2015/09/15

رواية الرجل الخراب 6

           الأجْنَبِيُ

يبدو أننا سنعود مرة أخرى   لجملة ذكرناها في الفصول السابقة وذلك لأهميتها وأنها تفتح للسارد والقارئ معا مقاليد الروي وهي:

(فقد تخلص من الكلبين اللذين ورثهما من المرحومة أم زوجته نورا، السيدة لُوديا شولز، عندما كان يعمل معها كمُخَرِي للكلابDie Hunde shitter ، أودعهما بعد وفاتها مباشرة ملجأ الحيوانات الأليفة التي لا كفيل لها.)

وسوف نتطرق هنا بصورة عابرة عن بعض ملامح حياة السيدة لوديا شولز، التي عمل عندها هاينرش أو الدكتور درويش كمُخَري للكلاب، وقد لا يغيب عن فطنة القارئ أن عنوان هذه الرواية هو "مُخَري الكلاب" باعتبار أنها  ما يشبه السيرة الذاتية لدكتور درويش، ولكن أصر الراوي علي عنوان مُربك وهو: فاكهة الليل.

 عندما التقي درويش بالسيدة شولز، كانت في ذلك الوقت قد بدأت تستعد لموتها، لم تكن طاعنة في السن بالمعني الموضوعي للزمن، فعادة الناس هنا لا يموتون مبكرا، حيث متوسط العمر 90 عاما للنساء و85 عاما للرجال، تلك ثمرة العناية الصحية المتقدمة في أوربا، وليس استثناءً إلهيا قد يثير غيرة وغضب شعوب آسيا وإفريقيا الذين يموتون في ريعان شبابهم، كما فهم الراوي في بادئ الأمر، حيث ظَنَّ أن الرب لم يعد يهتم كثيرا بمصائر بعض الشعوب بينما أظَّل  شعوباً أخرى   بكامل رعايته ومَدَّ في أعمارهم مَدَّا، فالراوي العليم لا تخفي عليه خافية  أو كما يَدَّعِي، وما خُفي عنه استدركه بسوء أو حسن طويته.

 السيدة لوديا كانت حالة شاذة حيث إن جَوقة جنازتها اخذت تعزف مارشاتها الأولي وهي في الخمسين من عمرها، عندما سقطت من صخرة قاسية كانت تقوم بتسلقها وأصيبت بكسر مُرَكَّبِ في الحوض، بينما كانت تقدم لنفسها هدية خاصة في عيد ميلادها الخمسين بتسلق أيناشتين Einstein وهي صخرة قاسية تقع قريبا من بحر الحجارة غرب مدينة سالفلدن بمقاطعة سالزبورج. علي الرغم من أنها  كانت في كمال عُدَتها للتسلق، وتلقت التدريب التام في بيت خبرة معترف به، وأنها في المكان الصحيح المخصص لأجل تسلق الهُواة. وفي الفصل الصحيح وبعدما سقطت تلقت الرعاية الممتازة في الوقت المناسب، حيث كانت فرقة الطوارئ علي أهبة. لم يكن أحد يتنبأ بأن    السيدة شولز ستصاب بإعاقة دائمة بعد عشرين عاماً من الحادثة وتلزم الفراش وهي في السبعين من العمر، ويُسجل اسمها في دفتر المَوتي قبل أسبوع فقط من عيد ميلادها الواحد والسبعين عندما قفز عمرها بصورة ميتافيزيقية بحتة إلى        103 عاما حيث تعدت عمر الموت الطبيعي للمرأة الأوربية بثمان من السنوات كاملات، وهذا مؤكد حيث أحس     به كل من هم حولها وهم قلة من البشر بالإضافة لكلبيها النبيهين بالطبع إذا استثنينا ابنتها التي قطعت علاقتها بأمها نهائيا لأسباب تخصهم الثلاثة والثالث المعني هنا هو الأب المختفي في أدغال إفريقيا أو أمريكا الجنوبية في الحقيقة ليس بإمكان أى من المرأتين تحديد موقعه علي الكرة الأرضية، دعونا نتعامل معه هنا كشخص قضي نحبه في زمان ما.

