2015/09/15

رواية الرجل الخراب 4

                درويش

ترددتُ كثيرا في كتابة هذا الجزء بالذات من حياة أحمد درويش، لأنه يتعلق بنظرة درويش لنفسه الآن، وهو لا يحب أن يظهره في حياته، لأسباب تتعلق بالفضيلة الإنسانية أو ما يراه فضائل، ومن حقه أن يشكل الصورة التي يحب أن يكون عليها، كما أن الخلفية الدينية له تلعب دورا مهما، فالتاريخ المتغاضي عنه في حياة درويش هو انتماؤه للجماعات الإسلامية في سنواته الأولي بجامعة أسيوط، ولو أنه  تركهم بلا عودة بعد أن تم اعتقاله وتهديده بالخصي، وهي أسهل طريقة يتبعها رجال الأمن لإقناع الأفراد الذين يصعب إقناعهم بالمنطق السياسي السليم، لو أن أفكاره أيضا   حدث بها بعض التغير الذي يصفه بالإيجابي لأنه ما عاد يري البشر إما كفاراً أو مسلمين ومن واجبه إرشاد الكافرين الضالين إلى     جادة الطريق أو قتلهم في حالة إصرارهم علي غيهم، ولكن من الخطأ تجاهل البُنية الدينية وأثرها في تكوين شخصيته طوال حياته، حتى إذا  تنكر لذلك الآن. غير الحادثة التي سيقصها لنا الراوي بعد قليل، ستصادفنا أخرى   أيضا   تتعلق بالخنزير وقد يحكي لنا القصتين، وفقا لمزاجه، فالرواة أصبحوا في هذا الزمن المختل سُلطة لا يستهان بها، وأصبحنا ككتاب نعول كثيرا علي أمزجتهم الفاسدة، أظنني حدثتكم من قبل عن ذلك الراوي البذيء الذي راود صديقتي الكاتبة كلتوم فضل الله عن نفسها. اعتبر درويش أن الحادثتين ليستا سوي امتحان خشن من الله لشخصه الضعيف.

الراوي أصر إصرارا بالغا علي وضع النقاط علي الحروف أو كما قال: إشعال شمعة في ظلامات عقل الرجل.علي كل، سأحكيه هنا بشيء من التحفظ لا بأس به، أى   بالقدر الذي لا يقلل من قيمة العمل الفني، أو يخلق ارتباكاً لدي القارئ، في الواقع سوف لا أهتم إلا بالحقيقة ولو أن الحقيقة في ذاتها نسبية كما علمنا ألبرت أينشتاين، في هذه الحالة سأطلق للراوي العنان، وكعادته سيسرح ويمرح، ولكني سأختار من أين يبدأ، فرؤيتي ثاقبة في بعض الأحيان، الرواية عمل مشترك ما بيني ككاتب والراوي القارئ والشخصيات، قَبِل هو ذلك أم لم يقبله لا يغير في حقيقة الأمر شيئاً: المكان عبارة عن زريبة ماشية حديثة، في شكل مبني أشبه     بمنازل الفلاحين. غمرت أنفه رائحة روث الحيوانات قبل أن يدخله بأمتار عديدة، كان راشد قد شرح له الفكرة، وطمأنه بأنها الأحسن وكثيرٌ من المهاجرين لا يجدونها بسهولة، فالبعض يُرَحَّل تحت الشاحنات ما بين مجمع إطاراتها الخلفية، وكم وكم من أرهقهم التعب وغلبهم النُعاس فسقطوا علي الأسفلت وسحقتهم الإطارات بدون رحمة، هذا إذا  لم تقبض عليهم الكلاب البوليسية الشرسة المدربة جيدا علي صيد المهاجرين، وتنتزعهم بأسنانها من هنالك انتزاعاً: أنت      محظوظ يا رجل.

