائحة جسده أصبحت سيئة ولا تطاق، ربما، لأن رائحته توحدت برائحة الكهف، برائحة الذئب، لحمه المجفف، رائحة الخوف،
قالت له نفسه : هنا وضع أهل الكهف رؤوسهم المتعبة قبل أن يخطوا نحو نومتهم الطويلة، لابد أن كلبهم كان آخر النائمين، لابد أنه نبح كثيراً قبل أن ينام، لابد أنه أكل عدة أرانب كبيرة في طريقه إلي النوم، لابد أنه تذكر كلبة حاول أن يلتصق بها، كلبة سيلتصق بها غداً، كلبة أخري وكلبة،
لابد أنه قبل أن يرقد واضعا رأسه بين قائمتيه الأماميتين محنيا إياه جهة اليسار قليلاً وفوق عينيه تحوم ذبابتان،
ماذا لو كانت رنا الآن معه،
نعم، رنا
الصبية بنت الجيران التي كان يحبها في سرية قضم قطعة حلوي خطفها طفل مستغفلاً والدته، يقضمها في توحش مصموت، بين الراكوبة وباب الشارع، في سرية ابتلاع لعابه الحلو في سرية مسح شفتيه وجانبي فمه وهو عائدا إلي موقع مخطوفته، في سرية انطباع لون الحلوى الأحمر القاني علي لسانه كشاهد خبيث علي الاختطاف،
ما كان الأمر يحتاج لكل هذه السرية لأنه لا يوجد من يغضبه حب سلطان تيه لرنا، ورنا ذاتها كانت ستسعد كثيراً إذا عرفت أنه يحبها، وما كانت ستبخل عليه بما شاء من تواصل والأبعد من ذلك، هذا شئ لن يعلمه، سوف لا يخطر بباله إلي الآن، أنها لا تمانع أن تعطيه نفسها،
هكذا بكل بساطة،
إذا وفر علي نفسه الليالي التي قضاها مؤرقاً يرسم نهديها وردفيها وبسمتها في فراغات حجرته، يرسم صوتها ثم يستدعيها لتنام قربه إلي أن يؤذن الصبح : فيغتسل شاوياً نفسه بالماء البارد،
لوفرت علي نفسك عذابات الاستمناء،
إذا كانت تنقصه الخبرة، الكنز الذي تهديه المغامرة والتجربة والوقت للإنسان، يمتلكه صديقه الصادق الكدراوي،
لا لم يكن خجولاً، بل هو جرئ، لكنه لا يعرف : كيف، متي يستخدم جرأته، فيم ومع من إذا أن مشكلته الحقيقية هي مشكلة إيقاع،
كروانان يتناديان يفرق بين نداءيهما نداء بوم أجش، البوم نذير شؤم،الكروان فأل خير، سيصلي صلاة العشاء،
كيف هرب عنه النوم والتعب، في المكان الذي هيأه لصلاة المغرب، صلي العشاء، في الحق لم يكن منتبها تماماً لما يقرأ ويفعل في صلاته، كان منشغلاً بشكل تام عن الله، هو الآن يقوم بأداء حركات اعتاد عليها، باله منشغل بمشاكل الوحدة والخوف،
كان عواء الذئب يأتي من بعيد، من كل اتجاهات الظلام،الست،

البحيرة

في إيقاع بطئ، كانت تدور عقارب انتظاره، ثقيلة باردة مذئوبة بشواء الحارس، عفن جلده المدبوغ، كانوا لا يطعمونه سوي : مرق الذئب،
شواء الذئب،
دهن الذئب،
لحافه، فراء الذئب،
مذبته، ذيل الذئب،
عندما يستيقظ ناظراً لضوء الفجر عبر باب الكهف الكبير المنغلق بأغصان شوكية، يري وجه الذئب المحنط المعلق علي بوابة الكهف محملقاً بعينين مفرغتين من الداخل، نحوه، نحو أهل الكهف الذين استيقظوا في وقت سابق وذابوا في المكان،
كل شئ، الذئب،
بين حين وآخر، تزوره الفتاة المترجمة تسأله ما إذا كان يريد شيئاً، ثم تنصحه بأن يأكل كل ما يؤتي إليه به، من أشياء ذئبية، لأن هذا يعجل بإطلاق سراحه وأن لحم الذئب مفيد لجسد الإنسان وأنه يجعل القلب أكثر ثباتا، الأقدام أكثر قوة، العينين أكثر رؤية، لم تقل له أنه محرم أكله علي قبائل الدغل كلها،
لأنه جدهم في الروح،
بدأ يلاحظ أن وزنه أخذ في الزيادة بصورة واضحة، أرجع ذلك لعدم ممارسته الرياضة وأن الطعام شديد الدسمة وأن الذئب كان شحما جداً، أرجع ذلك للطمأنينة النسبية، حسها بعد قضاء أسبوع كامل بالكهف واعتياده علي المكان،
إذ قال لنفسه، سأقوم باستكشاف المكان وإلا أصبحت فيلاً آدمياً، دعني أمشي هنا وهنالك، لماذا لا أبحث عن العين المائية، ربما رفهت عن نفسي بدهشة الاكتشاف ولم لا،
لبس نعله الواقي الثقيل، الكولمان،مضي تاركاً الشمس خلف ظهره، نحو مغرب الشمس لأنه إذا فشل في الوصول إلي العين غرباًَ، اتجه شرقاً ثم بقية اتجاهات الدنيا الكثيرة، لديه من الزمن ما يكفي للدوران حول الجبل كله ألف مرة، لديه من الزمن ما يكفي لأكل ذئب كبير عجوز قذر،
كان يحاول أن يضع علامة علي طريقه يهتدي بها عند العودة، علي الأشجار، كان يكثر فرعاً كبيراً، أو يربط منديلاً أو يلاحظ تميز صخرة، إلي آخر ما صنعه من لغة ترشده سبيل العودة، كان يرسم المكان في ذاكرته :
ينحت علاماته في ذاكرة المكان،
الحيوانات التي تلتقيه في الطريق هي الأرانب، فئران الجبل الكبيرة الحجم، الصبرات، السناجب، الثعالب : هي لا تمثل له مخافات فعلية، بل أنه حاول أن يصطاد أرنباً كبيراً أبيض الفراء، فشل في ذلك،
في الحق كان هو المخافة، فزاعة الأرانب والفئران المسكينة، هل لأن رائحة الذئب تفوح من جلده، هل لأن روح الذئب، هل لأنه،
تأكد أنه يمشي نحو العين، عندما شاهد أمامه علي بعد ميل واحة تجمع أشجار ذات خضرة متميزة وقامات أعلي مما يجاورها من أشجار، وكلما أقترب من المكان وافته الريح ببرودة الماء ورائحته، عطن أوراق وفريعات متعفنة بفعل ماء المد،
يشق الأعشاب الكثيفة الخضراء قافزاً هنا هنالك، متخطياً عشبه شوكية وقنفذاً صغيراً أو نتوءات صخرية، فإذا به يجد نفسه في مواجهة عين ماء ساحرة لكنه لم يقترب كثيراً من موضع الماء لأنه يعرف أن التماسيح التي تعيش في هذه الأنحاء غالباً ما تكون شرسة شرهة ذات شهية منقطعة النظير للحوم البشر، جلس تحت شجرة وارفة لا يدري ما فصيلتها أو اسمها لكنه، شاهد منها كثيراً في هذه الأنحاء، لها ثمار زرقاء صغيرة مرمية تحتها كثيرة، بعضها يابس منكمش علي ذاته كحبات النبق، بعضها ما يزال رطباً، أخذ واحدة، تذوقها، كانت حامضة، حامضة جداً، رماها بعيداً في عشب المحريب، البحيرة هادئة، سطحها منبسط مصقول كالمرآة، عندما تهب عليه نسيمات هادئات يتموج في بطئ وانتظام مكوناً أمواجاً طفيفة لا تكاد تلاحظ، كموجات خصلة حورية مسدلة علي ظهرها، كان يترقب بين لحظة وأخري أن تطل أنف تمساح مهشمة صقل السطح أو يخرج تمساح بكامله من الماء زاحفاً نحو رمال الشاطئ،الرمال البيضاء الشهية، التي لها لمعان حلو وهي تعكس ضوء الشمس المنسرق إليها عبر أغصان وأوراق الأشجار العالية الخضراء، كانت تفصله عن البحيرة عدة شجيرات ظليلة كثيفة الأوراق وهي لا تمنعه من مراقبة البحيرة لكنها تحميه من أن ينتبه لوجوده من جهة البحيرة، إذ بإمكان التماسيح الخروج ما شاءت والرقاد واللعب علي الشاطئ الرملي أيضاً دون أن يزعجها وجوده، كان يعرف أن التماسيح تفضل الشواطئ الرملية لأنها ستضع بيضها فيها وتظل تراقبه وتحميه إلي أن يفقس،ولو أن هذا الفصل ليس بفصل التبييض، إلا أنها، تخرج للبحث عن فريسة ما علي الشاطئ، يظن أنه لو دقق النظر علي سطح الماء سيتمكن من رؤية أنف التمساح،، كان يعلم، كباحث في الحياة البرية أن الوقت الذي يقضيه التمساح خارج الماء أكثر بكثير من الزمن الذي يقضيه بداخل الماء إذا كان مترقباً يقظاً لكل بادرة تشير علي أن هناك : فك مفترس،
عندما أطل وجهها، بين شجيرات الشاطئ الخيمية وأعشاب المحريب العطري، وسط مهرجات الفراشات والعصافير التي أخذت تهرب في كل صوب وجه، عبر خشخشة أوراق الأشجار المتساقطة علي الأرض، عبر خياله المشحون يترقب ظهور تمساح بين حين وآخر، عبر عصارة الذئب تسري في شريانه في صمت خبث،
أطل وجهها،
وجهها الأبيض المسقي بورديه خفيفة هي سريان دم الشمس عبر شعيراتها الدموية الرقيقة، ثم، اندفعت كلها خارجة من بين الأشجار، كأنها جنة حقيقية : مثلما في خياله منذ الطفولة الأولي وقصص كامل كيلاني وأحاجي جدته عن الجنة التي تسكن شاطئ النهر،إذا هي جنة بكل ما يشاء لها من توصيف وتخيل، كأن شعرها الأشقر مسدل علي كتفيها وظهرها هابط إلي مادون عجزتها قليلاً، فارعة القوام بجسد مهر جسد نزق مشاغب، صدرها عاري نهداها منتصبان مكتنزان منفعلان كأنهما نسرين يهمان بالطيران لكن تمسك بهما شباك الصياد، فلا هما يستسلمان لا هما ينفكان، كانت تلبس رداء من القصب الناعم يبدأ من وسطها وينتهي مادون الركبة ليفسح المجال لصراخ الفخذين الجنينين الثائرين،
بالتأكيد هو رجل شجاع،
لكنه كان في طريقه للانسحاب من تحت الشجرة وحمل خطاه في خفة والهروب بعيداً لولا أن ظهرت خلفها، من بين الأشجار الفتاة المترجمة،
فلوباندو،
كانتا جميلتين ورشيقتين، يحطن خصورهن بفساتين من القصب، رآها ذات مرة تلبسها فرقة شعبية في مسرح المدينة، الآن لا يحتاج الأمر عنده ولو للقليل من إعمال الفكر والتحرر، يا، أنها أخت الأبيض المتوحش، مخلفات مستر ومسس جين، يا لهذا الجمال الضائع في الأحراش، في صدأ الرطوبة النتنة والتخلف وردة العفن،
ولولا أن خذلته مخيلته لضعف تعاني منه لقال شعراً، أو شيئاً قريباً من الشعر، خلعتا أقصابهما وقلائدهما، أضحتا عاريتين، كتمثالين من البرونز والعاج، الحق أنه لأول مرة في حياته يري امرأة بالغة عارية تماماً، لأول مرة تصعقه قشعريرة كهرباء، الجسد الأنثوي، يحس بفوضوية تامة بألوهية الموسيقي المنبعثة في تفاصيل التفاصيل، حيث يفرض عليها الجسد :
ربوبيته وشيطانيته، أيضاً،
الجسد،
نشيد إنشاد الإنسان،
والجسد،
قرآن الروح،
هكذا كان يعرفه صديقه الصادق الكدراوي، العارف بالمرأة، كان يستحلي التعبير لصوفيته لكنه لم يفهمه سوي في هذا الآن بالذات، ذات لحظة الصقع،
ذات لحظة الإنشاد العظيم،
الموسيقي تهب كالعاصفة، مثل درويش ثمل يدور به خمر الإيقاع، يصبح دوارة،
لا تستريح،
موسيقي،
موسيقي،
لا تستريح،
الجوقة عباقرة، ألحانهم عطر، أوتارهم سبائب الجنيات وعصب عشاقهن،
تتسرب الموسيقي عبر مسام جسده متحولة إلي راح : لا يسكر لكنه يذهب بالعقل، كانت لغة الجسد معقدة عصية وموسيقاه: صقع،
امرأتان عاريتان،
امرأتان عاريتان،
سيحاول أن يؤكد لنفسه حقيقة الرؤية، الفتاة المترجمة أخت الأبيض المتوحش،
تلك هي بطونهم،
تلك هي أفخاذهن،
تلك هي أردافهن،
تلك هي الجذر السوداء،
شعورهن السرية امرأتان،
حقيقتان،
عاريتان علي شط البحيرة،
كانتا تضحكان وهما تتحدثان باهتمام بالغ، علي الرمال الشهية البيضاء، رقدت الفتاة المترجمة علي ظهرها موسدة رأسها قطعة خشب صغيرة، كان جسدها يشع عظمة وموسيقي، جلست الفتاة البيضاء ذات الخصلة الساحرة، تفحصت عانة صديقتها جيداً وهي تترنم بلحن، ساعدت رطوبة البحيرة في نقله إلي مسمعه بصورة حسنة، كان لحناً رائعاً، عندما فرغت أضجعت هي أيضاً علي ظهرها، علي الرمل الأبيض الشهي أخذت الفتاة المترجمة تعمل في عانتها،
يراقب الأمر بعينين جاحظتين، أذنين مفتوحتين وصمت موقوت، صرخ في
ذاته،
أنت موعود يا سلطان تيه بليالي حمراء : موعود بأجساد بكر،
يا حبذا إذا كان معي الصادق الكدراوي،
لكنا في هذه اللحظة ملتصقين بهما كقرادات البقر،
مر ليس ببعيد عنه ثعبان ضخم، انزلق نحو البحيرة، سحليتان تتخاصبان قرب رجله،
قرد صغير تسلق الشجرة اليجلس تحتها الآن، لكنه لا يلاحظ شيئاً، ثم، قفزتا في لحظة واحدة، بحركة رياضية ومن علي ساق مهوقني مرمري علي الشاطئ قفزتا في الماء، تطاير الماء في الهواء كأنه ذعر مفاجئا بهما، هكذا تحول سطح البحيرة من هدوء سكن إلي أمواج دائرية كبيرة، رشاش ماء، ضجيج ضرب أكف وأقدام، الفتاتان الجنيتان، كانتا أمهر مما رأي من سباحين مثل دلفينتين مسحورتين : تلعبان في الماء بكره ويبدو أنها ثمرة لشجرة ما،
ثم غطستا في الماء معاً،
ثم خرجتا معاً، ثم غطستا ثم خرجتا،
جلستا علي رمل الشاطئ تستجمعان أنفاسهما قبل أن تشرعان في غناء بهيج، قبل أن تلتقطان بعض العصي الناشفة من تحت الأشجار، ترصانهما علي عودين كبيرين تمكنتا بعد جهد من جرهما إلي الماء، مبقيتان نهايتهما علي الرمال، ثم، أخذت الفتاة المترجمة أثنين من العصي، أخذت تطرق بهما علي بقية العصي المرصوصة علي العودين الكبيرين المنطرحين علي الرمل والماء،
في هذا الحين فقط أحس بخطورة المسألة حين سماعه لهذا الإيقاع المجنون وقبل أن يفيق إذا بالفتاة البيضاء ترقص،
في البدء كانت تتحرك في هدوء، تثني وسطها مع الإبقاء علي الرجلين ثابتتين، علي الرمال الاحتفاظ بالصدر ساكناً، في الحق بهذه الرقصة البسيطة المعقدة، أثارت فيه غرائز أقل ما يمكن أن توصف به : أنها،
غرائز جنسية،
الدليل العملي علي ذلك، انتعاظ مفعاله بلذة مصحوبة بحرقان طفيف، قبل أن يفيق انتقلت الراقصة البيضاء إلي مرحلة أخري، مرحلة أكثر عمقاً ومأساة، حينما أخذت عنقها ناحية اليسار قليلاً، اندلق شعرها الأشقر علي نهدها الأيسر ذو الحلمة الكبيرة الصفراء في ذات اللحظة التي ارتعشت فيها قدمها اليمنى في انفعال، ترتكز علي مقدمة أناملها محركة الجانب الأعلى من فخذها مع حركة إيقاعية للصدر كله، استمرت علي هذا الحال ثوان معدودات، أو خيل إليه ذلك،
ثم، عادت، حركت الوسط فقط فقط ثم، خلطت بين الحركتين الوسط / الفخذ / الصدر، وعلي حين غرة غيرت الفتاة المترجمة الإيقاع : أسرع / أخف / أرقص / أمتع / أصوف،
يا إلهي،
يا مالك الملك،
كان يمسك بيديه درويشان، يدوران به في مدار حلزوني عكس اتجاه دوران الأرض والقمر والشمس، عكس انطلاق المجرة كلها في فلكها الغير متناه،
كانت جلابيبهم المتسعة الرقيعة الصفراء الحمراء البيضاء السوداء الخضراء، تزأر وهي تعض الريح هنا وهناك، ومن السماء مباشرة حيث يصعد نشيد الدرويشين : تسقط أناشيد، هي: عصارة أنوثة كل بنيات الدنيا، السابقات / الحاضرات / الآتيات بمشيئة،
الله،
يدور الجسد الشهي المنقوط من السماء،
لماذا،
لم يكن يدر، من قبل، أن هذا الجسد لم يخلق إلا : للرقص،
كيف طوعت هذه الوحشية البيضاء كل مادة الحياة : حركة،
كيف طوعت هذه الوحشية البيضاء كل مادة الحياة : حركة،
كل عضلة فيها تؤدي استعراضا إنسانيا راقصا، بعمق متفرد،
كل عضلة فيها كانت تنشئ فهمًا بهيميًا ينفي ذاته، يتعالى علي كل: شيء،
الروح، البحيرة، الشبق، الديمومة، ينفي نفسه المتعالي عليها،
كل عضلة مهرجان وثورة /عشرات النساء يؤدين أوبرا : الأبدية،
يدور به الدرويشان، يمزقان نياط مدينته يسحرانه : عينا وأذنا،
كيف طوعت هذه الوحشية الروح في تموجات عضلات جسدها، عبر إيقاع البنت المترجمة المسحور، كيف استنطقت عصارة السر من علياء البنيان،
لا، لا،
لماذا لم يعرف، أن روح الجامد الساكن المنقاد هي ثورة الجسد،
لماذا لا يؤمن،
يدور به الدرويشان،
لماذا لا تؤمن،
ترقص،
ترقص،
ترقص،
يدور به الدرويشان , تذوب الروح،
ترقص،
ترقص،
ترقص،
تذوب الروح وتصبح / الجسد ،
ترقص، ترقص، ترقص، ترقص،
ثم غاب عن الوعي، أنامه ملكان، أيقظه ملكان،نظر به نحو البحيرة الساكنة شيطان الحاضر : الآن،
وآ أسفاه،
أين ذهبتا، كم سنة نمت،
***
بالكهف عاده الإحساس بالضياع بالوحدة بالخوف، بالحزن،
مكسـيما،
تملـيخـا،
مرطـونس،
نينوس، ساريولس،
فليستطيونس،
قمطير، حمران، أو ريان،
ماذا لو كانوا قربي الآن، نائمون هنا، ماذا لو أتت الفتاة البيضاء،رقصت علي إيقاع شخيرهم المنغم بشهيق قمطير هلوسة فليستطيونس وهو يرى في المنام أن ذئباً يتحرش بأغنامه،
هل كانوا سينقلبون قليلاً جهة اليسار، إذا هي أحنت رأسها قليلاً جهة الشرق اندلقت خصلاتها الشقراء علي نهدها،وهل، إذا انتهرت عضلة واحدة بردفها وأرقصتها بإيقاع خفيف مموسق، بزفير ثمليخا ذلك الحاطب التعب المرهق الذي استراح أو شاء له أن ،
أكل لحم الذئب المشوي شواء رديئاً، علي عجل وشرب قليلاً من جعة الأناناس قبل أن يأخذ كمرته وملحقاتها يغلق الكهف بغصن من الشوك كبير، يتجه بخطي عجلة نحو البحيرة، سأقوم بتصويرهما هذه المرة، يجب علي الصادق أن يري مثل هذا الرقص الذي لا يشبه الرقص،
في دخيلة نفسه، كان يعرف أن الصادق سيهتم أيضا بساقي الفتاتين العاريتين سيهتم بسوقهن سيهتم بالرقص، سيهتم بسوقهن،
كمن في مخبئه قرب البحيرة، نصب كاميرا كوداك صوب موقع أداء الرقصة السابقة، مرن نفسه بتصوير البحيرة انحناءات الأغصان بتأثير ريح خفيفة ناعمة، تهب من جهة الجنوب الغربي صور سرباً من أطيار ذات أرياش جميلة، ألوان زاهية كانت تحلق علي سطح البحيرة الممتد أميالا في أفق ينتهي بأشجار عالية بعيدة، ثم قرر أن يحتفظ بطاقة بطاريته الجافة لتسجيل رقص البنتين، لربما سترقص اليوم الفتاة المترجمة، ستحضران حالا بين لحظة وأخري لقد حضرتا بالأمس في نفس هذا الوقت ذات البحيرة،
ستحضران حالاً، سترقصان حالاً، بذات النشاط،
تلهي بالأشياء حوله، ينتظرهما، لكن الزمن سيمضي ممثلاً في عقارب ساعته واستدارت الشمس نحو الغرب وهو لا يحس بذلك أو كان يخدع نفسه ويسقطها في فخاخ إستراتيجية عميقة بتكتيك عسكري كان يصدر لهما الأوامر :
ستحضران حالاً،
حان حضورهما واستسلم، لإرهاب العاطفة وتخدير المخ، الموقع بالأمل في الحضور الفوري، الرقص الفوري، العري الفوري، العُري العظيم المقدس،
كمدمن في انتظار جرعة مخدر، تأخرت، كحبلي علي فراش الولادة، في انتظار الطلق، كان: كلا يدري،
في تلك اللحظات تكثفت حاجات العمر كله في أمل واحد لا غير، ضاق الكون بما فيه، انكمش، متمثلاً في عضلة تنتفض علي إيقاع بنت، عضلة في ردف جنية، غناء الأطيار، ألحان المغنين كلهم، موسيقي الطبيعة، نغمة من فيه صبية البحيرة،
لحظة هي : المدد عند الصوفي،
شاءت ألا تكون،
عندما وعي غروب الشمس نتيجة لاحتجاب الرؤية، أصدر أمرًا ميدانياً حازماً لنفسه : سيطلع القمر وسيحضرن حالا،
نعم ليعلو القمر قبة السماء بعض الشيء، نعم لا بأس، ليصعد قليلاً،
يومياً، كان يشهد شروق الشمس علي شط البحيرة، يشهد غروبها علي الشط الآخر، ينتظر بتلهف ميئوس مدمي طلوع القمر ثم، يعود لأهل الكهف يشاركهم الغياب،
الليلة قمرية،
مضاء الدغل كله، مظلم الأمل في غرف ذاته : مشتى الحزن، القمر يضيء كل شيء إلا الحزن، أنه يزفته ويطينه،
يستطيع من أمام كهفه أن يري بنايات القرية، النار المضرمة بالكهف تستعر معها فراغات الكهف : وحدته،
كان يستمع إلي راديو فرنسا الدولي، في الحق لم يكن منتبهاً لما يذيعه الراديو، أيضا لم يكن منتبهاً لما يدور خارج الكهف، لأنه إذا كان منتبهاً لسمع صوت البنت المترجمة تنادي،YOU MAN , YOU MAN
حركت الشوك المنسد به باب الكهف، حينها صاح مذعورًا،
من هناك، من هناك، إنس أم جان،
هب واقفاً علي، رجليه، بيد مرتجفة أمسك فأساً قريبة منه، قالت الفتاة المترجمة تزيح الغصن الشوكي تماماً عن الباب،
أنا فلوباندو الفتاة المترجمة، ناديتك من الخارج ولم تسمع،
كانت تتحدث بهدوء، طلاقة بلغة إنجليزية راقية بأعصاب باردة كأنف كلب، بادرها،
هل أنت وحدك،
نعم وحدي،
في الحق لا يدري لم سألها هذا السؤال، لكن للسؤال جذور متأصلة في عمق مأساته، من تظن كان يجب أن يكون في صحبتها، أم أنك تريدها وحدها، جلست علي أرض الكهف، بأدب، ضامة فخذيها، متخذة من ساقها اليسرى مسنداً، قدم لها سريره الجوال كي تجلس عليه،لكنها رفضته قائلة إنها تفضل الأرض لأنها تعودت علي ذلك ثم أضافت، الأرض لا تؤذي أحدًا،
إنها أمنا، جميعاً،وهكذا أيضا كان يؤمن مستر جين،و مسس جين،
نعم عرفته إنه البدائي،نعم، كنت تقيمين معهما في المنزل أليس كذلك،
نعم، ليس بالصعب أن تتنبه إلي ذلك،
نعم،
في الحق هي تحب الثرثرة عندما يكون المثرثر فيه آل جين، وهو أيضا يحب أن يعرف عنها الكثير لكنه يحب أن يبدأ الكلام بالمقلوب : ليس بالأباء ولكن بالنسل، الحفيدة
هل البنت البيضاء هي ابنتيهما،
سنيلا،
أين رأيتها، إنها سنيلا،
صمت، حسبما خيل له، لوقت قصير جدًا،لكنه،في الحق: صمت لوقت طويل جداً، شرد فيه بكليته الواعية، إلي حركة مفصل الركبة المتزامن مع اهتزازة طفيفة للنهدين وحنية الرأس جهة اليسار،سنيلا، سنيلا، أنت تهذي، هل تعاني من مرض ما لا شيء علي الإطلاق، إذا لا تجلسين علي السرير، بالأرض هوام، الأرض لا تؤذي، الأرض لا تؤذي،
كانت تحدثه عن مسس ومستر جين البدائيان بشهية غنائية وبرؤية بسيطة صادقة ببصيرة كلب / طفل،
في البدء كانا ملكين هبطا في غفلة عن العادي إلى الأرض، جاءا من حيث لا يدري أحد، كنا أطفالُ تقتلنا الدهشة ونحن نري لونهما الأبيض، لبسهما وألوانه الزاهية التي كانت تفعل فينا فعل السحر عيونهما الخضراء، تشبه عشب الخريف، عربتهما كل شيء، كل شيء، لكن،ما كان يثير القرية ويفتح شهية الكواكيرو شخصياً هو : الأمل المتمثل فيما يمكن أن يحدثه هذين الشخصين من تتطور،
لابد،
إنهما سينشئان بيتاً للتعليم،
لابد،
إنهما سينشئان بيتاً للعلاج،
لابد،
إنهما سيعلمان الدغلين طرقًا جديدة لكسب العيش والحياة الأفضل،
لا بد،
إنهما سيصبحان رسولين للحضارة والتقدم الذين تنعم بهما بلدهم،
هكذا فعل البيض في الشرق، هؤلاء البرص أصحاب العيون الخضراء يفعلون المستحيل، إنهم سحرة لا يبارون،
لكن يعلم أهل القرية أيضا أن الأبيضين، يبد آن ببناء بيتاً لعبادة الرب المثلث ثم، جند لحماية البيت أو: يتاجران بالرقيق،
في ذلك الحين سنحرقهما،
الدغليون لا يعرفون أحداً يتوجهون إليه بأدعيتهم ويطلبونه ساعة المخافة ويحمونه في سريرتهم غير :برم بجيل،
اسمي سلطان تيه،
فلوباندو، فلوباندو،
أين سنيلا الآن،
إنها في القرية الآن، اليوم ليلة الاحتفال ب وز،كما تعلم هو الحارس لجد القبيلة، وهذا ما جئت لأجله، من أجل سنيلا ، لا من أجل ليلة وز،آه،نعم، اختلط علي الأمر، إذاً، هل سأذهب معك لمشاهدة الاحتفال، للأسف، لا، لا يحضر الاحتفال الغرباء
إلا أصيبوا بالعمي لأن وز سيري،
إلا أصيبوا بالخرس لأن وز سيتحدث،
أما أنت بالذات، ردودا داما، ملعون
ما لم تذئب،
ما لم تأكل كل لحم الحارس،
مالم تتخذ فرائه لك فراشًا دائماً، مالم يسكن روحك، ما لم تكونه،تكونه،تكونه،تكونه،
إذا ماذا تودين القول لي،
يجب عليك أن تنام هذه الليلة خارج الكهف، طالما كان القمر يمشي في السماء يظل الجد وز يري دغله، مكشوفاً، وسوف يراك لأن عينه القمر،
حاول أن يتلقي الخبر بشكل جاد وألا يسخر منه لأن السخرية، تغضب فلوباندو وغضب فلوباندو يعني غضب السلف الحارس وز،هذا يعني غضب القبيلة،هذا يقود إلى عدم رضاء الحراب والفئوس عنه، قبل أن تنهض جامعة جسدها من علي الأرض سألته هل تريد شيئا،
قال بصورة جادة و بصدق،
نعم، فقط لو ترقصين قليلاً،
بعض من الرقصة التي أدتها سنيلا علي شاطئ البحيرة الأسبوع الماضي ولا شيء أكثر،
الغرباء
عرفنا ذلك في وقت مبكر من صبيحة اليوم الرابع عشر، قالت له فلو باندو، تتكئ بظهرها علي جزع دليبة، عملاقة بعيداً عن الكهف،أخبرنا بشأنهما المحاربون الذين كتموا الأمر كما يجب عليهم أن يفعلوا عندما يكون الأمر مهمًا وخطيراً، لأسبوعين كاملين كانوا يرقبون سلوك الغرباء، أصحاب الحمار الكبير، البرص، عندما جاء البناءون، أخذوا في تشيد البيت الكبير كان المحاربون أيضا هناك خلف الأشجار في جحر الذئاب والحلاليف،علي قمم الدليب والتبلدي الحبب يراقبون في صمت، ينقلون ملحوظاتهم في إشارات صغيرة إلى بعضهم البعض، اجتمع مجلس المحاربين مرارًا وتكرارًا متباحثاً في شأن الغرباء، هل نجبرهم علي مغادرة الأرض، هل نسمح لهم بالبقاء، هل نقتلهم، هل نسجنهم بالكهف، إلى أن نستبين مقصدهم، لكن الكواكيرو ومعظم نوابه يرون أن قدوم الأبرص إلى أرضهم لا يعني دائما : الصيد، الكنائس، الرقيق، الحروب، ربما يعني حياة جديدة متحضرة كالتي في الشرق، أليست من صنع الأبرص، المصانع المواصلات الحديثة، المزارع الكبيرة الآلة الحربية، الطعام الشراب اللباس أليس كل ذلك من صنع الرجل الأبيض في الشرق، مضي عهد الاستعمار ولا عوده ومضي قبله الاتجار بالرقيق ولا عودة، مضت عهود مشابهة كالعهدين عهود كثيرة متباينة، نعم، ورثنا من تلك العهود الحذر والخوف، لكن ما يميزنا نحن في قبيلة لا لا،ولو أننا لا نزال في وحل التخلف /الفقر /العوز، إلا أننا نسعي بكل جد أن نصبح قبيلة ذات شأن ولو مقارنة مع قبائل الدغل الأوسط والشمالي، لن نكون كذلك إلا عن طريق العلم والمعرفة، بدأ ذلك واضحًا عندما ابتعثت القبيلة عشر من أبنائها للشرق لاكتساب المهارات العلمية/ الحديثة، أنفقت عليهم من ذهبها الكثير، لكن هل عاد الأبناء، هل تخلت القبيلة عن مشروعها الحضري، لكن هذه هي فرصة أخري، قدم الأبرصين، إلى ديارنا،أتصبح ضربة الحظ التاريخية،بعد مداولات كثيرة،قرر مجلس الكواكيرو إمهال الأبرصين زمنًا قبل الحكم عليهما، قمران كاملان، وعلق بندو مندو أحد المحاربين، صاحب كلمة مقدرة، علينا أن نتفاءل، إذا كانوا غير ما نشاء، كانوا قتلة: قتلناهم،
في اليوم الرابع عشر عند الفجر أعلمنا بوجود أبرصين بشرق أرض، لالا، بين خور السلاحف ووادي الأناناس، وانطلقنا نحوهما، أطفال ونساء وبعض المحاربين الذين ربما كانوا ينشدون الفتيات وهن ينشدن فتيانهم، كنت في السابعة من عمري وتبقي لي من سن الحماية عامان، لذا كان ما يشغلني هو : الأبرصان ولا شيء آخر، ولا يشغلني الشبان،
ظللت اجري بكل ما لدي من قوة، أقفز فوق الأعشاب الشوكية الصغيرة، اعثر بالحجارة وجذوع الأشجار، كان علي أن أرى الأبرصين قبل أن يختفيا فجأة : يطيران في السماء أو يغطسان في الأرض، كان علي أن أراهما قبل رفاقي جميعهم لأشير إليهم انظروا،
عندما أشرفنا علي خور السلاحف سمعنا نباح آلتهم، فزعنا في بادئ الأمر وتجافلنا كسرب الغزلان الذي فوجئ بالنمر، تجافلنا في كل صوب وجهة، أيضا، بعد ما يتجمع السرب بعد مخافة، تجمعنا ضحكنا علي بعضنا، تشجعنا ببعضنا ومضينا نحو البرص، سأكون صريحاً وواضحاً مع فلوباندو، قال لنفسه أيضاً، أقول لها أنا أحب سنيلا البرصاء، وعندما استمعت لمقاله، لم تندهش ولم يبد علي وجهها أي انطباع يستطيع قراءته، عيناها عاديتان باردتان، عندما تفوهت قالت،
كل الناس يشفقون عليها مثلك،
قال في انفعال ظاهر،
لا، ليس شفقة ولكني اُحبها،
وصرخ هاتفاً،
I LOVE HER
قالت ببرودة وهدوء،
نعم كلنا نحبها،جميع القرية وليس لها ذنب أن تصبح برصا،
عرف بينه وبين نفسه أن الإشكالية هي إشكالية لغة وتواصل، ربما تعني كلمة حب عند فلوباندو الشفقة، لا أكثر، هي ذات الإشكالية التي واجهت آل جين، في الماضي عندما شاءت مسس جين أن تعلم فلوباندو اللغة الإنجليزية وشاءت أن تتعلم لغة لالا، كانت كلمة حب ليس لها ما يقابلها في لغة لا لا،غير كلمتين، الأولي : ممارسة الجنس: تر، الثانية : الشـفقة ِنوشك، فضلت مسس جيني أن تختار المعني الأخير لتقابل به كلمة حب LOVE وكانت كلمة لالا المقابلة هي نوشك، إذاً ما كان بإمكان سلطان تيه أن يجعل فلوباندو تفهم مقصده إلا إذا قال لها أريد أن أضاجع سنيلا،
لكن هل يريد سلطان تيه حقا أن يفعل ذلك، ولو أن حبه لها، يقود إلى ذلك، ألا يحتاج الأمر لشيء من التكتيك والدبلوماسية، بائس متشائم، يغسل علي حجر بالشاطئ ملابسه الداخلية، كان محبطاً، لا يدري كم مضي عليه وهو بالكهف لا يدري كم تبقي له من سجن ولحم ذئب،تفوح منه رائحة الذئب، من جلده، من أنفاسه، عرقه وصنان إبطيه، بوله، توقفت فلوباندو عن زيارته، لا يدري سبباً لذلك، كانت تؤنس وحدته بحديثها الذي لا ينقطع عن مستر ومسس جين،عن تأريخ الدغل حروبه القديمة، أساطيره، نشأة سكانه، روابط الدم بينهم، قبائل الدغل الأخرى، خصومتها مع سكان الدغل الشرقي المتحضر، عن برم بجيل،
أهلي كثيراً ما يرسلونني مع المتسوقين إلى المدن المجاورة كمترجمة، سافرت كذلك إلى كل دول الجوار علي حمير الوحش لتسويق الذهب أو شراء بعض الأبقار أو جلب البترول لعربة الجيب، إذاً هل سافرت فلوباندو في رحلة طويلة إلى مكان ما،
حتماً ستأتي وأن طالت وحدتي،
هكذا أصدر قرارًا نهائيًا لنفسه بالأمل، وتخيل مجرد تخيل أنها عادت ومعها الجميلة، جنة روحه، سنيلا، كأجمل ما تكون، بشرتها تشع نوراً، نورًا أزرق، فمها يرتجف في انفعال وهي تقول له:
أنا هي سنيلا، هل تريدني، إذًا،أنا بين يديك، أمرك يا سيدي،
أريدك، أريدك أن ترقصي،
هذا أقل ما يمكن فعله من أجلك، لكن أين البحيرة، الرمل، أين أطيار الكرووو كروووو،أين عيد مابندوتييرا، ثم ضحكت وتلاشت، إنها خدعتني،
لاحظ سلطان تيه أنه ليس بالبحيرة أسماك، ماؤها نقية صافية تتغلغل بينها خيوط الصابون الرمادية مكونة جزيرة صغيرة من التلوث الكيميائي الذي يبدو غريباً، ليس من اهتماماته الفعلية صحة البيئة ولو أن الدراسة التي يجب أن ينال بواسطتها شهادة الدكتوراه تدعمها منظمة السلام الأخضر العالمية، لكنه باحث أكاديمي ذكي فحسب، ليست له انتباهات لغير آلية العمل الأكاديمي، ليست روحه، يعرف في قرارة نفسه أنه كالكمبيوتر : يعمل بصمت/جدية وإتقان لكن بغير عاطفة، يستعجب لذلك،
أخذ ينشر ملابسه علي أشواك الأشجار والأحجار علي الشاطئ، رائحة الذئب تزكم أنفه, سيبقي اليوم بطوله في الماء، سيدلك جسده بالرمل والطين والصابون،
لكن أنفاسه : رائحة الذئب،
ويل لمن يقتل الذئب، وويل لمن يأكل الذئب، وويلات لمن أكله الذئب،
تخيل سنيلا تقول له،
سأحبك كثيرًا،لأنك الآن ذئب مقدس، آه يا ذئبي المسكين الأكثر قدسية،
صعد جذع شجرة ضخم ملقي علي الشاطئ،قفز نحو الماء الساكن الهادئ، تشظي الماء مندفعاً في كل الاتجاهات قبل أن يبتلعه لثوان ثم يلفظه للسطح فيسبح متوغلاً في عرض البحيرة، كان العالم حوله ساكن، الصوت الوحيد هو طجطجة كفيه علي سطح الماء ودفدفة رجليه دافعة الماء للخلف :إلى الأمام،
ماذا لو جاءتا الآن : فجأة، سبحتا قربي كما تسبح الجنيات في انهار الأحاجي القمرية أنت لا تعرف شيئًا عن مستر ومسس جين،
أنا أعرف كل شيء عنهما، أريدك أنت، أن تعرف ما أعرف، وأنت فقط تهتم بسنيلا تلك البرصاء، لكن في هذا الدغل ما هو أهم منها،
أول ذلك مسس ومستر جين،
أول ذلك الكواكيرو،
أول ذلك،لالا، فترا، سارا، شاري،
أول ذلك الدغل نفسه،
أصبحت حكاية الأبرصين هـمُ يومي لنا، عندما رأيناها أول مرة كانت بيضاء وشاحبة كأنها حجر طباشير، ليست بها قطرة دم، جسدها صغير هزيل، ولو أن عمري لم يتجاوز الثامنة، إلا أنني كنت أفوقها حجماً وعافية، كنا نسمعها تسعل الفنية الأخرى، عندما تخرج إلينا نهرب نحن بدورنا نحتمي بالقش والشجيرات، كانت تبتسم لنا تلك الابتسامة الهزيلة التي عرفت بها فيما بعد، ذات خروج أشارت لنا أن نقترب منها، فرطن لنا الكبار محذرين أن نفعل لكنها كانت تصر علي ذلك أحسست في عمق نفسي أنها كانت تطلبني أنا بالذات، لم لا اذهب إليها، إنها تحتاجني، فلم لا، وأمام دهشة الجميع تقدمت نحوها،
تدور، تندوم، تررم،
لكني ذهبت،في الحق لا أدري هل هي التي أتت إلى أم أنا التي ذهبت إليها، المهم وجدت نفسي في حضنها، كان حضنها دافئًا مثله مثل حضن أمي، إذاً تهامسنا به في شأن رائحتها، محض افتراء، ليست بجسدها رائحة الثعبان ولا حتى شمام عرق الكلب، بل العكس كانت تفوح منها رائحة الياسمين البري بعد هطول أوائل أمطار الشتاء، فقط كلامها يشبه نُباح السمع مرة،وأخري يبدو كأنه زقزقة الطيور وهو نتاج لعدم معرفة البرص للكلام، مثلنا، أجلستني قربها، كنت ثقيلة علي رجليها الهشتين، بأناملها البيضاء الناعمة تتخلل شعري، أسمع خشخشة شعري الجاف محتدماً بأظافرها يبدو أنها تستلذ فك انكماشا ته، كلمتني كلامًا فهمته ولو أنني لا أعرف رطانتها، كانت تقول لي،
أبقي معنا في هذا المنزل،
قلت لها سابقي،
لم أعد للمنزل، في ذلك الحين كانت بأسرتنا مشاكل خطيرة أساسها انشغال أبي وانسحاره بواسطة تيري زوجته العجيبة التي تسببت في اختفائه إلى الآن، أمي مشغولة أيضًا بشأن تيري وأبي، المهم في الأمر أن لا أحد يهتم بأحد في المنزل، نعم كانت والدتي تصنع الطعام بصورة منتظمة تطعمنا جميعًا، أنا، وندي ونيرو وأبي وزوجته تيري لكن يتم ذلك تحت عاصفة من الشجار المستمر واللعنات، تحت عاصفة من التهديد والوعيد،
وأنها،سوف لا تصنع الطعام وسوف لا تصنع الجعة وسوف لا تجلب الماء من البئر، سوف لا تحتطب مع الحاطبات وسوف تذهب لوالدها تاركة أبينا، ولترضعكم تيري من ثديها الكبير،جميعكم،
ولترضع نفسها أيضاً، وهكذا تفعل التيرا،
أمي تهتم بإدارة الشجار اليومي أكثر من الاهتمام بنا، رغم ذلك عندما أخبرها العائدون إلى القرية بأنني بقيت مع البرص في بيتهم ذي السقف المسطح : ذعرت جرت نحو قطيه أبي وأخذت تضرب علي باب الخشب بكل قوتها طالبة من أبي أن يعيدني للمنزل، لكنها كانت تعرف مثل القرية كلها، إذا اختلي أبي بها، جامعها، إذا جامعها، يستحيل عليه الفكاك منها يقولون أنها مثل الكلبة لها ما تقبض به شيء الرجل إلى ما تشاء،وهكذا تفعل نساء قبيلة الكا، حملت أمي حربتها، جاءت إلى بيت البرص، أخذت تدور حول المنزل إلى ما بعد منتصف الليل، حيث عرفت ذلك من خلال صوت الليل قرب النافذة، عندما خرج مستر جين وجدها تقف بعيدًا متكئة علي حربتها، سلط عليها ضوءا قوياً من بطارية متحركة، هربت في عمق الدغل،
مثلي مثل كل أطفال القرية عارية حافية، ليست بجسدي غير قلادة من الخرز حول خصري وتميمة معلقه علي عنقي مدلاة علي صدري لتحميني من الأرواح الشريرة، لا ادري هل كان جسدي نظيفا أم تفوح منه رائحة نتنه، لم أذهب للاستحمام في البحيرة منذ أسبوع مضي،
أدخلتني مسس جين الحمام و لأول مره أري الماء يهبط من السقف كالمطر كان دافئا لذيذا، لكني افتقدت فيه انطلاقة البحيرة واللعب الذي عاده يصاحب الاستحمام، عطرتني بعطر له رائحة مسك الغزال، كانت سعيدة جداً مثلها زوجها يتحدثان يضحكان يقولان لي كلمات ما كنت أفهم منها شيئا غير أنني كنت أرد دائماً بابتسامة تدل علي أنني: أبادلكم شعوراً جميلاً جداً،
ألبستني فستان جميلاً أبيض اللون، ناصع البياض، هذا أول شيء البسه في حياتي بعد بطن أمي كنت أحس به يضغط علي جسدي،ولو أنه كان فضفاضاً إلا أنه لا يحتمل، غريب مدهش في أن واحد، حاولت نزعه والتخلص منه، لكنهما أجبراني علي إبقائه بجسدي، كان يخذني كأنما به أشواك التين، وخذ حلو مدهش، عندما أتخيل كيف سيصيح أهلي عندما يرونني في هذا الملبس، الذي ليس بإمكان طفلات الكواكيرو نفسه، كيف ستهتف أمي،
بتاتا، تلو، تلو وا،
وهي تضرب كفا بكف،
لا أدري متي نمت،
غير أني عندما استيقظت في الصباح الباكر وجدت نفسي علي لحاف ناعم لم أر مثله في حياتي، أنه لا يشبه لحاف أوراق الموز الذي نلتحف وهو أيضا أنعم من لحاف الريش الصنعه أبي لزوجته الجديدة: تيري،
استيقظت علي خجخجة أهلي،
باندو،
باندو،
باندو شواتينق،
كانت فلوباندو تحكي له عن الأحداث المضي عليها قرابة العقدين،كأنها حدثت بالأمس، بصوتها سخونة الطهي، وبأنفاسها أبخرته وفي مخيلتها الأحداث تنضج الآن، قالت له، يريدها أن تتحدث عن سنيلا، برصائي الفاتنة، سنيلا،
قالت،القرية كلها كانت هنالك، المحاربون يمتشقون آلياتهم، الكواكيرو علي ظهر حمار وحشه القوي، هنالك أعيان كثر آباء أمهات أطفال كلاب وأطيار،
هل أنت علي قيد الحياة،
عندما أخذت مسس جين في خلع ملابسي الجميلة البيضاء التي بدت ناصعة ومبتهجة في ذلك الصباح، حزنت وأحسست بموت الدهشة بارداً فيّ، قاومت، فعلاً بدأت في الصراخ لولا أنها أسعفتني بثوب آخر جديد، أجمل ثوب في الدنيا كلها مرسوم عليه ورودًا، به ألوان جميلة متنوعة، عليه أيضًا عصافير ذات أرياش زاهية رقيقة وبه شجر وسماء وبه سحر غريب،عرفت فيما بعد أن مستر جين قضي ليله كله في حياكته وإعداده من أجلي، حينما خرجت وأنا في ذلك الثوب إلى قومي وعشيرتي، مسس جين ترتدي طبقه، حتى صرخت العشيرة كلها بنفس واحد،
نبتاتا، تلو تلو، يا سيد الغابة،
تعجباً، دهشةً انفعالاً، بدلاً من البحث عن بقايا عظامي وترتيب الأمر والأخذ بثأري من آل جين، هاهم يشتعلون فخرًا واعتزازاً، هاهي أمي تجري نحوي بعد أن ألقت بالفأس علي الأرض، تضمني علي صدرها وهي تشم ثيابي وتضحك في ابتهاج تتمتم،
وآآآآآنا برمبجيل وآآنا سيسي،
محوّطة إياي من العين الساحرة، القلب الحاسد، النفس الحارق، سادة الظلام، بدون أية اتفاق مسبق أو تفكير أسماني أهلي منذ ذلك اليوم : فلوباندو،
حيث كان اسمي باندو، يعني المطر وهو اسم جدتي التي ولدت ذات خريف تاريخي ولو أن ميلادي أنا في سنة عادية بل جافة بعض الشيء إلا أن جدتي جاءت في النوم لأبي وطلبت منه أن اسمي عليها :باندو،
وبإضافة كلمة فلو هذه أصبح اسمي ما يمكن ترجمته ب : زهور المطر الكثيرة، سلم عليّ يدًا بيد كل أطفال القرية أصدقاء العري القديم، ضمتني إلى صدورهن الأمهات والجدات، حياني باحترام وإعجاب المحاربين الأكارم، أجلسني علي بغلته الكواكيرو، همس في أذني،
تعلمي ابنتي كلامهم،في كلام البرص سر تقدمهم تعلمي كلامهم، يا فلو باندو،
وهم يودعون قالت لي امرأة صديقة لأمي عجوز،
إذا أحسست أنهم بصدد أن يأكلونك فما عليك إلا الهرب،
إنهم طيبون، إنهم طيبون،