الأبشع أنها  أيضا  كانت تحس بذلك بل أول من أحس     به. بافتراض أننا لا نستطيع أن نحدد ما إذا كان كلبيها أحسا به قبلها أم لا، ما للكلاب من حواس تمكنها من استدراك التغيير واستكناه الكوارث القادمة. إنها  تجهل اليوم الذي قفز فيه عمرها تلك القفزة المهولة وهي 33 عاما بالضبط، إلا أنها  تستطيع أن تحدد الشهر والعام وربما الأسبوع، والساعة أيضا   ونستطيع أن نقول إنها  عندما استيقظت ذات يوم عند الثامنة صباحاً- وهذا حسب روايتها تقريباً أو الرواية التي أقرب إلى        روايتها- كانت طبيعية، ولكن في التاسعة والنصف بعد أن تناولت وجبة الإفطار أحست بأن    شيئا ما قد تغير فيها، شيء فيزيولوجي ونفسي، وأيقنت أنها  تكبر في تلك اللحظة، تكبر بسرعة جنونية، والإحساس بالكبر هو فعل هدمي جبار، يعمل عكس معني الكلمة القاموسي وينطلق من الذهن وفقا للفلاسفة ومن القلب وفقا للشعراء وغيرهم من العشاق والكذبة، ولكن الثابت في ذلك أن له معني زمانيا يمضي بصورة مناقضة لحركة عقارب الساعة ودوران الحياة، حيث إن العلاقة بين العمر والموت علاقة عكسية، كلما طال العمر كلما قَرُب الموت والعكس ليس صحيحاً، فعندما يقصر العمر تقصر الحياة وهذا بديهي. مثل السقوط في دوامة عنيفة لبحر مجنون. تتذكر كل ذلك بدقة تحسد عليها كعجوز في المائة وثلاثة أعوام، إلا أنها  كانت فعليا في بواكير سبعينيتها المنتهكة بفعل الزمن وألاعيبه.

كرجل تعود علي العمل منذ أن كان طفلاً، لم يستطع أن يقضي جُلَّ وقتهِ  في النادي السوداني بفيينا يلعب الورق، يدخن الشيشة، يشكو ظلم الحكومات المتعاقبة علي وطنيه مصر والسودان وغربته فيهما. وبفمه سَفَّةٌ من السعوط بالغة الكِبر، كما لو أنه  في سُوق الناقةِ بأم درمانْ. فمنذ أن خرج من معسكر اللجوء الابتدائي بتلهام Talham، بنواحي سالزبورج، كان يفكر في العمل، ولو أنه  ممنوع عنه بواسطة قانون اللجوء إلا أن اللغة كانت العائق الأعظم، لأن الكثيرين كانوا يعملون فيما يتعارف عليه بالعمالة السوداء حيث يفضلها أرباب العمل أيضا   نسبة لقلة ما يدفعونه للعامل وخلوها من مسئولية ما بعد الخدمة وهي في الغالب عمالة غير ماهرة يدوية تعتمد علي الجهد العضلي.  كان مجتهدا في مسألة تعلم اللغة كخطوة أولي في الاندماج المجتمعي وإيجاد فرصة عمل، إلا أنه  كان بطيئا جدا في ذلك وكان عليه أن يتبع الأسلوب الأسهل والأسرع في تعلمها وهو ما يتمثل في الجُملة التي تُردد كثيرا بين الوافدين: "اللغةُ في السريرِ والكُتُبْ للحميرِ".  