أعطاه أكياسا بلاستيكية كثيرة فارغة لكي يستخدمها لقضاء الحاجة، وشرح له باستفاضة كيفية استخدامها في حالة التَغَوُطْ وفي حالة التبول، لأن أى   خطأ في الاستخدام يجعل المكان لا يُطاق. أعطاه كيسا آخر مملوءا بالأطعمة الجافة وقارورات المياه تكفي لخمسة أيام بلياليها.

مقطورة الشاحنة العملاقة تتكون من طابقين، تفصل بينهما أرضية من الخشب الموسكي، تُري من الخارج مثل قفص كبير من الحديد الصلب، به فتحات للتهوية في شكل نوافذ صغيرة مربعة منسوجة بشبكة من السيخ. هو في الجزء الأسفل، قريب من المقدمة أى   في القفص الثاني، القفص الأول به امرأة لم يتبين ملامحها للوهلة الأولي تفصله عنها شبكة معدنية ذات فتحات كبيرة، ولكن المرأة كانت منكمشة علي نفسها دافنة رأسها بين فخذيها، وشعرها الأسود الغزير يغطي ما تبقي منه. كان منشغلا بالخنازير التي في القفص الذي يليه والقفصين اللذين علي جانبيه. لجب حوافرها في الجزء الأعلى يسمعه  مثل طرقات الشاكوش، وتغمر أنفه رائحة كريهة تصدر من كل الاتجاهات من بول الحيوانات وفضلاتها، هو بطبعه يكره الخنازير، يكرهها حتى إذا  لم تتبول أو تصرخ، من قلبه ومن فكرة يكرهها من عمق بنية نفسية واجتماعية شكلته طوال عمره، فهو لم يرها علي الطبيعة إلا اليوم، ولم يلمسها في حياته إلى        الآن، بالطبع لم يأكل لحمها فهي محرمة في الإسلام وهو مسلم ملتزم لحد معقول بتعاليم دينه، ونقول بحد معقول لأن درويش يحتسي الخمر وهي حرام وملعونة، وأيضا لا يتردد في ممارسة الجنس خارج الإطار الشرعي كلما وجد لذلك سبيلاً، وهو ما يُعتَبَر زني"Adultery" في الإسلام وعقوبتها الجلد بالنسبة لدرويش لأنه عازب، والرجم بالحجارة للمحصنين، لكنه يصلي ولا يأكل لحم الخنزير، ولو أن ذلك ليس دقيقا، فقد أكله ولشهرين كاملين، كان وجبة عشائهم المفضلة، بالطبع ما كان يعرف أنه  يأكل خنزيرا وإلا لفضل عليه أية    لحوم أخرى، والنوم بلا عشاء أفضل كثيرا من عشاء مكروه. في الأيام الأولي لوصوله لفيينا أقام مع بعض السودانيين في النادي السوداني حيث توجد مساحة للنوم وممارسة الحياة بالنسبة للقادمين الجدد الذين لا مأوي لهم، ولم يُسْمَحْ لهم بالعمل بعد، ووجد هنالك  من الشباب الظرفاء الندماء المتفائلين والمحبطين وغيرهم، واختار سُلة تشبهه كثيرا، حيث كانوا يلعبون الورق نهارا، وفي المساء يذهبون للدسكو، يحتسون قدرا كبيرا من البيرة، قد يصيبون بعض النساء، ويعودون في نشوة وجوع عارمين، فيمرون علي المطعم التركي وهو المكان الوحيد الذي يثقون فيه، ربما لم تكن تلك الثقة سوى ناتج طبيعي للإعلان الملصق علي نوافذ وباب المحل الزجاجي، بأنهم يستخدمون اللحوم الحلال فقط. دائماً ما يطلبون شواءً من لحم الضأن، وكان التركي يعد لهم طبقا منه لذيذا جداً، يلتهمونه وهم سُكارى منتشون. ومضي الحال هكذا إلى     أن أكد لهم صديق سوري كردي اسمه جان، أن هذا التركي بالذات يطعمهم شواء الخنزير، وأن كثيرا من المسلمين يعرفون ذلك، لذا عليهم أن يتجنبوه. طبعا لم يصدقوا صاحبهم السوري ولكنهم لم يذهبوا إلى        مطعم التركي مرة أخري.