خيانة النص
الساعة تشير إلى التاسعة صباحاً، يمكنه الآن ضوء النهار أن يري الخربشة التي علي جدران الكهف، قال في نفسه،
ربما طالت أظافرهم واستوحشت وهم يتقلبون علي مرقدهم، يمدون أناملهم فيخدشون الحائط الحجري دون وعي وهم نائمون،لكن عندما تمعن الرسم جيداً تمكن من ملاحظة اسم دقيق أنيق متوازن فنيناً في مهارة فائقة : إنه كلبهم،
فإذا كان سلطان تيه في حالة نفسية جيدة أو طبيعية، لاستطاع بنظرة مركزة فاحصة أن يري أن هنالك ستة رسوم أخري علي جدران الكهف، ستة رجال نائمون، هل خربش كل واحد منهم رسمه علي الحائط، بالتأكيد قبل أن يذهب الفتية إليهود في نومهم الآمن، تحدثوا قليلاً عن الوضع السياسي في أورشليم،لابد أن مكسيما أكد لهم كما رأى في الحلم في الليلة السابقة، أن أنتيخوس الذي يحب دائماً أن يسميه نابيفانيس الأغريقي الوثني عابد الحجر، سيكون مصيره مصير حكام بابل وأشور وفراعنة مصر الذين سبوا وعذبوا جدودهم مئات السنين، الفناء هو مصير الروم وتلا من التوراة :
سوف تحطمين يا بابل،
سعيد هو الرجل الذي يفعل بك ما فعلت بنا،
الذي يحمل أطفالك ويضرب بهم الصخرة،
أما فليستطيونس الراعي، كان مشغولاً بصبية راعية التقى بها عرضاً علي ضفاف نهر كيشون بينما هي تقود أغنامها متوجهة إلى جبل كارمل،هو من جبل كارمل، يود عبور النهر، حافية تلتف بثوب من الكتان، خشن من البرد،وجهها الخمري حلواً وجافاً به عينان أجمل ما رأى، أو هكذا خّيل له، عندما استوقفها لاحظ ذلك،لاحظ أيضاً أنها لا تحمل عصاه كعادة الرعاة، سألها أين تذهبين قالت،
إلى السفح،
لماذا أنت وحدك،
قالت معي الرب،
قال أين هو،
أشارت إلى شجرة بعيدة بإبهامها،
قال لها،
منذ صغري وأنا أبحث عن الرب، أريد أن أراه، هذه أول فرصة تتاح ليّ، هيا نذهب إليه،
قالت، فلنذهب،
لكن لمن تترك أغنامك، سيأكلها الذئب،
أما أنا فهو في طريقي، قال،
طالما كان الرب ليس ببعيد، فليشمل بحمايته أغنامي أنا أيضاً،
ولكن، ربما تضرع الذئب إلى الله،
قال لا بأس،
إني أريد أن أرى الرب، لكن لابد من تضحية،
ومضيا، نحو الشجرة، سارا لنصف الساعة لم يدركانها، سارا لمسيرة يوم كامل ولم يدركانها، قضيا الليل مشياً، عند الفجر كانت ليس ببعيدة عنهما، فسارا للظهر ولم يدركانها، حينها، أدرك سراً غامضاً، نظر خلفه، لدهشته أن أغنامه ليست ببعيدة عنهما، يستطيع أن يسمع ثقائها، نظر إلى عمق عيني الفتاة الصغيرة، نظر بعمق، قالت له،
قبلني،
قبلها،
عاد إلى أغنامه،
كلما التفت إلى الخلف، كان يراها تلوح إليه بيدها مودعة، ظل علي هذا الحال يومًا كاملاً،ثم يومين، ثم نصف اليوم، إلى أن غادر وادي كيشون، عندما حكي لمرطونيوس صديقه صائد الأسماك هذه الحكاية سراً، همس مرطونيوس في أذنه،
قل ليّ، هل مسستها يا فليسطيونس، هل مسستها،
قال محتاراً،
ماذا تعني مسستها،
قال مرطونيوس بشكل واضح،
هل ضاجعتها،
قال وبفمه جفاف وطعم ملح
لا،
لم أفعل، فقط كما قلت لك قبلتها، طلبت مني ذلك بنفسها،
إنها بطلبها منك أن تقبلها، زوجتك نفسها،
ثم أضاف بحسرة مرة،
كان بإمكانك أن تصبح أباً لنبي ينقذ بني إسرائيل من الرومان ويحقق أحلامهم، يالك من تعيس،
وأخذ يبكي بكاء مراً،
ومنذ ذلك اليوم أقسم فليسطينوس أنه إذا حدث و صادف أية فتاة أو أية امرأة وحدها، في المرعى أو النهر أو، أقسم علي أنه لن يدعها تذهب ما لم يضاجعها،حتى ولو يؤدي الأمر إلى المجازفة بحياته،
وكم كم تردد علي وادي كيشون وجبل كارمن وأودية أخري مقدسة وجبال وزار حتى الوادي المقدس بسيناء، لكنه لم يجد الفتاة ولا الشجرة، كلما رأى شجرة، خيل إليه أنها شجرة الرب، مشي نحوها، عندما يدركها، يدرك أنها ليست الشجرة،
كان سلطان تيه يحاول أن يرسم تمساحاً ليخلده في الكهف، وقبل أن يحتار في كيفية الحصول علي الأزميل أو كيف يرسمه، لأنه لا يعرف شيئاً عن النحت، إذا به يسمع وقع أقدام قرب باب الكهف، قبل أن يسأل من القادم، هتف سؤال بذهنه، كيف تمكن فتية الكهف من الوصول إلى هنا، وبينهم وهذا الكهف بلاد وبحار وتعب،لكنه استطاع أن يقول لنفسه،
إنهم بينوا، مجرد بيان،
***
أنا فلوباندو ومعي سنيلا، هل تأذن لنا بالدخول،
في لمح البصر نسي كل شئ عن قمطير، فليسطيونس، مرطونيوس، الكهف نسي كل شيء وهتف في لهفة،
سنيلا،
ثم أحس أنه فضح نفسه أكثر مما يجب فأضاف بهدوء،
سنيلا وفلوباندو،تفضلا، أدخلا، أهلاً،
كانت سنيلا الجميلة جميلة،
كانت فلوباندو الجميلة قبيحة،
وكان هو سعيداً بحزن عميق سعادة لا يحدها عمق الحزن، هذه هي الفتاة التي حلم بها كثيراً في كهفه، هي الآن أبعد ما تكون عنه، وسيفقدها الآن ذاته، حاولت فلوباندو أن تعرفه بها أو تعرفها به وهي تعلم أنها تعرفه،فهو أشهر من في القرية كلها،الغريب الآتي من الشرق : قاتل الذئب،هو يعرفها، يعرف كل عضلة أدت رقصة البحيرة،كانت كفها خشنة بعض الشيء، لاحظ ذات الملمس في كف فلوباندو،
حينما خاطبها بلغة أمها الإنجليزي كانت تنظر إليه في بله وغباء، إلى أن أنقذت فلوباندو الموقف قائله،
إنها لا تعرف غير لغة اللا لا بلهجة الدغل الأوسط والشمالي فقط،
قال مندهشًا،
أليست هي ابنة الجين،
نعم، نعم،
لكن الأمر يحتاج لشروحات كثيرة، لأنه عندما تخلي مستر ومسس جين عن لغتهما واعتنقا لغة ودين القبيلة، فرضا ذات اللغة علي سنيلا وبانارودونادو،اللذان ولدا في قمة سقوط الجين،
سقوط،
نعم،
هكذا سمي قوم لا لا الحالة التي وصل إليها آل جين،عادا إلى قرون كثيرة إلى الوراء كان الأجدر بهما أن يقودا القبيلة إلى عصر جديد، فقط لو أنشأ بيتاً للتعليم وآخر للعلاج أو شجعا الكواكيرو مجرد تشجيع لمواصلة برامجه، في إرسال أبناء القبيلة للتعلم في أنحاء الدنيا الكثيرة، خيبا أمل القبيلة فيهما،
كان يعرف أن فلوباندو ستسهب في الحديث عن آل جين، يريد أن يعرف عنهما الكثير، لكن الآن يريد سنيلا، فقط سنيلا،
وكأنما سنيلا قرأت ما في ذاته حينما سألت فلوباندو،
عن ماذا تتحدثان،‍‍‍‍
قبل أن تجيب فلوباندو، سأل هو فلوباندو،
ماذا قالت لك سنيلا،‍
سألتني، عن ماذا نتحدث،
قولي لها، إنه يقول، إنك جميلة جميلة جميلة، مثل، مثل شجرة الباباي، جميلة مثل القمر، أو أي شيء تعرفه هي بأنه جميل،
قالت فلوباندو باستياء،
ولكنها برصا، ألم تلحظ ذلك،‍
أنا أعرف، أعرف أنها جميلة، وما عليك إلا أن تقولي لها ذلك، جميلة مثل أجمل شيء عندكم،
كلب الصيد،مثلا،
قال مندهشا، كلب،
ألا تريد أن تقول أنها جميلة،
لا بأس قولي لها ما تشائين،كلبة صيد، ذئب براري، حمار وحش، أياً كان،
كانت سنيلا تتابع الحوار بانتباه عميق واهتمام حقيقي، وبعد أن رطنت لها فلوباندو بكلمات قليلات،أحنت رأسها ثم، قطرت دمعة حارة علي خدها الناعم الحلو، ثم بنظرة بها بؤس العالم كله رمقته،
كاب بوقو واوا،
ماذا قالت، أخبريني يا فلوباندو ماذا قالت، إنها قالت شيئًا،
قالت فلوباندو بهدوء
تقول، إنك رجل طيب،
قال منفعلاً،
إذاً، تظنني أجاملها، فقط مجاملة،