تعرف تقريبا علي كل السودانيين الموجودين بالنمسا، وكان يري فيهم الأقرب إلى        وجدانه القومي من المصريين، فهو قد وُلد في السودان لأم مصرية وأب سوداني، في مدينة حلفا القديمة، وهي لا تبعد كثيرا عن مدينة أسوان المصرية، ولكن الأسرة انتقلت إلى     إحدي قري أسوان وهو في المرحلة الابتدائية بعد أن توفي والده، حيث امتهنت الزراعة في أرض ورثتها أمه    من أبيها لذا كان خليطا معقولا من الثقافتين، ولو أنه  كان هجينا مربكا في كثير من الأحيان خاصة عندما يأتي سُؤال الهُوية، الذي أطل برأسه منذ دخوله المدرسة كسوداني لأن قانون الجنسية المصري لا يعترف بالأطفال الذين هم من أب غير مصري وينسبهم لجنسيات آبائهم وليس للام الحق في تجنيس طفلها بجنسيتها المصرية، وما كانت أمه    تعي ذلك ولم يكن هو يعي ذلك ولم ينتبها أن هنالك مشكلة إلا عندما قال لها مدير المدرسة: لا يمكن قبول طالب اجنبي إلا بقرار من الوافدين وعليك أن تذهبين أولا إلى        مبني التحرير بالقاهرة وقبله للسفارة السودانية. وهي ليست المرة الأولي التي يحس فيها بالاختلاف، لأن أخويه من أمه    حيث تزوجت ابن عمها المصري، كانا يختلفان عنه في لون البَشَرةِ واللكنة أيضاً، ولكن لم يكن يشعر بأن    هنالك تمييزا سلبياً ضده أو إيجابيا لصالحه فلون بشرته كان معتادا جدا في جنوب مصر ذات الجذور النوبية والفرعونية القديمة، كما أن الأب الجديد يحبه جداً كابنه تماماً، ولكنه ظل دائما وفيا لجذوره السودانية، ولم يغضب عندما قال له مدير المدرسة إنك سوداني ولكن  الكلمة التي أغضبته وغاظته لأنه لا يعرف معناها في ذلك العمر بصورة واضحة واعتبرها شتيمة، وغاظته أيضا   بعدما عرف معناها بسنوات كثيرة وهي كلمة: أجنبي! وظلت ترن هذه الكلمة في أذنه بذات نبرات نُطْقِها من فم المدير، ومازال يذكر حركة شفتيه وتعبير عينيه، وكيف أن أمه فزعت لسماعها وكيف أنها  صرخت في وجه المدير وهو يتهم ولدها بأنه أجنبي:

- سوداني نعم  ما قلناش حاجة، ولكن أجنبي لا؟

علي الرغم من أنها  أمية إلا أنها  كانت تستدرك الجانب الإقصائي لكلمة أجنبي حيث إن مصدرها الأساسي جَنَّبَ، يعني أقصي، ودارت في رأسها أصوات المذيعين في صوت العرب من القاهرة تتحدث عن الغزو الأجنبي لمصر، العدو الصهيوني وأمريكا، حرب السويس، النكسة أو حرب حزيران 67 التي لم تمض عليها سوي أشهر  قلائل، جمال عبد الناصر، العدوان الثلاثي علي مصر56، جيوش نابليون بونابرت وأصبحت رأسها مثل صحيفة صفراء، تضج بالعناوين المخيفة، قبضت يد ابنها وسحبته من المدرسة وهرولت به ناحية بيت العمدة.

وصادفته وهو خارج من بيته في ذلك الصباح، فحكت له قصة المدير مع ابنها، وأنه قد وصفه بالأجنبي، ويريدها أن تذهب لمبني التحرير بالقاهرة لاستخراج  تسريح له بالدراسة، قال العُمدة محتارا:

- أجنبي، أجنبي يعني اييه يا ستي؟

قالت في ثورة:

- يعني ابني إسرائيلي يا حضرة العُمدة، بريطاني..... فرنساوي.

ثم صرخت في استعراض مسرحي وهي ترمي بيديها في الهواء: ألْحَؤوني يا ناس الكَفْر ولدي دَرْوِيش طِلِعْ طِلْيَانِي، يا سيدي يا رسول الله ولدي طِلِعْ طلياني.

كان مدير المدرسة قد أعد نفسه للشرح، وأحضر اللائحة الداخلية للقبول بالمدارس  التي تخص الأطفال المصريين ولم تكن هنالك فقرة لقبول الأجانب، ولكن العُمدة كان لا يريد أن يفهم، لأنه لا يعتبر درويش ابن السيدة زينب درويش، المصرية التي تنتمي لأسرة عريقة وجدودها يمتلكون أرضا زراعية شاسعة قبل أن تأخذها الحكومة وتترك لهم هذا القليل، وأن أبوها درويش الرجل الذي سُمي عليه ابنها الأكبر كان يغطي عين الشمس، وهو من القلة الذين قاتلوا في حرب 48 و67 متطوعاً في الجيش المصري، وكان وكان. ختم العمدة مرافعته قائلاً

- سيادة المدير ما فيش أجانب عندنا في الكفر ما فيش طليان مافيش انجليز مافيش يهود، تقصد اييه يا بيه؟.