"من المفترض أن تستغرق الرحلة يومين" قالت له الفتاة ذات العينين المتورمتين من البكاء عبر شبكة الحديد باللغة العربية، بلكنة مصرية ممزوجة بلهجات إفريقية غريبة "يومين كاملين في هذا العفن".

كان قد أتاه صوتها مختلطا بصراخ الخنازير ولجب حوافرها، في الحقيقة ما كان يتوقع أنها  ستتكلم معه، لقد كانت طوال الوقت منكفئة علي نفسها واضعة رأسها بين فخذيها معطية إياه ظهرها بصورة تامة، وفهم من ذلك أنها  لا تحب أن تدخل في أى  نوع من التواصل معه، واحترم رأيها الذي قرأه من حركة جسدها، ولا يدري متي التفتت إليه    لأنه كان يراقب خنزيرا كبيرا في القفص المواجه له يحاول إدخال أنفه عبر فتحات السيخ ولحس قدميه، قال لها، ربما دون تفكير:

- ربنا يستر

قالت له، وهي تحملق فيه بعينين محمرتين:

- إنه لا يفعل ذلك كثيراً.

قال مندهشا:

- من؟

قالت وهي لم تحول عينيها عنه

- الله.

سكت قليلاً، قال محاولاً أن يكون منصفا

- إنه وقف لجانبي في مراحل كثيرة من حياتي.

قالت بذات مستوي صوتها

- لقد خذلني أنا كثيرا جداً، لأنني أؤمن به جدا، وكنت أظن     أنه  سيعيرني الاهتمام الذي أستحق، ولكن للأسف، عندما أحتاج إليه لا أجده.

نزلت دمعة من عينها، لم تقم بإزالتها بل تركتها تسقط علي أرضية الشاحنة مباشرة وتذوب في بلل بول الخنازير الذي يتساقط من الطابق العلوي للشاحنة، تبعتها دمعتان مضيتا سريعا انتهيتا في ذات الموقع. أضافت: أنا أحس     بأن    الأمر سوف لا يمضي بالسلام، سيُقْبض علينا في إيطاليا، أنا إنسانة منحوسة، ودائما ما يرافقني الحظ التعيس.

- لماذا إيطاليا بالذات؟

قالت وهي تمسح خدها من آثار الدموع:

- لأنها أسوأ دولة يمكن القبض عليك فيها، أنا دائما أتوقع الأسوأ.

- حسب علمي أننا سوف لا نمر بإيطاليا، إيطاليا يمر بها المسافرون

عبر البحر، نحن سوف نعبر ألبانيا ويوغسلافيا وهم هنالك لا يهتمون كثيرا، وإذا اهتموا ليست لديهم الإمكانيات التي  يكتشفون بها موقعنا في الشاحنة، إلا إذا  أفرغوا شحنتها، وهم عادة لا يفعلون ذلك هذا ما قاله لي المهربون.

بعيدا عن تورم عينيها من البكاء وشعرها المبعثر بفوضوية، وصوتها القلق المبحوح، كانت جميلة، بل جميلة جدا، في الحقيقة من أجمل النساء اللائي رآهن في حياته، علي أقل تقدير هي أجمل امرأة تستقل شاحنة خنازير نحو أوربا، لها عينان دامعتان وهي تقبع في القفص المجاور لقفصه الآن، ولم يستطع أن يصدق أن يصاحب هذا الجمال اللعنات الإلهية وسوء الطالع اللذان تشير إليهما، قال لها:

- أنت جميلة.