خيانة النص مرة أخرى
قالت بهدوء،
هذا هو الواقع،إنك لست أكثر من رجل طيب القلب،
قال منفعلاً،لا، ليس هو الواقع، لقد قلت لك من قبل أنني أحبها، ولكن للأسف أنت لا تفهمين، وأنا لا أعرف لغتكم الرديئة العاجزة على التعبير عن المشاعر الإنسانية، عن الحب، ألا تعرفون الحُب،أغرب قوم أواجههم في حياتي، البوم يعرف الحُب التماسيح، كل مخلوقات الله، كان غضبا منفعلا، استطاعت سنيلا أن تعرف ذلك من نبرة صوته،تعبير وجهه،حركة يديه، نظراته المسلطة على وجه فلوباندو الهادي الجميل المتوحش، المرسومة عليه ابتسامة خبيثة قالت سنيلا، ماذا يقول،
هتف في بؤس
ماذا تقول، عن ماذا سألتك،
إنها تقول شيئاً،
قالت فلو باندو بهدوء وحشي بارد:
إنها تقول يجب أن نعود إلى البيت
سألت سنيلا في وداعة
ماذا يقول الرجل،
قالت لسنيلا عبر رطانة شائكة
يقول، إنه تعب ويريد أن يأخذ قسطاً من الراحة،
قالت سنيلا وفي فمها ابتسامة غريبة
دعيه يرتاح، سنأتى إليه عند المساء، أحس أنه رجل مختلف بعض الشىء ولو أننى ما كنت اظنه سيصرفنا هكذا، فلنذهب الآن،
وذهبتا،
أحس سلطان تيه بينه وبين نفسه،أن هنالك خيانة ما، حدث ما،حدث وهم وقوف عند باب الكهف في سرعة البرق، وهما تمضيان بعيداً تذوبان في الغابة كأنهما الحلم يهرب،كأنهما كابوس لذيذ يذوب في الأعشاب تدريجيًا تمتصه الغابة،صباح غريب حقا،
وعندما عاد إلي أهل الكهف،فكر في أن ينحت ولو عضلة واحدة من فخذ سنيلا، ليخلدها كما خُلَّد حمران لكن فجأة هاجمُه سؤال، لماذا لم يكن هنالك خطأ في الترجمة متعمد،هل تحبني فلو باندو وتريدني لنفسها، هل تغير فلو باندو من سنيلا، و تذكر أن فلو باندو قالت له ذات مرة في معرض حديثها عن آل جين وغرائبهم أن مستر جين استحلم لها الشيطان أكد لها إنها لن تتزوج إلا شخصاً غريباً، هل أنا هو الشخص الغريب،لا،أنا سأتزوج سنيلا، شاءت فلو باندو أم أبت،هذه المتوحشة الجميلة سنيلا خلقها الله من أجلى وما القدر الذي أتى بي إلى هنا إلا تدبير من الله،
**
جاءه الحارسون بلحم مجفف مذؤب وماء، أتوه بمشروب له رائحة ذكية ورغوة ناصعة البياض، ُدنبا،شراب الأناناس، عندما حل المساء هتفت أطيار السُقد معلنة مضى الربع الأول من الليل، سمع وقع أقدام،
كانت النار دافئة وشهية وهي تمتص رطوبة المكان، هتف
سنيلا،
وعلي ضوء الا حطاب الحلو،رأى طيفها احس بخيبة أمل، لكنه تذكر قول الصادق الكدراوى صديقه، الفحل ما عواف، سأمتع بها نفسى، إنها تحبك يا سلطان،القت التحية ثم جلست على الأرض وأخذت في الحديث مباشرة، لا تظن أنني جئت لأعتذر، ولا لكى أعترف،لا أتأسف على ما ترجمته خطأً لكليكما، جئت لأقول لك : لا تظن أنني أريدك لنفسي أرغبك، فأنت لا تصلح لأية سيدة من قبيلة لال، لأن أهم سمة تميز الرجل عن المرأة لا توُجد فيك، وهي الشجاعة، وعرفت بالجُبن منذ الليلة الأولى التي وجدناك فيها، فأنت لم تقاوم الأسر أبداً،ولا حتى بالهرب، إذا أنت أجبن من الفأر قبل أن تؤخذ آخر أنفاسه يبدى مقاومة ولو بالرفس،لكنك استسلمت مثل جثة،لذا سخر منك القوم وأطعمك لحم الذئب كُلهُ، أي حُكم عليك بعقوبة القتل الخطأ ذائداً الجبن،فهل بعد ذلك ترغب فتاة من لالا الزواج،من جثة،لأن الجثة وحدها تستسلم بهدوء،
يا لكبرياء الجهلاء، المتخلفون، كبرياء عمارات الطين،
وجئت لأقول لك، أنني ترجمت خطأ لأنني أريد أن أحفظها بعيداً عنك،لأنها هي الأخرى لا أحد سيتزوجها، هي برصا وهو السبب ذاته الذي أعادني إليك الآن، فقبل غروب الشمس بقليل حيث تعود الأفكار للرؤوس، اقتنعت بأنك خير لها، فبدلا من أن تظل عذراء بقية حياتها بغير زوج،لم لا تكون لك،
رغم الإهانة التي ألحقتها به فلوباندو، إلا انه سر في ذاته لكون سنيلا عذراء، كاد أن يستحلف فلو باندو لتؤكد له ذلك لولا أنه خاف أن تتهمه بالعته والجنون بالإضافة إلى الجبن وعدم الرجولة الموصوف بهما أصلا،
وجئت لأقول لك أيضا، لماذا لا تهرب الآن، ليس هنالك حرس يقف عند باب الكهف، لا أحد يراقبك من بين الأعشاب، فهل تهرب،
عندما صمتت قليلا ، قال في هدوء أنت غضبانة منى غضباً لا مبرر له،قالت وهي تستعدل جلستها:
أنت لا تعرف المبرر لكنى أعرف، وسأقول لك بصريح العبارة : أنت جاسوس،
جاسوس،
هتف مندهشاً
نعم ،لقد شاهدك كثيرُ من المحاربين وأنت تحمل شيئاً تنظر به نحو القرية ورآك بعضهم تنصب شيئاً على شاطئ البحيرة مرات كثيرة،واليوم أيضا، ولقد أخذني المحاربون إلي حيث كنت تفعل فعلتك وشاهدتك بأم عيني،
وعندما استفسرنى الكواكيرو عما تفعل قلت له كذباً : أنك تترقب حركة الأطيار وربما كنت تنظر تمساحاً لاوجود له،فلا تماسيح أو أسماك بالبحيرة،لكنى أعرف أنك تتجسس أو تتصل بالشرقيين،
قال مستهترا ماذا أقول للشرقيين،هل أقول لهم أن أطياركم كثيرة وغريبة وأن القرود تكثر على أشجار المنجا،قالت بخطورة: أنت تعرف ما تقول لهم،
لقد حدثنى أحدهم وهو نبو ولد مندو مندو المحارب القدير، وكان أحد الشبان الذين أرسلهم الكواكيرو إلى الشرق للتعلم، إلتقيته بالمدينة العام الماضى،حدثنى بأنكم تستعدون للمرحلة الأخيرة لتصفيتنا عرقياً، إذا صح ذلك، ألا يبدو أن هنالك ما يساوى شعر الرأس عدداً مما يمكن إرساله إلى الشرق:عددنا،عدد أطفالنا، أطيارنا، حيواناتنا،عاداتنا وتقاليدنا،لغتنا،محاربينا، كيف نحارب، ماذا نأكل ونشرب،كيف نسكن، أين ننام، ماذا نغنى،كيف نرقص،كيف نغنى، أليس كل هذا يسهل ابادتنا من على وجه الأرض،
الآن، أحس سلطان تيه أن الأمر حقيقة خطير، وانه يؤدى بحياته،نهض مرتبكاً واخرج كامرة الفيديو واخرج ما لديه من أفلام طالباً منها أن تأخذها للمدينة لفحصها وان تحتفظ بها الآن في نزل الكواكيرو نفسه ثم اخرج لها الراديو والأطعمة المحلية،علب الأطعمة الفارغة وكل شئ بشأنه أن يلهب مخيلة القروي المهووس بالتفسير التآمرى للظواهر،
هذه كل أشيائي، تفحصيها جيداً،وإذا ردت شيئا منها لفحصه في أي مكان خذيه،وحتى كتب التماسيح، خذي ملابسي،خذي كل ما تشائين، قالت و أحسست بشيء من تأنيب الضمير،
أعرف أن هذه كمرة فيديو،فلقد كانت لجين مثلها والآن مع الكواكيرو، و هذا راديو وهذه علب أطعمة فارغة، وهذا، لكن ماذا تفعل بكمرة الفيديو،
سأصور بها التماسيح مسجلاً حياتها اليومية العادية، أن ذلك جزء مهم في الدراسة،
ولكن ليس بالبحيرة تماسيح وأنت تنصب كامرتك هنالك،
قال وقد أحس بأنه حوصر،
ما كنت أعلم هذه الحقيقة، لقد عرفتها مؤخراً،
سألته بصورة مفاجئة،
هل يعدون العدة لأبادتنا،
قال وهو يرمى ببعض الأشواك على النار وقد أحس بطمأنينة نسبية،
أنا لا افهم في السياسة،شخص أكاديمي، باحث، مثلى مثل الكمبيوتر،صدقيني، أنا لست اكثر من آلة،
قالت وكأنها لم تسمع كلمة مما قال،
إنهم يمتلكون أسلحة فتاكة كتلك التي تخصص فها مستر ومسس جين،أسلحة بإمكانها إبادة الدغل بأكمله فيما بين ثانية إلى عشر دقائق، إنهم يقولون ذلك،
قال مندهشاً،
هل تخصص مستر ومسس جين في الأسلحة،
لقد كانا عالمين في السلاح،
عالمين، من قال ذلك،
لقد استمعت للمحادثة التي جرت بينه وبين الرجال الذين جاءوا بالطائرة، حدثنا عنهم أنا وطفليه كثيراً من قبل ، سوف يأتي إلي هنا أناس لهم بشرتنا يركبون طائرة أو عربة أو على أرجلهم،حيينها، عليكم الهروب والاختباء الفوري بين الأعشاب،إنهم أشرار، قال في بله،
أنا لا أفهم شيئاً، أرجوك أن تشرحي لي ذلك،
قالت وكأنها لم تسمع ما قال، وكأنها في حُلم،
ماذا فعلنا لكي نُقتل،هل لأننا رفضنا الذهاب إلي قرُى الحكومة النموذجية بضواحي مدينة تول،هل لأن لنا دين غير دينهم، هل لأن لنا ربُُ غير ربهم،
قال مندهشاً،
قلت لك أنا لا أفهم في السياسة شيئاً ولكن الشىء المتأكد منه تماماً،أن ربكم هو ربنا ذاته، فالله واحدُ مهما تغير أسمه وتعددت صفاته ودياناته ورسله،
إذا لماذا سيبيدوننا، قال وهو يحاول ان يخرج من حلقة النار،
أقول لك لا أعرف شيئاً في السياسية،
خبريني عن سنيلا،
قالت وهي تقف على رجليها،
لن أقول لك شيئاً،
يكفي ما عرفته عن مستر ومسس جين، هل دراسة جين تدخل ضمن خطة الإبادة،
أنا ذاهبة الآن، هل تحتاج لمزيدٍ من لحم الذئب،
قال وبكل جدية وهو يمسك بيدها الدافئة الخشنة بعض الشيء،
أريدك أنت،
أنا، وماذا تفعل بي،
قال بشجاعة فائقة لا يدري من أين واتته،
أريدك أن تقضى الليلة معي، هنا بالكهف،
قالت وهي تسحب يدها،
هل تخاف من شيء،أترعبك الغاية،
قال وقد أحس بجفاف فمه فجأة،
أريدك لأمر آخر،
قالت ببرودة،
ما هو،
حاول أن يمسك بكفها مرة أخرى إلا أنها تجنبت يده المعروقة : قالت وفي فمها ابتسامة ماكرة
اقنع رأسي أولا،كل شي يبدأ من الرأس،
وخرجت كان يسمع وقع قدميها الحافيتين وهي ترتطم بالأعشاب والحجارة،ثم أخذت تختفي تدريجياً إلي أن تلاشت،احتقر نفسه في صمت،احتقر نفسه، فجأة سمع ضحكة تخرج من عمق الكهف،ضحكة عميقة عريقة،التفت خلفه، لم ير شيئاً،وقبل أن يفيق من دهشته سمع صوت مرطونس يخاطبه،
أنت لا تفهم في النساء، وهذا خيرُُ لك،أنت لا تفهم في الحرب، وهذا خيرُُ لك، أنت تحتاج لامرأة،وهذا خيرُُ لك،
ثم ضحك مرطونس، ثم تلاشت ضحكته، ثم صمت الكهف، النار كانت في حاجة لمزيدٍ من الحطب الجاف،
**
الآن فقط فكر في الهرب، ولا يبدو، هل لأن فلوباندو وصفته بالجُبن، لا يدري، هل لأن الهرب أيضاً يعُتبر شجاعة، لكنه عندما تذكر سنيلا عرف أنه لن يهرب الآن على الأقل إلى أن يقنع سنيلا بالذهاب معه إلى الشرق المتحضر،نعم، كل شئ يبدأ بالرأس، سيقنعها،هنالك يعرف الناس كم هي جميلة ورائعة وكم هي ساحرة، ويعاد لإنسانيتها الاعتبار اللائق، أجمل سيدة شقراء متوحشة في العالم وحيينها ستصبح يا سلطان تيه موضوع حسد جيلك، نعم ستحجبك أمك، ولو، ماذا يقول عنك الصادق الكدراوي،أنت قليل الحيلة أمام النساء،
أنظر بماذا جئت من الدغل ،
ابنة الجن ذاته، حُورية ،
الآن لا يهمه أن يعرف عن صراع القبيلة مع آل جين،ولا يهمه لماذا أراد الجنى العودة إلى مئات السنين ما قبل التاريخ، قروناً إلى الوراء، لا يهمه حلم القبيلة بعصر مشرق متحضر،كما هو خارج الدغل مع شرط واحد : الاحتفاظ بلغتهم وعادتهم دياناتهم وأسمائهم أيضاً،ماذا يفعلون بلغتهم،اسمائهم وعاداتهم، ماذا تفيدهم،
لا يهمه ; هل عاد الأبناء الذين أرسلهم الكواكيرو لنيل المعرفة في الشرق والعالم المتحضر،
بم عادوا،
لَمَ لَمْ يعودوا،
أين هم الآن،
ماذا يفعلون،
ولم يعودوا،
ولأن سلطان تيه ليست له اهتمامات حقيقة بكل ذلك، ما يؤرقه شئ واحد : بعد أن خاصم فلوباندو كيف يستطيع أ يقول لسنيلا : أحبك،
كيف يقول لها : اهربي معي إلى الشرق هنالك لا أحد يقول لك برصا هنالك سينصبونك آلهة جمال متوحشة،سينشرون صورك بالصفحات الأولى في جرائد الصباح، صورتك ستحتل أغلفة المجلات الأكثر مبيعاً،ستتحدثين في الراديو والتلفاز، ستصبحين نجمة سنمائية، سيغنون من أجل عينيك الخضراء تين : أجمل من ذلك كله : سأغيظ بك الصادق الكد أروى
هل سيشاهد العالم كلهُ رقصتك،
لم ينم نوماً مريحاً في تلك الليلة، ولو أنه عندما استيقظ فجأة على نداء مكسيما،
النار، النار يا سُلطان،
النار، النار يا سلطان،
عندها نهض فزعاً،
كانت النار تزحف في لب جوز الهند في بطئ وهدوء،لا أحد بالكهف، هو يعرف أصوات أهل الكهف كلهم ويميزها،قرأ آية الكرسي بصمت،غير مرقد رأسه وبمجرد أن غفا قليلاً حتى سمع صراخ ثلميخا تبعه نباح الكلب،
المجوس، المجوس، المجوس
بلسان ثمليخا تأتأة، الليل هادى كوجه طفل نائم،والقمر قوس ضئيل في نهاية السماء عند الغرب،تمشى قليلاً بين الأعشاب،نظر بعيداً نحو القرية حيث يرقد الناس وينامون نظر في الاتجاه الآخر، كان يعرف أن هنالك يقع وادي الأناناس والكهوف التي رحل إليها آل جين في ايامهم الأخيرة بالدغل، ولقد وعدته فلوباندو في السابق بزيارته، هو الآن خائف من مخافة لا يدرى كنهها لكنه يعرف مكانها،إنه الكهف، كهف الذئب، كهف أهل الكهف، ما معنا صراخهم،
النار،
المجوس،
قرر أن يذهب نحو منازل آل جين، جنوب الوادي لأنه لا يستطيع أن ينام، ولا يستطيع البقاء بالكهف، إنه مسكون، وهذا أمر لا شك فيه، أخذ من حقيبته شمعة وعلبة كبريت، حمل مصباحه اليعمل بالبطاريات الجافة، كانت بطاريات ضعيفة بعض الشيء لكنه سيستخدمها عند الضرورة فقط ولن ينسى أن يحمل فأسه، كلما أحس بمخافة قرأ آية الكرسي أو تبسمل بصوت خفيض،
فالبسملة لا يضير معها شئ،
وقع حذائه الكولمان القوى على الصخر والأعشاب يفزع نُعاس الليلة القمرية، فتهرع الفئران والأرانب مبتعدة أو تهس الثعابين مستطلعة بمد أعناقها تسأل، هل يخاف الثعابين، فهي سامة وقد تؤدى لدغتها إلى الوفاة في الحال، الوادي تحته يمتص الظلمة فيكونها، ضوء القمر يفترس ما تيسر من ظلام، سُلطان يمشى في الطريق الصحيحة نحو الكهف، هنالك طريق قديمة كان يتخذها آل جين، لم تقل له ماذا كانوا يفعلون بالكهف، لربما هي نفسها لا تدري، الطريقة كما هي واضحة بالنهار لم تكن مهجورة فهناك طارق لها دائم : أبناء جين، فلوباندو، الصيادون الذين يعبرون نحو الجزء الجنوبي من وادي الأناناس حين يكثر الخنزير البري،الأصلة والنمر الأزرق،يكثر بها جوز الهند، يستخدمه الدغليون في إشعال النار بعد شرب عصيره المقوي جنسياً الفاتح للشهية،
من مخافة لمخافة،
من،
أم،أم،نن،ل،م،أ،من،
من متاهة لوضوح،
وجد نفسه وسط غابة الموز، العلامة المميزة لسكن آل جين، حين لم يكن بهذا الموقع موز من قبل، لكن آل جين هم الذين نقلوه من وسط الدغل إلى هنا، لكنه لم يدر أن موقع الكهف هُنا، نعم، هو لا يريد أن يدخل الكهف، فالكهف المظلم المهجور مخافات كثيرة، الجن، يسكن البيوت الخالية المهجورة،الحيوانات المفترسة، تتخذ البيوت والكهوف المهجورة مسكنا لها، لأن الصدفة لا تتأتى إلا لمن يبحث عنها،وجد نفسه أمام بناية صغيرة دار حولها في حذر، كان يظن أن آل جين يسكنون في كهف الحجر، لكن هذا المبنى مصنوع من أوراق الموز وبعض الحطب الطويلة القوية وهو يدور،لاحظ أن هنالك مبنى آخر لا يبعد كثيراً عن المبنى الأول، مشى نحوه كان القمر في لحظاته الأخيرة قبل أن يختفي في متاهات الغرب، كان نحيلاً هزيلاً محمراً، وقف ليمتع نفسه بلحظات الأفول الأخيرة للقمر، توصل من قبل إلى حقيقة أن القمر هنا والشمس يأفلان قبل الشمس والقمر هنالك في المدينة بزمن يساوى كثافة الأشجار وطولها بالدغل، بينما هو في مقارنات، سمع صوتاً يقول،
إذاً، أنت تتبعني،
قال فزعاً،
فلو باندو، ماذا تفعلين هنا،
أتريد أن تقول أنك لم تكن تتبعني، أنا أعرف كل شئ، أعرف حقيقة إحساسك بالوحدة، أعرف حقيقة احتياجك لشخص آخر تحادثه، تعال أجلس هنا، قربي , أيضا أحس بالوحدة،
دائماً ما أحضر إلى هنا أزور مستر ومسس جين، إنهما أقرب الناس إلى قلبي وأعرف أنهما حتماً سيعودان،أجلس هنا، قربي هنا،إنه مقعد خشبيّ متين وقديم، ألا تخافين من شئ،
كلا، فأنا محجوبة من الجنون والهوام، تحرسني روح برمجيل فلماذا أخاف،
عندما جلس قربها، أمسكت كفه في كفها الخشنة الدافئة وقالت بصوت رقيق،
هل كنت جاداً في طلبك بان أقضي معك الليلة،
قال بصوت مخنوق،
نعم ،
قالت بصوت حلو به نبرة غربية،
أنا أعرف شغف الغرباء بالنساء،عرفت ذلك مستر جين، كانت زوجته كثيراً ما تمرض، كان يصطحبني في رحلات الصيد بعربته التجرها حمار الوحش، ذات مرة توقف في وسط الدغل حضنني بقوة ثم قبلني ثم قال، كم زوجة لأبيك،
قلت،
امرأتان،
قال،
كم زوجة للكوكيرو،
قلت،
عشرة،
قال،
أريدك زوجة لي،
قلت له،
أهلي لا يقبلون،الكواكيرو لا يقبل أيضاً،
قال ببؤس،
لكنني أريدك،
هي التجربة الأولى لي،مدهشة لذيذة، نفعل في اليوم مراراً، في رحلات الصيد،في غابة الموز، عند البئر، على شاطئ البحيرة في عربة الصيد، كان شرهاً لا اكتفي أبداً، قال سلطان سائلاً في دهشة،
ولكن ل،
قالت مقاطعة،
لا تسال عن شئ، لا تسأل،
لقد عاش الجينس هنا العشرين عاماً، كانوا سُعداء بالرغم من العداء المعلن من قبل القرية كلها تجاههم، لقد منعوا الماء، فحفروا بئراً تخصهم ، تقع على بعد ربع ميل من هنا، جنوباً، لقد كانا في وجهة نظر القرية : رسل تخلف،
كان الجينس يلبسون جلود الغزلان والقرود، بعد أن تخلوا عن ملابسهم للقرويين، استيقظت القرية ذات صباح على نداء جين،
أعطني جلداً أو حربة أو تميمة،
أعطني قربة ماء وخذ ما شئت من أشيائنا،
كان القرويون لا يعرفون أسماء للممتلكات مستر ومسس جين،لكنهم لا يترددون ثانية واحدة في أن يتخلوا مما يمتلكون من جلود ،عاج،أقنعة في صالح أن يمتلكوا شيئاً صغيراً له بريقاً أو له ألوان زاهية خلابة أو شكله غير معتاد، لا فرق بين قلم جاف بار كر ،خلاط فاكهة، لا فرق،
خُذْ ما شئت،
ضع مكانه ما شئت،
أما أنا ما زلت احتفظ بطقم من الصيني ،ملاعق فاخرة من النيكل، أردية الجينز،ثم استيقظت القرية ذات صباح آخر، لتشاهد مستر ومسس جين وهما لا يلبسان شيئاً، كما ولدتهم أمهاتهم
أو كأنهما هبطا من السماء للتو،
يا خالق الدغل،
هذا فأل سوء،
برصُ عراه،
كانوا يطعمون الثمار وجذور الأشجار يأكلون اللحمة نيئة، يشربون دم الحيوانات،يرضعون الماعز البري، يلعبون مع القرود، لا يتحدثون إلا أقدم لغات الدغل الأوسط : لغة بلاوم المهجورة التي لا يفهمها سوى كبار السن من الدغليين أما طفلاهما : بانا رودنا وسنيلا،لا يعرفان شيئاً من الإنجليزية، لا حرفاً واحداً ، فقط بلاوم شيشمباس،
حدث ذات مرة أن طُلب من مستر جين أن يفتح بسنتا،هي مدرسة صغيرة لتعليم الأطفال ما يفيدهم في المستقبل من المعارف مثل قراءة وكتابة لغة اللالا وبعضاً من التخاطب بالبونا وهي اللغة الإنجليزية، لكن مستر جين أخذ يدرسهم فائدة عودة الإنسان للحياة البدائية البسيطة،
امشوا عراة،
كلوا ما يصادفكم من طعام،
أشربوا رحيق الأزهار،
ناموا أينما هاجمكم النعاس،
مالكم واللغة والكلام الطائرات والموت ومالكم والكارثة،
المدينة : جثة الحضارة،
كان الأطفال مشغولون بالذباب الدقيق الأسود الملتصق بين فخزيه يمتص العرق ، مشغولون بضحك مكتوم وهمسات تلعق علي آلته شديدة البياض المحاطة بالشعر الأشقر: المدهشة،
ذات يوم اندس الكواكيرو خلف سياج البنستا، سمع جين يقول للأطفال اتركوا أسركم اهربوا
عيشوا هنالك بعيدا في الدغل مع القرود والأطيار الجميلة حيث عسل النحل والكراواوا الأناناس،
هل تجلبون الحطب لأمهاتكم،
هل تجبلون الماء من الآبار البعيدة،
هل تحفرون الأرض الصلبة لاستخراج جير الزينة،
هل تسرحون بالخنازير المستأنسة،
هل، لا تنامون إلا بعد أن تجلبوا الخمر لآبائكم من النخيل،
هل يرسلكم الكواكيرو بعيداً لتلقى العلم بعيداً،
لماذا لا تنطلقوا أحراراً كالغزلان كالنمور كالأطيار لا مسئوليات،
لا شقاء، لا جير لا عذاب، لماذا،
هنا صاح الكواكيرو هاتفاً،
أيها الأبرص العريان،أنت عدو الدغل الأول،عدو المستقبل،لولا أنك تتحدث بلغة جدنا برمبجيل وأصبح دمك حراماً علينا، لقتلناك،
سُلطان تيهَ يسمع الحكاوي، لكنها تدور في تجويف أذنه وتخرج، فليذهب جين لي الجحيم، لأنه الآن يريد شيئاً واحداً هو،
فلوباندو،
لكنك وقبل أن تغرب الشمس كنت تريد : سنيلا، الآن لا أريد سنيلا،أريدك أنت: فوباندو،
لأنني معك الآن، أليس كذلك،أناناسة في اليدْ، خير من وادي من الأناناس يحرسه جاموس،
أعرف أنك لا ترغب امرأة بعينها، أن سنيلا، جيمبا، تدروت، فكاو، لا يهم، لا يهم تريد امرأة ليس أكثر، لكنك فوق ذلك تفضل سنيلا، تلك البرصاء، وأنا أقدر مشاعرك، لكن الآن ليست لدىَّ أية رغبة،لكنى أعدك بشيء، أن أسهل لك الطريق إلى سنيلا،
كيف،
أنك تحتاج لمعرفة مفتاح شخصيتها،
ماذا يفيدني مفتاح شخصيتها،
لأنك لا تستطيع أن تصل لسيدة دون أن تعرف مفتاح شخصيتها،
قال شفي استفزاز،
لديك رغبة عارمة للحكى، وتحبين أن تحكى لي عن تاريخ الدغل وجين،أنا لا أرغب في ذلك، أنا أؤمن بالطريق المباشر،أريد سنيلا، ماذا ستقدمين لي، بغير حكايات،
قالت ضاحكة،
أنا دائماً أجد من أحكي له، لشجرة جاكرندا، لسيالة، فيكس، لكهف فارغ، لموزات، آل جين،الخ،وكل ما أحكي له يستمع،
قال، حاول أن يكون ذكياً،
متى وكيف ولدت سنيلا،اذاً أعطنى المفاتيح،
قالت بصوت عالٍ فجر الظلام حولها أُلفة،
هذا ما يميز الإنسان عن المكان والأشجار،
الإنسان بإمكانه أن يسال، أما الأشجار والأماكن ليس بإمكانها غير السمع في صمت أيضاً،
قالت تحملق بعيداً في الظلام متجاهلة كفه التي وضعها على فخذها الكبير العاري محاولاً استمالتها متغمساً شخصية الصادق الكد راوي الذي يؤمن بنظرية:
مع المرأة أعمل ثم فكر وفقاً لردود أفعالها،
لأن المرأة وعاء مغلق لا تفتحه الكلمات،
لا تقل للمرأة أحبك،
لكنك إذا عمدت على تقبيلها،
فهي تفهم،
حَمَّل كفه كل ارث الصادق الكدرواى، تجربته مع النساء،شيطنته اليومية، كانت فلوباندو تحاول ألا تهتم وهي تحكى له بجدية عن ميلاد سنيلا، كلما أحس بدفء جسدها انتهرته جملتها، كل شئ يبدأ بالرأس،
أقنعني أولاً،
كانت مسس جين شديدة الهزال في شحوب دائم، نتيجة لإصابتها بمرض ما إصابتها في مجال العمل، لا تتحمل أية مشقة أو تعكر جو، خاصة الدخان، ما كان جين يرغب أن تغامر وتحبل وتتعرض لمشاق الإنجاب، لكن مسس جين هي التصر على أن تلد أطفالاً، كانت تؤكد على مقدرتها على إنجاب خمسين طفلا أصحاء وبإمكانها إرضاعهم جميعاً كنت لا أشك في إمكانية أن تنجب أطفالاً، لكن أن تُرضع ولو طفلاً واحداً : هذا ما لا أصدقه ولا يصدقه أحدُُ رأى صدرها، ثدياها ليسا سوى نقطتين محمرتين على قفصها الصدري،لا شئ آخر لذا كنت أضحك من أعماق قلبي كلما سمعت أنها : سترضع خمسين طفلا، في الأيام التي سبقت الحمل كانت مسس جين تأكل بنهم طعام الكراواو وهو مفيد لنمو الجسد بسرعة، وعادة ما تطعم به الصبيات المقبلات على الزواج، لأن تحضيره يحتاج لجهد شاق، استأجر جين رجلين من محاربي القبيلة لكى يجلبونه من الغابة هو عبارة عن عصارة تصنعها حشرة صغيرة يسمونها الكراواو،تشبه الديدان لكنها من الشراسة حيث لا تترك غذاء يرقاتها للأغراب إلا بعد معركة حامية قد تؤدى بحياتها وانزال خسائر بالعدو جسيمة،لأن قرصتها تؤلم كلدغه العقرب، فعلاً ازداد حجم مسس جين بصورة ملحوظة إلى أن بلغت حَدَّا بدأت بعده في الاستعداد الفعلي للحبل، لقد حدثتك فيما مضى بأنهما كانا منفصلين عن بعضهما في الفراش، أما في هذه المرحلة، فقد أخذ صراخها في الليل يمنعني النوم، كانت تصيح بشكل متواصل قبل، أثناء وبعد الممارسة الجنسية، لم أعرف السر وراء ذلك أبداً، بالتأكيد الأمر لم يكن متعلقاً بفحولة مستر جين، فلقد كنت أتحمله دون أن تصدر منى ولو آهٍ واهنةٍ،ليس لأن ذلك عيباً لا، لكن لا أظن أن الأمر يتطلب ذلك، بعد ثلاثة أشهر من الضجيج الليلي حبلت مسس جين، كان هذا حدثا غير كل شئ في حياتنا، كل شئ، تصدرتْ مسس جين جدول اهتماماتنا بل أكثر من ذلك،أصبحنا : أنا ومستر جين خادمين وفيين لماريانا، في الصباح الباكر وقبل الشروق بقليل تنخفض درجة الحرارة بصورة مرعبة في المنطقة فنخرج على العربة التي يجرها حمار الوحش،عربة الجنة، كما يسميها مستر جين، دائماً يقول، ليست في الجنة قطارات، طائرات،أو مواصلات الجنة حُمر الوحش تأخذنا عربة الجنة إلى بُحيرة الماء غير العذب حيث نغطس في الماء إلى أن تشرق الشمس، يدفأ الدغل ، تصبح ماريانا شفي حاجة لحمام شمسي، هذا لا يتأتى إلا عند المرتفع حيث الكهف الذي تسكنه، السماء هنالك قريبة المكان ليس ببعيد عن البُحيرة، أنت تعرف بحيرة الماء غير العذب، حيث وجدك المحاربون تصور الفضاء عدة مرات أو تتجسس،
هل عدنا لمسألة التجسس مرة أخرى،
قالت ضاحكة،
تتجسس على سنيلا وهي ترقص،
قرصها على فخذها الكبير وهو يحاول أن يضحك بانفعال مصطنع، قالت وفي فمها ابتسامة لم يرها،
قصَّر يدك،
ثم أضافت بدون انفعال،
إن سنيلا هي أكثر فتاة تجيد الرقص في الدغل كله وفي تاريخ قبائل لالا وفترا وشارى لم ترقص مثلها إلا إجيلا وقد مضت عشرات السنون منذ أن توفيت إجيلا لكن إلى اليوم هي حَية باقية في الناس، يسمون بناتهم باسمها ولو أن سنيلا برصا، لنالت مكانة سامية بين قبائل الدغل مثل إجيلا ولتزوجها أشجع الشجعان،
قال وهو يتحسس فأسه برجله،
أنتِ دائماً ما تقولين مالا أود سماعه أو لا يهمني أنا بالذات، لكن لا بأس قولي لي، متى وُلدت سنيلا،
تأريخا ولدت سنيلا في العام الذي أرسل فيه الكواكيرو ثمانية من أبناء القبيلة دفعة واحدة إلى دولة أندلا المجاورة لدراسة الزراعة و احتفلت القبيلة به أسبوعا كاملاً، في اليوم الأول من الاحتفال، ولدت سنيلا أشعل سُلطان تيه دون تفكير مسبق عود ثقاب، ولأن، القمر غاب قبل نصف الساعة تقريباً، فإن الظلام كان دامساً، أضاءت الشعلة المكان بصورة فجائية مدهشة
قالت فلوباندو،
أتمتلك كثيراً من الكبريت، هل تستطيع أن تعطيني عوداً أو عودين، إنها نادرة هنا،لأننا نشتريها من المدن الشرقية أو الدول المجاورة،
سأعطيك علبة كبريت كاملة، أيسعدك ذلك،
قالت مبتسمة بينما تنطفئ الشعلة تدريجياً،
يسعدني جداً،
قال في احتيال مدعياً المسكنة،
وما هو الشيء الذي يسعدني أنا،
أنت لا تُفكر إلا في نفسك فقط،
قال بدون مبالاة،
وفيك أنت أيضاً،
قالت بسرعة،
وماذا عن سنيلا،
قال وهو يضع علبة الكبريت في يدها،
وفي سنيلا أيضاً،
فانفجرت فلوباندو بالضحك، بأعلى صوتها وتبعها هو بقهقهات صاخبة وكأنهما زوج من قرود العوا كانت وحده السكون تتفتت تحت طرقات صوتيهما، لم يسكتا إلا عندما سمعا وبصورة واضحة وجلية نباح السمع
إنه كلب السمع،
إنه كذلك،
وماذا نفعل،
لديك فأس،
أنت تعرفين أن الفأس لا تفيد شيئاً فكلاب السمع تمشى في جماعات وتهاجم في جماعات،
إذا الجري،
إنها تشم الرائحة،
أجرى عكس الهواء،
لكن الصوت يأتي من نفس الاتجاه الذي يأتي منه الهواء،
قالت ساخرة،
إذا لا نفعل شيئاً، لأنها مسالمة وكل ما تفعله ستمزقنا إرباً إرباً ثم تأكلنا،
أنت تظنين أنني رجل جبان،
على الأقل رجل خاف من أن يأكله كلب السمع،
كان صوت الكلاب يبدو مرعباً وهو يقترب قليلا،قليلاً، قالت،
دعنى أحكى لك كيف كان مستر جنين يواجه الحيوانات المفترسة،
صرخ مقاطعاً،
أرجوك، أنها تقترب، أنها تصيح من كل الجهات،يبدو أنها عدة قطعان من الكلاب،
قالت ببرودة،
أصعد على هذا الكوخ،
وماذا عنك أنت،
أنا سأتحدث معها قليلاً،
سأقنعها ألا تأكلنى،فكل شئ يبدأ بالرأس،
قال بغضب وهو يتشعبط على سياج البامبو والموز صاعداً إلى أعلى،واقعاً عدة مرات على الأرض على أثر انكسار بامبو قديم أو عود أكلته الأرضة،
أنت شيطان غزر،
سأنتقم منك،أيتها المتخلفة الجاهلة، لولا أنني أرى مستقبلي العلمي أمامي لما صعدت،
دعك من الفصاحة، إنها تقترب،
في قفزة واحدة كان في قمة الكوخ،يجلس في صمت،عواء الكلاب يحتل الظلام تماماً من كل جهات الدنيا،
قالت وهي تحاول أن تراه،
هل تعلم أن كلب السمع بإمكانه تسلق هذا الكوخ أسرع منك بمائة مرة،
ثم انفجرت بالضحك بأعلى ما يتيسر من صوت فاختلطت قهقهتها بعواء كلاب السمع المتوحشة، بنداء البوم وطيور الليل الأخرى، مما عمق من رعب سلطان تيه الذي تخيل إليه أنه في كابوس لئيم،في حلم غامض لا فكاك منه،أخذ يردد أسماء أهل الكهف في سره عندما سمع فلو باندو ترطن،ثم رأى أشباح المحاربين تنسل من بين أشجار الموز من جهات الدنيا كلها وبعد أن تجمع كل المحاربين،رطنوا قليلاً، قالت فلو بانو لسلطان تيه،
أنزل يا سلطان،
ليأخذك المحاربون إلى كهفك،أنا سأبقى هنا قليلاً،أنهم يبحثون عنك لأنه عندما جاءك لمحارب بالعشاء ولم يجدك،ظنك هربت، أذهب معهم الآن، لأنك لا تستطيع أن تعود وحدك،قد تأكلك كلاب السمع، هل تخاف كلاب السمع،
وانفجرت ضاحكة مرة أخرى،
قال لها وهو يقفز من أعلى الكوخ على شجرة موز عملاقة وقد أحس بأنه انخدع،
سأقتلك، أيتها القردة الداعرة،


الرجل لا يغضب لكنه يتعلم

لا تعرف لغة النساء،
لا تعرف كيف تخاطبهن،
والوصول إلى جسد المرأة لا يتم إلا بالخطاب : لا خطاب لك،
هكذا همس ثلميخا في أذنه بينما كان هو يتكئ على الجدار،جدار الكهف، يحس أن بثلميخا ملامح سقراط، هو لم ير سقراط، لا نحتاً لا رسماً،يحس أن بثلميخا فلسفة سقراط، لم يقرأ سقراط،،
عظني يا ثلميخا،
أنا لست بواعظٍ، أنا رجل هرب بدينهِ،
علمني دينك ثمليخا،
أنا لست معلماً،
إذا قل لي، ما هي لغة النساء،
إنها كلفة الطير،
ما هي لغة الطير،
أسال الطير،
غضب سُلطان تيه، قال،
أنت دائما تهرب، من السؤال كما هربت من قبل من الحاكم الروماني، لم لا تتعلم المواجهة، إلى متى ستظل هارباً،
إلى أن يصبح الواقع كما نشاء،
أن الواقع يمضي إلى الأمام : أنت بهروبك تقف في مكانك كالذي يجري في دائرة، فما الذي يستحق الهروب،
ديني،
الدين،
نعم،
يا أخي ثمليخا، الدين كالفاكهة، كالتفاح إذا أخفيته أغلقت عليه فسد، وتعفن أنه يريد الهواء يحتاج إلى الآخرين،
قال ثمليخا مثأثئ،
من أين جئت لتتفه هروبنا،
من أين جئتم أنتم لتقلقوا وحدتي،
أنت الذي جئت إلينا،
في هذه اللحظة دخل محارب دون سابق إنذار وهو يحمل وعاء جهة الأناناس وشواء الذئب، كانت رائحة المشروب قوية ومنعشة، لونه الأناناس رغوته البيضاء الكثيفة شئ شهي، شرب جرعتين كبيرتين، انصرف المحارب، قال لثمليخا،
أنت كذاب،
لكنه لم يسمع رداً،
تحدث كثيراً، لكنه لم يسمع رداً،
هكذا، قال لنفسه، يأتون كما شاءوا ويمضون،
شرب مزيداً من جعة الأناناس، خرج، سمع نباح كلبٍ يأتي من داخل الكهف لكنة لم يكترث كثيرا لذلك، أنا لست في حاجة في هذا الصباح لفلوباندو ولا سنيلا، يحتاج لمن يرتب فوضى حياته يعيد جدولة أحزانه، يريد أمه،نعم، أمه فقط،كان يحس بفراغ أمه فيه كبيراً وشاسعاً، رطباً كجو الدغل محشوراً ممطراً لكنه هلامي أيضا،
فوضى، فوضى،فوضى، فوضى
كيف انزلق في هوة الفوضى، هل النساء هن اللائى زحلقنه في جوفها،أي نساء،أهو الذي خطى نحو بئر لا غرار لها،أي بئر،
فوضى، فوضى، فوضى، فوضى، أيُ فوضى،،
كان دائماً ما يأخذ معه فأسه كسلاح ضد المخافات المتوقعة ولو أن فلوباندو أخبرته أن هذا الجزء من الدغل هو أقرب إلى غابة عادية منها إلى دغل،لاحظ بنفسه ذلك، الأماكن المحيطة بالقرية هي أماكن مفتوحة تعرضت للتعرية والقطع بواسطة شركة الأخشاب الوطنية التي كان لها نشاط ملحوظا في هذا المكان خلال سنين كثيرة مضت، وأيضاً تقول له فوباندو،
المحاربون دائماً حولك، في مكان ما، فلا تخاف شيئاً،
ولو أنه اعتبر أن ذلك ضرب من التهديد،أنها تريد أن تقول لي،
إياك إياك أن تهرب،
**
ماذا يفيدك الذهاب إلى أكواخ آل جين،ماذا يفيدك البقاء هنا أو التجول في الغابة،ماذا يفيدك الذهاب إلى الُبحيرة،
كل شيء مثل كل شئ، الضجر والوحدة يشبهان الضجر والوحدة،
لكن من الأحسن أن يشغل نفسه بشيء، ليكن مستر ومسس جين،فليبحث في حياتهما، لعله يعرف كيف يعيش ليأكل ما تبقى من لحم ذئب لا يكمل أبدا وكأنه ينبت كالأشجار في هذه الأرض الخصبة، هل ظن يوماً في لاوعيه أن امرأة ستذهب عنه الضجر، أما الآن فلن ينسى كيف سخرت منه وضحكت عليه فلوباندو، بل وأضحكت عليه المحاربين المتخلفين الجهلاء، صدق من قال من يهن يسهل الهوان عليه، ولابد أنه عاش تجربة مشابهة لما يعيشه هو الآن، في مثل المكان المتوحش الدغل البائس يُرمى شخص بلغ من العلم ما بلغ طالب دكتوراه، ذو تخصص نادر في علم الحياة البرية ينتظره مستقبل مشرق بين حجرات الجامعات ومنتديات التعليم والمعرفة، أتسخر منك دَغْليَّة، دَغْليَّة ثقيلة الدم باردة كخرتيت، جاهلة حقيرة، ليس إلا لأنك جبان بعض الشيء،بك قلهَ لا تذكر من الحرص،هل تعرض نفسك، رخيصة، للتهلكة، كيف لك أن، أن بإمكان المحاربين النُباح مثل كلاب الِسمعْ،
مَاَ أدراك ومَنْ أدراك يا سلطان تيه،الآن سيستغنى عنها كأنثى ولن يرغب فيها ولن،
فلتسقط أردافها الجميلة،
وتذبل عيناها، المتوحشتين،