ولكي يُجنب المدير نفسه شرورا قادمات مثلا أن يشتمه العمدة الثائر "بالفرنساوي اللقيط"، نسبة لعينيه الخضراوين وبشرته شديدة البياض حيث يُشاع أنه  ورثهما من جدٍ فرنسي جاء مع جيش نابليون بونابرت وهي الشتيمة التي يصفعه بها كل من يتشاجر معه ويريد أن يحط من قدره. فوض أمره لله. وقَبِلَ بأن    يُدخل درويش المدرسة ويلتحق بأبناء صَفِّهِ حيث كان قد أكمل في السودان الفصل الخامس الإبتدائي، في عمر 11 عاماً بالتقريب المعقول من قِبَلِ المُدير. حيث لا شهادة ميلاد لديه، ولم يَردِ المديرُ أن يَخْلق مُشكلة أخرى  بالإصرار علي طلب شهادة الميلاد الحقيقيةِ للطفل دَرويش، واكتفي بشهادة تقدير العُمر التي لا تتناسب إطلاقاً مع شكل الطفل الذي عليه الآن ومرحلته الدراسية ذلك بفرق خمس سنوات وهي تحمل التاريخ 1-1-1950. وظلت إشكاليات الهُوية وأسئلتها تطارد درويش إلى        أن وصل مرحة الجلوس للشهادة الثانوية التي بموجبها سيدخل الجامعة وهنا عمل بنصيحة الجميع، حيث لا يوجد هنالك مسئول يخاف لسان العُمدة أو سُلطته، وعليه أن يعود للسودان ويجلس للشهادة في مدارس البعثة التعليمية المصرية التي تُسمي بمدارس جمال عبد الناصر ويمكنه من هنالك أن يتقدم للقبول بالجامعات المصرية في الكلية التي يؤهله مجموعه لها دون مصاريف دراسية تذكر وسَيُعامل معاملة الطلاب السودانيين الآخرين الوافدين من السودان، وفقا لبعض بنود اتفاقية مياه النيل بين الدولتين التي أُنشئ بموجبها السد العالي، حيث تتاح فرص محدودة للطلاب السودانيين بالجامعات المصرية، في الواقع عدد الطلاب الذين يستفيدون من هذه المنحة أكثر  من كل الطلاب الذين يتم قبولهم في الجامعات السودانية، بالتالي ستكون لديه فرصة كبيرة للدراسة الجامعية، بمصر أو السودان، ولكن أمه    تفضل أن يدرس بمصر لكي يكون: تحت نظري وسمعي ويدي.

عندما التقي بطالب اللجوء السوداني في مركز اللجوء الأول، فرح فرحا شديداً، وكأنه قد وجد كل أسرته، وأحس بطمأنينة بالغة. كان شابا في الثلاثين من عمره، من جنوب السودان، اسمه غومار كانك Gumar Kang، رجل قليل الكلام طيب المعشر يتحدث العربية ولغة جوبا  والإنجليزية، لم يتكلفا كثيرا للتعرف علي بعض كسودانيين، وكان لإدارة المعسكر دور كبير في ذلك، حيث انهم دائما ما يعملون علي أن يكون السكن  في الغرف متجانسا  علي أساس ديني أو قاري أو قطري، فعندما عرفت المنسقة أنه  سوداني وضعته في الغرفة التي بها غومار ورجلان آخران من نيجيريا، ولكنهما  قَدَّمَاً طلبي اللجوء كسودانيين من جنوب السودان، لأن نيجيريا ليست من الدول التي بها صراعات سياسية وإثنية كبيرة يصبح فيها المواطنون في حالة خطورة علي حياتهم. كان النيجيريان يقضيان جل وقتهما في قراءة كتب عن قبائل جنوب السودان وطبيعة الصراع بين شعوبه ويتعلمان لغة جوبا من غومار، ويسألانه عن مواقع القُرى وأسماء الشيوخ وكل ما يتوقعان أن يسألهما عنه المتحري. قال له غومار فيما بعد:

-النيجيريون يحصلون علي اللجوء أسرع من أى   شخص له قضية فعلية وحقيقية إنهم ممثلون بارعون والموضوع بالنسبة لهم حياة أم موت والخواجات يصدقون الكذب ويتشككون في الحقيقة بل أشك في أنهم يفضلون الكذب علي الحقيقة، وهذا معروف هنا في معسكرات اللجوء، اكذب تُصدق، اصدق تُكذب.