قالت دون أن يبدو عليها أنها  تأثرت بملاحظته، بل بصورة أقرب لأن تكون حاسمة بل حادة بعض الشيء، ولكن العبارة الأقرب لتوصيف طبيعة تلك الجملة،هي كلمات الرواي: غير عاطفية البتة.

- لولا ذلك لقتلني البدو المصريون في سيناء، ولولا ذلك أيضا   لما استطعت أن أدفع تكاليف الرحلة إلى     أوروبا.

- البدو؟

-  نعم، لقد باعنا بدو سودانيون لبدو في سيناء، كنا عشرة أشخاص، معي امرأة أخرى، كلهم تقريبا بيعوا في شكل أعضاء، لولا أن أحد البدو أحبني، أو أنني        أعجبته، لما نجوت.

صمتت، كان أحد الخنازير يصرخ بصورة مرعبة، تبعه خنزيران آخران، ثم لم يعد هنالك سوي صوت اصطكاك حديد الناقلة ببعض وضجيج عجلاتها في التحامها بالأسفلت. الجو باردٌ قليلاً، رائحة روث الخنازير تملأ المكان. وهو أمر  متوقع، بل هو الشيء الذي جعلهما يستقلان هذه الناقلة بالذات، فرائحة الخنازير تضلل الكلاب البوليسية عن رائحتهما، بالتالي كان عبورهما للحدود اليونانية مع ألبانيا ويوغسلافيا سهلاً، فالكلاب البوليسية المدربة لم تشم شيئا سوي عفن الخنازير، مرت تحت الناقلة أيضا وعلي جوانبها وغرفة القيادة ولكنها لم تعثر إلا علي خنازير سمينة بائلة، وحتى الشرطِي الألباني الذي وضع عينيه ومنخريه في فتحات التهوية أى   الشبابيك المعدنية، حالما انسحب سريعا مبتعدا عن الناقلة وهو يكح ليخرج كل ذرة هواء استنشقها من جوف الناقلة القذر وكاد أن يستفرغ وجبة إفطاره الرخيصة، أظنه تقيأ فيما بعد.

 لم تكن الخنازير جائعة، فالطعام الذي لديها يكفيها لأسبوع كامل كما أن الماءَ متوافرٌ في احواض مغلقة بصورة طيبة، ولا يمكنها أن تنفتح إلا عندما يضع الخنزير فمه محاولا التقاط خيط خفيف من الماء دائما ما يكون موجودا علي قمة الغطاء ليُعلم الحيوان  مصدر الماء عندما يعطش، وعندما يخرج فمه منه بعد أن يرتوي، ينغلق الوعاء مرة أخري، لكن يبدو أن شهية الخنازير للتزاوج عالية، فإن الذكور لا تتوقف عن محاولة أن تفعل شيئاً ما يحفظ النسل. قالت له:

- لدينا خنازير برية في البيت عندما كانت أسرتنا تقيم في القرية.

قال لها وهو يبتعد من خنزير كبير يقترب منه، فالخنازير تحيط به من ثلاث اتجاهات، فكلما أرخي ظهره في جهة ما لحسه لسان بارد يثير القشعريرة في جلده، أو شمه أنف رطب ونفث فيه زفيرا حزينا، أو صرخ حلق في أذنيه:

- أنا لا أحبها، بل أكرهها، هذه المخلوقات القذرة تثير جنوني.

قالت له:

- ما هي؟

- الخنازير.

قالت وهي تضع أول ابتسامة علي فمها منذ أن رآها تنكمش هنالك علي جسدها مثل قنفذ أسطوري عملاق، ابتسامة واسعة شملت وجهها كله، وأطلقت أسنانها البيضاء المنتظمة لتعانق بؤس المكان فتضيئه، أو هكذا خُيّلَ له:

- مشكلتك نفسية لا أكثر، كل المسلمين يكرهون الخنزير، وهو حيوان عادي بريء بل جميل أيضا   وطيب، كرهك له لا علاقة له بالخنزير.