رأسه مزحومة بالفراغ وهو يمشى على العشب والصخر، يدوس على الجعارين بحذائه القوى الضخم، متوكئاً على فأسه مستمداً بعض الشجاعة منها، تتصارع الكلمات والأفكار في فراغات رأسه تعمق الهوة : يحب سنيلا،
سيخطف سنيلا للشرق،
لا يحب سنيلا،
لا يخطف سنيلا للشرق،
سُيصُالح فلوباندو من أجل أن تحكى له، لن يصالح فلوباندو لأنها جعلت منه أضحوكة،لأنها أهانته، لكنة هو منْ في حاجة إليها، إذا خاصمها يكون قد عاقب نفسه بنفسه، وأن صالحها فيصبح كالفأر الذي أكل ذيله،ليس إلا،اقتحم غابة الموز الصغيرة، هربت قرود العوا صغيرة الحجم وهي تصرخ، سوف لا يهتم بها، كما في المرة السابقة وجد نفسه وجهاً لوجه وكوخ الموز والبامبو الكوخ الآن أصغر مما هو علية ليلة الأمس يبدو ضخماً في الظلام،دار حوله، يستكشف المخافات، دخلة في حذر وهو يقرأ تعويذة تفيد أيضا في طرد أرواح الجن والموتى التي تسكن المنازل المهجورة، كانت الشمس تضيئه بصورة جيدة عبر النوافذ المشرعة و فراغات السقف، ربما صنعتها القردة نتيجة لتسلقها الدائم للكوخ،،بالأمس ساهم هو أيضا في خلق بعض الثقوب، الكوخ فارغ تماماً، يبدو أنه استخدم كمخزن للحطب الجاف في مواسم هطول الأمطار ذلك لوجود بعض قشور الأشجار : متناثرة علي أرضية الكوخ، تفوح من الكوخ رائحة عطنة كرائحة الفاكهة الفاسدة، أرض الكوخ رطبة بعض الشيء ولاشيء يثير شهية الاستطلاع،المبني الآخر مشيد أسفله من الحجر والطين الأحمر،أما أعلاه فمن العشب وأوراق الموز، تغطية بشكل كامل نبتة متسلقة كبيرة ذات أوراق شديدة الخضرة، لها أزهار حمراء صغيرة كأزاهر الأفوربيا الشوكية، حين توقف عند الباب بدأ له جلياً إن المبني لا يتكون من غرفة واحدة لكن من حجرتين : الأولى متسعة تضيئها الشمس عبر نافذتين كبيرتين لا قفل لهما في فراغها الكبير : مقعدان مستطيلان مصنوعان من الخشب البامبو، ربما كانا يستخدمان كمراقد، هما كما هو واضح مثبتان علي الأرض أو بالأحرى، مبنيان بنياناً، في وسط فضاء الحجرة منضدة مستطيلة، مبنية من البامبو، حولها أربعة كراسي، يوجد أيضا باب مغلق مصنوع من البامبو مغزول بجلد قوى سميك،حاول فتح الباب، لكنه فشل أن يجعله يهتز ولو اهتزازة خفيفة مما جعله يظن أن هذا الباب، باب وهمي وأنه جزء من الحائط لكنه كان موقنا أن هنالك حجرة أخرى تبدأ من هذا المكان وهي ربما ، أ كبر من التي هو بها الآن، خرج دار حول المبنى ولاحظ أنه ليس للحجرة الأخرى نوافذ ، بابها هو ذات الباب الوهمى الذي يصعب فتحه عرف بينه وبين نفسه أن بالحجرة سرُ ما، في الغالب تحتوى على ممتلكات آل جين من الجلود ، أدوات الحرب التقليدية ، ربما أن عربتهم الخشبية ولو أن خياله حَدَّث عن :
مذكرات خاصة تحكي عن رحلة آل جين حفظت ليجدها أحفادهم في المستقبل، لماذا لم يكن الجين في خلوتهم هذه قد وضعوا أفكارا متقدمة عن سلاح لا يعرفه العالم بعد، أليس هما عالمين في السلاح،
لماذا لا يكون قد وصلا لاختراع بإمكانه أبطال مفعول الأسلحة النووية أو آثارها، لكن فجأة خطرت له فكرة غريبة بائسة : لماذا لم يكن الجين سوى نفر من الجن، عاش هنا ثم عاد إلى حيث أتى،
هذه فكرة ساذجة لا يحق لطالب الدكتوراه أن يفكر هكذا، إنها تناسب فلو باندو أو الكواكيرو
أ لا يخاف هو من الجن،
أ لا يوجد الجن بالعالم،
أ يكفر بالجن،
كانت البئر تقع جنوب المبنى،تحيطها أعشاب صغيرة لكنها بارزة بوضوح ، يمكن رؤيتها على بعد أكثر من عشرة أمتار، مغطاة بلوح من الخشب الصلب الثقيل، يمكن فتحها بسهولة فقط لو دفع الكتلة الثقيلة من إحدى نهايتيها نحو أية اتجاه، لأنها مثقوبة من الوسط مثبتة بوتد أصم ضخم، لكنه لم يفعل،بل حمل خطاه راجعاً إلي كهفه عبر غابة الموز الصغيرة وشجيرات القشدة، فبالسماء سحيبات، خاف أن تمطر حالاً،علمته التجربة ألا يدع المطر يفاجأه خارج كهفه أبدا، أخذ يسرع الخطى نحو الكهف،عند الكهف كانت مفاجأة تنتظره فلوباندو، معها سنيلا، تجلسان تحت شجرة الجوغان العملاقة قرب الكهف إنها مفاجأة، مفاجأة خبيثة،إنها مؤامرة،هكذا حَدث نفسه : العدو هو العدو يا سلطان تيه، ولو قبلك على خدك، لذا بادر فلو باندو قائلاً بحدة،
أية مؤامرة أخرى خبيثة في رأسك بعد فعلة الأمس،
قالت مبتسمة في برود،
الرجل لا يغضب، إنه يتعلم من الأحداث،
قالت بنفاذ صبر،
إذا ما هو درس اليوم،
قالت وفي فمها ذات الابتسامة الذكية الباردة،
ليس هناك دروس ولا مؤامرات كما تظن، لكنى أريد فقط مساعدتك،
ثم فجأة ودون أن تترك له فرصة للتفكير أضافت،
أنت لم تقل لسنيلا كوا سيس أى، السلام عليكم أنها تنتظر منك ذلك،
لا يعرف هل يصدق فلوباندو، هل يكذبها، إنه على كل حال لن يخسر شيئاً أكثر مما خسر، فليكن معنى كواسيس أغربي عن وجهي، فليكن معناها : وجهك قبيح، فليكن معناها : أني أكرهك،
كواسيس سنيلا،
ردت وعيناها الخضراوان تشعان بهجة،
كواسيس، كووا تدو ساسيس ثم أضافت بصوت خفيف،
إماما هما جرى جرى أرو لو كلوا، فلوباندو،
قالت فلو باندو مترجمة،
فلو باندو أخبرتني بكل شئ،
قال مندهشاً بحذر،
ما هو كل شئ هذا،
قالت فلوباندو في هدوء ووضوح،
أنت تريد فلوباندو لتنام معك،
قال في انفعال،
أنا، هل قلت ذلك،
قالت فلو باندو في برود،
إذا أنت لا تريد ذلك،
صَمَتَ،
في الحق كانت قد أذهلته صراحة فلوباندو وتحدثها بالطريقة الواضحة المكشوفة وخلطها التام ما بين الحب وممارسة الفعل الجسدي ، أنه يحب فلوباندو وهو موقن بصدق هذه العاطفة فيه وأصالته، ببساطة يمكنه أن يوصف علاقته مع فلوباندو بلغة : أريدك أن تقضي معي الليلة،
أما مع سنيلا فكالآتى : أريدك أن تبقى معي العمر كله، وإذا كان الحب يحتاج لمبرر، فلديه ما يبرر ذلك، إذا لم يكن يحتاج إلى تبرير : فإنه يحبها ،هذا يكفي، لكن المشكلة مشكلة لغة، لغة فحسب،
هي الآن لا ترفض ذلك، ليس لديها ما يمنع إذا كنت تريدها الآن، فهي تبلغ من العمر ثمانية عشر خريفاً، لم تصبح حتى الآن امرأة إنها عذراء،
وأنا أيضاً أعذر،
النساء عند الصادق الكدراوي اثنتان،
نساء : عذر وات،
نساء : ذقن طعم الحياة،
قال بصوت مبحوح
لدىَّ بالداخل بعض مشروب الدنبا دعينا نتناوله سوياً، ليس لدىَّ ما أقدمه لكم غير لحم الذئب وأنتم لا تأكلونه، أنني فقير جدا في بلادكم هذه، فقير،
دخل الكهف، كان الارتباك واضحا على أوجه أهل الكهف كانوا يجلسون في حلقة، الكلب يرقد قرب فليستطيونس، بدخوله حملق الجميع في وجهه، في وقت واحد، وقف مرطونس أخذ يتلو وصايا موسى العشر من التوراة،
لا تعبد غيري،
لا تتخذ صنماً معبوداً لك،
احترم والديك،
لا تقتل،
لا تزن، لا تزن، لا تزن، لا تزن
لا،لا،لا،لا،لا،
وضج الكهف بالهتاف،
لا،لا،لا،لا،لا،
لاتزن،
احتموا،احتموا،
في المسجد الصغير آذى ينتمي إليه والده شيخ شاب ذو أدبٍ جمٍ، هادى، كثير الصلاة فقط يعاب عليه أنه مهووس بعذابات يوم القيامة، ليس خائفاً لكنه مرعوب، يحفظ كتاب،غرة العيون وفرحة القلب المحزون، كل كلمة يتفوه بها الشاب الشيخ كلما صحبه والده إلى الجامع حدثه ذات مرة عن عذاب الزاني يوم القيامة،
قد أراني الله إليه في المنام، كان رجلا له وجه مصفر كالنحاس يقف عارياً على صفيح ملتهب حافياً، يُسمع لشواء قدميه شطيط، كان يصرخ صراخاً حاداً طالباً الرحمة، فيؤتى إليه بفرج امرأة من الجمر ويُقال له،افعل كما كنت تفعل بالدنيا،
قالت له فلوباندو عندما لأحقته في الداخل لأنه تأخر بعض لشيء،
لماذا تتحدث وحدك،
إنهم أهل الكهف،
من هم أهل الكهف ،
قال وقد أحس بحرج موقفه،
إنهم لا أحد،،نني دائما ما أتحدث إلي نفسي،
هذه هي الد نبا، أنها شراب منعش،
هل تشربينه كثيرا،
أنا افضل دائما اليازو،
هل هنالك أفضل من الد نبا،
نعم اليازو، يصنع من الكراواو، لكنة مكلف جدا لأن جلب الكراواو عملية مجهدة،
خرجا،
سنيلا جلست علي الأرض في يديها بعض خصلات من شعرها الذهبي تحاول أن تحررها من بعض العوالق،شربوا جعة الاناناس، الد نبا، ذات الزبد الجميل،المنعشة،كانت سنيلا جميلة ولو أنها تبدو متوحشة بعض الشي، لربما يوحي بذلك شعرها الغزير الغير منظم، تعلق به بعض أوراق الشجر والأغبرة، يديها ذات الأظافر الطويلة مع خشونة طفيفة علي الكفين والقدمين : تعطي لوحة لإنسان غابوي مستأنس، وفوق ذلك كله : كانت جميلة جمال مفرط تؤكده العينان المتسعتان الخضراوان كأنهما حقلين من الليمون، هذا ما يؤكده الفم الكرز، يؤكده الجسد،الرقصة،صوتها ذو النبرة العميقة : يؤكد ذلك عنقها المنتصب كساق اللوسيانا ناعما مستديرا وشامخاً، هي فتاة جميلة، والغريب أنها أقرب إلى طبيعة الدغل من فلوباندو، لأنها إذا انتصبت قرب ساق حبحب ذات الساق الأبيض عليها بعض النباتات المتسلقة، فليس بإمكان المحارب القوى الملاحظة الذي يمشى بقربها : أن ينتبه لوجودها،
قالت فلوباندو مؤكدة على دورها الإيجابي في الجمع بين العذراوين، أنتما الآن ليس في حاجة إلىّ ،المطر سينزل بعد قليل، يمكنكما التفاهم، ولو بالإشارة، أنا ذاهبة، إلى اللقاء عند المساء،لا تخش شيئاً، فلا أحد يعترض، الجميع يباركون ذلك،مما سنيلا،
مما فلوباندو،
كان سلطان تيه مندهشاً لغرابة الأحداث حوله،
أما سنيلا، عيناها تشعان خضرة وانتظاراً، كانتا غابتين من الأناناس، إذا دقق الملاحظة بعض الشيء سيكتشف أن سنيلا كانت : خجلانة،
النار بالداخل دائمة الاشتعال، للنار ثلاثة فوائد،
تجفيف الرطوبة العالية،
الضوء والدف،
النار حرب المخافات كلها،
سنيلا تلبس رحطاً يتدلى من خصرها إلى ما فوق الركبة بقليل،مصنوع من قصب ناعم ينمو بالأودية يسميه السكان البا بيت يتميز بتشكيلة ألوانه الزاهية بدرجاتها، أما صدرها فكالعادة : عارياً،
تتناثر عليه خصلات من شهرها همجيات، تظهر من بينها التميمة الكبيرة مدلاة من عنقها إلى ما بين نهديها،الذين حيث اكتشف سُلطان تيه للتو،
نقطة ارتكاز جسدها،
وتكتشف سنيلا أن هذا اليوم هو نقطة ارتكاز، حياتها،
لا يدرى من أين يبدأ، كيف يبدأ، ولا مجال إلا لقانون الصادق الكدر واى : العمل المباشر،
لقد تجاوز مرحلة: كل شئ يبدأ من الرأس، إذا طالما الجسد هو نشيد إنشاد الروح، وأن النهد، كما اكتشف هو، نقطة ارتكاز الجسد، إذا لماذا لا يبدأ من هنالك،
في الحق عندما تضخم عنده وجع الشبق، خمل العقل،
حيثما وكيفما بدأت : أنت الواصل،
كلها لك، عقلاً جسداً، فيما التفكير يا سلطان تيه : إنها سنيلا حلمك ووهمك الرقصة الغابة أجمل متوحشة في العالم،
لا يدري لماذا دخل الكهف، لكن سنيلا كانت تعرف لماذا مشت خلفه، تعرف لماذا عندما شارفت فراش ورق الموز بيدها اليسرى انتزعت قصبة بامبو صغيرة ناعمة لتحرر رحط البا بيت وفي ثوان تقف عارية ساحرة،
كجنة : وساخنة،
على دفء النار ، خيوط دخانها الفترة التفت إليها، عانقها فجأة، سمع صوتاً، في الحق عرف إنه فليسطيونس،
قبلها،
لتصبح أبا لنبي ينقذ بنى إسرائيل من،
قبلها،
اصبح أباً لنبي،
قبلها،
وهو يحاول أن يقبلها، سمع ثأثأة ثمليخا،
لا تزن، لا تزن،
سمع شيخ جامع والدة، الشيخ الشاب،
افعل كما كنت تفعل في الدنيا،
كان يستمع إلى كل ذلك وكأنه آت من عمق سحيق لبئر مظلمة في نفسه، بئر مسكونة بالجن والغيلان، بئر : سوداء،
قبلها،
ضاجعها،
لقد زوجتك نفسها ألا ترغب،أن تصبح،
أباً،
أباً لمن ينقذ بنى إسرائيل،
عندما هتف الكهف كله،
النار، النار، لا تزن، قبلها،بنى، النار، افعل، لا، قب … ضا،
اختلطت الأصوات والانفعالات في صدر سلطان تيه، أحست سنيلا بأن سُلطان تيه مرتبك أو خائف، لأنه تردد كثيراً في محاولة أن يمد شفتيه الغليظتين نحو شفتيها المتوردتين الناعمتين الرقيقتين تردد كثيراً، لقد قصت لها فلوباندو حكاية : كلاب السمع، أنه شخص، جبان، قالت سنيلا لسنيلا : إنه يحتاج لبعض التشجيع،
فأمسكت به من وسطه ساحبة إياه إليها بشدة،فصاح سُلطان تيه بشدة،
اصمتوا، اصمتوا،
بدأت سنيلا تخاف من شيء ما،
بنوا سيسيت لُمََّا،
لكنها أيضاً أخذت تسحبه خارج الكهف، بحمى الغضب والخوف عانقها مرة أخري، لكنه عندما رأى الكلب حمران يخرج مندفعاً نحوه مكشراً عن أنيابه،تركها، هرب جارياً بين الأشجار، سنيلا الجميلة كانت مهيأة له، مهيأة لعرس، عقلاً وجسداً،صاحت في وهن،
بنو سيسيت لُمَّا،
ثم انهارت علي الأرض تحت شجرة الحبحب فاقدة الوعي تماماً،عارية تماماً وشديدة: الحزَنْ،


الجذور

ليس بامكان مستر جين إلا وان يكون رجلاً مختلفاً ، ومنذ ميلاده ، حيث كان أول طفل أنابيب انتح بشكل سرى في العالم ، وهو نتيجة تجربه وضع دكتور فرانسيس بيترهل ،لها نسبة فشل 8،.5% ،قام بها مع بعض معاونيه في الخفاء بعيداً عن أنف الصحافة ويد المحكمة العليا والتي حرمت إقامة التجارب على الجنس البشرى ، بعيداً عن سمع وبصر منظمات حماية حقوق الإنسان ، كان ذلك في 1922 ، بمدينة بوسطن ،
الحيوان المنوي الذي استخدم في التجربة تبرع به فرانسيس نفسه ، أما الأم المضيفة فهي خادمة صغيرة وفية لفرانسيس ، هي التي أصبحت فيما بعد عشيقة له ولثلاثين عاماً انجب منها طفلتان اوديسا واليازا ، أما البويضة فقد حصل عليها من فتاة ليل جميلة مقابل مائة دولار ويضاف إليها مائه أخرى مقابل ألا يجيب على سؤالها ، ماذا تُريد أن تفعل ببويضتي،
الآم المضيفة مادونا، زنجية فقيرة جميلة تمتد جذورها لتلتقي بجد من الهنود الحمر وهو ستياتل Seattle زعيم دواميش ، وهي ذاتها لا تدرى كيف تنقلت من صلب لصلب :من ابيض لزنجي لهندي من ملك لصعلوك الصعلوك لسياسي، لداعرة لعارضة أزياء أزياء لخادمة ، لا تدرى، هي أمه إذن: مادونا
وهي أيضا ليست أمه ،أكد له والده من الناحية الوراثية البحتة أن أمه هي صاحبة البويضة فتاة الليل الجميلة الشقراء: سندرييلا فليينى، ولا أحد يعرف عن مصيرها شيئا، ولكن من اسمها تبدو إيطالية ،لأيهم كما قال لأبيه، إذا لم تشتر منها البويضة لسقطت من تلقاء نفسها مع دم الحيض
فأمي إذا ليست صاحبة البويضة البويضة ولا مادونا البيضاء /السوداء /الحمراء،لأنها استضافت البويضة
ولكن أمي المفترضة : من راقدها أبى أودعها مائه ،تكرمت ببويضتها ،ثم أنجبتني،
فأما أن يكون لي : أٌمّان،
فأما أن أكون مثل : آدم ،لأب لي لا أم ، ومثل عيسى لا أب ،
إذا ، لماذا سمى جين ،
باعتراف فرانسيس ، إنه حاول معالجة بعض المورثات ولكن واجهته مشكلة تفريزها والتي تحتاج إلى آلية إلكترونية متقدمة تنقصه في ذلك الوقت ، كان جين طالباً متفوقاً في الكيمياء الذرية،
والبحث الأكاديمي الذي قدمه عن هاهن واشتر اسمان وأبحاثهما التي اجرياها في برلين في 1939 عن تحولات النواة ، تنبأ بان هذه الأبحاث ستؤسس لتطور في أبحاث النواة قد يقضى على الحياة بكاملها في بحر ساعة ونصف من الزمان، وهذا شبيه بما أكدته في المستقبل في صيف 1941 لجنة السير طومسون في تقريرها الشهير ، كان رجل مجتهد ذو علاقات أكاديمية واسعة وله مقدرة لاتحدها حدود على تحمل النتائج الفاشلة واعادة التجربة مرة تلو الأحرى ،كان لا يهتم بشيء غير البحث المتواصل ،وبيته ليس سوى المعمل ذاته ،كان صوفياً بعمق معنى الكلمة ، مثقفاً في عدة مجالات ،
1944، نال درجة الدكتوراه برسالة في الصنف 4235 يورانيوم ،
1952 رشح لجائزة نوبل في الكيمياء،
1952-1954 تفرغ للعمل كمحاضر في جامعة دبلن،
1955 التقى بماريانا وهي في ذلك الوقت كانت محاضرة في علوم الطاقة النووية بجامعة كلورادو وتزوجها في نفس العام ،
1955 تفرغ هو وزوجه ماريانا تماماً للبحث الأكاديمي في موضوع تطوير الأسلحة التقليدية علي ضوء التقدم في مجال انشطار الذرة،
1966 أصيبت مداوم جن بمرض خطير استحال تشخيصه،
1969 اختفي آل جن تماماً في ظروف غامضة ،
**
وقف ثلاثة من المحاربين عند بوابة المبنى الخشبية يحملون حراباً ذات أسنان لامعة مدهونة بسم الثعبان المخلوط بشحمه ، يرتدون أر حاطا من اللحاء الناعم لشجرة ألح بحب ، حرابهم متوجهة نحو الأرض بنهاياتها الحادة وهذا يعنى ، وكلما تعلم جن، إنهم في شأن مرسال ،
أرسل إليهم فلوباندو ضعوا حرابكم على الأرض أيها المحاربون ، وهذه الجملة تعنى تفضلوا ،نحن على عجل ،يريد الكواكيرو أن يلتقي بالبونا غداً ، عندما تعلو الشمس هامات الأشجار العالية ، هكذا رد إليها اكبر المحاربين عمراً،الأرض كلها بيته، فشكرها المحاربون وانصرفوا وهم يتحدثون عن ثيابها الجميلة وأنها أصبحت ناعمة كزيت النخيل وقال سوانتيبو وهو اصغر المحاربين الثلاثة،
إنها تحتاج لمحارب مثلى لا تتعبه مراقدة الفتيات أبدا،
فرد عليه المحاربان الآخران بسرعة وفي آن واحد ،
ومن تظن أن مراقدة الفتيات تتعبه ،
**
أمسس جن الهزيلة دائماً ما تكح في ألم وخاصة قبل طلوع الشمس ، حيث تنخفض درجة الحرارة وتعلو درجة رطوبة الجو ، فلوباندو لا يتعبها جلب إلا حطاب الجافة للمدفأة الحائطية ولا تكل أو تمل من الإيفاء بطلبات أمسس جن ، في سرعة بالغة في الحق كانت أمسس جن لا تستطيع القيام بأي نشاط عضلي يتطلب مجهوداً ولو قليل ، كأن تحرك منضدة الخشب الصغيرة الموضوعة أمام سريرها إلى النافذة ، كأن تمشى إلى ما بعد شجرة المانجو الكبيرة، عبر عشب النجيل المتوحش ، كأن تقود السيارة الجيب إلى مسافة بعيدة ،كانت فلوباندو قد تعلمت قيادة السيارة في الشهر الثاني لوصول الجين إلى الدغل، ولكنها لم تكن ماهرة في القيادة ، لكن بمساعدة مستر أو مسس جن ،
وتعرف الآن كيف تستعمل مقياس الزيت ، كيف تستبدل الزيت ، كيف تشحن بطارية الجيب الفارغة من التيار الكهربائي المتولد من الطاقة الشمسية وتستطيع تغيير الإطارات وصيانتها ،
كانت فلو باندو سيدة خباثات مستر جن ، بعد شهر واحد يبلغ الجين عامهم الثالث بالدغل ،وتبلغ فلوباندو عامها الثاني عشر ، وتشمخ بنيتها الجسدية لعمر يفوق الثامن عشر ، فلوباندو الجميلة ذكية أيضا ،لأنها تتحدث لغة البونا بطلاقه وكأنها لغتها الأم ،وماريانا الشاحبة المصابة بداء التلوث الكيميائي المشع كانت ذات وجه مستدير شديد البياض وعينين كبيرتين خضر اوتين كعيني قط بري
هي وزوجها يتحدثان لغة شاري وفترا ولا لا بلهجتيهما،لا لا وفترا، وهما سكان الدغل الأوسط والشمالي ،لا لا كيكى، وهم سكان الشرق والغرب ، علمتها ذلك فلوباندو ،ويعرفان كثيراً من الطقوس وجمل الاحترام ويحفظان سبعة وثلاثين حكمة عن حكيم وجد وعراب الدغليين، برمجيل،
ولدهشة الكواكيرو واستغرابه عندما جاء وفي صحبته نائبه وصديق العمر ابريا وهو رجل طويل كثير الأسنان كالذئب الذئب كبير العينين كالجاموس كسولاً كالخرتيت ، ذكياً كالثعلب و كالشيطان، ومعهما في الصحبة ثلاث من المحاربين من بينهم الملقب بالشجاع برطانة اللالا PO go Gap وهو رجل عجوز ذو تاريخ كبير في القبيلة وكلمة لا تسقط على العشب كما يقولون أتقولون أرسل اصغر المحاربين ليعلم مستر جين أن الكواكيرو في انتظاره في ذات اللحظة التي ظهر فيها مستر جين بنفسه صائحاً بصوت مرح بمرح
واوا تليب سيسوى، واوا تريب دن قوا بدو،
انتم في بيتكم ، انتم في بيتكم الكبير،
وهكذا كان يخاطب أعيان القبيلة وهكذا يحترمون ولانهم قوم أحق بالاحترام تخطوا الدهشة وقفزوا على خيبة الانفعال الأولى وصاحوا معاً،
نووسا ما ،
السحابة بيت الريح،
وبعد أخذ ورد في كلام المجاملات وهي كما يقول برمبجيل : غسيل القلوب ،