لذا نصحه بأن    يكذب ويخترع قصة محزنة لنفسه وعليه أن يصدقها أولاً، كما صدق النجيريان إنهما من أعالي النيل وإنهما هربا للتو من معسكرات الاعتقال الحكومية في مكان ما قريبا من مدينة جُوبا، ونسيا تماما الخمس سنوات التي قضياها في ألمانيا وسويسرا وغيرها من الدول الأوربية بحثا عن عمل وإقامة. لكن درويش ما كان يعرف الكثير عن اللجوء وقوانينه، وبينه وبين نفسه أيضا   ما كان يريد أن يكذب، يريد أن يقول الحقيقة التي أتت به إلى        هنا، إنه  يبحث عن حياة أفضل وعمل مستقر لا غير، ولو أنه  كان خائفاً أن يكتشف المتحرون تاريخ علاقاته مع الجماعات الإسلامية في جامعة أسيوط.الذين كان في رفقتهم لسنة كاملة وهو في الصف الأول الجامعي، إلى     أن تَمَّ اعتقاله وتهديده بالخصي والترحيل الجبري  للسودان، وحينها تغيرت أفكارهُ سريعاً واستدرك فداحة مشايعة الإسلاميين المتطرفين. لقد كان منطق رجال الأمن قوياً وواضحاً ومقنعاً خاصةً لشخصٍ في بداية حياته وغالباً ما يُتهم بأنه أجنبي في بلد أمه    مصر ويُسمي "الحَلَبِي" في بلد والده السودان، وهي ليست بعيدة جداً من الأجْنَبِيْ وتحتوي علي كم من الإقصاء النفسي والاجتماعي كبير. النيجيريان العارفان بقوانين اللجوء قدما له استشارة قانونية مجاناً ولوجه الله، بالنظر لحالته حيث إنه  لا يشبه شعوب جنوب السودان نسبة لشعره الناعم ولون بشرته الأصفر المائل للحمرة وهو الأقرب للون بَشَرة عامة المصريين بالإضافة لملامحه الجسمانية العربية، مما يسهل تميزه حتى لدي المُحَقِقْ الذي لا يفهم كثيراً في شعوب إفريقيا ويراهم متشابهين، فنصحوه بأن    يدعي أنه  ضحية مصادرة "الحُريات الشخصية".

- وما هي الحُريات الشخصية؟

أخذوا يضحكون بصورة هستيرية وهم يشرحون له معني ذلك، ولكنه كان مندهشا جداً، وضع على شفتيه ابتسامةٍ بلهاء، لا يدري ماذا يقول، لقد بدأ له الأمر علي أسوأ صورة يمكن أن يتخيلها، كان النيجيريان جادين وواضحين، أما غومار كانج الذي لم يؤيد الفكرة تماماً، لا يرى أنها  غريبة بل عكس ذلك يرى أنها  عملية جداً وحاسمة وتأتي اُكُلها سريعاً في ظل عالم يحتفي بالكذبات الكبيرة، ولكن قد تكون لها تبعات اجتماعية معقدة في المستقبل. درويش لم تعجبه الفكرة واعتبرها نوعا من الإذلال أن يدعي بما ليس فيه، وخاصة ما يراه حسب تقييمه مسألة الشرف أى   شيء يخص الكرامة الشخصية. من ناحية أخرى   كيف له أن يدعي أنه  مثلي وأنه محارب في بلده نتيجة لذلك وفقا للقانون والشريعة الإسلامية، وهو يريد أن يتزوج في يوم ما وأن ينجب أطفالاً، كيف سيبرر ذلك، وفوق ذلك كله هو مُسلم.

شرح له أحد النيجيريين: ليس هنالك شخص سوف يسألك عن ذلك، هنا بلاد الحُريات، أنت      كنت  homosexualمثلي عندما كنت في بلدك، ثم تحولت إليheterosexual  هتروسكشوال وتريد أن تتزوج وتنجب أطفالا، إنها  قضية تخصك أنت وحدكَ وليس لأي مخلوق الحق في السُؤال أو الاستفسار لم تحولت وكيف ومتى، وهذا معني الحُرية في العالم الحُر يا رجل يا حُر!.

