2009/01/19

فيزياء اللون : إلي صلاح ابراهيم.


يلتقط الأصداف بأنامل قلقة لكنها بصيرة ماهرة : تري، تحس و تقرأ في نفس لحظة اللمس، تغوص قدماه في مياه النهر الدافئة، يسمع أنين الرمل تحتها،تهرب صغار أسماك البُلطي و الكَوَار التي تطعم علي العوالق في ملتقي الماء بالرمل، كان يستهدف الأصداف الكبيرة ذات النهايات التي تشبه منقار النسر، هي كثيرة تقبع في المياه الضحلة، ولكن العثور عليها يحتاج لوقت و خبرة و صبر، هذا هو يومه الأخير في كلية التربية ببخت الرضا وقد ودع تلاميذه بالأمس بعد أن قاموا بانجاز جدارية تعليمية ضخمة تطل علي نهر النيل، تجلت موهبته في رسم حركة الحشرات،السحالي و الطيور الشرسة الجارحة، لذا خلده تلاميذه في الجدارية برسم ضب نزق يتسلق الحائط برجليه الخلفيتين وذيله، يقبض بقائمتيه الأماميتين علي فرشاة تلوين ماركة بلكان- وهي المحببة لديه - وفي الأفق يلوح نسر ضخم.
يقلب صدفة علي بطنها، علي ظهرها، يضعها هنا، يضعها هنالك،علي الرمل،ينظر اليها بعمق،يفكر بحكمة، بجمال ، بجنون : يبتسم. يضعها مع الأخريات برفق في الصندوق الخشبي الصغير الذي أعده لهذا الغرض ، الآن عليه الحصول علي أكبر عدد ممكن من الصدفات الصغيرات و المتوسطات، يحتاجها لصنع أرياش الأجنحة و الزغب الناعم علي العنق، القوائم و المخالب، يريد أن يفعل شيئاً كله من النهر و لا علاقة له بالنهر ، يريد أن يقول أن النهر هو سيد الحياة، كانت الجدارية تحملق فيه من بعيد ، يبدو الضب ذو الفرشاة نزقاً سعيداً وهو يتسلق الحائط مستخدماً ذيله و قائمتيه متناسياً تماماً النسر الذي يحلق في السماء مترصداً به، ينظر الضب برشاقة إلي النهر. حمل صندوقه الخشبي المملؤ بالصدف و ذهب إلي منزله، أكل الفول المصري الذي اشتراه في الطريق بمتعة خاصة، كان جائعاً مرهقاً سعيداً و مستثاراً بصيده النهري،لبس هدوم العمل و اشتغل في الصندوق، يسكن وحده في منزل يتكون من حجرتين ومرحاض، يستخدم الحجرة الكبيرة كمحترف له، و يستخدم الأخري كغرفة نوم،أما البرندة التي تحيط بالغرفتين و الحمام كأم رحيمة من الأسمنت و الحصي و الطوب ، فيستخدمها مضيفة و مطبخ في آن واحد ، سكن معه من قبل صديق سكير أدمن رباعي الفناء: الخمر، الحبيبة، الشعر و الجوع، ذات صباح أدهشه بموت صامت في البرندة، منذ ذلك الحين ظلّ وحده، وهو دائما ما يرغب في أن يكون وحده ، حتي البنيات اللائي يستخدمهن كموديل يعيدهن إلي حيث أتي بهن بعد العمل مباشرة،لا يطيق غير صحبة حبيبته فقط، بينما تدور الأشياء في رأسه تعمل معدته في صمت في هضم الفول و قطع الجبنة الصغيرة و الرغيفات مستعينة بِقَلِيلِ الببسي الذي تناوله بعد الطعام ، كانت أنامله تتحرك في خفة وهي تصنع النسر الصدفي الضخم، بدأ بالمنقار الحاد الذي هو شبه معطي من الطبيعة ، ثم أخذ يشكل العنق من الصدفات الصغيرات اللامعات الذهبيات الصفراوات الخضراوات البُنيات الأكثر خفة و بهجة و احتفاءاً بالضوء،كان يلصق هذه بتلك، هذه تحت تلك، هذه بين تلك و تلك،هذه فوق تلك،هذه يمينها، يسارها، هذه ضد تلك، نفيها، تأكيدها، محو أثرها،يفعل ذلك مستخدما عشرات الحواس التي أعطاه اياها الله في تلك الأيام، حَلّ المساء تدريجيا ، أضاء الكشافتين الكبيرتين اللتين توفران اضاءة افقية تساعده في دقة الرؤية و تحديد اللون، كان يعرف أن اللون ليس في السطح أو الكتلة ولكنه في العين ذاتها و تأخذه العين من الضوء لذا كان يحتاج إلي ضوء كثيف مباشر، عندما دقت ساعته الحائطية معلنة الواحدة صباحا،كان النسر الأول قد إكتمل،و أخذت عيناه الحادتان الحمراوتان تلمعان في ريبة ، مما جعله يحس بتوتر في أعصابه، قال لنفسه:
- إنه الضوء.....؟
أضاء كشافة صغيرة ترسل ضوءاً أزرقَ خفيفاً في زوايا حادة، يختلط مع ضوء الكشافتين المائل إلي الحمر ة، فيغمر المكان ظلاً بنفسجياً ساحراً أزال تأثير الإضاءة الحرة الأفقية المباشرة في عيني النسر،من ثمة تأثير الخدعة في عينيه، ولكنه شكل خدعة خاصة به يفهم الأستاذ قواعدها بصورة جيدة، ويعرف كيف يتعامل معها، لكن النسر الشرس الذي فرغ من صنعه للتو، حرك رأسه في اتجاه مصدر الضوء الأزرق كليةً، مما جعل الصدفات الرقيقات البهيات التي صنع منهن الصدر و زغب الرقبة تصدر صريراً باهتاً و ما يشبه صوت تصدع صدفة كبيرة، قفذ مرعوبا في الهواء ثم ضحك علي نفسه لمجرد التفكير في أنه خاف من شيء ما، حَكّ شاربه الصغير الذي تدب فيه البيضاوات و حملق في النسر البَدَيَ الآن ساكناً صامتاً و بريئاً جداً، وبرقت في عينيه الحمراوتين بعض الأدمع البُنِيّةِ، يعرف أن كل ذلك ليس سوي مداعبة اعتاد عليها من الضوء، الكتلة و الفراغ من جهة وعينه و مزاجه النفسي من جهة أخري.، إلا أن إحساسه بالخوف كان حقيقياً و أصيلاً، أحس بالم الوحدة، أحس بأنه أرهق نفسه أكثر مما يجب و عليه أن يذهب بعيدا و بأسرع ما يمكن من هنا،ترك الكشافات مضاءة، وضع علي جسده فانلة تي شيرت صفراء ، حبيبته تعشق اللون الأصفر ، أهدته إياها قبل شهرين،خرج دون أن يحدد وجهة ما، ذهب في طرقات باردة كسولة، بعض الرجال يعودون إلي منازلهم في عجلة، دوريات الشرطة في كل هنا و هناك، الكلاب و القطط،الفئران الكبيرة، الوطاويط: بومتان.
2
عندما عاد إلي البيت في الفجر وجد كل شيء كما هو،النسر ما يزال علي قاعدته،ينتظر في سكون،الأنوار مطفأة حيث أنّ الكهرباء قد نفدت،الكشافات الكبيرة تستهلك قدراً هائلاً من الكهرباء، سيشتري مائة كيلو واط أخري، للمرة الثانية في هذا الشهر. أخذ يتمعن نسره، لقد برع في صنعه ، وهو يعرف أعماله جيدا، العظيمة المتقنة و تلك العابرة الهشة، هذا النسر عمل متقن، لولا تواضع الفنان لأطلق عليه صفة الكمال،ابتسم، بدأ في صناعة آخر...و آخر و آخر...و آخر.. بعد اسبوعين من العمل الشاق المتواصل و السهر كان بمرسمه الصغير عشرة نسور عملاقة، جميلة شرسة و كاسرة، تشع أعينها في قلق ، سوف يقوم بعرضها في المركز الثقافي الفرنسي كأول معرض تشكيلي من نسور الأصداف في التأريخ كما يعيه، يريد أن يؤكد فيه جدلية الماء الهواء الضوء النار، وسوف لا يتحدث لأحد عن هذه الفكرة،علي الناس أن يقوموا باكتشاف ذلك بأنفسهم، هو الآن أنجز عملا فنيا كاملا، و إذا كانت الروح في متناول يده، لنفخ فيها الروح فطارت، ثم أحس بزهوعظيم، بنشوة كبري، نشوة أسطورية عارمة، أخذ يضحك، يضحك في هستيرية ، يضحك في عمق، يضحك بالقلب كله.