أكلوا، شربوا،قالوا ،
ضحك مستر جين كثيراً ثم تحدث مشجعا إياهم على الفكرة ولكنه قال ،
ولكن الطريق وعرة ولا يمكن للعربة أن تسير على الأشجار،
قال له ابريا ،الرجل الثاني الضخم،
ويقال له أحيانا : نوسا مانديبا ،
نعرف طريقا كان يسلكها عمال شركة الأخشاب قبل أعوام كثيرة، وكانت لديهم شاحنات تحمل الأخشاب الضخمة ، والآن لم تنبت على الطريق سوى بعض الشجيرات الصغيرة وبإمكاننا اصطحاب جمع من المحاربين يقومون بقطع الأشجار بالفؤوس ، قال جين،
ولكن هذا يأخذ زمنا طويلاً اكثر مما لو ذهبنا للاجتماع بالحمير الوحشية أو بأرجلنا،
قال الرجل الشجاع Gap po go،
الوقت لأيهم، المهم أننا سنذهب على ذلك الشيء ،
وانفجر الجميع بالضحك ،
ولكي يصل وفد قبيلة لالا للاجتماع السنوي في الميعاد المطلوب ، قرروا ابتداء الرحلة قبل يومين من الزمن المحدد،واضعين ظروف الطريق في الاعتبار ،وكان يوم بدء الرحلة هو اليوم الذي سيذكره الأطفال لأحفادهم بعد عشرات السنين ، وسيقول الكبار ضاربين كفاً بكفٍ وهم يشربون الد نبا و اليازو والكافي تحت أشجار المهوقنى،
عشنا وشفنا،
قضى مستر جين وفلوباندو قرابة الساعتين يجهزان العربة للرحلة الطويلة ، وسط حشد من الأطفال والنساء وبعض المحاربين الذين صعدوا على الأشجار يراقبون الموقف عن كثب ، إيقاع النقارة يعلو حيناً وينخفض ، آتياً من قلب القرية عبر الأشجار والعشب ، السماء لن تمطر إلا عندما تسقط الشمس ، ستمطر قليلا ، والمطر شي عادى وبسيط ولا يقلق أحدا ، فهو ، تقريباً، يهطل طوال العام ، ولكن هنالك اشهر تزداد فيها كمية الأمطار بشكل ملحوظ ،مسس جين كانت في حالة مزاجية معتدلة ،أخذت تتمشى عند طليعة الأشجار الكثيفة وهي بين حين واخر ترمى حجراً على كومة من الأعشاب ، فتخرج الأرانب هاربة في سرعة البرق أو تهش الثعابين وعلى إيقاع النقارة أيضا يتشكل في خيالها الاحتفال ، الراقصون والراقصات ، وهي تعشق بشكل جنوني رقصة الصياد والغزالة والتي في الأصل هي جنة وكانت تسميها هي ،أوبرا الدغل، لم تلحظ مسس جين الصبي الصغير والذي يتبعها من بعد ، وكلما أحس بأنها ستلتفت وتراه ، اختفي خلف كومة من الأعشاب أو وراء ساق مهوقنى : الطفل كلفته فلوباندو ،
عندما أطلق مستر جين بوق العربة ثلاث مرات متتالية ، هرب الأطفال واختفوا بين أعشاب الغابة ، وفي خوفهم أخذت النسوة في الضحك والذي يعبر اكثر ما يعبر عن خوف مدهوش .آخر جيل شاهد عربة في هذه الأمكنة يبلغ الآن اصغر فرد فيه من العمر سبعين عاماً ،
**
يُقام المؤتمر القبلي بأرض قبيلة شارى كل عشر سنوات ، وشارى أكبر قبائل الدغل الشمالي والأوسط عدداً أكثرها بأساً وقوة وهي مخافة الحكومة المركزية في الشرق : اكبر مخافاتها ،
تمتلك شارى 5% من الثروة الحيوانية في الدولة وبأراضيها منجم احتياطي من البترول في وسط القارة وبها منجم الذهب الكبير على سفح جُبيل فترا بشير ولو انه الآن تحت إدارة الحكومة المركزية الشرقية مباشرة ،ويُمنع الاقتراب منه ولو على بعد مائة ميل إلا بترخيص مسبق : مستحيل ، من قوة اديا الوطنية للأمن العام العام ولكن يظل شارى وأهل الدغل الشمالي يمتلكون سبائك من الذهب لاحصر لها ، يحصلون عليها من مناجم محلية بأسلوب بلدي : مواقع لا تعرفها حكومة الشرق المركزية يسمونها فيها بينهم إبط الشيطان ويحرسها محاربون من كل قبائل الدغل الأوسط والشمالي وهي ثلاث قبائل كبيرة : فْترا ، شارى ولالا ، ولها خشم بيوتاتها ،
أولا ركب الكواكيرو في المقعد الأمامي شمال مقعد القيادة ،و قامت فلو باندو بربط حزام الأمان حوله ، ترتدى أسكرت قصير من الجنيز ، وصدرها ، كبقية الفتيات عارٍ إلا من تميمة الحظ السعيد ،كان الجميع في حالة من البهجة والغناء ركبْ أبريا وgap pogo ، ركب بندى مندو المحارب ذو الكلمة القوية المسموعة ،ركب شنى الشيخ الطيب والذي بحكمته تفادت القبيلة حرب كانت لا محالة واقعة بين لالا والكا ،ركبت هاشى ما وهي اكبر النساء عمراً في مجلس القرية والذي يتضمن خمس نساء وعشرة رجال ،وهكذا تكون وفد القرية والذي كان في الماضي يضم المرحوم مزاكى رامى القوس ،الذي استطاع وحدة قبل أربعين عاماً في الحرب القصيرة ، حرب التهجير ، التي دارت بين سكان الدغل الأوسط والشمالي من جهة وحكومة الدغل الشرقي : استطاع مزاكى أن يبيد بسهامه المسمومة جماعة من الجيش النظامي المسلح بأحدث الرشاشات واستطاع أن ينجو بنفسه من الموت، لأن العسكر ما كانوا يعرفون من أي الاتجاهات تأتيهم السهام السامة ، لأنها كانت تسقط من السماء مباشرة عليهم ، بشكل عمودي ،مما ادخل الرعب في أنفسهم وشل تنظيمهم وخاصة بعدان ثقب سهم جمجمة الملازم الملازم مزاكى : المرحوم هو الآخر كان أسطورة تغنت بها السيدة الجميلة كريبا،
من يستطيع أن يتجنب الصاعقة،
بإمكانه أن يتجنب،
سهام مزاكى ،
لأن مزاكي يرسلها للرب ،
ويقوم الرب ،
بتصويبها على الأعداء ،
مات مزاكى قبل عامين ، رفسه حمار فاسقط قلبه ، عندما ربطت احزمه أمان الجميع ، أدار مستر جين المحرك ، حينها صاح الأعضاء العظام بصوت واحد ،
شوونا بانا ،
وعلا صوت النقارة ، ثارت الأغبرة من تحت أرجل الراقصين ، طارت الأطيار من الأشجار المجاورة، هربت الكلاب بعيداً ، بعيداً والأطفال اقتربوا اكثر واكثر ، وبعد أن دارت العربة دورتين حول شجرة حبحب ضخمة راقدة** بين شجيرات الايفوربيا السلعلع والنجيل المتوحش ، توقفت، كانت مسس جين تلوح إليه من بعيد : أن ينتظر ، كانت هي الأخرى جميلة في هذا اليوم ونشطة وعندما قربت ، نزل مستر جين من العربة ، مشى نحوها ، كان الد غليون ينظرون إليهما مندهشين ماذا يريد أن يفعل البونا ، ولكن عندما قبلت مستر جين ، اخفض الجميع رؤوسهم للأرض،
**
وفدنا سيذهب إلى الاجتماع على ظهر عربة لا كالقبائل الأخرى : على ظهور الحمير ، سلطان قدايا نفسه سيأتي على ظهر حمار وحش ، على احسن تقدير ، سلطان الدغليين كلهم ،الشرق أيضا يحترمه ويقدر كلمته ،
جئت على عربه : إنها سيئه، تجعل بطني تهتز كقربه ماء وتملأ جلد النمر الذي ارتديه غباراً وربما اصطدمت بصخرة أو بشجرة أو بتله ألقت بنا على الأرض ولكننا : أتينا على عربه ، وهكذا يترحل البونا البرص في بلادهم ما وراء الأدغال ، خطوة جيدة في سكة التطور، نحن دائماً نسمى لكي نصبح الأفضل في الدغل،
آه لو اطعنا هذا السيد الأبرص وبنى لنا بيتاً لتلقى المعرفة ، بيتاً لتلقى العلاج وبيتاً لصناعة مثل هذا الشيء الذي يجرى كالنمر الأرقط ، بإمكاننا استثمار ذهب القبيلة من اجل ذلك، آه لو عاد الأبناء من البلاد المتقدمة لأنهم سيحققون أحلام القبيلة كلها في رمشة عين وليطير البونا مع الرياح، بالتأكيد سيركع الدغل كله لنا، وليندموا ما شاء لهم وليشربوا الكشو، إنهم أبناؤنا وعلمناهم بدمنا ، إنهم لم يرسلوا أبناءهم لتلقى العلم ،
كان ينظر لمستر جين والذي يهتز رأسه مع كل قفزة للجيب على خور أو بقايا شجرة صعب على المحاربين اقتلاعها ،
ابرص قبيح متخلف ،
**
هاشى ما، سيدة كبيرة في العمر ،واكبر من سنها حكمتها ، عايشت شركة الأخشاب وهي طفلة : ترى العربات التي تجرها حُمر الوحش وعليها جذوع أشجار التك والمهوقنى الضخمة ، رأت أيضا العربات الصغيرة التي يستغلها مواطنون من الدغل الشرقي والبونا على حد سواء في التنقل السريع ورأت بعض شاحنات الخشب الآلية أيضا تنهب الأرض مثيرةً للأغبرة مصدرة دخاناً كثيفاً ، ورأت بأم عينيها الفأس التي تعمل وحدها وبسرعة الشيطان في قطع الأشجار،حتى تلك التي ليس بامكان مائة محارب أشداء قطعها في شهر كامل ،تستطيع هذه الفؤوس ذات الصراخ المرعب، قطعها في لمح البصر :
ورأت،
ولكنها لأول مرة تركب هذا الشي المدهش وتتمنى ،وبصدق : أن يتوقف هذا الوحش المجنون ينزلها هنا ، وسأمضى بأقدمى إلى حيث الإجتماع : هششش كلوا،
مر بمخيلتها يوم لقاء المجلس لأول مرة مع جين ، وكانت فلوباندو في ذلك الوقت تترجم بصعوبة حيث لم تمكث مع البونا سوى ثلاثة اشهر ، وتذكرت قول جين لهم ،
لا تدهشكم حضارتنا ،
أن ضررها لهو اكثر من نفعها ،
وتذكر رده عندما طلب من الكواكيرو لأول مرة إنشاء بيت للتعلم واخر للتشفي وتذكر تعليقه الغريب على أرسل الأطفال إلى المدينة للتعلم ، هذا أسوأ ما يمكن القيام به تجاه أبنائكم ، والأجدر أن تحتفظوا بذهبكم وبقركم للمفاخرة بدلاً من صرفها في شي سيعود إليكم بالخراب ، كيف ذلك أيها البونا، قال،
أنتم الآن تعالجون مرضاكم بما لديكم من طرق ورثتموها من أجداد كم وأعشاب تنمو بالدغل بكثرة
أنتم الآن تديرون شئون الدغل بينكم بأسلوب رفيع وتراضى تام ،
أنتم تأكلون وتشربون وتنامون وتنجبون أطفالا وتزرعون وتحصدون وتصطادون وتركبون حمر الوحش، فماذا تظنون أن أبناءكم سوف يضيفون إلى ذلك،
نحن نتطلع إلى حياة افضل، فإلى متى نظل نتعالج بالكشو و الطج ، نعرف أن بالشرق علاج أسرع شفاءه لمرض الحمى وله طعم حلو، إلى متى نظل لا نعرف شيئاً عن القراءة والكتابة وحتى الخطابات التي يرسلها لنا أبناءنا تظل مغلقة إلى حين عودتهم ، أتظن أن هذا افضل لنا ، قال وهو يهز كتفيه بغير مبالاة،
لا أدرى ،في الحق ،لا أدرى ،ولكن ، ولكن أقول لكم : أحذروا الحضارة ،
قالت هشيما في ذاتها وهي تعيد شريط الذكريات، البونا على حق ، ماذا لو انكفأت هذه العربة بنا الآن نصبح أول ضحايا للحضارة ،
من منا سينجو ،
كانت تراقب رأسه وهي تهتز كلما قفزت العربة على جزع أو حفره : ابرص حكيم ، توقفت العربة قرب جمع من المحاربين يدفنون خوراً يعترض طريق العربة ، وعلى ما يعتقد أن شركة الأخشاب الوطنية، كانت تستخدم كبرى جوال وعند رحيلها أخذته معها ، عند هذا الخور قضي مجلس القرية المسافر ليلته وليمة للبعوض والقراد الأسود العبيط ، أشعل المحاربون ناراً مدخنة لطرد الطائر من الحشرات وابعاد كلب السمع والحيوانات المفترسة الأخرى بعيداً ، وكانت فرصة ذهبية لمجلس القبيلة المسافر للنقاش مع مستر جين بشان مستقبل الدغل وقبيلة لا لا المتطلعة دوماً للمجد والمتشعبطة بركب الحضارة تشعبطاً ،
وهي الليلة المباركة نفسها التي اقنع فيها مستر جين بفتح بيتاً للتعليم بنتسا والذي طرد منه فيما بعد عندما اخذ بعلم أطفالهم ،على حد قولهم : ما لا يفيد،
إنه يعود بهم إلى الوراء ،سنوات كثيرة ، وهي الليلة المشئومة و التي شهدت أول تمرد من قبل المحاربين تجاه مجلس قبيلتهم الموقر ،كان المحاربون يعملون بكد وجهد في دفن ما يمكن العربة من عبور الخور، وكانوا يقطعون الأخشاب الجافة لوضعها على النيران لكي لا تنطفي وكلما عطشوا : شربوا الدنيا ، وكلما جاعوا شووا صيدهم من الأرانب والغزلان ،ولكنهم على ما يبدو ليسوا براضين عما يفعلون ،لأن ينبو هذا محارب مشاكس ذو بنية جسدية أسطورية وكان يرغب في الهجرة إلى مدينة نيلوا لتلقى العلم مع صديقيه قاشى وتيوفو ولكن رؤية مجلس القرية فيه بأنة يصلح لحماية "إبط الشيطان" والقرية وهو أفيد بالدغل .ونسبة لميوله الفوضوية رؤى انه سيفسد في المدينة ، تنبه على حقيقة أن مهمة المحارب هي الدفاع عن القرية والحرب وليست الأعمال الشاقة ، الآن نحن نقدم خدمة للقرية ، لمكانة القرية، لرفعتها ،
لا ،
من يرجى منهم تقديم خدمة تساهم في رفعة القرية ومكانتها ليس نحن ، إنهم هنالك وراء الدغل منعمين يقرءون ويكتبون ، ألم تشاهدوا بأم عينيكم سامبا ولد مزاكى عندما عاد لرؤية قبر والده ، هل كان يشبهكم ، هل كان يشبه سامبا نفسه صديقنا الذي قرصته الكراواوا في أذنه عشرة مرات ورغم ذلك استطاع أن يأخذ طعامها ، قال له محارب شاب ،
أنت تعبت يا ينبو ، وغلبك العمل لا اكثر ، وإلا فلكل شخص دوره في الحياة ،
ضحك ينبو بصوته الغليظ قائلاً ،
أنت تفهم جيداً إذن نحن لحماية القبيلة وللحرب ،
ولكن ينبو جمع حوله فرد ليس بالقليل من المحاربين أعلنوا : إننا لن نتعاون ، واكتفوا بالشواء وشراب الدمبا ثم اقترح نووا حفلة ، وغنوا ، الأغاني التي ليس من الذوق غنائها أمام الشيوخ والأعيان ، إنها أغنيات قلة الأدب ،أغاني المحاربين بعيداً عن القرية في رحلات الصيد أو عند إبط الشيطان ليلاً وفي رحلات مراقدة فتيات الكا ، سمعها الكواكيرو وفريقه ،صاح الكواكيرو ،
اصمتوا يا هؤلاء،
ألا تحترمون آبائكم ،
و لكن ينبو بصوته الغليظ الأجش الأشتر صاح مغنياً،
شيء المحارب،
شيء المحارب،
شيء المحارب في طول قناته ،
قالت له لوما،
لماذا لا تتخذ ساق المهوقنى قناة لك،
ولكن الكواكيرو لم يقل شيئاً،ولم يتحدث أحد من المجلس وعرف مستر جين أن في المسألة، عصيان،
وعندما انطفأت النار، لم يوقرها أحد ، وعند مطلع الفجر وعلى ضوء واهن تميز فريق الكواكيرو انه لم يكن هنالك أحد من المحاربين، ولم يسأل أحد ،أين ذهب المحاربون، قام مستر جين بدراسة الخور جيداً مستفيداً من تجربته هو عندما قاد عربته عبر الغابات ،ولو أن المسافة كانت قصيرة لأنها عبر الحدود من المدينة نيلو،
سنعبر الخور ،
وعليهم حقاً أن يعبروا الخور الآن عند هذا الصباح الجميل المشحون بالتوتر لآن الاجتماع الكبير ، اليوم العصر،
الكواكيرو بالذات كان مشحوناً بالغضب ضد المحاربين الذين أهانوه وسط مجلسه و البونا الغريب ، ولكنه لن يتحدث الآن لن أقول شيئاً ، عندما تعود يا الكواكيرو ستقطع أذن الحية ينبو، ينبو اللئيم،
سأتدبر أمره،
في اقل من ربع الساعة عبروا الخور الكبير ولكن الطريق ما تزال وعرة وعصية مما حتم أن يستخدم الكواكيرو وفريقه الفؤوس لقطع الشجيرات حديثة النمو ،
**
زئير العربة حرك سواكن شاري كلها ،أول ما انزعجت كلابها وأطفالها ،كلما اقتربت العربة اكثر واكثر من الأكواخ كلما اتسعت دائرة الفوضى والارتباك : النساء، المحاربون، القطط، الطيور والتي ترك على هامات الأشجار ونهايات الأكواخ المدببة ،
ما ذاد الأمر تعقداً وجود المحتفلين في الميدان الكبير ،فصوت محرك العربة وخروجها المفاجئ من بين الأشجار مصحوبة بهالة من الأغبر : اختلط الحابل بالنابل والتفت السوق بالسوق وفر الناس في كل الاتجاهات ، واخذ الكواكيرو مرعوباً يصيح،
أوقف هذا الشي،
أوقفه،
في الحق ، كان يظن نواب المجلس أن هذا الشيء لن يقف ،ربما أكد ذلك في أذهانهم الفوضى والضجيج بالإضافة إلى محاولة مستر جين القيام باستعراض يزيد الموقف إثارة،
أوقف هذا الشيء أرجوك ،
دارت العربة حول نفسها دورتين في سرعة البرق ثم علا صفير بوغها قبل أن تتوقف أخيرا ويهبط منها مستر جين برشاقة عسكرية قائلاً ،
الحمد لله وصلنا الآن،
ليس بإمكان أحدهم رد التحية ،كانوا في ذهول تام ودهشة مثلهم مثل بقية الدغليين الذين لأول مرة يروا عربة ، ولكنهم تشجعوا لكي يبدوا الأمر عادياً وطبيعياً:
انزلوا ،
كانت أرديتهم الجميلة المصنوعة من الجلود النفيسة ولحاء الأشجار المصبوغة بأزهي الألوان : تعلق عليها الغبار ، ولكن من الأحسن ألا يبدون منزعجين من أجل ذلك ولو أن كل واحد منهم حاول أن ينفض الغبار عن شعره ، أن يضع رياش صقر الجديان في مواضعها بعد أن كان يحتفظون بها بين أرديتهم خوفاً من أن تذهب بها الريح ، وعندما اطمأن الد غليون اقتربوا من العربة ، الشيوخ أولا ثم المحاربين ثم البقية ، كان الكواكيرو ومجلسه مجسدة الجميع ، كانوا عظاماً وغرباء وكأنهم نزلوا من كوكب آخر ،
نحن بنو لا لا نقود ركب الحضارة ،
تركوا صغائر الأمور لصغائر البشر : وكأنهم لم يروا الأطفال والمحاربين وهم يتفحصون العربة والبعض لمسها ، البعض تجرأ وركب عليها : فليندهش من يندهش،
لنبدأ الاجتماع ،
طالب وفد لا لا بتهيئة مقعد إضافي للبونا كتقليد قديم تتبعه قبائل الدغل تكريماً لضيوفها ، والذين قد تهبهم حق المواطنة بل وتعتبرهم أفرادا من جنس قبيلتها بالتأكيد ،كان على سلطان قدايا أن يقلل من شأن الكواكيرو ويحد متعة التميز وينفيه ليؤكد ذاته هو : الجاذب في كل زمان ومكان للنظر والسلطان الأقوى والأكثر تقدماً ورقياً وأصالة ، سلطان قدا يا، سلطان قبائل الدغل كلها يسكن شارى ،أصوله فترا :طوله متران ونصف المتر ،يطابق حجمه ثور جاموس ، كبير الرأس ضيق العينين ينمو بجلده شعر كثيف ناعم ،أكول ، ذكى ، له ثلاثون امرأة يسميهن بأسماء أيام الشهر الثلاثين : يبدأن ، اتير ، وينتهين ، شاش مرا، وذلك لكي يجعل عملية تقسيم المبيت عملية سهلة ، وأيضا لتسهيل عملية حفظ تواريخ الحمل حتى إذا أصابت إحدى زوجاته طفلاً من رجل آخر عرف ذلك بسهولة ،حيث انه كان بارعاً في الحساب ويعرف في السحر والتنجيم ، وبنظرة عاجلة لأسفل بطن زوجة يعرف : كم عمر حبلها ، لسلطان قد ايا ،تسعون ولداً وبنتاً، له ثلاثمائة حفيد وحفيدة ، يمتلك مخزونا من الذهب التبر لا يعلم مقداره إلا جواسيس حكومة الشرق ،بالتحديد قوات ديبا للأمن القومي ، والله رب العالمين ،أما سلطان قد ايا نفسه فلا يستطيع أن يحدد : كم مقدار تبره بالضبط ،
فمن هو كواكيرو لالا لكي يخطف عنى الأضواء ،
أليس هو ولد رونا ابنة ماردو والذي كان خادماً لدي ،
ولأنه ذليل تسهل قيادته وتضمن طاعته جعلته زعيماً لقبيلة لا لا ،
من الذي كون له الثروة التي ينعم بها الآن ،
من الذي كرمه بمراح من الأبقار النادرة ،
من الذي خصص له إبط شيطان لا ينضب أبدا تبره ،
هذا حق ، هذا حق يا سلطان قدا يا،
ولكن هل نسيت أن أبى هذا الطائع الذليل الخادم لديك ، ماردو،
هو الذي نصبك سلطاناً على كل قبائل الدغل ،
حقاً انه كان خادماً لأبيك ،
ولكن لماذا رفض أبوك تنصيبك سلطاناً وهو على فراش الموت ،
هل تعرف ،
هل تعرف من هو الذي زور وصيته ،
أليس هو عبده ، مكمن أسراره ، رهن إشارته ماردو،
ألم تطلب منه ذلك وأنت باكياً راكعاً أمامه ،
كان سلطان قدا يا يجلس وحوله حاشيته من الأبناء والأحفاد ، يتسابقون في خدمته وراحته ، أما الكواكير ، فيجلسون في صف خلف السلطان وحول كل كواكيرو رجال مجلسه الأخيار وبعض المحاربين القائمين على راحته ، أمامهم يمتد الميدان ، يحيط بجوانبه الأهالي ، ضاربو الطبول يلتزمون بالتقليد المتبع : الرقصة الأولى ،لقبيلة كا على إيقاع معرف في العالم الخارجي بالسامبا وهم يسمونه اد ودود ويعنى الأسد ، يبدءون بقبيلة الكا لأنها ابعد القبائل عن مكان الاحتفال وهذا تكريماً لهم ، وقبيلة الكا من آكلي لحوم البشر ، فتياتها اجمل من الجنيات ،أما رجالها فاقبح ما خلق الله ، وتستخدم الفتيات جمالهن كمصيدة لرجال القبائل الأخرى واصطياد البونا ،ولو أن الكا لا يفضلون لحم البونا لأن به جرثومة البرص ولأن به رائحة شبيهة برائحة لحم : الضبع ،
ومن القصص الشعبي المشهور عند قبائل الدغل هي قصة حب فتاة تسمى جيد وهي من الكا لفتى وسيم من قبيلة فترا ، وكيف أن أسرتها كادت أن تتعشى به لولا أن جيد مع صديقاتها هربن به إلى دغل كثيف وبنو له كوخاً آمناً يترددن عليه الواحدة تلو الأخرى إلى أن مات أخيرا ، در داب الطبول يحاكى تربص الأسد بحمار الوحش ، اقتراب وقوع الضحية ،إحساسها الداخلي بالمصير المرعب ،رجفة عضلاتها بين ناب الوحش سعادة الوحش ، قفزه ، عضة ، صرخة الألم ، محاولة الخلاص ، الاستسلام ، ثم ينتقل الضاربون على الطبل إلى رقصة النسر وهي تخص شارى ، ثم إلى رقصة الذئب والتي تخص قبيلة لالا ، وهو إيقاع قريب لما يعرف بإيقاع الرقي Reagy ثم إيقاع قبيلة فترا المستضيفة ويسمى بمشية السلطان العادل ، ثم يقرا الساحر العظيم الماضي والحاضر والمستقبل ،يبارك الحضور : ثم يقدم سلطان قد ايا ليروى عطش الآذان لما حديثة الطيب ليجدد الأرواح التي تأخذ وقودها سنوياً من خطابه ، وعلا صوت النقارة ،ارتعبت أطيار أبى مركوب ومالك الحزين والبجعات البيضاء والتي مدت أعناقا طويلة أمامها قبل أن تطير بعيداً تاركة السمكات الصغيرات والتي كادت أن تصبح ضحية لمناقيرها الشرسة ، دخلت الفئران البيضاء الكبيرة جحارها ، صوته كنشيش قدر أسطوري ضخم ،قيل انه إذا غضب يمكن سماع عذ يفه في القرى المجاورة ، حتى الثعابين الصماء تسمعه، عيناه الدقيقتان المحمرتان المكتحلتان بالفلفل ، عيناه الدقيقتان كانتا تزيدان كلامه قوة وتأسطره ، وعندما تحدث عن لا لا قال ،
إنكم قوم أذكياء،
نعم،
تسعون نحو المجد ، هكذا دأب جدودنا،
نعم ،
ولكنكم وانتم تحضرون اللقاء المقدس على عربة جاء بها البونا البرص من قبل وعلى ظهرها آلات الموت وجند من الشيطان ، والأسوأ أن يأتى في صحبتكم ابرص ، أليست هذه خيانة بينة لآلاف من السلف أخذهم البرص بعيداً خلف البحار وباعوهم كما تباع الأبقار ،أخشى ، وباسم ذات التقدم ، أن تأتوا غداً وفي صحبتكم الشرقيين والذين هم اكثر سوء وتقولون : إنهم ضيوفنا ،لماذا ترفضونهم هل لأن من أبيدوا وهجروا ومسخوا هم أفراد تعرفونهم بالاسم ، هل من حق من لا يعرفهم بالاسم، أن يصالح الشرقيين ،
وقال قولاً كثيراً، طلب مستر جين الفرصة أن يقول ، فسمح لي سلطان قدا يا بنفسه،
لنرى ، ماذا يقول ،
أولا حيا مستر جين سلطان قد ايا بلغته القومية ولهجته الخاصة بأسلافه من فترا ، وهي اللهجة التي يجهلها شباب اليوم حيا كل كواكيرى القبائل واحداً واحداً بأسمائهم ولهجات قبائلهم الخاصة ، قدم للجميع احترامه باللهجة الشائعة ،هي اللغة المتداولة بين جميع قبائل الدغل ، ثم تحدث عن الماضي ، تجارة الرقيق ، الاستعمار، الاستعباد، سرقة الثروات ، التهجير ،القتل الجماعي التطهير العرقي ، الاستيلاء على الأرض والماشية والذهب ، قال حدث ذلك (ص251).
في زمن لن يأتي أبدا ، لم يعد العالم كما كان في السابق ، وليس برص الأمس هم برص اليوم ، فاليوم لا يستطيع أحد الاستيلاء على ارض أحد بالقوة بحجة الاستعمار والبناء لا يستطيع ذلك باسم الدين وبشاراته ولا باسم الحضارة ومنجزاتها ولا بأي من المسميات ، ثم حاول بقدر الإمكان أن يشرح لهم فكرة الأمم المتحدة ، الحكومة الراعية لمصلحة جميع الدول بمحاكمها ومنظماتها الفرعية الأخرى وكيف انهم أعضاء فيها عن طريق حكومتهم المركزية متجنباً أن يذكرها بالاسم ، حكومة الشرق ، وركز على هذا الأمر ، لأن سُلطان قد ايا في خطابه قال بوضوح : هكذا الُبرص دائماً ، يأتى رجلُُ واحدُُ منهم ، يلتفت يميناً يساراً ويذهب دون أن يُثير الانتباه ثم يعود في رفقة رجلان ، يبنون بيتاً ويقولون لكم انه بيت الرب : جئنا ببشارته ثم يأتى الآخرون وفي صحبتهم آلات الموت ،ثم يطلبون أرضكم وأبناءكم باسم الرب وبشاراته أو باسم الشيطان وآلات موته،والآن والآن لا يذكرون شيئاً عن بشارات الرب ولكنهم يقولون أنهم رسل الحضارة ،
انظروا ، انظروا ،
هل وكلهم أحدُُ بانتشالنا من الجهل والتخلف ،
إنه الموت ،
إنه الـرق ،
إنه الرب الجديد ،
قال مستر جين ،
أما بشأني ،أنا جئت إلى بلدكم لشيء واحد هو أن زوجتي مريضة بالتلوث* وجئنا إليكم : أصدقاء ضيوف ،آلا تحبون الضيوف ،
في الحق حاز على احترام الجميع ، وليس لأن سبب مجيئه سبب إنساني ،لا، ولكن لأنه تحدث بألسنة الجميع أجاد كل لغات القوم والتي كثير منها لا يستطيع أن يتحدثها بطلاقة ، و يحفظ الكل قول جد القبيلة برميجيل : القبيلة هي اللسان،
والرجل هو لسان ،
واللسان هو القلب ،
ولكن سلطان قد ايا لابد وان ينقص شأن لالا وبوناهم بالتالي من إنجازهم الحضاري والتاريخي ،
حيث انهم جاءا بعربة تسير كما الريح ،
لا أظن أن الكلام البراق سيخدع كل الناس ،
هنالك دائماً الحكماء منهم ،
إنهم يزنون القول بميزان المعرفة يحمصونه في مقلاة العقل ،
يقارنونه بالتجربة ثم ،
يضعونه جانباً سبع مرات قبل أن يقولوا: آمنا به ،
أو،
كفرنا به ،
* استخدم لكلمة التلوث : كاماسبينتا ورر وتعنى الاوساخ التي لها رائحة نتنة،



ناقش بعد ذلك مواضيع شتى مختلفة تخص الناس ، ثم تحدث كواكيرو شاري وكواكيرو فترا وكواكيرو لالا، ثم تحدث أفراد من الشعب ثم قال الساحر ،
هل سيترك الجميع خلافاتهم إلى أن يعودا إليها في العام القادم ليجدونها قد غسلت تماماً عن الأرض فتلك مهمة الرياح والمطر ، والأسلاف ،
قام الجميع للمصافحة ونسيان الخلاف فالسلطان هو السلطان ،علا صوت الطبل مما لم يمكن الكواكيررو من سماع ما همس به سلطان قد ايا بصوته المرعب في أذن مستر جين ،
أريد واحدة مثل هذهِ العربة ، بأي ثمن،




تيرى ، الكا، وأشياء أخرى،

أشياء أخرى ،
المغنية الجميلة كريبا زوجها عازف الإيقاع اكو وهو أشهر من يصنع الآلة الإيقاعية من البامبو واشهر من يعزفها ، جدها والد أمها المحارب بوشا أورثها روح الغناء ، منذ صغره كان بوشا يحمل ربابته ذات الوتر الواحد يتجول بها بين القرى المجاورة يغنى :
الطريق إلى الكا،
خطيرة ،
وأنا أريد فتيات الكا الجميلات ،
والطريق،
إلى الكا،
تؤدي إلى الموت ،
فيكافئه المستمعون بهدايا من الكراواو والتبر وبعض العاج أما كواكيرو الكا عندما سمع به أرسل إليه فتاة جميلة أسمها وأنى أي الجنة ، وأنى الساحرة هذه جدة كريبا ، من المتعارف عليه أن لفتيات قبيلة الكا أعزب الأصوات وإذا غنين تخالهم نفرُُ من الجنيات يمرحن ، وإذا سمع الرجل صوتهن ولو من على بعد شاسع ، تتبع نغمات الغناء إلى حيث فتيات الكا واللائى لا يتأخرن في اصطياده لعشاء القبيلة ، كررريبا وريثة هذا الصوت الساحر، والذي ثمنه الحياة ، وكما يقول المثل : النار تلد الرماد ، وأيضا وينو صاحب الصوت الأجش الأشتر هو ابن كريبا ، أكو يعمل في صناعة البطاطين الثقيلة من لحاء الحبحب وألياف الرافيا ويقوم بمقايضتها بالتبر أو العاج أحيانا بجلود النمر الأزرق وحتى الكراواوا وربما كان لاكو باع كبير في تطوير صناعة فساتين قصب البابيت ،منه انتقل إلى بقية قرى الدغل الشمالي والأوسط ، نعم ، لم يوجده اكو فقد اشتهرت صناعة الفساتين من البابيت منذ أمد بعيد في الدغل وأنها وفدت إلى الدغل من الدول المجاورة ، ولكن أكو استطاع أن يستفيد من تدرج الألوان باقصاب البابيت وفقاً لعمر القصبة وحجمها ، استطاع أن يصنع تشكيلات مختلفة من الفاستين لها ألوان متميزة وتصلح لمناسبات متباينة : الأعياد تتطلب ألوانا زاهية وصارخة ،أيضا احتفالات الموت تلبس لها الفتيات البابيت الأبيض ذي اللمعة التي تحاكى بريق نصل حربة القدر التي تؤخذ بها الأرواح ، وهكذا الأعراس ، الصيد، الرقص ،الرحلات للقرى المجاورة ، الذهاب إلى المدينة ، استطاع أكو أن يجعل البابيت لباس كل المناسبات وموضوع للمفاخرة ،بل يصح أن يقال فيه : جعله إيقاع الدغل الصامت ،
إذا كان باستطاعة سلطان تيه أن يرى فستان البايت الذي كانت ترتديه سنيلا يوم عرسها الذبيح، لرأى فيه كيف أنها كانت فرحة وسعيدة ومشحونة بالأمل فقد استخدم أكو لصناعة هذا الفستان نوع نادر من قصب البايت وهو القصب الأسود والذي ينمو بخور البجعات ، على بعد ميلين من القرية وميلان في الدغل ، تساوى مائة ميلاً على الأرض الفضاء كما يعلم ، لسنيلا مكانة خاصة في قلب أسرة أكو، فهي اعظم راقصة في تاريخ الدغل ، أ كو اعظم صانع إيقاع بامبو واعظم من عزف عليه ،كريبا زوجته هي مغنية الدغل الأولى ،إذا العلاقة يمكن أن يقال عنها : فنية بحتة، ولكن في الحقيقة لم تكن كذلك ، فسنيلا وأخوها بانا يقيمان جوار أسرة أكو ،و كو ليس لديه بنات ، له ولدان وينو و دينو ، وينو محارب يقضى وقته عند إبط الشيطان مع رفاقه المحاربين ، يصطادون يجمعون الكراواوا ويغازلون الفتيات اللائى يتعمدن مصادفة المحاربين في الدغل بعيداً عن القرية كانت سنيلا تقوم بطحن الذرة وسحن جوز الأرض وتحضيره لطعام اسرره كو ولها وأخيها يومياً ودون كلل أو ملل ، وكانت كريبا تعاملها كابنتها تماماً وذلك منذ صغرها ،حيث تركها أهلها هي وأخاها وذهبا إلى حيث لا يعلم أحد ، وعندما أخبرتها فلوباندو عن رغبة الغريب في اتخاذ سنيلا زوجة له سعدت أيما سعادة وذهبت هي وزوجها كو إلى خور البجعات وجلبا البابيت الأسود النادر، ثم أعدتها للعرس في صمت ، ولم تخبر أحدا من جيرانها خوفاً من السخرية والحسد أيضا ، فلا أحد كان يتخيل أن يأتي من يطلب سنيلا البرصاء زوجة ، وكريبا نفسها كان يقلقها أن تظل سنيلا عذراء ، عمرها كله ، فهي لا تستطيع أن تذهب مع الفتيات إلى إبط الشيطان حيث يتاح لها الاختلاء بمحارب ، مكتفية بتجربة واحدة مريرة ، وكان ذلك عندما بدأت تظهر عليها أعراض البلوغ وهي في الرابعة عشر من عمرها ، ذهبت مع صديقتها لا وتبار وشيتا ، وعند خور صغير وجدوا المحاربين الشباب يصطادون الخنزير البري ، وكالعادة حاولن الهرب مدعيات أنهن تفاجأن بالمحاربين ، ولكن استطاع المحاربون اللحاق بهن ، قدموا لهم عصير الكراواو وغنوا معاً ورقصوا ثم اختلى محاربان بالفتاتين وتركوها وحيدة تجلس بين الأعشاب تحاول ألا تبكى ، تحاول ألا تحزن ، كانت دموعها تسيل دافئة على خديها وهي تنتظر لا و تبار وشيتا واللتان تصلها ضحكاتهما المتغنجة ،و،،،،،،،هما ، فلم تذهب مرة أخرى أبدا ، كانت كاريبا تجلس قرب زوجها العجوز كو وهو يصب صبغة النيلا على الياف الرافية منهياً المرحلة الأخيرة في صنع ثوب غطاء سنيلا كانت كريبا تعالج أغنية رائعة تتشكل في ذهنها ، تحاول أن تقبض على الكلمات الملعونة المرواغة المتقافزة في دائرة مسحورة في مخيلتها ، دائرة هلامية ، لابد أن تمهر هذا الحدث العرسُ السعيد بأغنية يرددها الأجيال تلو الأجيال ، وعندما بدأت الكلمة الأولى الملعونة تنزل حيث اللغة والمادة ،
أُش ،
إذا بمحاربين يدخلان وسنيلا الحزينة بينهما يسندانها ، كانت صامتة وعيناها مغمضتان ، يلتف حول خصرها بابيت العرس حزينا ، فأكملت كريبا الأغنية،
أُش،
دع الحزن ينام،
لا تيقظهُ،
أش، أش ،أش،


تيرى
انزيرا والد فلوبادو له زوجتان فقط ، يعنى انه فقير ويعنى انه كسول لا يجد في زراعة جوز الأرض أو يتعب نفسه في جمع الكراواو الغالي الثمن ولو انه كان صيادا ماهرا ولكنه لكي يحصل على صيد وفير لابد أن يجهد نفسه في هجرة طويلة، وهو لا يفعل و زوجته الثانية تيرى حصل عليها في ظروف غامضة ومنشطة لخيال الأقاويل والشبهات ، واوايمى هي الزوجة الأكبر عمراً وهي الأجمل أيضا والأكثر تحملاً للمسئولية الصانعة للطعام المائحة ، هي أم الأطفال بذور لأشجار الغد الكبيرة ، ولكن ليست هي المرأة الأكثر قرباً إلى قلب انزيرا ، كان يتوجه بكل ما حباه خالق الدغل من عاطفة نحو تيرى التي كان حفظها من الجمال متواضعا : لونها اصفر كقرد الطلح نحيفة لها عجيزة هزيلة وكأنها لم تأكل في حياتها كراواوا ، فوق ذلك كله كانت كسولة مدللة ، تحتاج لساعتين لجلب قربة ماء واحدة من البئر ، ربما جمالها فقط في عينيها حيث انهما تمتازان ببريق غريب لمعان مسكور مدهش يجبر كل من ينظر إليها أن يفكر قليلا فيما رأى : عيناها ساحرتان ، ولكن لا أحد هنا يهتم بمسألة العينين فإنها لا تصنعان خبزا ولا تطبخان جوزا أو تجلبان ماءً من البئر البعيدة أو: تصنعان كراوا ،
جاءت تيرى وحدها إلى منزل انزيرا أقامت معه ، في الأصل من شاري ، هذا ليس مؤكداً ، قابلها صدفة ذات مرة وهو عائداً من رحلة صيد الماعز البرى ، سبيت ، رآها تنام تحت شجرة موز كبيرة تغطيها بعض صفقات من شجرة تك مجاورة ، تتوسد ثمرة دليب، خاف في بادئ الأمر، لأنه ظنها فتاة من قبيلة كا في وضع اصطياد، ومعروف أن الكا يستخدمون صبيتهم الجميلات في اصطياد الذكور من البشر والحيوانات على حد سواء ، بينما هو يحاول الهرب إذ تعثر قدمه بعشبه فتحدث كشكشة تيقظها ، فتناديه بلهجة شارى ، فيطمئن لان الكا لا يتحدثون بلهجة شارى بالذات فهي لهجة الصالح برمبجيل وقد حرمها عليهم ، يستحيل أن ينطق بها لسانهم ،
لا تخف ،
أنا أسمى تيرى ، تيرى من قبيلة شارى ،
ماذا تفعلين هنا ،
أنا أعيش هكذا بين الأشجار ،بيتي المكان كله ،
ثم ابتسمت وهي تضيف فأكملت غنج بناتي مشبق،
ألا تستريح قليلاً،
وضع انزيرا المعزة البرية التي اصطادها على الأعشاب وجلس قبالتها ، انزيرا لم يتحدث كثيراً، قيل انه راودها عن نفسها وانه فاعلها ، فاعلها كثيراً ، لأنه أحس فأكملت ذاته بان تيرى تهبه متعة الشيء اكثر من زوجته واو أيامي واكثر من أي امرأة أخرى أصابها ، ولكنه خاف أن يطلب منها أن تتزوجه ،لأنه لا يملك مهرها وليس بإمكانه إعطاء والدها مالاً مقابل اخذها زوجة له ثانية ، مهما يكن ، هنالك أسرة لكل إنسان ، لذا تركها نائمة تحت شجرة الموز مبقياً صيده من المعز البرى قربها، امتناناً وعرفاناً وأيضا ، عربوناً لعلاقة قد يسمح بها القدر مرة أخرى ،
ومضى ،
وهو يمشى نحو القرية كان يحن إلى تيرى حنيناً طاغياً ، إلا انه يزجر نفسه بين حين وحين ، لأنه لا يستطيع أن يتزوجها بالتالي عليه ألا يضيع ماءه هدراً : إبقاء المتعة ،
عندما استيقظت تيرى كان الوقت ليلاً ، والغابة مصخوبة بصراخ طيور الليل وعواء الذئب وكلاب السمع وغيرها من الهوام ، تيرى لا تخشى شيئاً ، ثلاثة عشر عاماً في الحياة البرية لم يصبها سوء ولو لمرة واحدة : بين الوحوش، تحت المطر في العاصفة ، لا تخاف شيئاً ، دائماً وحدها : كسولة وماكرة ،
تلفتت حولها فلم تجد انزييرا،
أين أنت يا انزيرا ،
انتبهت تيرى على وجود المعزة البرية ، ربها على العشب : مذبوحة باردة ،ربما ذهب لقضاء الحاجة ،
انزيرا، انزيرا،