ولكن ماذا لو واجهني المتحري بأن    بعضاً من الذين في مواقع القرار السياسي في بلدي  مثليون، وهم يحصلون علي احترام الجميع، فالناس هنا يعرفون كل شيء عن بلادنا، بم أرد عليه؟

ضحك قومار قائلا: قل له مثلي لمثلي يفرق، ومن عنده ظهر، لا ينضرب علي قفاه وقل له المثلي الحاكم هو بالذات الذي يعاقب المثلي المحكوم.

تخرج غومار والنيجيريان في المعسكر إلى     مساكن أخرى   جماعية إلى     أن يتم التحقيق وإجراء المقابلات، ولكن اخبره غومار بألا يقيم في السكن الجماعي ويطلب من الإدارة أن تتركه يعيش في النادي السوداني بفيينا إلى     حين المقابلة، وسوف يجده هنالك، لأن النادي مريح وبه سودانيون ويستطيع أن يمارس حياته الاجتماعية بصورة جيدة وسيقدم له السودانيون مساعدات كثيرة في التعرف علي الحياة وإيجاد عمل في المستقبل والاتصال بأسرته. فميعاد المقابلة قد يأخذ وقتا طويلاً جداً ربما شهوراً أو أياماً لا يدري أحد متي. وأعطاه  عنوان النادي السوداني ورقم تلفون أحد الناشطين في الجالية السودانية بفيينا.

في اليوم الذي غادر فيه الثلاثة، أحس     بالملل وبطء إيقاع الحياة في المعسكر، وشعر بفراغ شاسع لم يسعفه مرجع الصيدلة علي شغله. الأشخاص الثلاثة الجدد الذين حلوا محل النيجيريين وغومار كانوا إفريقيين ولكنهم  يتحدثون اللغة الفرنسية كلغة مستعمر ولكنهم غالبا ما يتحاورون بلغة محلية، يتحدثونها بسرعة حيث لم يستطع أن يتبين سوي كلمة واحدة تنتقل بين شفاههم في الصباح الباكر وهي"أُسِيْ"، واقترح بينه وبين نفسه أنها  قد تعني صباح الخير، أو أية  لفظة للسلام. لكن يبدو واضحا له أنهم  من دولة ما علي ساحل  غرب إفريقيا قد تكون السنغال،غانا، ساحل العاج أو غامبيا. لا يعرفون اللغة الإنجليزية لأنه حاول أن يتبادل معهم بعض الجمل القصيرة بها ولم يكن هنالك ردا مفهوما من جانبهم، بالتالي لم تكن هنالك طريقة لتبادل الآراء أو الحكايات. يبدو أنهم  كانوا في غاية الإعياء، اعتبر ذلك نتيجة للرحلة الشاقة التي خاضوا غمارها. قال في نفسه لابد أن يكونوا قد قدموا عن طريق البحر فعلاً.

كان يقضي النهار نائما لا يستيقظ إلا على صوت الميكرفون داعيا لوجبة  منتصف النهار ثم لوجبة العشاء، كان الطعام دائما باردا ومملاً ولا يستطيع بلعه إلا بصعوبة، لم يشعر بذلك عندما كان في صحبة النيجيريين وغومار، كانوا مرحين ويطلقون النكات في كل شيء ويسخرون من كل شيء حتى أنفسهم، يتناولون الأطعمة بشهية متمسكين بالحياة أى   أنهم يأكلون بهدف ألا يموتوا الآن وليس أكثر. وهذا دافع  كافٍ بأن  يجعله يأتي علي اللحم البارد الماسخ، ويحتسي العصير الشاحب اللون ذا السُكَّر الكثير الذي يخدش الحلق، برائحته التي هي أقرب لشمم بلسم السُعال الدِيكي، تناوله كثيراً وهو طفل.