بالطبع يستطيع أن يرد إليها وبإمكانه أن يفند لها ما تدعيه علمياً، لأنه يعرف بل يحفظ عن ظهر قلب التحليل المعملي المشهور عن لحم الخنزير الذي يتحدث عن الديدان التي تعيش في ألياف عضلاته وهي مضرة جداً لصحة الإنسان، لأن الخنزير يأكل القاذورات وفضلات الحيوانات الأخري، ولا نظن أنه  سوف يقول لها إن سبب الضعف الجنسي وقلة الإنجاب لدي كثير من "الخواجات" هو أكلُ لحم الخنزير وهو ما قاله له والده ذات مرة، كما أنه  سيشعر فعلا بالخجل خشية أن تتهمه بالجهل المُفرط إذا  قال لها، ما سمعه من رجل دين معروف: أن لحم الخنزير يقتل الغيرة في قلب الإنسان، وهو السبب المباشر في أن آكليه يتهاونون في مسائل الجنس ولا يشعرون بالخجل في تناولها، بل بإمكانهم أن يمشوا عراةً في الطرقات: ألمْ تسمعين بأندية العُراة وشواطئ العُراة  وربما قُري العُراة أيضاً؟

 يهمه الآن أن يكسبها، يريد أن يتقرب منها بأية صورة كانت، ولو يوافقها جزئيا أو مؤقتاً، علي ما ذهبت إليه من رأي بشأن كُرْهِهِ للخنزير، بل علي ما قد يأتي من آراء غريبة من جانبها لاحقاً، لأجل جمالها يستطيع أن يغفر لها كل شيء، فالجمال سلطان يُطاع، بل ما فائدة أن يكسب حوارا ويخسر امرأة؟ قالت له: دعني أحكي لك شيئا، أريد   أن أحكيه لك، هل تسمح لي بذلك: من المفترض أن أكون الآن ميتة، وعظامي ترقد في صحراء سيناء مع مئات الجثث التي تحنطها الشمس والرمال الحارقة. لم تكن لدي نقود لأفدي نفسي ولا لأسرتي مال يرسلونه للمختطفين، ولا أحب أن أتعذب ومثلي مثل كل إنسان لا أرغب في الموت، فقلت ذلك بوضوح لشيخ من البدو وهو الحاكم الفعلي للخاطفين والرأس المدبرة لكل شيء، واقترحت عليه أنني        أستطيع أن أجلب له مالاً كثيرا جدا، إذا  تركني في حُجرة وأدخل لي من رجال عصابته من يريدني، فهم بلا نساء يقيمون في معسكرات صحراوية لشهور كثيرة. أعجبته الفكرة، وبدأ هو بنفسه. في الحقيقة لم يكن الأمر سيئا تماما، أو أنني        فكرت في أن أستمتع به، تعاملت معه بصدق وموضوعية، كما لو أنني أقوم بعمل مكتبي وآخذ عليه نقوداً وأستمتع بالخدمة في ذات الوقت. كانت رائحة إبطيه مثل صُنان النسر، ولكنه كان رقيقا معي جدا، كأنه لم يكن ذلك الرجل الذي ذبح الشاب الإريتري حقوس قبل ساعتين وعلَّق جثته علي عمود أكبر بقليل من العمود الذي عُلِّقَ عليه السيد المسيح قبل عشرين قرنا من الزمان في مكان ليس ببعيد عن هذه الصحراء القاحلة. الشاب الذي هرب ليلا وقبضوا عليه عند الحدود الإسرائيلية، وكاد أن ينجو، حيث إنه  عبر الحاجز الأول من السلك الشائك، وتبقي له حاجزان آخران ثم يعبر إلى     إسرائيل. ذبحه لكي يخيف البقية حتى لا يحاول أحدهم الهرب. ربما هو أيضا  كان يؤدي عمله، العمل الذي يسترزق منه، كان يؤديه بحرفية بدون ضمير بدون أية    مشاعر إنسانية، كان رجلا ضخم الجثة، مثل ثور جاموس، ولكنه ليس متوحشا