في الحق ولأول مرة تحن إلى شخص ما ، ففي كسلها هذا مر بها رجال كثر من شتى قبائل الدغل بعضهم هرب عندما رآها ظاناً أنها فتاة كا ، أو جنة أو ما أوحت به له مخيلته ، البعض تبادل معها الحديث ، البعض فاعلها ، ومضى جميعهم دون أن تبخع نفسها على آثارهم ، ولكن في شان انزيرا ، فالأمر اختلف ، وضعت المعزة البرية على كتفها وذهبت في طلبه تشمم الهواء كالكلب المتوحش ،
بيت انزيرا ، كبيوت أهل القرية جميعاً عبارة عن معسكر صغير تحيط به أشجار الإنجيل وعليها تنمو المتسلقات ، في الداخل ثلاث قطيات : قطيه قرب المدخل وهي لانزيرا ، قطية زوجته تبعد قليلاً للداخل ثم قطية الأطفال كبار السن ، وكالعادة لم تسأله واوايامو لماذا عاد بدون صيد ودماء العنزة جفّ على كتفه ، لأن السؤال عن الرزق يجر سوء الطالع ، جلبت له الطعام والماء ، ثم أرسلت إليه البنت الصغيرة والتي كان يحبها جداً ويناديها ني باسم أمه ، أرسلتها لكي تروح عنه ولكنه وليس كعادته ، طلب منها أن تعود لأمها لأنه يريد أن يبقى وحده لبعض الوقت ، وعندما دخلت إليه في الظلام ، ظنها زوجه واوايامو فطلب منها أن تعود لقطيتها لأنه سينام وحده هذه الليلة ولكنها لم تبرح مكانها ، وليس هذا من طبيعة واوايامو أنها لا تعصيه أبدا ، وضعت تيرى الصيد على الأرض ورقدت قربه عرفها ، فلقد كان لجسدها رائحة الذئب ، قالت له،
لقد نسيت عنزتك ، فخفت عليها أن تفسد اذا تركتها للصباح ، او تأكلها الضباع والكلاب البرية ،
لذا ، احضرتها لك ،
ايقظ واوايامو ، طلب منها أن تيقظ فلوباندو و ودي وان يقوما بسلخ المعزة ووضع العشاء ،
معى امرأة ، اريد أن اتخذها زوجة لى ،

تيرى ،
سعدنا جداً ان والدنا اتخذ امرأة اخرى الى جانب امنا واوايامو ، تقوى مكانتنا الاجتماعية ولا احد سوف يعير ابى بان له امرأة واحدة ، من ناحية اخرى ، فهي ستقوم بحمل كثيراً من الاعباء عن امى : ادارة شئون المنزل ،الطهي، جلب الكراواو ، طحن الذرة ، حلب المعزات البرية المستأنسة ويمكن ان يجىء منها الكثير والكثير ،اذا كانت امرأة فاضلة ، بالاضافة الى اسرة جديدة ستضاف الى اسرتنا : امرأة اخرى ، شئ رائع ، ما كنا نحلم به ، نعم ،امى ستتنازل لهما عن نصف مبيت الشهر، وهذا ليس بالشىء المثير للقلق ، فامى امرأة كبيرة العمر ، كما لو اننا قارنا حالها ببقية نساء القرية فما تزال لها ميزة عليهن ، فبعض الرجال في القرية يمتلك قرابة العشرين امرأة ، ولكن لسوء طالع أمى ، وسوء طالعنا جمعياً أن زوجة أبى الجديدة ليس بالمستطاع بأن يرجى من ورائها خيرُُ ، بل اضحت عبئاً اضيف الى كاهل امي ، كانت امرأة كسول تنام اليوم بطوله واذا ذهبت لجلب الماء من البئر ، جلست تحت شجرة جوز اوحبحب واخذت تغنى وتلاعب القرود ، والتى لا تخاف منها وكأنها قردة منهم ، ومن الغريب في الامر ان الطيور ترك على كتفيها ورأسها وهي مطمئنة ، واذا أحضرت الماء للمنزل استحمت به واذا عجزت عن احضاره : استحمت بالماء الذى نحضره نحن او تحضره امى ، واصبح الشجار اليومى بين تيري أمى : ظاهره الماء وباطنه استحواذ تيري التام على ابى وقد تأكد لنا جميعاً وللجيران أن تيري استخدمت السحر في ذلك ، وما يغضب تيري، ولو انها اطلاقاً لا تظهر غضبها او تبدو منزعجة ، أن تقول لها،
ا أندل ،و اندل قبيلة سكانها يعيشون الآن في مائه عام مضت ، وهنا في لالا يضرب بهم المثل في التخلف ، وتعتبر اهانة بالغة اذ يقال لاحدهم : أندل،
ولكن تيري تغضب في برود ودون مبالاة متفهمة محاولة أمى لاغاظتها ، وذلك يزيد توتر أمى ويُشعل فيها عيدان الانتقام ، وذات مرة وبينما كان أبي في رحلة صيد ارادت تيري الاستحمام ، واستخدمت لهذا الغرض ماءً جلبته أمي ، وبينما هي تستحم خلف قطيه أبى تحت ستار من المتسلقات الخضراء على نبات الانجيل الكثيف ، دخلت عليها امى واخذت جرة الماء ، فضحكت تيري بصورة اغاظت امى ، فأخذت ، امي ، ملأ كفيها تراباً وافرغتها على رأس تيري ، اخذت تيري تسحي التراب عن رأسها ووجهها وهي تضحك بسخرية وخبث ،ثم تغنى أغنية :
العجوز الشمطاء ،
وآو وآو ،
فحملت امى عصاً غليظة تستخدم لقتل الضباع ودخلت بها الى تيرى ، والتى لم تبرح مكانها خلف قطية ابى تغني ، وسط المتسلقات والانجيل ، ولكن لدهشة امى ، لم تجدها وقررت البحث عنها في الكوخ ، سمعت ضحكتها الخبيثة مرة اخرى من خلف الكوخ ، وعندما عادت إليها هنالك ، لم تجدها ايضاً ، وهكذا ، اخذت امى تجرى ما بين الكوخ والحمام ،هاجت وماجت واخذت تضرب بقتالة الضباع كل شى يقع في عينها ، السياج ، الكوخ ، الأشجار ،الآنية ، نحن حطمت جرار الماء غالية الثمن ، وكلما هدأت سمعت ضحكة تيرى مرة اخرى من مكان قريب، بل وكأنها خلفها : فتثور ،
الى ان جاء جارنا تيتى واخذها بالقوة الى داخل كوخها وحبسها هنالك إلى ان حضر ابى،اخبر بالقصة كلها ، لم يفعل شيئاً ، دخل كوخه ، ووجد تيرى نائمة في هدوء تام ، نام قربها ولم يسمع لهما صوتاً ،وكان عليه ان يفعل غير ذلك ، عندما هدأت والدتى ، اعلنت بصوت جهورى انها سوف تذهب الى بيت والدها ولن تعود مرة اخرى ولياكل انزيرا وتيرى التراب وسمعت تيرى ، وسمع انزيرا قول امى وظلا ساكنين ، قالت امى ،
إنها لن تحمل نيرو وودى معها، وليموتا بالجوع هنا في هذا البيت المشئوم ،
وسمعت تيرى ،
وسمع انزيرا ابى ، وظلا ساكنين بالكوخ ،قالت امى ،
إن اباها لن يعيد لابى مهرها ،
وسمعت تيرى ،
وسمع ابى ، وظلا،قالت امى ،
إنها قبل ان تذهب الى بيت ابيها ستشعل الكوخ والذى هما بداخله الان ناراً ،
وسمعت تيرى ، وسمع ابى ، وبعد لحظات خرجا ، خرجا من الكوخ دون ان يقولا شيئاً
من فناء الدار ، خرجا من القرية ، خرجا للابد ، الى الآن لا ندرى اين ذهبت تيرى بوالدنا لأن تيرى روح من الجن ، عادت الى وادى الأرواح الشريرة حيث جاءت ،
كلوا بابو،


المرتدون للامام والمتقدمون للخلف

بدا الصراع فعلياً بين جين والدغليين في اللحظة التى تخلى فيها عن كل ممتلكاته للقرويين، بدأً من ملابسه ، مروراً بآنية المطبخ ، انتهاءً بالجيب والذى اهدى الى الكواكيرو ، بدأ الصراع عندما عاد الجين الى بيتهم عراة يلتفون بالجلود التى اعطاها اياهم الكواكيرو ، بدأ الصراع عندما ترك الجين بيتهم واقاموا بالكهف جنوب البحيرة ، بدأ الصراع عندما مشوا عراة كما لو انهم نزلوا لتوهم من السماء ، بدأ الصراع عندما تأكد للقرويين ان الجين هم رسل تخلف وليسو رسل حضارة ،

ميلاد سنيلا اولاً

هي سعيدة بأنها حبلت ، ولكن كلما قرب وقت الولادة ، اصابها القلق ، قالت لى ،
تبقى لى اسبوعان لكى اضع حبلى ، كيف تلد النساء هنا، انا عن نفسى لم ار امرأة تلد ، ولكن راهم يغلون الماء وعليه ورق شجرة النيم ويطلبون العرافة لكى تبارك الجنين، وتسميه،
أليست هنالك امرأة تساعد النساء على الولادة ،
هنالك دائما الجيران والأهل ، ولكن باستطاعة النساء ان يلدن دون مساعدة احد، إنها مسالة كما يقولون ، ليست شاقة ، وهكذا ، كل المخلوقات تلد وحدها ، حتى الافيال ،
نعم ، نعم ،
لكنها كانت خائفة خوفا حقيقياً ، فهي اول مرة في حياتها تدخل تجربة كهذه ، وكانت تقول لى ،كلما كبرت المرأة ، كلما تعسرت في الولادة ، وقد تنجب طفلاً مختل العقل ونا الآن ابلغ الاربعين ،
أى ، قدر عمرك ثلاثة مرات ،
والوقت الذى كنت سأنجب فيه بسلام ، قضيته بين جدران المعامل ، حدثينى ، كم تبعد مدينة نيلو الحدودية من هنا، عبر طريق شاري ، ولكن ، هل بامكانى السفر ، نعم ، بامكان جين ان يحضر لى قابلة من المدينة ، نعم ، بامكانه ذلك ، حتى ولو يستلف عربة الجيب من الكواكيرو ،
وطلبت من جين ان ياتيها بقابلة ، واجابها فيما يعنى انه سيحضر لها الطبيب عندما يحين الوقت ، ثم اصبح موضوع الطبيب والقابلة : موضوع الشجار اليومى بين ماريانا وجين ، وكلما قرب ميعاد الولادة ، كلما اشتدت الخصومة واحتد الشجار ، كانت ماريانا تتهم جين بعدم المبالاة ، وانه يعرض حياتها للخطر ولكن مستر جين دائما ما يطلب منها ألا تستعجل قدوم الطبيب ، وانه سيحضر حالما يحين وقت الولادة ،
بل قل وقت الموت ،
وقت يحين وقت تخلصك منى، انا افهم جيداً نواياك ، ولكن اليس من الامكان ان تحقق هذا الحلم انا على قيد الحياة ،
قبل المخاض بيوم عاد مستر جين من رحلة الصيد التى يقوم بها عادة على عربة الكارو التى يجرها حمار الوحش ، والمفاجأة ان عاد جين وفي صندوق العربة امرأة شمطاء تلبس جلد ذئب وفي صحبتها سبعة اطفال بنتان وخمس اولاد ، ينشدون امام الكوخ بايقاع حلو ونغم ساحر نشيد ،
أمنا المطرة،
شجرة الباباى،
ترن ، ترن ،
ترنترنترنترنترنترنترنترنترنترن
ولو ان مسس جين كانت في قمة اشجار يأسها المخوف ، إلا ان النشيد ايقظ فيها روحا حلوة ، وجعل عينيها تبرقان ذهولا وأسئلة ،
من هولآء ،
هل هم الملائكة ،
إنهم ، إنهم الملائكة ،
وعندما هبطوا الأرض ، كانت نقارتهم الجميلة مزينة بانياب الفهد والعاج المنظوم في حلقات صغيرة معلقة على جوانب الطبل ، ومع دقات الطبل الهادئة العميقة غنى الأطفال ،
لابينا،
هبا ، هبا،
لا،
لا بيناهبا ،
لابينا،
لابينا
هبا،هبا،لا،
لابينا هبا ،
لابينا،
لابينا، تلو،تلو، تلو
لو، لو ،
لووووووو،
كان جين يقف قرب حمار الوحش وفي فمه ابتسامة رحبة ثرية ، مشت ماريانا متثاقلة إليه ، امسكت كلتا يديه في حنان قائلة ،
من اين جئت بهم ، هل ارسلت الىٌ روح القديسة سانت ماريا ، لقد سميت عليها ،وهي دائما في قلبى ، قل لى ،يا يسوعى الصغير،
الساحرة ذات الأطفال طقس دغلى مجزر في قدمه ، ولكن للاسف قد اهمل تماما ونسى في كل قرى الدغل ، ولكن ، كيف عرف جين الطريق إليهم والمجئ بساحرتهم واطفالها ، فهذا ما لا اعرفه ، ولكنه في رحلات صيده ، دائماً ما يطرق سفراً شاسعاً، الساحرة ، والتى يجب الا يعرف احد اسمها لأنه مجرد معرفة اسمها يؤدى الى مسخها الى طائر هدهد شرير ومسخ المنادى الى دودة شهية، يقوم الهدهد بابتلاعها لكى يعود الى ساحرة ذات اطفال مرة أخرى ، اذاً من الأفيد للمنادى اذا طلبها ان يقول ، الساحرة ذات الأطفال، والطريف في امر هؤلاء الأطفال والذين في عمر واحد ، عندما يبلغون الثامنة ، يستبدلون باطفال جدد يتم اختيارهم في الحلم اثناء النوم : يحلم بذلك اباؤهم او اقاربهم او تحلم بهم الساحرة ، كثيرة الكلام كثيرة الاوامر والتى تلقى بها في كل هنا وهنالك جزافاً ،
عجوز ما فوق الخمسين ، وهذا خطأ حين لا يجب تقدير عمرها ، في الحق انه لا يمكن تقدير عمرها ، لأنها تجدده كلما بلغ اطفالها سن التاسعة ، اى كل ثلاث سنوات ، الأطفال اجمل عند الفجر ، استيقظوا تبولوا خلف اشجار الموز ، شربوا لبن العنز البرى ، تشاجروا قليلاً : عندما عض جيرو منوا في مكان بنهدها الذى لم ينم بعد ، جلبوا اوراق الموز الأكثر نعومة ، من القلب شربوا اللبن مرة اخرى ثم اخذوا ينشدون وحدهم ، كانت الساحرة ذات الأطفال بالكهف مع مسس جين والتى ترقد على الاوراق وهي تئن بين حين وحين، اعد انا قدر الماء المغلية فيه اوراق النم عند باب الكهف خلفي الأطفال ، طلبت الساحرة ذات الأطفال جين ، سألته ،
أتريده ولداً ام بنتاً،
قال وهو يحاول ان يكون دقيقاً في تعبيره عن رغبته مع انه في ذاته بعلم ان ليس باستطاعة الساحرة تغير ما ستنجب ماريانا وفقاً لمشيئته هو او مشيئة الساحرة ذات الأطفال،
اريده ولداً،
قالت الساحرة ذات الأطفال ضاحكة في شمط قديم بائل ،
ستلد بنتاً ، لانك قلت تريده ولداً،لافرق ،كلهم ارواح اسلافنا ، يأتوننا اطفالا انهم لا يذهبون بعيدا ،
ثم طلبت من الأطفال أداء رقصة أهلا، بروح نوا، وكانت أجمل رقصة يمكن لانسان أن يراها : الطفلتان تهذأن بطنيهما مع الاحتفاظ بركبتهما في وضع السكون ، في ذات اللحظة التى يهز فيها الأطفال صدورهم واقدامهم وهم يعزفون بافواههم طبلا هادئا حلوا ، وفي هذه الأثناء كانت ماريانا ترى القدسية سانت ماريا تسحب البنت سنيلا من بين نهريها : كما تنساب موسيقى هادية ،
المشكلة الأولى مشكلة ارضاع سنيلا ،ماريانا ، لها مكان للثديين ، ولكن لا ثديين لها ، فلوباندو في الثانية عشر وثدياها في حجم برتقالتين ناضجتين من صنف ليمون القرد الأخضر ، ولو ان ما أكلته ماريانا بامكانه ان ينتجها فيله صغيرة شحيمة ،الا ان الامر كما تقول ماريانا ،
المشكلة مدى مقدرة الجسد على تمثيل الطعام بالاضافة الى الاستعداد الوراثى للسمنة،
في البدء ، حاولنا سقيها لبن المعز البرى ولكن الطفلة لا تستطيع غير ابتلاع قطرات قليلات منه، وعندما فكر جين في احضار مرضعة لها من القرية ، اعترضت ماريانا على الفكرة ، ان بالقرية امراض لا حصر لها ، وعلى اثر صراخ سنيلا من الجوع ، فكر مستر جين سريعاً ، قال لى ،
آتنى بالمعزة،
أغسلنا اثدائها ، اغسلناها جيداً ،
بالحيوان ايضاً امراض قد تنتقل للانسان، اغسليها جيداً ،
في البدء ، اى في الايام الاولى ، كانت المعزات تقوم بالرفس او النطح ، ولا تذعن لفم سنيلا الصغير ، الا بعد ربط وشد وزجر ، ولكن مع مرور الايام اصبحت المعزات مسالمات طيعات ، تستسلم بهدوء لسنيلا الصغيرة ، وعندما بلغت سنيلا الشهر التاسع ، كانت تجرى بنفسها خلف المعزات وتقوم برضاعتها وكبرت بسرعة ، ويرجع الفضل الىٌ ، لأننى كنت اطعمها يرقات النحل ودود الباشين بكميات كبيرة ، ومسس جين لا تدرى بذلك ، جين يعلم ويشجعنى ودائما ما ينصحنى بتجنب نهاية ذيل الباشين الحادة ، ماريانا تحذرنى من ثلاثة اشياء ،
لا تتحدثي معها إلا بلغة لالا فقط ،
لا تتركيها تغيب عن عينيك لحظة واحدة،
لا تسمحى بالاختلاط مع الدغليين وخاصة الذين تظهر عليهم دلائل الأمراض،
التزمت فقط بالتحذير الأول ، أما الآخران فتجاوزتهما ، عن قصد أحيانا وأحيانا أخرى بغير قصد والسبب الأساسي في ذلك ، سنيلا نفسها ، هي طفلة نزقة مزعجة متمردة لا يمكن قولبتها وخاصة وهي في أواسط السنة الثانية ، كانت تهرب منى في الأعشاب الكثيفة ، أظل ابحث عنها أناديها وهي تسمع ولا تجيب لأنها ترضع المعزات أو تحفر الأرض بحثا عن الطين الرطب الأحمر لتأكله أما إذا رأت طفلا من القرية ، جرت نحوه ورطنت بأن يأتى معها للكهف أو قدمت إليه ما بيدها من طعام وإذا حاولت أبعادها عنه ، عضتني في أناملي أو صرخت كالملسوعة ، تحب الأطفال والطين ودود الباشين ثم المعزات ثم أمها ماريانا ، أما أنا فعندها لست سوى سجن يتبعها بجدرانه وعساكره حيثما أرادت أن تنطلق حرة منفكة، الساحرة ذات الأطفال مرة ثانية تعتب الكهف ، كانوا ينشدون ،
أمنا المطرة،
الباباى ،
ناموا ، استيقظوا ، تبولوا تحت الموزات الكبيرات وردوا البئر ، تشاجروا ، اصطفوا وهم يهتفون
أهلا بروح
نوا ،
نوا التي تصحي قبل الديك
نوا،
الجدة ،
طفلة ماما ، نوا،
سألت الساحرة ذات الأطفال مستر جين ،
أتريده ولداً أم تريدها بنتاً،
ضحك جين في ذاته ، لقد اكتشف اللعبة الآن ،
أريدها بنتاً ،
قالت الساحرة ذات الأطفال الشمطاء ،
إذا ستلد ولداً ، ولداً هذه المرة ،
قال محاولاً فضح الحيلة ،
ماذا لو قلت ولداً ،
قالت الساحرة ذات الأطفال في شمط بائل،
أيضاً ستنجب ولداً ،
قال محاصراً شمط الساحرة ذات الأطفال ،
وأين حكمة قولك في المرة السابقة بأنها ما أنجبت بنتاً لا لأنني قلت أتريده ولداً ،
قالت الساحرة ذات الأطفال ،
كل شئ في هذه الدنيا في تغير ،حتى المقاييس والمكاييل والصخور والتي تبدو أبدية وصماء وعنيدة ، كل شئ ،
لقد كان ذلك قبل عامين كاملين ، وكانت الشمس في ذلك اليوم ، أي عند ميلاد سنيلا ، عند الغزالآت الثلاثة،تتجه نحو عين الحية ذات الرؤوس السبع فبأي حكمة تنجب زوجك ولداً ، قل لي،
أما الآن ،فالشمس عند رأس الأسد خارجة من إبط التمساح ، بصدرها نسر وبصدرها ضبع .
فقل بالله ، بأي حكمة تنجب زوجك بنتاً ، في هذا الوقت بالذات والجنيات تمشط الأسد ،
واسماه والدة بانا رودنا أي الولد الذي أتى به البرق ، لقد هطلت الأمطار في ذلك اليوم معلنة بداية الفصل ذي الأمطار التي تهطل نهاراً وبكثرة ،كان ابيض ، عيناه خضراوان ، ولكن عندما تفحصت الساحرة ذات الأطفال قدمه اليسرى قالت ،
انه محارب صبور ،
ولكن حظاً تعيساً سيصاحبه طوال حياته مالم يتزوج تلك المرأة ذات الصدر ، الفرجاء ذات السحر والتي تكبره بأعوام كثيرة ،
الجميلة السوداء ،



لا ، لا ، لا،
لا،

السماء، الآن، صافية ، الريح الثقيلة المشبعة ببخار الماء والتي تهب من الجنوب ، لا معني لها ، عرف ذلك من طائر مالك الحزين ، يقف في هدوء تام وسط بركة ماء صغيرة ، مطمئناً ، لن أعود للكهف مرة أخرى ، لن أعود وليتصرف الكواكيرو القرنفش كما يحلو له ، في المرة السابقة عدت لا لشيء إلا من اجل سنيلا : لا أريدها أن تتهمني بالجبن وتفهمني خطأ ، أنا رجل شجاع ، نعم لست فارساً ، بطلاً ولا محارباً جسورا ، ولكني شجاع بما يكفي للحفاظ علي حقائق رجولية في يجب ألا تمس،هي أو فلوباندو ، فليكن الكواكيرو نفسه في مكاني ، في كهف معزول في مرتفع في وسط غابة لا جار ولا صديق ، وفوق ذلك كله يخرج لك أشخاص من الجدار : يجادلونك ، يهددونك ، ثم يطاردك كلبهم ، هل ، وفوق ذلك كله ذئب ، أينما صوبت وجهك ذئب ، أنت ،هل ،
أنا أحب سنيلا، سنيلا تحبني ، فلأجلها أفضل المستحيل ، أول المستحيلات امرأة : هي فلوباندو الخبيثة ،
وليست لك تجربة ، فأنت ضعيف ، فلو باندو قوية ، مجربة ، وفوق ذلك كله : امرأة وأنت رجل ،
مجرد رجل ،
أريد الصادق الكدراوى الآن ، أريده هنا تحت هذه الشجرة ، أنت تعرف كيف تقرأ النساء ،أقرأ مأساتي ، البحيرة ، نعم ، فلأذهب إلى البحيرة قالت له ذات مرة فلوباندو أن البحيرة هذه دموع امرأة فقدت طفلاتها الثلاث ابتلعهم الدغل ، هو الآن يحس بالفقدان، فقدان ما أعطته البحيرة ، بحيرة الدموع ، جلس تحت ذات الشجرة التي كان يجلس عليها يوم أن رقصت سنيلا علي شاطئ البحيرة الرملي ، لو استطعت رجع عجلة الزمن للوراء ليس الزمن فحسب بل المكان ، الصورة والكائن ، الهواء أيضا ، أنت لا تستطيع أن تعيد اللون والإيقاع ، الرقصة ، الرقصة ذاتها :
أنت لا،
الساعة الكاسيوf 3 ، دائماً وفية ، في رأس كل ساعة من الزمن تصدر شارات موسيقية متتابعة : شارتان ، وهو كالعادة لا ينظر ليري كم الساعة ، يكتفي بان ساعة من الزمن مضت ، ساعة أضيفت إلى ساعات كسولة باردة مرت ، ساعات كثيرة لا حصر لها ،
ولم يهتم ، لم يهتم ، فيم ،
ولكن خارج وعي سلطان تيه تشيد F 3، إلى الرابعة ظهراً ، وخارج وعيه أيضا الريح خفيفة ناعمة دافئة دغلية تحمل صراخ قردة العوا من مسافات بعيدة ، وربما من غابات الموز الواقعة خلف غابة المهوقني والنخيل المتسلق ، أما في وعيه وأمام عينية وعلي الطبيعة حدث ما يلي :
علي عجل هبط قردان الماء ، وعلي عجل دارا دورة في الرمل وعادا للغابة ، يعرف أن لا حيوان أو إنسان يشرب من ماء البحيرة ، يعرف أيضاً أن ليس كل ماء الدغل يشرب ، بعضه سام قاتل ، بعضه يحتوي علي نسبة كبريت عالية والبعض ثقيل كالزيت ، لذا يشرب المواطنون في أغلب الأحيان من الآبار أو الأنهار الكبيرة الجارية ، كان قلقاً كأنف فأر ، تطوف بمخيلته أطياف وظلال شتي : كان وحيدا ومكتظاً بالأشباح، حينما وقفت علي رمل الشط للحظة قبل أن تحرر نفسها من فستانها البا بيت البهيج وتلقي به علي عشب قريب علي الشاطئ ، لم يصدق نفسه ، بأنه يراها حقيقة ، هل لعينين بائستين ، ساقطتين ، أرهقهما السهر أن تريان: سنيلا، سنيلا أيضاً ،
وعندما أشهرت عري أسطوري قبل أن تقفز به في الماء،
وعندما تطاير الماء في كل صوب وجهة مندهشاً ،
ما كان ليؤمن بما يري : من أدهش البحيرة ،أ هو الجسد الفعلي للجنة سنيلا ،


الجسد الفعلي للجنة سنيلا ،
انتظر يا سلطان تيه ،ربما كتب الله لك رقصةً ، لا شيء كثير عند الله ، سيكتب لك رقصة ، كيف ضيعت هذا الجسد ذات مرة ، لن تضيع الرقصة ، فقط ألزم مكانك ساكنًا مسكونًا متمسكًا بالأمل ،اليأس شرك بالله، الأمل صلاة صامتة ، الأمل حجُ ،
كان ينظر إليها في رهبة كأنه موسى ينظر إلى نار الله ، تغطس في المياه ، تخرج مندفعة إلي أعلي كدلفين مسحور ، تقف علي رمل الشاطئ ، يرقص الشاطئ ترقص الصورة \الظل علي تموجات الماء ، هل كان ذلك النهد ، القد ،
اصبر ، اصبر ،اصبر يا سلطان ،
ولكنه فجأة صرخ ،
سـنيلا ،
انطلاق الصوت عبر الغابة ، محاكاة الماء والضفة الصخرية المواجهة ،
لا
لا
لا

لا
لا
لا
هل هو الذي صرخ ، متي وقفت علي رجليّ متي قفزت في الهواء صارخاً ،
الذي يعيه تمامًا ويعرفه ، أن سنيلا التفتت يمنة ويسرة باحثة عن مصدر النداء، ثم في برق ،ارتدت تمائمها واختفت بين الأشجار ، وكأنها طيفاً، لا أكثر ،مجرد طيف ،
بكل هدوء جلس ، أسند ظهره علي ساق شجرة المانجو ، وأخذت تطوف بمخيلته أطياف شتي وظلال داكنة ، لا حصر لها ،
علي تنبيهات F 3، المتزامنة مع نعيق غراب علي صفصافة بالشط ، نهض : أخذ يبحث عنها ، قبل لحظات كانت هنا ، وقبل لحظات لم تكن هنا ، علي هذا الرمل أثر أقدامها ،لا شك فيه ، هنا وضعت قصبها و قلائدها ، خاض في الماء إلى أن ابتلعه تماماً ، كان يبحث عن دفء جسمها ، عن ذرات الماء التي عانقت خصرها ، وعندما أحس بنفسه يختنق خرج في خطوات بطيئات هادئات، ثم اختفي بين الأشجار والماء يقطر من ملابسه، اختفي ،
هذا الجزء من الغابة لم يره من قبل ولكنه في الحقيقة ليس سوي تكرار ممل لذات الجزء الشرقي حيث كهفه ، نفسها عينة الأشجار والأعشاب ، التربة الصخرية
، واكتشف أن المسافة ما بين البحيرة والقرية ليست بالشاسعة ، كما كان يخيل إليه ، بعد مسيرة نصف الساعة هبوطاً ، عبورًا ، صعودًا ،تعثرًا، رأي القرية تنام تحته ، أكواخها المتفرقة المبنية من البامبو ،أخشاب المهوقني و التك ، أزقتها الضيقة ثعبان أسطوري يتلوى بين الأكواخ حاضناً إياها في أبد ساكن ،
هبط الجبل ، بمجرد دخوله القرية تجمع حوله الصبية عراة ،حول خصورهم نظم من الخرز ومن أعناقهم تتدلي التمائم حامية إياهم من الأرواح الشريرة والعوارض ، تجري خلفه الكلاب مهوهوة ،خلفه أعناق النساء من أعلى زرائب الإنجيل وسياج البامبو ، كان يمشي دون هدى ، يشق الأزقة حيثما اتفق أتتفق
أين سـنيلا ،‍‍
كانت في البحيرة قبل لحظات رأيتها بأم عينيّ ، وكانت سترقص لولا أنني هتفت منادياً باسمها ، أو هتف أحدهم بصوتي وإحساسي ،
لا علم لي إلا ما علمني الله ،
كيف لي أن أعرف ،
جاءه المحاربون ، طردوا الأطفال ، اقتيد إلى منزل الكواكيرو الذي أمر بإعادته إلى الكهف ، إنه ضل الطريق ،قال الكواكيرو،


الرأس العجوز يفكر

ماذا لا أفيد منه في تعليم الأطفال شئ يفيدهم ، لماذا لا نفتح له بيتاً للتعليم ونغريه بالذهب ، قيل أنه يريد سنيلا تلك القبيحة البرصاء ، لماذا لا نعطيها له زوجة ،
في هذا العام يبلغ الكواكيرو ثمانينه، أي عشرون عامًا منذ أن أختفي مستر ومسس جين ، عشرة أعوام منذ أن أرسل آخر طالب رسالة ، كان كهلاً مهمومًا بالتقدم مأمولاً بالمستقبل ، ولكنه دائمًا مفجع بالنتائج السيئة
أرسلت حتى الآن ما يقارب مائة طالب للعلم ، من خيرة أبناء القبيلة ، أنفقت عليهم من التبر والبقر الكثير ، يكفيهم ليعيشوا عمرهم كله ، لكنك تعرف الآن أن أكثرهم أصبح تاجرًا بالشرق ، ولو أن البعض واصل تعليمه في بلاد ما وراء البحار كلها وأصبح ذو شأن ولكنهم أقاموا هناك أيضا، ولا زلت كلما لاعبك حرقان الأمل أرسلت آخرين ،
لم يعد إخوانكم ،
عودوا أنتم ، القرية دائمًا في انتظاركم ،
وحملتهم بالتبر ودعوات ذويهم بأن يرجعوا ،
سأحضر يا أمي سنويًا إلي أن أكمل تعليمي ، بعد ذلك ، سآتي لأقيم بالقرية وأعلم الأطفال ، وسأنشئ بيتًا للتداوي من الجذام والجدري والسل والملاريا،
أنا لست مثل الآخرين ، سأعود ،
وعندما عمل الأباء على عصيانك، منعك أطفالهم ، أغريتهم بالتبر وزوجتهم مزيداً من النساء وشجعتهم علي الإنجاب ،
قلت في ذاتك ، حتماً سيولد الولد الذي يعود ،
حسناً ،
أحضروا لي قاتل الذئب ، سلطان تيه أريده الليلة هنا ،
أذهبي معهم يا فلوباندو ، انقلي له أوامري ،