3
عندما جاءت حبيبته في ذلك الصباح وجدت الباب مغلقا كالعادة، فاستخدمت مفتاحها الخاص، لما ولجت البرندة الكبيرة سمعت جلبة غير معتادة في داخل المرسم، بل ضجيجاً، تعرف عن حبيبها الهدوء، لكنه أيضاً قد يمارس الفوضي حيث أنه كثيراً ما يقوم بتحطيم أعماله الفنية بعنف و همجية إذا لم يرض عنها و أحياناً يستخدم في ذلك فأساً ورثها عن جده، أو عصا أو حجراً أو كرسياً أو ما شاء، صاحت فيه أن يكف ،ظلت الجلبة باقية، فقامت بدفع باب المرسم بكل ما أوتيت من قوة ، فلقد كانت من نوع تلك البِنَيّاتِ جيدات التغذية: فانفتح.
لم يمض وقت طويل علي حضور الجيران عندما علا صراخها، بل أن البعض قد شاهد النسور الضخمة تخرج مندفعة من باب البرندة لتحلق في السماء فاردة أجنحتها الذهبية اللامعة في هواء يناير الساخن، وفي الداخل كان الهيكل العظمي الحزين يرقد مبللا بالدم الطازج، يحملق عبر خواء العينين الفي الجمجمة نحو: الفراغ.


عبد العزيز بركة ساكن
الفاشر
31-10-2007
.