تماما، كما فعل كل البقية، لم يخلع أيا من ملابسه، سوي سروال من الكتان كبير الحجم، بينما كنت أيضا أرتدي فستاني الوحيد، ولا أظن     أن رائحتي كانت أطيب من شميم إبطيه، فلم أنل حماما منذ شهور كثيرة، أى  منذ أن باعنا البدو  السودانيون للبدو المصريين في صحراء سيناء البغيضة. فالماء في هذه الصحراء أندر من الذهب. عندما وصل ذروته، كان قد أفرغ كمية هائلة من السائل المنوي، كأنما دفق قارورة كبيرة من الماء في أحشائي، بل ظننتُ أنه  تبول علي، ولكن لم يكن الأمر يخلو من متعة.  كنت أتخيل نفسي أمارس الجنس مع الرجل الذي أحببته كثيرًا، وكنت أصرخ وأنادي باسمه، واري عينيه الطيبتين تحملقان في وجهي وهو ينتشي، وهو يضمني إليه في رفق وهو يرق. لم أحقد علي البدوي بل إنني  مازلت ممتنة له، لقد أنقذ حياتي، فالحياة أغلي من كل شيء. ثم بعد دقائق دخل إلى    بدوي آخر، ثم آخر، لا أدري كم عددهم في اليوم الواحد وربما زارني بعضهم مرتين أو ثلاث مرات ما عُدت أميز أحدهم من الآخر، فلقد تطابقت ملامحهم عندي، كانوا مثل عملة من فئة واحدة، نفس الرائحة نفس السحنات نفس اللغة نفس الطريقة في ممارسة الجنس نفس النظرة البائسة التي ترتسم في عيني أحدهم وهو يرتدي سروال الكتان الكبير ويهم بالخروج. في اليوم الرابع، أتاني الشيخ البدوي وقال لي إن ما قمت به كثيرٌ، ولكنه لا يكفي لثمن إطلاق سراحي، وعلي أن أبيع إحدي كُليتي لتغطية الفرق الذي قدره بألف دولار. ستأتي العيادة المتحركة وبها جراحون أكفاء مهرة، وأن العملية بسيطة جدا وأنها لا تؤثر علي حياتي المستقبلية، وكثير من الناس حسب علمه يعيشون بكُلية واحدة، وعلي ألا أخاف، وبعد العملية سيقوم بنقلي إلى المدينة، وهنالك ستعتني بي الحكومة المصرية، إنهم لن يتركونني أموت وهذا وعد منه، وهو لم يفعل ذلك إلا لأنه أحبني، وأنه لا يريد أن يقتل امرأة جميلة وذكية قد يكون لها مستقبل باهر في أوربا، لولا أنهم دفعوا الثمن مقدما للبدو السودانيين، الذين وصفهم بالجشعين، لأطلق سراحي بدون مقابل. إنهم عادة يأخذون الكُليتين والقلب والعينين وبعض الدم أو جُله. وكل ما هو مفيد في جسم الإنسان ويمكن نقله لإنسان مريض آخر ينتظر في مكان ما ولديه مالاً يشتري به البضاعة، ولكن معك سيكون الأمر مختلفاً، مجرد كُلية واحدة، لا أكثر.

 بكيت كثيرا جدا، ولكن عندما أتيت غرفة العمليات المتحركة وهي عربة صغيرة. كان قد أغْمِي علي وأنا أري أصدقائي يخرجون منها جثثا هامدة تسيل دماؤهم من علي نقالات صدئة حيث تُرمي بجثثهم في حفرة كبيرة في جوف الرمال الحارقة. كلهم عندما دخلوا عربة الجراحة كانوا يصدقون قول البدوي بأنهم فقط سيأخذون الكُلية اليسري أو اليمني لا أكثر، وأنهم سوف يرسلونهم بعد ذلك إلى        المدينة،  يلقون بهم في أطرافها، سيُبَلِغْ عنهم المارةُ، تأتي الشرطة وتأخذهم لمستشفي شرم الشيخ، حيث يتم إسعافهم.

صمتت عندما توقفت العربة فجأة، كانا يسمعان بعض الحوارات بلغة لا يدريانها، ثم هوهوة كلاب خشنة، يحسان بحركة أفراد حول الناقلة، وتحتها. كانت تضع كلتا كفتيها علي فمها، كأنما تُريد أن تحبس صرخةً داويهة من الانفجار، وهي تغمض عينيها بشدة. ثم ساد صمت لفترة طويلة، ثم تحركت العربة مرة أخري.

قالت له: تعال قريبا مني، أنا خائفة، تعالَ هنا.

 كانت ترتجف وهي تلتصق بسيخ الحاجز، جاء قربها إلى أن التصق هو أيضا   بسيخ الحاجز، أدخلت كفها عبر فتحات السيخ، أمسكتْ بكفه، كانت عيناها قد أخذتا تحمران مرة أخرى   سقطت بعض الدموع علي فخذها.

 قالت: أنا خائفة لا أستطيع تحمل أية  مآسي أخرى. لولا أنهم سيقتلونني في بلدي لعدتُ.

 كانت ترتجف كأنما أصابتها حمي فجائية، يدها باردة ومعروقة، مرر كفه الطليقة علي وجهها كان ساخناً، مسح أدمعها، لا يدري ماذا يقول لها، لا يعرف كيف يواسيها، فهو لم يوضع في هذا الموقف من قبل، كانت الخنازير كعادتها تصرخ في كل الجهات، رائحة روثها تحتل الأمكنة، الجو بارد، وجهها ساخن، ويستطيع أيضا   أن يحس  بسخونة جسدها. يبدو أنها  أخذت تطمئن قليلا قليلاً، أدخلت كلتا يديها عبر سيخ الحاجز وهي باركةً علي ركبتيها، فاستدار هو وبقي علي ذات الوضعية، فتواجها. طوقت خصره بساعديها وجذبته إليها، طوقها أيضا بساعديه. فأصبح نصفهما الأعلى في حالة مواجهة كاملة للحاجز. قالت له وهي تحملق في عينيه بمقلتين محمرتين  وعلي فمها ابتسامة قلقة : قبلني.

 كان وجهاهما ملتصقين علي السيخ، وعبر الفتحات مرر شفتيه ليلتقيا بشفتيها. كان طعمهما مالحاً، وهما دافئتان.

هناك تعليق واحد:

DAVE GRAY HOSPITAL INDIA يقول...

هل انت بحاجة لجمع المال لتغطية تكاليف الرعاية الصحية أو دفع الديون أو في حالة من الانهيار المالي؟ انتظر! النظر في بيع الكلى الخاص باعتباره الخيار. اذا أنت
ترغب في بيع الكلى الخاصة بك اليوم. اشترى رسالة لنا immediately.A الكلى لأكبر قدر ممكن من $ 289،000.00 دولار. المؤسسة الوطنية حاليا
شراء الكلى صحي. اسمي Dr.Dave رمادي، انا طبيب الأعصاب في المستشفى الوطني في الكلى. مستشفى ديف رمادي المتخصصة في جراحة الكلى ونحن
ايضا في التعامل مع شراء وزرع الكلى مع لقمة العيش متبرع المقابلة. نحن موجودون في الهند. إذا كنت مهتما في بيع أو
شراء الكلى من فضلك لا تتردد في الاتصال بنا عن طريق البريد الالكتروني: (davegray@davegrayhospital.com) | اقرأ المزيد: http://davegrayhospitalkidneydn.blogspot.in/
حاجة حقيقية للمانحين، whatapps / الاتصال على جوال: + 91-8050773651.