* *
ومنذ أن عين محارب يحرسه، أي منذ اليوم الذي شك الكواكيرو أن سلطان تيه سيهرب ، قلل من تجواله في الدغل ولو أن وجود المحارب الذي يحاول وبالرغم من جهله بلغة سلطان تيه ، أن يخلق تواصلاً ألا أنه بدأ يحس باليأس القاتل يأكل قلبه : يقرضه ، قرضاً ،
عندما رأي فلوباندو انتابته حالة عصبية ألا أنه تمكن من أن يسيطر علي نفسه ، لأنه علي الأقل قدر أنها في مهمة رسمية طالما صاحبها المحاربون ، وهذا لا يمنعه أن يخالها بسرية تشككية أنها في سبيل القيام بلعبة خبيثة،
هل تدبرين مؤامرة جديدة،
قالت وهي تتجاهل سؤاله تماماً، أرسلنا إليك الكواكيرو،
إنه يطلبك الآن في بيته،
فجأة راوده أملُ ولكنه بعد لحظات أحس، إنه أمل كاذب،
هل سيطلق سراحي ،
قالت في خبث،إنك لم تأت على الذئب كله بعد،هنالك أرطال كثيرة منه مجففة،وأرطال أخرى من الشحوم، قتلت ذئباً شحما بالرغم من،
نعم، كان ضخماً،
وفهم أنها تريد أن تقول له ،
بالرغم من جبنك ،نعم سأنتقم منها،سأثأر منها لكرامتي ولا يسلم الشرف، أنا أعرف، إنها ، إنها غيرة ،غيرة فحسب ، سأحب سنيلا أكثر وأكثر ، وسأحـبها ، ولن أضاجعك ولو انطبقت السماء علي الأرض وفاض شبقك محيطاً من الوسخ والدم !
وكأنها قرأت ما برأسه، إذ فاجأته قائلة :
إنك لم تستطع أن تعاشر سنيلا ، هنالك كثير من الرجال يعجزون عن مفاعلة النساء عاجزون ، لست وحدك ، إنها ظاهرة موجودة في الشرق كما يقولون،
أنت إنسان حقيرة كالعقرب ، دينك وديدنك الأذى ،
ضحكت بصوت أجش مشحون بالانفعال
هل تظنني كذلك ،
إذا كنت حقًا كالعقرب لما كلفت نفسي عناء التقريب بينك وسنيلا ، وعندما فجعت سنيلا بك وبهروبك منها حينما كانت مهيأة للعرس ، لما كنت لازمتها فراش المرض أيام كثيرة أغسل أسهالها ، شارفت المسكينة علي الموت وأنت السبب، فمن منا العقرب يا سلطان تيه ، دعنا من نقاش لا طائل منه ، فالكواكيرو يطلبك ،
قال بخشونة
ماذا يريد مني ،
لم يقل لي ،
قال بشكل قاطع ومفاجئ،
قولي له، رفض سلطان تيه المجيء إليك ،
قالت ببرود دغلوي ،
ربما تنبأ هو بذلك ،إنه شيخ حكيم، أرسل معي هذين المحاربين القويين والذين لا يعصيان الكواكيرو أمرا ،
كنت رجلاً يا سلطان تيه ، قررت شيئاً ،قررت المقاومة فهل تتراجع ، وتشمت عليك فلوباندو تلك الهرة الشريرة ، أتخاف المحاربين ، نعم ، لم يأمر الله بالتهلكة ، هولاء قوم متوحشون ، مثلهم مثل حيوان دغلهم لا أخلاق لهم ، لا مثل ، لا مستقبل يخشون عليه من الضياع ، لا ماض يحاولون إبقائه نظيفا ، لا أمم متحدة ، لا حقوق إنسان ولا منظمة عفو دولية ،
ولا إنسان ،
أين الإنسان ،
كن رجلاً عاقلاً ، كما كنت دائمًا ، هذان المحاربان شرسان ، فحكم عقلك ،
إنها تقصد كن رجلاً جبانً كما كنت دائمًا ، إنها تعني ذلك ، هذه اللبوءه الحائل
لن أضاجعك ولو انطبقت الأرض علي السماء وسأحب سنيلا ، أكثر وأكثر ،
أين سنيلا الجميلة ذات الشعر الذهبي ، أنها أجمل منك بكثير ولها قلب طيب كقلب قديسة ، إنها جميلة ، أين سنيلا ، حبيبة قلبي ،
قالت ببرود ،
ماذا تريد منها ،بعد أن حطمت قلبها وحلمها ،ماذا تريد منها وأنت عنين ولا مقدرة لك علي فعل شيء ،
هاج سلطان تيه وصرخت شياطين في صدره كانت خرساء ، قال لها :
إذا دخلت معي الكهف سأثبت لك رجولتي ،
قالت ضاحكة ،
ولماذا داخل الكهف ،
قال ، نشف ريقه فجأة
في الكهف سنكون وحدنا ،
قالت بذكاء بارد ،
كنا وحدنا من قبل ، وكنت بارداً ولا حيلة لك ، أتذكر يوم كلاب السمع،
كانت تحت شجرة الحبحب والتي لا تبعد كثيرًا عن باب الكهف ، واثقة ، تقف كنحت لمايكل أنجلو كانت مكملة ، جسدها رياضي في أنثوية بدائية ، جامع ، أغاظته بلفظ مكشوف واصفة إياه بالعنة والجبن ،
يقبل الرجل بأن يقال له جبان ،
ولكن أن تسلب رجولته وأن يوصف بأن لا حيلة له ، وأنه بارد وأنه عنين ،
سأبرهن لها الآن أنني رجل ،
وعندها هجم عليها بوحشية غابوية محاولا حملها إلى داخل الكهف ، ولكنه لم يستطع أن يحركها قيد أنملة ، طويلة شحمة ، ذات عظم غابوي أصم ، ضحك المحاربان واللذان لا يفهمان ما يجري الآن ،
حاول مرة أخرى ،
فشل مرة أخرى،
رطنت فلوباندو للمحاربين فانصرفا وهما مندهشين ،
تمهل ، فلنذهب للداخل ،
قال بصوت مبحوح ،وهو يبعد عنها ماضياً نحو الكهف ،
حسنًا فلنذهب نحو الداخل،
في ذاتها الحقيقية كانت تريد أن تحطمه تماماً ، تهد آخر حصن هش لديه ،
كنت أرغب فيه بحق وحقيقة ومنذ رأيته مثل الفأر يحيط نفسه بأغصان الشوك ، ولكنه كان دائمًا ما يفضل سنيلا عليّ ، لا أحقد على سنيلا ، فلا ذنب لها ،
كانت تعرف :إنه سيفشل ،
سيفشل ،
سيفشل ،
ضحكت في ذاتها وهما يولجان الكهف الدافئ ، بناره بصيص ، وفي لحظات أصبح جاهزًا وهي أيضا ، وعندما أعطت وجهها للحائط حيث ينام أهل الكهف في أبدية قلقة واضعة ركبتيها علي الأرض رافعة ردفيها للأعلى ، كانت تكتم ضحكة سافرة ستطلقها بعد قليل:
تحية لفشلك الأخير ، أيها الشرقي العنين ،
لم يهتم إطلاقا سلطان تيه لهتافات أهل الكهف الذين استيقظوا في لحظة واحدة وأخذوا ينشدون ،منفستو موسى عليه السلام، ذي العشر نقاط ، ما عدا فليستطونس، كان ، وبصوته القديم الأجش يغني ،
طوبى لرجل سيصبح أبًا لنبي يثأر لبني إسرائيل ،
طوبى لرجل سيصبح،
أبا لنبي يثأر لبني إسرائيل ،
طوبى ،
طوب
سأثأر لنفسي الآن ،
طوب لرجل ، يثأر لنفسه، بابن،سيغدو نبياً،لينقذ بني إسرائيل
لا ، لا ، لا، لا تزن ، لا تزن ،
هو ، هو ، هو، هو ،
يؤتي إليك يوم القيامة بفرج ،
عندما اخترقها الشيء حارًا ارتجفت قليلاً ، وقفزت للأعلى ، ولكنه توغل،
أكثر،وأكثر وأكثر،و كلما حاولت التملص منه توغل : أكثر،
رطنت بلغة الللا لا بما يعني
نجحت هذه المرة ،لعنة الرب عليك ،
واستسلمت ،سيطر عليها شبق دغلي مفاجئ ، اشتهاء بذيء ،ولذة وحشية نادرة،
عندما خرجا في طريقهما إلى الكواكيرو ، وتحت شجرة الحبحب كان ينتظره فليسيطونس ،كانت أدمعه تسيل علي خده ، قال له والعبرة جرح برئتيه عميق و خنق،
طوبى لك ،خلد ذكرك ،
* *
قال له الكواكيرو بعد أن أكمل ضيافته وأجلسه قربه :
نريدك أن تبقي معنا هنا ، تصبح موطن مثلك مثل أي شخص من القبيلة، وبإمكانك زيارة أهلك متى شئت ذلك، فقط نطلب منك أن تعلم أولادنا القراءة والكتابة بالطريقة التي توجد في الشرق أو بلاد البونا أو أي مكان آخر،
ثم أضاف ،
وإذا شئت زوجناك سنيلا ، أعفيت من أكل ما تبقي من الذئب،
نعم ، سنيلا ،
عندما تذكر سنيلا يسكت عن البدائل ، وتهون في سبيل سنيلا المصاعب كلها وتستأمن جميع المخافات ،
أول زيارة لنا للمدينة ، لن نعود مرة أخري أبداً ، تزوج سنيلا علم الأطفال شهرًا علمهم شهرين ، ثم أطلب زيارة أهلك أنت وزوجك بالتأكيد ، وحينها فليرحم الله مشروعك الحضاري يا الكواكيرو الطموح ، سيركب الكواكيرو الطواحين الهوائية ويلوّح إلى دون كيخوتا بلسانه ، أما أنا ، لم يخلقني الله للعيش في الأحراش ، أنا ابن المدينة ، ابن جامعاتها ابن التكنولوجيا وعصر الاتصالات ، أنا مشروع بروفيسور هل يعلم الكواكيرو ماذا يعني البروف ، أعلم الأطفال ، أي أطفال ،مثلي ، وهذا حق يحتاج إلى زوجة جميلة بيضاء البشرة ، متفردة ، فلتكن من البونا أو كما يسمونهم، فلتكن سنيلا ،فليمت الصادق الكدراوي بغيظه،أين تجاربك،أين نظرياتك،إن مل تقدك إلى صدر فتاة جميلة ، ما تفيد،أين علم استمالة النساء،
أيها : الكارما بهارتا المزيف ،
ولكن هل كان الكواكيرو : غبياً ،
قال له الكواكيرو بصوت هادئ تجلى بجعة الأناناس ،
عندما تخرج أول جيل من الطلاب، في ذات اليوم ، نشونك بالتبر ونحملك بعربة البونا في زيارة لأهلك بالمدينة ،أنت،وزوجـك سنيلا ،
لا، لا، ذلك من تخبيث الحاقدة فلوباندو، ربما ترجمت خطأ ، أُخرج جيلاً من الطلاب ثم أذهب ،كم يوم كم شهر كم سنة ، هذا تخبيث شخص خبيث ،
لا تتعجل الأمور يا سلطان تيه ، ففي التأني السلامة، كن صبوراً فالصبر قطار الأمان وإن وصل متأخرًا إلا أنه سيصل في سلام ، في العجلة الندامة وهي التي هربت سنيلا، يوم أن تعجلت الصراخ ، ألعن الشيطان يا سلطان ، قل، إنك تزوجت سنيلا أقضي حاجتك منها واهرب ، بها أو بغيرها ، ليلة ليلتان من المراقدة الفاعلة ويخبو بريقها وتصبح عندك شيئاً عادياً ،
لا غموض ،
لا تشـوق ،
لا رقـصات ،
ولا ،
ولكن هل كان الكواكيرو غبيًا ،
قال له الكواكيرو وهو يدخن التباكو مخلوطاً بمادة الدرم المخدرة ،
في اليوم الذي نتفق فيه تصبح سنيلا خطيبتك ، أي في انتظارك، وذات يوم الاحتفال بتخريج أول جيل من الطلاب ، سيكون يوم فرحتك وفرحة الدغل الكبرى،
لا ،لا ،
إنه تخبيث شخص خبيث ، إنه خيانة مدسوسة في الترجمة ، لن أدرس الأطفال، أنا خلقت لأصبح أستاذاً جامعياً، ولا أقبل بغير ذلك ، فلتذهب سنيلا وفلوباندو وأية عفريتة أخري للجحيم ،
لا تتعجل الأمور ، أنت تعشق سنيلا ، إن العشق يؤذي كما يقول الصادق* ، لا تكن أحمق، كن شجاعاً في حكمة، ومن أجل الحكمة ذاتها : كن جباناً ،
حكي لي الكواكيرو عن خذلان مستر جين لقبيلة اللا لا منذ أكثر من عشرين عاماً ، وكيف أن الحال تردي بمستر ومسس جين وأخذا يمشيان عاريين ، عراة تماماً كما ولدتهم أمهاتهم ،يمشون هنا في شوارع القرية، وعوراتهم يرك عليها الذباب ونحل العرق مدعين أنهم أكثر سعادة ، أنظر أي سعادة في: العري ،
إنه حقد البونا القديم وبخلهم بما يعلمون ، وفوق ذلك كله يودون تخلفنا أكثر وأكثر ، فطردناهم ،مثل قطين شريدين، تركا طفليهما ،و ذهبا ، إلى عهد قريب كان الناس يصادفون مستر ومسس جين في الأحراش ، نما الصوف علي جسديهما ، رأى ،وهذا وفقًا لشهادة رجل لا يكذب ،هو أبريا، ذلك الشيخ الذي نحترمه جميعاً،كان أبْريا يجمع الكراواو في دغل عشيب ، وبينما هو يخترق العشب الكثيف إذا به يجد نفسه وجهًا لوجه أمام شخصين أبيضين مشعرين كقردين من فصيلة العوا ، لهما ما يشبه الذيل ، هربا بعيداً ، يصرخان ،هي لعنة الجد برمبجيل التي أصابتهما، قال سلطان تيه، استقر الصراع النفسي به إلى لا شيء ،
سأدّرس الأطفال ،
ثم أضاف في عمق سحيق من مأساته
ولا نامت عين الجبناء ،


البداية
فلوباندو تعلمه لغة اللالا كلغة وسيطة بينه والتلاميذ ، كان رديئا في استيعابه،
لا رغبه لي في أن أعرف كلمة واحدة من هذه اللغة البائدة ، والتي لا يتحدثها في العالم كله أكثر من مليون مواطن فقط ، في عالم يقدر عدد مواطنيه بالمليارات ، بينما الناس خارج الدغل يتسابقون لتعلم آخر لغة كمبيوتراتكم استخدامها أتعلم أنا :
إييلي بني ، أمبوروو ، دخو ، دوخو ، بوغو ، مرّسي ، إلى آخر لغة أول من تحدث بها الشيطان ،
أنت ،
نعم ،
لا،
أنت ،
لا ،00000
أنت ،
ذو الرأس المستطيل كالبطيخة ، قل كيو،
يوكو ،
حمار ، يا كلب السمع ، يا بليد ، قول كيو وليس يوكو ،
يوكو ،
أجلس يا حمار الوحش ،
كان يخاطبهم باللغة العربية واللغة الإنجليزية ، برطانته القبلية الخاصة ، بما تعلمه من لغة اللا لا البغيضة إلى نفسه ،بلغة العصا/ اللسان،
صبرا يا كواكيرو صبرًا ، أتريدهم عصريون بشروطك الخاصة ، متصلين جذورهم وثقافاتهم ، باقين بدغلهم ، وهم يتعاملون بالأنترنت والأنترانت ووندوز 2000 ، يصنعون الطائرات والسيارات ، يداوون السرطان والجمرة الخبيثة ، ينتقدون ما بعد العولمة وسياسة والاحتواء، يتحدثون عن الخطاب الروائي الحديث وتي أس إليوت ، وأنا هذا السلطان تيه الطريق إلى ذلك ،أعلمهم ما لا أعلم أنا نفسي ،حسناً ، استخدمت ضدي سلاحين ،
المرأة،
والحراب ،
وأبقيتني لتحقيق حلم الأطفال ، حلم ساذج ، حلم عجز عن تحقيقه أبناء القبيلة أنفسهم حطمتني ،حسنًا ،
أما أنا ، فسأقتلع أطفالك من جذورهم البائدة والتي تحاول أنت إبقائهم بها،حسناً، سأجعلهم مسلمين ، وذلك من أجل شيئين ،
1) لأكتسب فيهم أجرًا يدخلني الجنة ،
2) لأقتلك بالغيظ ، كمداً ،