 عندما ذهبوا، ذهبوا بروحهم أيضاً. نستطيع أن نقول إنه  يشعر بالوحدة والغربة والتشوق إلى        الصُحبة، وبدأ يتذكر نادية. يتذكرها بقوة ويتمني أن يعرف أين هي الآن في أى موقع كيف ذهبت معها المصائر، فلقد افترقا في محطة فستبانهوفWestbanhof، في غرب فيينا،  بعد أن تناولا وجبة إفطار سريعة في أحد مطاعم المحطة، ولم يفقا من دهشتهما بعد حيث إن وستبانهوف هي أكبر محطة قطار يريانها في حياتهما، حيث كانت في ذاكرة كل منهما محطة رمسيس بالقاهرة كأكبر محطة قطار شاهداها في تجوالهما في البلدان. قبلا بعضهما في خجل حيث كانا يظنان أن كل الذين في المحطة ينظرون إليهما. ومن ثم افترقا بغير تبادل عنوانين حيث ليست لهما عناوين وليست لديهما تلفونات جوالة، ولا يدري أى   منهما أين يستقر به المقام، ولكنهما كانا يشعران بأنهما سيلتقيان يوما ما في مكان ما. نادية سَلَّمتْ نفسها للبوليس في ذات المحطة، وكان يراقبها هو بينما تتحدث مع رجل يرتدي زي رسمي كتب عليه كلمة أمن في الظهر وأخري في الصدر، ومن ثم تِتَّبِعه ويمضيان. ترشقه بنظرة وداع خاطفة حارقة باقية للأبد. يختفيان عن ناظريه  في سيل البشر الغادين والآيبين. أما هو فتحسس حقيبته الصغيرة كما يتحسس وزير ثقافة مسدسه كلما رأى شاعراً. مسح المحطة بنظرة أخيرة. ثم حمل خطاه عبر البوابة الكبيرة نحو الخارج. لم يكن خائفا من شيء، يعرف عن فيينا أنها  من المدن الأكثر أمانا في العالم. كان يتفرس أوجه الناس، عله يتعرف علي وجه سوداني أو مصري. ولكن هنا الأوجه تتشابه كل السُود يشبهون كل السود وكل البيض يشبهون كل البيض، نساء وأطفالاً ورجالاً، الشوارعُ تتشابه، والشَرطيون يشبهون الشَرطيين، والسيارات التي تسير ببطء وتتوقف بأدب عند إشارات المرور تشبه تلك السيارات التي تسير ببطء وتتوقف بأدب عند إشارات المرور للسابلة القلقين. السَماءُ صافيةٌ جداً، وتذكر هنا قول نادية له عندما خرجا من بيت الفلاح في ذلك الصباح الباكر نحو محطة القطار، حيث إنها  حملقت في السماء، ابتسمت وقالت له:

- يا لها من سَمَاءٍ صافية، لدرجة أنه  بالإمكان مشاهدة الملائكة!.

كانت نادية مؤمنة، بل شديدة الإيمان وهي تحمِّل كل نجاحات تصيبها للرب كما تحمله أيضا مسئولية اخفاقاتها الكبيرة، ولكنها دائما ما تشعر به حولها، في كل شيء، وهي أيضا   كانت تقول له :إنني لا أخاف من الله، لأنني أحبه وأقبل حياتي كما هي وأقبل الله كما هو، فلست مسئولة عن شيء أقوم به، هو المسئول.

تَمَشَّيَ في وسط المدينة إلى  ما بعد منتصف الليل، إلى أن غدت الشوارعُ شبه خاليةٍ من المارة العجولين والمتسكعين أيضا   مثل السُياح الصينيين واليابانيين الذي يمشون جماعات بهدوء وفي أياديهم كاميرات يصورون بها كل ما يقع في عيونهم الصغيرة الدقيقة التي تَري جميع الأشياء ولا تُري في ذاتها. نامت السيارات وحافلات نقل الركاب الكبيرة. كانت ناديةُ دائماً في باله، ولكن أكثر ما يؤرقه، ويتمني ألا تكون جادة فيما قالت: ربما أكون قد حَمِلتُ منك، إنها  أيام الإخصاب عندي. علي كلٍ، ذلك لا يسبب قلقا كبيراً. لقد استمتعت بكل لحظة قضيناها معاً. وهذا مجرد ظن لا أكثر. هل كانت تعني شيئا بعينه من وراء ذلك. كان دائما يحس بأنه لا يفهمها بالصورة المطلوبة. أليست هي من قالت له من قبل: لا يَدعي فَهَمِ النساء إلا الذي لا يعرفهن!. ثُمَّ سَلمَ نَفْسَهُ لِلشَرَطِيِّ.