* * *
في اللحظة ذاتها التي حدد فيها سلطان تيه هدفاً واضحًا : أن نصب نفسه رسولاً استثنائيا لإدخال تلاميذ بيت التعليم الإسلام ، بدأ يعمل بجدية وبروح جديدة مشرقة ، أخذ يعامل الطلاب بخلق صوفي نبيل : لا يشتمهم ، لا يضربهم ، ولا يلسنهم ، وعندما بدأ يعشق عمله و سنيلا فقط ،بدأت رياح التغير تهب ، حضر بابو الغريب ، بابو ابن نادية ابنة الكواكيرو الكبرى ، حضر ذات عصر ممطر يقود وحده عربة جيب 99 ذات لون أحمر ساحر ، أوقف العربة تحت شجرة جوغان ضخمة وأخذ يستعمل المنبه بصورة شاذة جعلت القرية كلها تهرع إليه ، عندها نزل الأرض ، يرتدي بدله أسموكن بيجية ، وربطة عنق بها ألوان كثيرة هادئة ، وجهه ناعم ، به رقة أنثوية تعلن عن نفسها ذو أصابع لينة دافئة، كما لاحظ أهله ذلك من الدغليين ذوي الأكف الخشنة المتشققة ،صافح كل القادمين،
واحدًا واحدًا واحداً ،يداً بيد ،
عرف أسماء بعضهم وخاصة أصدقائه من المحاربين ، عرف الأسماء الأسرية للبعض الآخر وشبه البعض ، بكي الناس فرحة بعودة الابن وبكوا أيضا عندما سأل عن أمه ،
إنها ذهبت لتلبية نداء الأسلاف ،
أخذه جده الكواكيرو إلى المنزل وهنالك بكي كثيرً ، وتحدث كثيرًا ،
شرب الدنبا التي اشتاق إليها كثيرًا ، تحدث عن عشرات أبناء القبيلة بالبلاد الأخرى واحداً واحدا قال ،
إنهم جميعا سيأتون ،
قال لآبائهم وأمهاتهم
نحن علي صلة ببعضنا عبر تجمع أبناء الأوسط والشمالي ،
هل نوجا معكم أيضا ،
نعم ، إنه معنا ،
هل شينو معكم أيضا ، ًنه إبني ،
نعم ، إنه معنا ،
وهل دنقو وهل رودنا ، وهل مابا ، وهل لوبا ، وهل دودو ، وهل نيلو ،
نام وتركهم حوله يسألون ويتفاءلون ، وعندما أراد الجمع الانصراف أنتفخ الكواكيرو قائلاً ،
ألم أقل لكم أن الأبناء سيأتون ، قلبي لا يكذب فليستعد القوم غدًا للاحتفال ببابو وبما سيقدم من أبناء ،
لم تكن له متعلقات كثيرة ، فقط حقيبة صغيرة بها بعض الملابس الداخلية وبجامة النوم وتحتوي أيضا علي جواز سفر ، وبعض العملات الأجنبية والكتب وراديو صغير ديجتال وله في جيب سترته جهاز اتصال إرسال واستقبال km 30000، استيقظ مبكراً ، ليس كعادة أهل الدغل حيث أن البرد الصباحي القارس يحول دون فراقهم لمراقدهم الدافئة وبطاطين الرافيا الثقيلة كما أن ،
ما الشيء الذي نستيقظ من أجله مبكرين ،
ذهب للبحيرة كمحاولة عاطفية للربط بين الماضي والحاضر ولإشباع الرغبة في تأكيد عودته إلى الدغل ، هنا حمام القرية الطبيعي ومنذ طفولته المبكرة كان يحضر وأقرانه للاستحمام واللعب ، ما تزال البحيرة تحتفظ بدفء أجسادنا ، ، وسيتذكر الأشياء كلها مدغولة بسفره الشاسع من أجل العلم ، ولكنه لا يستطيع أن يعطي مساحة للماضي لرقص هذا الغياب الممتد الحزين ، لأن برأسه أشياء وأشياء يفكر فيها ، أشياء بكبر الدغل ، وعندما لحق به بانا رودنا طلب منه مصاحبته في جولة حول المكان دارا في الغابات المجاورة ، أماكن مياه الشرب ، التلال الصغيرة ، الأحزمة النباتية الكثيفة الخيران ، إبط الشيطان ، إبطُ ،إبطُ ،وشيطان ، وشيطان ، وكان ناعمًا صلداً لا يتعبه المشي ولا خوض البرك والطين أو صعود الجبيلات ، ولا اختراق الأعشاب الشوكية ، كان ناًعما صلدًا ، مما أثار إعجاب بأنا رودنا،وأثار دهشته،
هل هنالك جبال وغابات ونخيل وشوك ، وطين مثل هذا الطين ،
ضحك بابو ،
لا ، لآ، ولكن تدربنا علي مناخ وطبيعة أكثر تعقيدًا من هذا المكان ،
ولكنه لم يقل له أنه تخرج من كلية عسكرية ذات مكانة وكفاءة لا مثيل لها في العالم كله، إنه برتبة جنرال ، وعندما عاد كانت في انتظاره وجبة الإفطار بحضرة علية القوم ، ولكنه إجتمع أولاً بجده الكواكيرو لما يقارب الساعتين والنصف وعندما خرج من خلوة الكواكيرو رفض الكواكيرو الغداء وذهب مباشرة إلى منزل بنيته الكبرى لألأ فهي تصنع أجود أنواع الدنبا المسكرة وأعلن لابنته وهو سكران شديد النعاس أم نعسان شديد السكر
قولي لهم ليس هنالك احتفال،
* * *
وعند الظهر عاد اثنان من الطلاب علي عربة جيب واحدة ومن ذات طراز عربة بانا
ثم لحق بهم اثنان ،
ثم لحق بهم جاقو ،
ثم لحق بهم اثنان ،
ثم لحق بهم اثنان ،
ثم لحق بهم تيم ، ثم لحق بهم ،
وفي العصر كان الاجتماع ، في العصر كانت قمة الدهشة بقافلة سيارات الجيب الجميلة ، في العصر يتسلل الظن إلى خسره الأول ، ولأن الناس لا يعرفون لماذا الغي الكواكيرو الحفل ، فإنهم أقاموه ، في عمق الصخب وغناء الآباء والأمهات والأخوان والأخوات والأصدقاء والعاشقات بقدوم الأبناء وانتظار من لم يحضر ، تحدث البرت وهو الاسم الجديد لسامبو، ابن الكواكيرو ، الكواكيرو أيقظ من نومه المسكور، جلس متهالكاً محبطًا ينفس دخان غليونه يمنة ويسرى وأمامه يري لا شيء غير ابتسامة مستر جين عالقة في الهواء ، قال البرت ،
إنهم طوال هذه السنوات لم ينقطعوا أبدا عن الدغل ، لأن الدغل كان فيهم ، وإنهم يذكرون سكانه فردًا فردًا ، ويعرفون غاباته شجرة شجرة ، طيوره ، دود القنطور ، ذئابه الكراواو ، ويعرفون ويعرفون ،كل شيء ، وإنهم الدغل ، والدغل روح تهيم فينافي غيابنا عنكم ، حضورنا فيكم ، والرجل كما يقول برم بجيل ، لا يسوي شيئاً بدون غابته
قال البرتو،
لماذا لم نعد إلا الآن ،
نعم ،
كنا نعد لهذا اليوم ، كل سنوات سفرنا ، نعد لهذا اليوم ،
الناس صامتون ، صمت حذر ، الناقرون وضعوا عصيهم جانباً ونقاقيرهم : جانبين ، المغنون نحوا أغانيهم الزرقاء جانباً وألحانهم ألف جانب ،الوقت انتظار كبير موتور ،وكأنما هنالك ملك يحتضر ، ملك شرير ، كان يقول ويقول ويقول ، كانوا يسمعون ويسمعون ويسمعون ، ولايفهمون ولا يفهمون ولايفهمون ،الكواكيرو بدأت عليه دلائل قلق عصي ، يحشي غيلونه بالتباكو ، الأطفال يصعدون علي ظهر عربات الجيب الجميلة ، يلعبون ،
عندما تعلمنا عرفنا تفتحت أعيننا لأشياء كان يعمينا عنها الجهل ، فرأينا الدغل كما يجب أن يري ثرواته وأهمها البترول والذهب ، الثروة الغابية والحيوانية وهذه لا تقدر بثمن أو تعد ،ولكن ، لماذا نظل نحن سكان الدغل أفقر الفقراء ونحن أغني الأغنياء لماذا نحن جائعون ومتخلفون عراة وجاهلون،
ثم تحدث العائدون عن حرب الإبادة الشاملة وأعادوا ذكري حرب 1950، بتفاصيل نسيها من حضر الحرب من الشيوخ واندهش لدقتها المتذكرون ، كانوا يعرفون كل كبيرة وصغيرة عن حرب 1950، ولولا أنكم لا تستطيعون القراءة والكتابة لعرضنا لكم الوثائق الآن ، ثم تحدثوا عن حرب 1952 التي عرفت في التاريخ بحرب التهجير والتي أجبرت فيها كثير من القبائل الدغلية علي هجر الدغل والإقامة علي هوامش مدن الشرق المتحضرة والخضوع لبرامج تثقيفية تهدف لطمس هوية الدغليين وتشريقهم ، مسخهم ،
الآن تفتحت أعين أعيننا،
والآن تفتحت آذان آذاننا ،
وجئنا لنبصركم ما أبصرنا ،
ونسمعكم ، ما سمعنا ،جئنا لنوحد القول والرؤية،
فآن الأوان لكي نتحرر ،لكي نستقل ،لكي ننشئ دولتنا التي تخصنا، ونستمتع بثرواتنا والتي تسرقها الآن حكومة الشرق،
ثم تلي عليهم وقائع المؤتمر الثامن للحركة الوطنية للتحرير والذي ضمن مقرراته أن، يبدأ العمل المسلح الآن ،
وقف الكواكيرو علي رجليه لكي يراه الجميع ، قال ،
نسي الأبناء أننا هنا ما زلنا لا نفهم الكلام المعقد والناس جميعًا هنا يريدون أن يعرفوا منكم باللغة التي يعرفونها ،
هل ستفتحون بيوتًا للتعليم ،
هل ستفتحون بيوتاً للشفاء ،
هل ستستغلون التبر في تعمير الدغل وإنشاء الصناعات المفيدة ،
هل ستحاربون الملاريا والجدري والسل ومرض العظام ،
هل ستبدءون ذلك اليوم ،
قولوا لهم ذلك وستسمعون النقارة تدق تحت كل شجرة وكل قصب الدغل سيتحول إلى مزامير وإيقاعات ، قولوا لهم ذلك وسترون البنيات الجميلات يرقصن التاتاتا ،قولوا لهم ذلك ، وسترون كيف يلعب الأطفال لعبا لا يحلم به أحد،
قال موس وهو ابن المحارب جامبو ، قضي بالخارج ما يزيد عن الخمس والعشرين عاماً وكان ضمن أول دفعة أرسلها الكواكيرو للتعلم،
وهذا ما سنفعله ،
وهذا ما سنقوله ،
ولكن ليس الآن ، الآن يجب علينا أن نتحرر ، أن نستقل بأنفسنا ، أن ننشئ دولة باسم الدغل ، دولة تحمي مصالح الدغليين وتنهض بالدغل لتضعه في مصاف الدول المتقدمة ولدينا ما يحقق هذا الحلم ، نحن نعد لذلك منذ خمسة عشر عامًا ، أي، منذ أنشأ أبنائكم بالخارج الحركة الوطنية للتحرير ،
قال الكواكيرو ،
إذاً أنتم تنون الحرب ،
حرب التحرير ،
شهدت بنفسك حرب الإبادة في عام 1950، رأيت كيف يقتلون الأطفال والرجال بلا رحمة ، مليون ونصف من البشر طحنوا طحناً تحت جنازير الدبابات أو شوهوا بقاذفات اللهب أو أخذوا عبيداً ومساجين في الشرق،شهدت حرب التهجير ، بعد عامين من ذلك ، ورأيت كيف يؤخذ الناس للعيش قسراً علي هوامش المدن وهنالك تتفه معتقداتهم ، ويؤتى لهم بدين جديد ، تتفه عاداتهم وتقاليدهم ، ويؤتى لهم بخلق جديد ، تتفه ثقافاتهم ، ويؤتى لهم بثقافة أخرى لا تمت إليهم بصلة،ومن منهم يستطيع أن يقول لا ، لأن من يقول لا : يقتل في الحال ، أنت تعرف ذلك،والآن ما سبب هجرة قبائل لالا وشاري وفترا وكا إلى هذه الأصقاع النائية من الدغل ، وأين هي مواطنكم القديمة في يد من ، أين منجم الذهب الكبير، في يد من،من أين يستخرج الشرقيون البترول، لمصلحة من ،
وأين، وأين ، وأين ،
ولمن ،
إنها لحرب مقدسة ، والآن ما علي المحاربين الشجعان إلا أن يستعدوا لتلقي التدريب العسكري الحديث علي الآليات المتقدمة ،التي هي في الطريق إلى هنا الآن ، ونحمد الله علي أن من أبنائكم مائة طالباً تلقوا تدريباً عسكرياً عالياً وتخرجوا بشهادات رفيعة من أشهر الكليات العسكرية في العالم ، وهنالك الأطباء منهم والمهندسون والمعلمون والمفكرون في شتي ضروب المعرفة سنشتري آلياتنا الحربية من مخزون الدغل ، من آباط شياطينه ، كما أننا لا نرد الأيدي الخّيرة التي تمد إلينا من الدول الصديقة الكبرى الحادبة علي مصلحتنا القومية، من أراد من الشعب التعليق فليتقدم إلى الأمام :
فسأل مواطن
فسأل مواطن آخر
فسأل محارب ،فسأل محارب ،فسأل محارب ،فسأل محارب ،فسأل محارب ،
سألت كريبا العجوز بصوتها العميق الحلو :
هل سنذهب للشرقين في مدنهم ونحاربهم هنالك ،
الشرقيون هنا في مدننا ودغلنا وقرانا إنهم في حدوننا الإقليمية ينصبون أنفسهم حكاماً علينا وحماة لنا من أنفسنا ، يستمتعون بثرواتنا نيابة عنا، وفي أرضنا يسرحون ويمرحون ويقتلون،
وانتهي الاجتماع بشكل غامض ، وخرج الناس بفهم مبهم للحرب أو الرفاهية ، حيث أختلط المفهومان في أذهان الدغلين البسطاء خلطاً بائساً،
الذهب ، البترول ، الغابة ، السكن المريح ،الذهب ، البترول ، الغابة ، السكن المريح ، الشفاء ، التعليم ، التطور : الحرب، الشفاء ، التعليم ، التطور ،
الحرب،
كان الناس ينفضون عن الاجتماع يتحاورون يسأل بعضهم البعض في اتهام صريح وتشكك في أن الآخر يفهم ولا يريد أن يقول ،
أعرف ،إننا سنحارب الشرقيين ، ولكن لماذا ،
والأغرب من ذلك كان كثير منهم يسأل الكواكيرو الغاضب الحزين ،
متي ستبدأ بيوت التعليم في استقبال الأطفال ،
هل يتاح لنا أيضا حضور الدروس ،
من من هولاء يعمل في العلاج ،
* *
تيم الأنيق الوسيم هو الذي استجوب سلطان تيه ، كان يجيد الإنجليزية والعربية والأسبانية والفرنسية أيضا ، كان سفيرًا طائراً لحركة تحرير الدغل الوطنية ، شخص ذو ثقافة عالية ومعرفة مدهشة بالعملية السياسية في العالم وله علاقات مع مئات من حركات التحرر ويعرف قادتها واحدا واحدا ،فوق ذلك كان رجلاً طيباً وعاطفيًا ، لم يستغرق الاستجواب كثيرًا لأن تيم إقتنع سريعً بأن سلطان تيه ليس بجاسوس شرقي ولكن من الأحسن أن يغادر الآن الي شرقه ،
ولكن الوقت ليلاً ،
تصرف ، تصرف يا رجل ،أمامك إلى منتصف الليل سنعطيك سلاحاً شخصياً ، ربما هاجمتك بعض الوحوش ، أقصد ما تبقي من وحوش ،
قال سلطان تيه وكان جادًا وصادقًا وحزيناً ومؤملاً في ذات القول ،
هل تسمحوا لي أن آخذ سنيلا معي ،هل تسمحون ،
قال تيم الوسيم مبتسماً
سنيلا ،ولماذا سنيلا ،
إنها من مواطني الدغل ،ومواطنو الدغل سيبقون بالدغل ،
* *
كان سلطان تيه يعد نفسه لمغادرة الدغل،ترك له تيم سلاح شخصي حديث وبه ذخيرة بكمية معقولة ووداعاً مدهشاً ،
هؤلاء الصعاليك أي مدينة داعرة أفاختهم ،‍‍‍‍أي‌ جحيم،وداعاً أصحابي أهل الكهف حمران: زادك الله نوماً كالموت ،
كان يحملق في خربشة الكلب علي الحائط حينما سمع صوت فلوباندو في الخارج، أنت ماذا تريدين ، لقد قال تيم كل شي‍،كما إنني مشغول برحيلي ولا أرغب أية امرأة ،
قالت ضاحكة
ومتي كنت ترغب في امرأة ، لقد كنت أشهرعنين وطأت قدماه أرض الدغل،
قال وهو يحس بجفاف مر في حلقه،
يبدو أن ذاكرتك لا تحتفظ بشيء،
فانفجرت بضحك صاخب ثم سكتت فجأة ، رقدت علي فراش الموز مباعدة ما بين ساقيها رافعة رجليها لأعلي قالت ،
الرجال ، الذين تحترمهم النساء يستلقين من أجلهم هكذا، ، والرجال الذين لا تحترمهم النساء يعطينهم مؤخراتهن فقط ،
ثم نهضت في حركة رياضية بارعة وقالت ،
أرسلني إليك الكواكيرو،
قولي له سلطان تيه لن يذهب إليك ولا يريد محادثة أحد إطلاقا،
يبدو انك غضبت لأنني أريتك الفرق بين العنين والرجل الفحل ، لا يهم ،المهم أن تذهب للكواكيرو ، وعليك ألا تخلط ما بين الشخصي والعملي ‍‍‍‍،
لن اذهبن،
الكواكيرو يريد أن يزوجك سنيلا الآن،
لن اذهب،
ولكنه أحس في ذاته بأنه سيذهب ولكن ليس مع فلوباندو ولا أن تشمت عليه فلوباندو ولن ينكسر أمامها …ـ ألا ترغب في برصائك المحببة إلى قلبك, لأول مرة في حياته يحس بأنه يجب عليه أن يقتل أن يقتل ، والإحساس بالحاجة لقتل إنسان إحساس لذيذ عنيف يسري في الدم كالثعبان المسحور ، ودون أن يدري وجد نفسه يقبض علي سلاح تيم الأوتوماتيكي ،يحشوه في سرعة رهيبة ويصوبه ناحية فلوباندو ،كانت تنظر إليه في دهشة وهو يرد في حماس مسعور ،
سأقتلك الآن ،سأقتلك ،سأقتلك ،
كان يرتجف كزرزور عجوز صعقه البرد،تيار القتل الخبيء يدب فيه ،يحرك أنامله نحو لذة إنهاء شيء ما :فليكن فلوباندو ،لا فرق والموت يسري ،فليسطونس، الراعي النؤوم ذو حمران،يهمس الراعي في أذنه بينما يمسك بيد باردة قديمة عجفاء نخرا ذراع سلطان تيه : بقوة ،
لا هكذا يتعامل الرجل مع المرأة، فلقد خلق الله المرأة لكي تنجب لنا الأطفال ،وهاهي قبل لحظات تشهدك سر خلقها ، فلقد باعدت لك ما بين نهريها وأرتك ما لو أرته لحجر لتمطت شهوة فعله ،وها أنت تري المعجزة وتصر علي الكفر،
وأخذ منه السلاح والقي به بعيداً ،كان سلطان تيه يرتجف كعصفور بئيس مصقوع،
ما هكذا ،
ما هكذا ،ما هكذا ،ما هكذا ،
ما هكذا ،ما هكذا ،ما هكذا ،
وعندما برد شرر عينيه وانكسر في داخله اشتهاء القتل أحست بالندم تجاه إنسان لا يستطيع أن يقوم بشيء وهل تريد قتلي ،إنه ليس بالإمكان : لم تتنبأ أية عرافة كانت بأنني سأموت علي يد إنسان غريب وهذا وحده هو الذي جعل فلوباندو تكذب ما تري وعندما انكسر وحش عينيه أحست بشفقة نحوه
فليقتلني إذا ، أهون ،أهون،
قال وهو يتشلاشي في فضاء الكوخ
أين الكواكيرو ‍‍‍‍‍,أهو بمنزله،سأذهب إليه ،نعم ،
فبكت فلوباندو ، فبكت فلو، با، ن، دو، فبكت فلو، فلو،فلو،فلو ،فلو،فلو،فلو،
بكت،
ركعت أمامه وكأنه إله أعظم ،وكأنه عظيم غير متناه ، أخذت تقبل قدميه وترطن ترطن، ولأنه كان كأضعف ما يكون تذكر الصادق الكدراوي وحاول أن يتمثل ردة فعله الآن : في هذا الموقف بالذات ،همس تمليخا في أذنه ،
إن فعلت هلكت،
همس فليسيطونس في أذنه ،
إن لم تفعل ، هلكت ،
ولكنه سأل نفسه : ما هو الفعل،
حاول أن يهدئ من روعها بكلمات أحس فيما بعد أن لا معني لها، طوال الطريق إلى منزل الكواكيرو كانا صامتين ، كلاهما ينظر للأرض،كان منكسراً لأنه انكسر، كانا منكسرين ، قالت له فلوباندو، ـ هل تذهب للبحيرة ، سوف نستحم ، كانت جريئة وعميقة وقوية وامرأة جداً، أهي مزحة ماكرة أخري ،
سنذهب أولاً للكواكيرو،
ثم سألها في سر سره : هل سترقصين ، قال لها،
سأرحل الليلة علي كل حال ،فلقد أعطاني تيم فرصة ساعات قلائل،قالت بصوت خفيض مشروخ ،
كلنا يعلم بذلك ،
فقط لمنتصف الليل،
نعم ،
أتري ،
ماذا يريد مني الكواكيرو ،
لا أحد يعلم ما برأس الكواكيرو في هذه الأيام غير إنه محبط وبائس ،
بدت القرية وهما يهبطان الجبل ، تحتهما ، قرية أخرى ، فمنظر عربات الجيب الجميلة من انعكاس أشعة الغروب وحركة الأطفال السريعة المندهشة والطيور البيضاء الكبيرة التي تذهب بعيداً تعبر أفق الرؤية ما بينهما ،الشمس التذهب للغروب والناس اليتحركون ما بين هنا وهناك مسرعين ،سيقضون حاجاتهم مستفيدين مما تبقي من ضوء الشمس ويسمون هذا الوقتبنجارو، أي الزمن الذي من ذهب ،
أين تكون سنيلا الآن سنلتي الجميلة المتوحشة ،سآخذها معي للشرق ،حتماً ،حتماً ، يعود المحاربون علي حمر الوحش من رحلات صيدهم البعيدة محملين بالكراواوا ودود القنطور لحم الغزلان والطيور الكبيرة وقصص طازجة عن صراعهم مع فتايات الكا الجميلات والوحوش ، وسيحكون تفاصيل رحلاتهم وهم يتناولون دنبة ما بعد مغيب الشمس ،أطفال يقومون بتطبيع صغار حمر الوحش ،صراخهم يأتي من بعيد ويمكن رؤيتهم أيضاً هنالك في أطراف القرية وحولهم بعض الكبار يضحكون ويقدمون النصائح ، تقف عربة جيب بيضاء تشع نوراً بالقرب من شجرة كبيرة علي ظهرها نساء كثيرات صغيرات جميلات يلبسن البابيت الملون ،مروا أمام فلوباندو وسلطان تيه قبل أن تستقر بهم العربة الجميلة تحت شجرة الحبحب العملاقة ، البنيات الصغيرات الجميلات عاريات الصدور ،الناهدات الصدراوات وكأنهن حمائم الجبال البعيدة، كن منفعلات مندهشات وفيما يشبه الصدمة ،وكل واحدة منهن تحاول أن تتحدث مع السائق ذو الطلعة التي لا تشبه طلعة الصبيان الذين اعتدن عليهم ،ذو رائحة ياسمينية لا كعبق دود الكراواوا والذي هو رائحة صبيان القرية ،
وله ،وله ، وله ، ليس ل ،
قالت فلوباندو لسلطان تيه ، كل شيء سوف يتغير في القرية ،نعم ، وهذه هي سنة الحياة ،
ولكن ، كما يعرف ،إن للصادق الكدراوي رأي آخر،وإذا شاهد ما يشاهدون،همس في أقرب إذن ،إنها وليمة بشرية ، وربما يؤكد ذلك قول فلوباندو، إن هؤلاء الصبية القادمين من بعيد مثل عصافير ودولا، ترهقهم مضاجعة الفتيات أبداً ، وإنهم أدخلوا أسلوباً جديداً لا يعرفه الدغل ، وتندفع إليهن الصبيات ربما لإشباع حب الاستطلاع :
أن يتحدثن للأخريات ، قائلات
إنه لحس شيء بلسانه ، إنه ،
إنه، إنه ،
وعندما اقتربا من الجيب أكثر حيت فلوباندو الصبيان ثم قالت لهن بلهجة فترا التي لا يعرفها القادمين ،جملة جعلتهن ينفقعن ضحكاً مما خل فليب ابن أخت الكواكيرو ينظر يمنة ويسرة في حيرة مما يجري ، ويبتسم بالخيبة :عزلة ،
وجدا الكواكيرو ثملاً ، حوله قرع الدنبا، تفوح منها رائحة الأناناس وعليها رغوة بيضاء كأنها سحابات أول الخريف ، قال له أن يجلس،
يا بني ،
كان لطيفاً ولو أنه قلق،
أعطه قليلاً من الدنبا، إنها تشعل القريحة ،
كانت الشمس الآن تغرب،يظلم المكان حوله شيئاً فشيئاً،
ها هم كما تري ، قد عاد أبناؤنا الذين أرسلناهم في السنوات الماضية للتعلم في بلاد بعيدة ،قد عادوا ، كنت أرقب هذا عن كثب ، قد عادوا،
أعرف إنك تريد أن تقول لي ما قاله تيم، إنه لا مكان لي بالدغل ، بالعكس هذا يسعدني إن لدي رسالة في الشرق أريد أن أكملها ، أريد أن أهاجر أنا أيضاً إلى البلاد البعيدة حيث أتزوق طعم الحياة ،
قال الكواكيرو وهو يدفق كأسا مزبدة من الدمبا في فمه الكبير ،
هل رأيت واحداً منهم ، هل صافحت أحدهم ،إن أكفهم أنعم من أكف نساء سلطان فترا إن الصبيان يتلذذن عندما يضغطن فأكفهن الخشنة علي أكفهم :بقوة ،فيتمايلون توجعاً مثل دودة الموز، وأنهم الآن يريدون الحرب ، ولا شيء غير: الحرب ،
إنهم أبناؤكم ولا دخل لي في شأنكم وأنا سأغادر هذه الليلة إلي الشرق ،
دفق الكواكيرو كأساً أخري من الدمبا في حلقه العميق الفور ،
ليسوا أبناؤنا الذين أرسلناهم ، إنهم مسخهم ، المهم ، أنا أريدك يا سلطان تيه أن تواصل في تعليم الصغار هنا بالقرية ولك كل ما تشاء ، فلو شئت إبط شيطان بكامله، أعطيتك ،
وإذا شئت قنطاراً من الملح أعطيتك ، أما سنيلا : فهي لك منذ هذه اللحظة ، وإذا أردت زوجتين ، زوجناك فلوباندو أيضاً ، فقل ،ماذا تري،
زوجتان ، زوجتان، زوجتان، زوجتان،
ضحك فيه الصادق الكدراوي، ضحك فيه ، في عمق أسود مغبوب،عمق كالجراد ،ضحك فيه ، ثم عليه ، ويلك أيها الصديق من النساء : وأنت لا تصلح لطفلة دعك من فتاتين ، وأي الفتيات هن ، فلوباندو/ سنيلا ،
وإذا شئت جعلتك أحد أفراد هذه القبيلة ، وإذا شئت نائباً لي ، وإذا شئت كواكيرو ، في مكاني ، فقط أبق معنا هنا،
دفق الكواكيرو كأسا مترعة من الدنبا ومسح رغوتها بظهر كفه ، علق علي شاربيه بعض شراب الأناناس الرائع ،
لست سكران، أنا لا يسكرني بحراً من الدمبا ، لا تسكرني غابة من عرق النخيل، هذه جبهة جديدة للحرب والموت ابتدعها الكواكيرو ونصب نفسه عدواً للقادمين : صعاليك مجرد صعاليك حرب لا أكثر ،
قال له الكواكيرو
سنعزلهم، والجميع سيملهم بعد قليل ، إنها دهشة الأشياء الجديدة وحالما يملونهم عندما تهب الريح تغري الأشجار بالطيران معها فتتراقص الأشجار وتحاول أن تقلع نفسها عن الأرض ، وحالما تذهب الريح وتصبح الأشجار في أماكنها ، ويا حسرة من اقتلعت نفسها من علي الأرض، فلا طارت مع الريح ،ولا بقيت علي الأرض،
ودفق ، ودفق ،
ودفق الكواكيرو كأساً في بئر جسده الضخم ، ودفق ،
في الخارج ومع بداية هطول الظلام أقام القادمون حفل الرقص، وكان من بينهم ، أمازو الفنان والذي يعرفه الكثيرين في بلاد الهجرة ،طفقت شهرته آفاق بعيدة ،لديه بعض الأغاني بلغة لا لا، يغني بالإنجليزية وبالفرنسية ،يقلد كل أغاني بوب مارلي وبيتر توش وخوليو، يحب أيضاً البيتلز ، طويل رشيق ناعم الوجه والأطراف ،يجيد الرقص ،
ودفــــــــــــــــــــــــــــــق،
جاء أمازو الموسيقي بكل آلاته الموسيقية : سيقوم ببث الروح الوطنية القتالية في نفوس القرويين ،وعندما أضاؤا أول لمبة نيون ضخمة تعمل بالطاقة الشمسية ، وعندما صدح الترومبيت، دفق الكواكيرو كأساً ، ثم نهض واقفاً ،
هيا لنري الشيطان الذي يصرخ ويضيء الظلام ،
لم يبق أحد في القرية في بيته ، حتى كلاب الحراسة والقطط والحشرات الصغيرة دار الجميع حول المغنين والضوء والآلات التي تنادي :كل شيء ،وضع مقعد الكواكيرو كالعادة أمام الجميع ،في موضع يراه الجميع ويسمعه الجميع، إذ يأمر، تفاءل القادمون بمجيئه وأنه ربما غير في رأيه ،وإنه لان ، دفق ، ثم أمر ،
غنوا ،
الموسيقي كانت صاخبة بشكل لم يعتاده الدغليين ولم تستسغه أسماعهم : وكادوا ينصرفوا ،ولكن عندما رقص الأولاد القادمين ، أثاروا انتباه الجميع وشهية المشاهدة فيهم ، كانوا يرقصون بصورة خليعة ولكنها بارعة علي كل حال ونالت الإعجاب المسخوط ، سنيلا كانت هنالك ،خجلة، تقف وسط صبيات دغليات جميلات يلبسن البابيت الملون وعلي صدورهن صدورهن ، سلطان تيه قرب الكواكيرو،
دفــــــــــــــــــــــــق،
ثم على شخيره ، وشخير الكواكيرو أمر بأن الأشياء يجب أن تستمر علي ما هي عليه،
لا يحس وجعة شباب القرية غير شباب القرية أنفسهم : المحاربون ، كانوا يحسون بغربة بالغة وأنهم يقفون علي هامش الأحداث وأن العائدين سرقوا المشهد وأن لا أحد يلتفت إليهم : هم الغبش ذوي الأيدي الخشنة يلبسون جلود الثعالب والرافيا وينتعلون جلد الخرتيت يركبون حمر الوحش ويتسلحون بالفؤوس والحراب ولا يعرفون بل ولا يقرون بأن يلحس المحارب شيء الصبية ،
أتري كيف يرقص هؤلاء الخصيان ، مارأيك أن نضحك عليهم ، أن نرقص مثلهم، نضحك الناس عليهم ، إنهم يرقصون رقصاً لا يشبه رقصة الحرب ولا رقصات الحصاد ولا رقص المطر، ولا رقص أية موسم يعرفه الناس، سنسخر منهم ،
ودخل وينو الرهيب الساحة ، كان يرقص في سخرية مرة يقلد الراقصين ، يرفع رجليه قافزا في الهواء ،ينحني بنسوانية بائسة ، ويضحك الجميع ويهتفون تشجيعاً له، لوينو أذن واحدة ، قطع الأخرى الكواكيرو بعد العصيان الذي قام به وينو في الخور قبل سنين كثيرة مرت ، ولو انه الآن في السابعة والثلاثين من عمره إلا أنه مازال ولداً نزقاً تركب رأسه العفاريت ، ويركب ظهرها ، كانت أمه العجوز كريباً هي الوحيدة التي تحس بقلق عليه ووينو ،
أعقل ياوينو ، أعقل يا بني،
سنيلا تعرف أن وينو عندما يبدأ شيئاً ، يتممه، تربت معه في منزل واحد ، طلب وينو من أمازو أن يعطيه ذلك الشيء وأنه يريد أن يغني ، الجميع يعرف صوت وينو والذي في أحسن الأحوال : نهيق حمار وحشي مذعور، ويعرفون أغانيه :
الداعرة ،
وعندما رفض أمازو الرقيق النحيل الطويل ، رفسه وينو ،رفسة جعلت كل شيء يصمت وبدأ وينو الغناء، بصوت حماري أشتر أجش : بذيء ،
شيء المحارب ،
شيء المحارب ،
شيء المحارب في طول قناته،
قالت له لو ما ،
لماذا لا تتخذ ساق المهوقني قناة لك ،
ففهم القرويون شيئاً ، فهم القادمون شيئين، استيقظ الكواكيرو ،
دفـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــق
انتهي الحفل ، قال له الكواكيرو بلهجة باردة مخمورة وهو يمسك بيده مودعاً
إذا حاولت الهرب ، فأنت تغامر بحياتك ، لأنني سأرسل خلفك المحاربين ، وإذا بقيت فزت بالمال والجاه والصبيات أيضاً ،
لكن تيم ،
أنا سيد هذا الدغل وليس تيم ، سأراك غداً في البنستا ، فالصغار في انتظارك ، وعندما تحضر غداً تجد المحاربين بنو لك بيتا‌ً مجاوراً للبنستا ،بداخله تجد سنيلا في انتظارك بدنبا الصباح ، مع السلامة ،
وابتسم ومضي وبقيت فلوباندو في رفقته الي أن شارف الكوخ ثم عادت أدراجها لبيتها ، يجب أن نكسب هؤلاء المحاربين أولاً ، فسينصاع لنا الكواكيرو العنيد ،
طائعاً ،
**



أزو لوما الحرب،
أبنائي ، الأرض التي تمشون عليها هي أمكم ،
فخفوا في مشيكم وقدروا ،
والشجرة التي تسكنون وتأكلون وتشربون هي أختكم ،
فخفوا في سكناكم وأكلكم وشربكم وقدروا ،
والهواء الذي تتنفسون والشمس ،
والقمر،
والمطر،والصاعقة ، والمرأة حين تعشق ،
والذئب ،
فلا تشعلوا ناراً وانتم تخشون الحريق ،
فقط مدوا يدكم لله ، وسيملأها بالكراواو الدنبا : باللذة ،
أمي ، هي أنتم لأنني عندها أطعمكم : أشبع ،
أنتم ، كلاكما رب نفسه فاشكرا الله لأنه بارك : يدكم ،
يدكم ،
شجرة ،
أنا . برمبجيل : أنجبتني امرأة واحدة وأبي الريح ،
أبي،
يدكم،
سلام عليك وأنت ترفع حربتك عالياً ،عندما تقرصك نملة الموت، تحي ،
وعندما رفع الكواكيرو كف الذئب ،أخذ المحاربون ينشدون أوزولوما الحرب ، عدهم الكواكيرو بنفسه في الليلة الماضية وكانوا سبعمائة مقاتلاً عدهم الكواكيرو الآن بعد أن قسمهم الي فرق حربية متخصصة :الساهمون، وسمي الفرقة بمزاكي تيمناً بقدراته غير المحدودة في استخدام السهام ،حيث كان يرسلها للرب ويقوم بتصويبها علي صدور الأعداء : فلتكن روحه الآن هي بصيرتكم،الفأسيون بقيادة ساسو القط
،الشهير بالقط ومن يستخدم الفأس مثله ،في خفة كف القط،
الحرابيون ،
حملة الماء و الطعام و الدنبا علي ظهور حمر الوحش
ازولوما باييخي ،
وإذا اشتعلت الحرب لابد ممن لهم صلة بالرب المستضيف لأرواح الأسلاف ،من يطلبون النصرة لجيش لالا : بقلب وأكف وصوت برمبجيل الصالح ،
شاوندو،
المائحون ،
الحرب شر، ولكن أن تستسلم للعدو: شران،
قالت له فلوباندو ،
والرجل خلق لكي يموت في حرب ضروس،
أما أنا ،ما علاقتي بكل ذلك، لست مع الكواكيرو ،لست مع العائدين،ولا مصلحة لي في الحرب التي ستشتعل الآن، ولا أعتقد أن الرجل ولا المرأة خلقا لكي يموتا في الحرب ،
إذن هي فرصتك كي تحدد موقفا ً، فبدلاً من أن يكون لك عدوان ، فليكن عدو واحد،الكواكيرو أو العائدون ، أنت في حاجة لمن يقف خلفك ويرد عنك سهماً قد يصيبك من الخلف،
من على شجرة الحبحب العملاقة بدأ ميدان المعركة مكشوفاً على جانبي أرض حرام أوجدتها الصدفة ،علي الجانب الشرقي الدبابات العشر التي تمثل الدفعة الأولى ، أحضرت مبكرة لأغراض التدريب ومعها خبيران أجنبيان أسودان ،
هل سيطلقون نار الدبابات علي المحاربين،
إنهم لن يفعلوا وإلا عادوا إلي مهاجرهم خائبين،فقط سيقومون باستعراض عسكري ،
وإذا هاجمهم المحاربون ،
لا أدري إذا كانوا سيهربون أو،يبقون داخل دباباتهم المصفحة،
كانت فلوباندو واثقة مما تقول ،في الجانب الآخر ،الشرقي ، المحاربون في جلود النمر و الرافيا يشكلون فرقا ميدانية يطلون أوجههم بالرماد و الجير و ينشدون ازولوما الحرب، يستعرضون أسلحتهم في الهواء ، يقتلون أعداء وهميين يعتقلون آخرين يربطونهم بحبال الرافيا والسعف، يقتلونهم يمثلون بجثثهم،هكذا يستدعون روح السلف لتنصرهم ، هكذا يخيفون العدو،
جسداهما ملتصقان وهما علي شجرة الحبحب العملاقة ،كانت لدية رغبة واحدة،
العودة ، ويأتي ثمن ، كانت لا تعرف ماذا تريد ، وعندما سألها عن سنيلا ، كان لا يعني له السؤال شيئًا ولم يعلق هو أملاً ما علي الإجابة : العودة ، ولا شي ،
سنيلا ،هي الأخرى مندهشة لما يحدث ،ويقال أن الفتية العائدون يرونها فتاة بالغة الجمال ، تماماً كما تراها أنت ،
هؤلاء الفتية ، كما يقول الكواكيرو، مسختهم الغربة،إنهم لا ينتمون إلي هذا المكان أبدا ، هل مازلت ترغب في سنيلا، بالمناسبة، لقد وجدت صديقتي سوما بالأمس وهي عائدة من قرية مو ،مع عمتها العجوز علي حمر الوحش ، وجدتا والدي سنيلا وبانارودنا، كانا مشعرين وكأنهما قردين عجوزين ، مس جين أصبحت امرأة ضخمة الجثة لها أثداء كبيرة مكتنزة ،أصبحت ذات بشرة سمراء كالتراب ، هكذا وصفها كثير ممن رآها في السنين الأخيرة ، بحث عنهما الكواكيرو بنفسه في الدغل المجاور بل ذهب الي ساحل بحيرة التماسيح وسفح جبل الكا ولم يعثر عليهما ، كان يريد أن يتحقق من أحد قولين ،هل صارا بأذيال وآذان كالقردة ،أم انهما ما يزالان بشرًا ولكن يكسو جسديهما شعر كثيف ، وجد أبي مرة ، وكذلك وجدة أبريا وكاب بوغو، وجدوه مع امرأته الشيطان ، وقالوا، إنه سعيد ومرح ،
فجأة دوي صوت انفجار مقذوف الدبابة وهو يخترق الهواء ثم تبعه آخر،
دن، دن،
دن، دن،
دن، دن،
دن،
دن، دن،
دن، دن،
دن،
كانت الأرض تهتز ، والأشجار ، العصافير شكلت سحابة ضخمة في سماء الغابة ، الوحوش ارتبكت وهربت في كل الاتجاهات ،
إنها الحرب ،
إنهم يستعرضون قوتهم ،
ارتبك المحاربون قليلا ولكنهم ثبتوا في أماكنهم أما الصبية والنساء الصغيرات فهربن للمنازل ،النساء كبيرات السن كن دائماً يفضلن الموت مع أبنائهن المحاربين ، عرف الكواكيرو بينه و نفسه أن الفتيان أيضاً يحاربون عدواً وهمياً في الفضاء يطلقون نار حقيقية عليه ،قال له أبريا و الذي لا تقع كلماته علي العشب أبداً،
أطلب من المحاربين أن يذهبوا الي منازلهم ونذهب نحن، وبذلك نكون قد كسبنا المعركة ،
وفهم الكواكيرو ما يرمي إلية أبرياء ، كان القادمون ينظرون الي المحاربين في استغراب لأنهم يعرفون أن الكواكيرو لا ترعبه مقذوفتان أو ثلاث في الهواء،ولا حتى علي صدر جيشه ،
لقد كسب الكواكيرو المعركة واصبحوا هم شيئاً ، أصبحت القرية وساكنيها: أهلهم وقبيلتهم، شيئاً آخر : الهزيمـــــــــــــــــة ،
**
عندما خلي لنفسه ، فكر في الهرب ، ويعرف انه لا يستطيع ، لأن دورية المحاربين والتي أبقاها الكواكيرو حول الكهف : لا تهمله طرفة عين ، تأخذه في حراسة مشددة للبنستا ، يعلم الأطفال ما يريد أن يعلمهم ، تأخذه للكهف ،عندما سأل الكواكيرو لماذا لم يف بوعده بشأن سنيلا، قال له
أنت باق معنا رغماً عن أنفك ولم تقبل ما عرضته عليك، أنت تعمل الآن خارج الاتفاق ،
**
أول من التحق بالعائدين : وينو ،
ذلك الشرس ويقال أن تيم وعده بأن يصبح سائقاً لإحدى الدبابات ،سيعلمه قيادة الجيب ، وينو يكره الكواكيرو،لأنه أهداه لقب : تنقا ،وتنقا بلغة اللالا ذو الأذن
الواحدة وذلك شيء لا يمكن أن يغفر، وكان حديث كل بيت وشارع وغابة ،رحلة صيد، ورود ماء، جلب أحطاب، الذهاب الي قضاء الحاجات، شواء الدجاج ، مطاردة الأرانب ، جلسات الدنبا،جلب الأناناس ،حصد الذرة ، تخمير القشدة ، صيد الكراواو، رحلة نكاح بنات الكا والهرب منهن ،وهي رحلة طريفة يتسلى بها المحاربون تمضي جماعة من المحاربين ،أصدقاء ،إلى عمق الدغل ،حيث الأشجار عالية و تكثر الخنازير البرية ،هنالك : بنات الكا ، هن مصائد القبيلة ، يصاد بواسطتهن رجال القبائل الأخرى،يتبعون كلما هو معتاد أثر الرائحة التي تفرزها أفواه وفروج فتيات الكا وهي رائحة مثيرة : رائعة قاتلة،
يجدون فتاة الكا تفترش فيء شجرة عرد عملاقة ،دائماً عرد،على مرقد من أوراق الموز تدعي النوم، تلمع بشرتها السوداء المدهونة بزيت النخيل على شعاع الشمس المنسرق بين أفرع الأشجار،جميلة شهية وطازجة،لها أرق /أنعم /أطول/أقوي أذرع خلقها الله لامرأة، تفوح من بين نهريها وفمها عبق يشعل ثلج نوم الفعل في ذات : حجر،
يذهب نحوها من يختاره الحظ ،عندما تحس بقدومه تستيقظ ،عندما تستيقظ ،تبتسم،تباعد قليلاً بين نهريها، تبدو تفاحتها بين تفاحتين : وهي القذيفة التي تميد بآخر حجر في قلعة الخصم/العاشق/الصيد،
يختبئ الأصدقاء بين العشب علي أهبة،
يلتصقان ،فتاة الكا كما هو معروف ،مثلها الكلبة ، إذا ولجها الشيء قبضت عليه بعضلة ممسوخة في عمق شيئها ، ولأنها المصيدة ، تهب لذة الشيء في اكتمال أسطوري ولذة لا مثيل ، بينا الرجل بين لذة ولذة ، يأتي قومها ويأخذونه : صيداً ،
وهنا يتدخل أصدقاؤه ويقومون بطرد أكلة البشر حيث أنهم يتصفون بالجبن الشديد ، ولسوء حظهم أن نسائهم ليس بإمكانهم قتل أحد وأنهن يستمتعن بالمفاعلة ، وهنالك قلة من رجال لالا ابتسم الحظ في صدفهم وتزوجوا من فتيات كأنهم اسعد الرجال ،
وعندما قاد وينو سيارة الجيب الحمراء ودار بها حول القرية مصرفاً بوقها ، مفزعاً دواب وأليفات القرية مجرياً الأطفال خلفه وهم يتقافزون علي العشب ، مفترا أفواه الصبيات والنساء بل و حتى المحاربين ، عندها انضم عدد من المحاربين للقادمين ، وعندما قادوهم أيضاً ،انضم عدد آخر من المحاربين ، وعندما ، انضم عدد آخر من المحاربين ،،
وبدا التدريب الفعلي حين وفدت مجموعة أخرى من الدبابات ذات الأنظمة الهجومية / الدفاعية المعقدة ،
انضم ،
عندما ،
ولعب الفار في جرة دنيا الكواكيرو العجوز ، وعندما غنت الصبيات
لالا ،
بي كم بيسي ،
كم ايلي ،
كانت قراءة ما يحدث في المستقبل أوضح من شمس الصحراء ،
**
مرة أخرى جاءه الوسيم ذو اللفات الكثيرة تيم كنا نعلم الظرف الذي أبقاك ، والآن تغيرت موازين الأشياء ، والكواكيرو اصبح وحدة وبعض العجائز الذين لا يفيدون في شيء ،
أرحل ،
**
الساعة تشير الي العاشرة مساءً ، وهو سيتصرف ببرود وثقة : تماماً كما كان الصادق الكدراوى ،
بثقة / ببرودة،
ببرودة/ بثقة ،
كان يحمل متعلقاته علي ظهره ينتعل حذاءه الكولمان القوي ، ببرود /بثقة : سنيلا سآخذها معي ، أنا رسول نجاتها الاستثنائي ، وسوف تذهب معي وحينها سيموت الكدراوى غيرة ،
سنيلا ، تلك الوحشة الغابية الجميلة ، سآخذها حيث يقدر جمالها وتعاد إليها مملكتها المسلوبة،
يعرف تماماً موقع كوخها ، كان مضاء بنار الليل ، وهي عيدان تبقي مشتعلة بالكوخ الي الفجر ، سآخذها معي ، وستقبل الذهاب دون مساومة : من يقدر جمالها في هذا الدغل الموحش المتخلف ، من يعرف أن سنيلا هي أجمل ما خلق الله ، البرصاء ، هه ،برصا ،هم البرص ، هم المرضي بل الميتون ،عذرائي الرائعة سنيلا ،
وهيجت فكرة عذراء في نفسه شجن دفين واشتهاء خبيث ونشوة ، فكررها ، دعني اسكر منها ، اجن ، أهيم : أموت ،
وهي القدر الذي ساقه الدية قدر،
وهي الميلاد الذي خصه به ميلاد، وهي الروح ، الذي دله إليه روح وهي الوجد ، وهي السهد ، وهي ، كان كوخها مضاءً، أهم الآن يستعدون للحرب،وسنيلا مثلي تماماً ، ما شأنها ،
وتقدم ناحية الكوخ بجراءة فريدة ، أنة لم يرها منذ أسابيع كثيرة مضت ، مشتاق إليها الآن اكثر واكثر ، واكثر ،
باب الكوخ المصنوع من البامبو ، كان مغلقاً ، قد تكون نائمة ، سأوقظها الآن ، ابشرها بالذهاب معي الي الشرق … واخذ يغني بقلق : أحبك لأنك ،
وهو يقترب من الباب اكثر ، سمع همس ، ولكنة تقدم بجراءة وبرود ، عبر ثقوب باب البامبو استطاع أن يري كل شئ ، وبوضوح تام ،
تيم ،
كان تيم الوسيم ذو اللغات الكثيرة ، يعتلي صدر سنيلا ويغرقان في عري كوني جامح ،
نذل ،
ودون أن يفكر في شئ ما ، دخل الدغل الساكن المرعب في ظلامه التام ، كان عواء كلب السمع يأتي من كل صوب وجهه ، ولكنة لا يخاف من شئ ، يجب عليه أن يمضي بعيداً عن هذا المكان،


السـلم هو جثة الحرب

لا شئ ، لا شئ ، لا شئ غير هياكل الأشجار المحترقة ، أشجار الحبحب ، المهوقني،المانجو والتك العملاقة ، لا شئ ، غير هياكل من الفحم والرماد ، أما القشدة ،الأناناسات ، اليابايات غيرها من الشجيرات الهشة، الكانت تنمو علي جوانب التلال الخصيبة الممتدة ما بين الدغل الأوسط والشرقي ، عبر قري : لا لا، شاري فترا، كهوف الكا المتفرقة فيما وراء بحيرة التماسيح ، قبيلة الكا المرعبة ، تمتد خلفها ،
9/12/ 1997-6/7 /2000
خشم القربة

ليست هناك تعليقات: