2015/09/15

رواية الرجل الخراب 14

       الرجلُ الخرابْ

ملحوظة مهمة: هذا الجزء من الرواية، وكل الحكايات التي فيه هي من وُجهة نظر ثلاثة من أبطال الرواية، غير الأساسيين وهم توني وميمي ونُورا فالشخصيةُ الأساسيةُ في هذه الرِواية هي شخصيةُ درويش فقط. وهذا لا يستقيم مع أساسيات الرواية كما هي في كتاب Novel aspects، المدرسي الشهير الذي يقول إن الرواية عليها أن تحتوي في متنها علي ثلاث شخصيات أساسية علي الأقل.

 بالطبع سيجد القارئُ والقارئةُ الكريمان معلومات كثيرة تناقض المعلومات التي ذُكرت في الجزء السالف من الرواية. أى   الجزء الذي رواه الراوي مشكوراً وتدخل الروائي-أي شخصي الضعيف- كثيراً في بعض الثيمات. وهو تَدخل مُخل في أغلبه، إذا  لم يتسامح معه القارئ الصارم الذي يبحثُ عن حقيقة ثابتة لا يمكن التلاعب بها أو فيها وأن علي الرواية أن تمضي في خُطوطٍ مستقيمةٍ مُتوازية وألا تتقاطع إلا بمبرر سردي مقنع، كما عند ليوتلستوي وآرنست همنجواي والعبقري الماكر صاحب عشيق الليدي شترلي دي.اتش.لورنس. أما القارئ المُرائي المُغامر الصُعُلوق الذي تحدث عنه تي.اس.إليوت، قد يكون له رأي آخر، لا ندري ما هو بصورة قاطعة. والشيء الآخر أن نهاية هذه الرواية ليست من اختياري ككاتب ولا اختيار الراوي المستبد الذي صاحبكم في عملية السرد، هي من اختيار نُورا شولز بالذات. فكانت خطتي لإنهاء هذه الرواية تذهب إلى     عودة درويش إلى     مصر أو السودان مرة أخرى، هارباً بابنته ميمي من جحيم الفساد الأخلاقي والقيمي الأوربي، قد يزوجها هُنالك أحد أقربائه بعد أن يُمزق جوازها ويلقيه في أقرب نهر موسمي. ويسكنها في قَرية لم تتعرف عليها أدق الأقمار الاصطناعية، لأنها ببساطة لا تُوجد في الخارطة السياسية للعالم. في عودة درويش، ليست العِبرة في المكان، ولكن أريد   أن أستخدم القُوة الرمزيةُ الهائلة للمكان والدلالات النفسية والاجتماعية التي تتضمنها مسألة العَودة، وبذلك أكون قد كتبتُ نهايةً للروايةِ مقفولة بصورة صارمة وجيدة، نُوع النهايات التي تجعل القارئ يتنفس الصُعداء ثم يتناول كوبَ ماء كبيرٍ، يشربه في جُرعات متتاليات، ثم يصرخ بأعلي صوته: تباً.

 ولكن كانت لنورا وُجهة نظر مختلفة في موضوع النهاية. وقمت بالتنازل عن حقي الأدبي في اختيار نهاية الرواية لها. وحدث ذلك بكامل رغبتي. ولم أستشر الراوي. لأننا منذ أن اختلفنا في موقعٍ ما من الرواية لم أستطع أن أتحصل عليه مرة أخرى. وأنتم تعلمون أنه  ليس للرواة أوطان أو عناوين ولا تستطيع شَرَطَةٌ ما القبض عليهم. ونذكر هنا مرة أخرى  قصة الراوي الذي اغتصب صديقتي الروائية الفاضلة كلتوم فضل الله. أظنني قلتُ فيما سَبق راودها عن نفسها، لا.... أنه  اغتصبها، لقد أكدتْ لي ذلك بنفسها، وهرب في مكان ما من السَريات الكُبرى تلك المقدسة، حيث يختلط الحابل بأكثر من نابل، وتُمنع النساءُ من الخوض في تلك البِرك السردية الآسنة.

 ولو أن ذلك كان حدثا غريباً إلا أنه عادي ويمكن حدوثه في عالم يحتفي باللامعقول وما وراء الطبيعة ويؤمن بأن    هنالك شخصية عديمة الهُوية اسمها الراوي، وبه عدد مهول من الكُجُوريين والسَحرة ورماة الودع وقارئي الكف والدنباريين وعلي الأقل واحد من مُدعي النُبوة يومياً وبه كمال الجزولي. فَيلِمَ أضيع وقتا كثيرا في البحث عنه. لذا تنازلت هُنا من جانبي لنُورا بكامل إرادتي ولو أنني كنتُ في تلك اللحظة سكران. فالبرد قارصٌ والجليدُ يهبط بشدة من السماء، وأحسُ بأن    الدم يتجمد في عروقي وليست لدي امرأة ألوذ بها من الزمهرير الذي لا علاج له غير جسد الآخر الحميم. فاتبعت نصيحة صديقي رودلف راينر- وهو من الذين أهديتهم هذه الرواية- الذي يقول: "إن الويسكي من عمل الشيطان، ولكنه يدفئ الدم ويمنعه من التجمد". حسناً، وقبل أن أنسحب نهائياً أريد   أن أؤكد شيئاً مهما جداً: أن اتهام نورا لي بالتعاطف مع درويش، هو صحيح لحد ما، وهذا اعتراف كريمٌ من جانبي، يجب أن يُعطى قدرٌ من الاحترام معقول. أما تزويري لبعض الوقائع السردية، فهذا ما قام به الراوي الغائب الآن عن النص. وليست مهمتي ككاتب، أن أبحث له عن عذر أو أن أدفع التهمة عنه. علي الأقل نحن متخاصمان. واختلاف الرأي يفسد للود جُل قضياته ويؤسس لكراهية يسميها البعضُ ثمرة الاختلاف السلبي. ثانيا عَليَّ أن أعترف بكرم أيضاً: أن الصورة التي ترسمها نورا لدرويش، قد تكون الأقرب، فهي زوجته وشريكته في الفراش. ومن شاركك الفراش عرفك بعمق، فما يهمس به الجسدُ للجسدِ، لا حدود له. وسوف أترك لكم التقييم.

 وأخيراً، أستودعكم الله، وأترككم مع أبطال الرواية الثانويين يسردون وقائع الختام، وأكرر غير الأساسيين ليكملوا لكم هذا النص المُربك: خارج حدود مسئوليتي، وأظنني قمتُ بهذا السلوك الجبان من قبل في بداية روايتي الموسومة بمخِيلة الخندريس ومن الذي يخاف عثمان بُشرى. أستميحكم عذرا أنني سوف أثرثر مرة أخرى  في ذكرى روايتي الخندريس. وهي رواية قصيرة كتبها في الغالب الأبطال أنفسهم ما عدا فصل واحد هو الذي كتبته بنفسي، وأستطيع أن أقول إنني        استمتعت بكتابة ذلك الفصل جيداً. وأنا دائماً ما أستمتع بالرواية أثناء كتابتها وأعتبرها في ذلك الحين أجمل رِواية أكتبها علي الإطلاق بل أعتبرها عمل حياتي. ولكنني بمجرد  أن أضع آخر نقطة فيها، تصبح مثل الجيفة، ولا أحب قراءتها أبدا أو الاقتراب منها، وأحتار كيف يقرأها الآخرون. بعضهم للأسف يشيد بها ويعتبرها عملا جيدا. وطبعا هنالك من يكتشف الخدعة ويحتقرها بعد قراءتها مباشرة ثم يبحث عن عمل آخر لي يعيد له توازنه الذي فقده بالقراءة وثقته فِيَّ ككاتب. ومن هذه العملية بالذات يجني الناشرون أرباحهم الطائلة أو يحققون خسائرهم المُمِيتة وتلك فجيعة أحد الناشرين السودانيين وهو الصديق نُور الهُدى صاحب دار عزة. الذي تحفزه الخسائر علي مواصلة العمل بجد أكبر. فالخسائر الكبيرة مثل الاستمناء الذاتي، حالما يعاودك الحنين إليه لأنك أبداً لا تصل لحالة الإشباع الكاملة.

                                   
 

 

                                   شهادة توني

أنا لا أحبُ أن أتحدث عن هذا الموضوع علي الإطلاق. لقد خدمني الحظُ بأني لم اُصب إصابات بالغة أو أموت، والموت خير من تلك الإصابات المؤلمة التي تلقي بك وحيدا في مستشفي قصي تجتر ذكرياتك الباليات. كل الذي أتمناه أن أشفى سريعاً من جراحي كما شُفيت من الكابوس الذي يُسمى: دَرويش.

ما جذبني  لميمي هو الغرابة التي تبدو عليها، أقصد ما يجعلها مختلفة، بدءاً من شكلها الظاهري، شعرها المُجعد الخشن لونها الأسمر، وثقافتها المختلفة نوعيا عن ثقافة الوسط الذي نعيش فيه، ولو أنني  سريعا ما اكتشفت بُطلان الافتراض الأخير، لأن ميمي لم تكن شيئا آخر ثقافياً واجتماعياً غير كل البنات اللائي في عمرها بل كانت تقليدية لدرجة ما، حيثُ إنها حَمَلتْ عن أُمها بعض النزعات الوطنية وهو لحدٍ ما شيء مزعج، بالنسبة لشخص ينحدر من أسرة تحمل تاريخا حزينا ممتلئاً بالدم والدموع مثل أسرتي. وكنت أحبها، وهي تحبني أيضاً. وبالنسبة لي ولها، كلانا نمثل لبعضنا البعض الحب الأول. فهي المرأة الأولي في حياتي وكذلك كنت الرجل الأول والوحيدُ في حياتها. وتعاهدنا علي ذلك ما دمنا أحياء بل أقسمنا لبعض إذا  مات أحدنا، فلن يتخذ الآخر من بعده خليلا آخر في حياته. وأظن تلك كانت رومانسية مفرطة. أشبه     بما يحدث في بعض المسرحيات الهزلية. ولكن الحُب نوع من السُكْرِ اللذيذ. وهو كما يقول أبي يُورث العبط والهبل. ولكن عندما رآها أبي قال لي:

 تُوني! اعبدها. إنها  إله نوبي أرسل إليك من أنهار كُوش، حيث لا تحتسب!.

 كان أبي يبالغ قليلاً. والعُتبة علي البيرة البيضاء. والعُتبة علي الوقت الذي تناقشنا فيه. فأبي دائما ما يتمتع بمزاج مرحٍ وجيدٍ بعد التاسعةِ مساءً. في الصباح يكون مشغولاً بمواجهة العمل. عندما يعود من العمل وتعود أمي يكون كل واحد منهما مشغولا بمواجهة الآخر. ثم نواجه جميعنا الطعام. نواجه الكتب والتلفاز. ومن ثم يتفرغ كل منا لنفسه. وتلك هي ساعة صفاء أبي. ما لم تعرفه أسرة ميمي أن أمي وأبي من أصل يهودي. وهما بقايا أسر هربت من قمع النازيين في أواخر أيام الحرب العالمية الثانية تقريبا في 1945 وكانت ضمن عائلات أقامتْ في مُعسكر ضخم بُني بسالفدن لإيواء  اليهود الناجيين من آلة الموت في نهاية الحرب العالمية الثانية حيثُ وفد إليه المئات من كل أنحاء أوربا، وعندما هاجرت الأسر في  1947من  سالفلدن إلى     إيطاليا عبر جبل "كمرلا تون"، مِشياً على الأقدام علي ذلك الطريق الوعر، فإن أسرتيهما فضلتا البقاء في ضيافة ورعاية أحد الفلاحين النمساويين الأثرياء، فهما يهوديان. أما أنا أؤمن بأن    هُنالك ربا خلق الكون قد يكون يهوه قد يكون الله  قد يكون غيرهما. ولكني لا أؤمن بأيٍ من الرُسل. وهذا بالتأكيد شأنٌ يخصني. قد يكون ليس صحيحا بالمرة. كما تقول ميمي، ولكنه أيضا احتمال وارد طالما كان هنالك من يؤمن به، مثلي.

وقد أخبرت ميمي بذلك من قبل للأمانة، وأظن أن الراوي أو الكاتب قد ذكره في بداية هذه الرواية. أنا لم أكذب ولكن لم يسألني أى من أفراد أسرتها عن دين أمي وأبي. ووالداي لم يتبرعا بالإخْبَارِ عن دينهما. فهما يهوديان في الأصل ولا يمارسان أية    طقوس دينية، في الواقع لم يزورا القُدس ولم يرها جدودهما أيضاً، ولا يؤمنان بأرض ميعاد. فأرض ميعادهما أينما وجدا الأمن والسلامة والطمأنينة والمساواة. يقول أبي:

 "إن الإيمان لا يحتاج لطقوس. إذا  كانت الطقوس تقود إلى      التمييز. ولم تستطع تلك الطقوس حماية أحد مما يجره التمييز من دم ودموع".

ولم يصحبا أبدا في حياتهما الحجيج إلى     إيطاليا. الذي يقوم به اليهود كل عام، في شهر الأسبوع الأخير من شهر يونيو، متتبعين الطرق البرية الوعرة التي مشتها  تلك الأسر اليهودية إلى     إيطاليا. ولم يشتركا في أية    احتفالات أخرى. يبدو أن الإحساس بالرُعب والترصد ما زالا يسيطران علي عليهما. ولو انهما شهدا الحرب وهما طفلان يافعان، ولكن ما رسخ من خوف حينها قد بقي للأبد، يقولُ أبي:

 إذا  لم تخف لم تعش.

الزمن القليل الذي رأيت فيه درويش وتحدثت معه، كان كافيا علي الحكم عليه. ولا يمكن أن أتجاهل كل ما حدثتني به ابنته عنه. وما كانت ميمي تستطيع أن تقول لي كل شيء قبيح عن أبيها، وهذه طبيعة البشر. إننا نحب آباءنا وكيفما كانوا نقبلهم. فلم يكن شخصاً سهلا علي الإطلاق. فلقد كان أثقل من كابوس. ولم أعرف أباً علي وجه الأرض يعلن عن مثليته بهذه الوقاحة؟.

كان أبي يحملني المسئولية كاملة، لأنني طلبت من درويش أن يتدخل في شأن يخصني أنا وميمي، أو يخصني وحدي فقط. فمسألة التدين قضية شخصية. ولم يفهم أبي فكرة أننا كنا نُريده أن يبتسم. مجرد ابتسامة تنم عن رضى أو مشاركة دون تكلف. فقد كان صارماً حتى وهو يحكي لنا بعض النكات. يبدو أنه  كان يفكر في قتلي طوال الوقت. إذا  كنت نبيها بما فيه الكفاية لعرفت ذلك في وقته. ولكنني أيضا   ما  كنت أرغب في الذهاب إلى      الجبل للتمشية وفقا لاقتراحه. ليس لأنني كنت أشك في نواياه. بل  أحسستُ أنه  لا يرغب في أن أصاحبهم إلى     هنالك. كما لو كانوا يقومون بنزهة اُسرية بحتة. وتحت إلحاح ميمي، صحبتهم.

حدثتني ميمي أيضا أن والدها مغرم بقصيدة الأرض الخراب، وما المشكلة، فأبي أيضا مغرم بماريا ليركة، ويقرأه مع القهوة والبيرة من ذاكرته مباشرة، ولكن الغريب في أمر درويش أنه  يحب مقطع الجثة، تلك التي بالحديقة. وعندما كان يرددها ونحن عند قبر الجدة، أحسست بالرعب الحقيقي، وحينما طلب منا إحضار بعض أزهار الليلك البري لوضعه في القبر، عرفتُ أن الأمر سوف لا يمضي بسلام، ليس علي أن أتبع الظنون وإلا أفسد يومي الجميل مع ميمي وأمها اللطيفة الطيبة. في طريق العودة، حدث كل شيء في سرعة البرق: في الحقيقة وجدتُ نفسي أعلق في الهاوية علي أغصان شجرة ضخمة. ولحُسن الحظ أنني        لم أفقد الوعي، وإلا لتدحرجت في العُمق وانتهيت. فظللت مُمُسكا بالأغصان إلى     أن جاءت فرقة الإنقاذ من المدينة وحررتني من كارثة حياتي.

رواية الرجل الخراب 15

       شهادةُ ميمي

اسمي الحقيقي مايا، لقد اختار لي اسما جميلا ومتميزا. وهو اسم نُوبي قديم. أنا أحترم أبي. ولكن تدخله السافر في تفاصيل حياتي لا يعجبني كثيرا. ولا يمكن أن أجد له مبرراً معقولا. ولقد تعلمت منذ الروضة أن تكون لي شخصيتي المستقلة. أن تكون لي خياراتي في الحياة. لكنه كان لا يتوانى لحظة في عمل كل ما يراه هو مناسبا لي، متجاهلا بكل وقاحة رغبتي وخياراتي. كان هو المسئول من كل شيء والسائل عن كل شيء والعارف لما لم يسأل عنه. بدءا بالطعام نهاية بالملبس. لأبي رأي في لون اللباس الداخلي الذي ألبسه. لقد حولني كما تقول أمي إلى     دمية لا قرار لها لا شخصية لها مترددة  ومنطوية علي ذاتها.

وقد ضربني عدة مرات لأسباب تافهة مما اضطر أمي أن تبلغ عنه الشرطة، خوفا علي. كنت أحس     به يتبعني كظلي، وكان بإمكاني أن أترك له البيت في عمر الـ18 عاما، أو قبلها بكثير. نعم كانت هنالك لحظات جميلة أحببته فيها. ولكنها كانت قليلة وعابرة وقصيرة حالما تعكرها طبيعة أبي في افتعال المشاجرات وإبداء المُلاحظات الثقيلة المميتة. وما كنت أرغب في موته، علي الأقل ما كنت أظنني أن أشارك في تلك الفعلة، ولو بالقبول بها وتزوير أقوالي لتتوافق مع أقوال والدتي. ولكنه وضعني في موقف أجبرني علي ذلك: لقد فعلت أمي خيراً. لأول مرة أاحس بالحُرية. أحس     بإمكاني فعل شيء أرغب فيه.

 

 

 

                               شهادةُ نُورا

دعوني أقول: إن الصورة التي رسمها الراوي والكاتب لدرويش، وربما كثيرا من الأحداث ليست صحيحة بل مراوغة  بقليل من أعمال الفكر يمكن اكتشاف زيفها، إنهما وقفا في صف درويش وزيفا كثيرا من الحقائق لأجله. كل السرد الذي قرأته أنا في أول الرواية أربكني كثيرا وشككني فيما يرميان إليه. وميزني من الغيظ، وما يحيرني بالفعل كيف يسمح شخصٌ- محترمٌ مثل الكاتب، وآخر اعتباري لا أدري هل يمكن وصفه بواحدة من صفات البشر أم لا- لنفسيهما أن ينحازا لرجل مثل درويش! ويستخدمان كل إمكانياتهما الفنية في أن يظهراه في صُورة بطلِ يُمكن التعاطف معه!. فدرويش شخصٌ لا يُحتمل بمعني الكلمة، شخصٌ لا يخجل من أن يتدخل في أبسط الأشياء التي تهمنا كنساء، ولا يرضي إلا أن تمر كل كبيرة وصغيرة من أمام عينيه. رجل كثير الشك والغيرة، نعم وجدت الكلمة، إنه  غيور جدا ولكن تلك الغيرة الهدامة، الغيرة المُدمرة، إن درويش دمر حياتنا بالفعل، وسبب عُقدا نفسية لا حصر لها لابنته. وَصَنَمَ منها مخلوقا انطوائيا بائساً. ولم تتحصل ميمي علي صديق إلا بعد علاج وجهد نفسي كبير ومرير. لقد أنفقتُ كثيراً من المال والوقت في سبيل ذلك. وأخيرا يأتي درويش لينهي حياة ابنتنا. بعد ما أفسد حياتي كُلها، وصبرتُ عليه سنوات كثيرة، ليس لشيء إلا أنني        لا أحب أن أبدأ من الصفر، وفكرة الطلاق هنا تعني الدمار الشامل لي وللبنت وله، ولا أحب أن أكرر فكرة الأسرة المتفككة الفاشلة التي كانت أسرة أمي وأبي نموذجاً ساخناً لها. كما أن التعايش معه ليس مستحيلاً، أنه  صعبٌ ومعقدٌ ومؤلمٌ وذلك كل شيء. الشكُ منهجه لتفسير كل ظاهرة، كان يتهمني بكل ما هو مخذٍ ومسيء، وللأسف درويش لا يتردد في أن يستخدم يده لحسم أى   خلاف معه، وهو أيضا   كذاب يكذب في كل شيء، حتي عمره لا أحد يعرف متي ولد بالضبط، ويستخدم ذلك لمصلحته فقد أخذ   المعاش وفقا لعمره المُعلن، ولكنه ما زال يعمل بصورة غير شرعية تهرباً من الضرائب، وعندما أبديت له تلك الملحوظة ذات مرة صفعني في وجهي بعنف ثم أخذ   يعتذر لكي لا أبلغ عنه البوليس. إنه  لا يخاف سوى من القانون والشَرطيين: ليس لديه غير صديقين سيئين حقيرين لا أحد يحبهما في المدينة كلها.

مسألة أن نقتله ليست من بنات أفكاري. لقد ابتكرها هو بنفسه. فهو لا يرغب في الانتحار علي الرغم من أن شخصاً في تفاهته وفساد روحه يكون الانتحار هو الرحمة الوحيدة التي عليه أن يهديها لنفسه  وللآخرين من بني البشر الذين شاءت أقدارهم أن يرتبطوا به في حياتهم اليومية، مثلنا أنا وابنته. ولكنه كان متمسكاً بفكرة أن المنتحر شخص غبي أو بليد، وجبان، شخص لم يستطع أن يواجه أسئلة الوجود البسيطة المعقدة. القتيل هو الوحيد الذي يحمل شهادة أنه  مختلف وأنه إنسان معقد وعميق، ويحمل شهادة أن القاتل عجز تماما عن مقاومته، لأن دفاعاته كانت هي الأقوي وأن هجومه قاتل، فالقتيل ثروة قومية وثورة مؤجلة، والقاتل هو المستثمر الفعلي لمشروع القتيل. وكان يري أن القاتل هو أسير المقتول الأبدي، ربما انطلاقا من تلك الفكرة بالذات هو الذي وضع خطة موته كما اكتشفنا لاحقا، وهو الذي كتب رسالة تقول إنه ينوي الانتحار، وعليها بصمات أصابعه وتوقيعه، وتركها في البيت مع تلك الأبيات من القصيدة المشئومة للشاعر الإنجليزي  T.S.Eliotتي اس إليوت الموسومة بالأرض الخراب:

"هناك رأيت واحداً عرفته، فاستوقفته صائحاً: (ستتسن!)

"يا من كنت معي على السفائن في (ميلاي!)

"تلك الجثة التي زرعتها السنة الماضية في حديقتك،

"هل بدأت تورق؟ أما تراها تزهر العام؟

"أم ترى، أن الصقيع المباغت قد أقض مضجعها؟

إذا، فلنطرد بعيدا الكلب صديق البشر،

وإلا نبش بأظافره فأخرج الجثة من جديد."

مشئومة لأنني في اليوم الذي قرأتها له، وهي المرة الأولي التي سمع فيها بشاعر اسمه ت. اس. إليوت. في هذا اليوم بالذات كنا قد نمنا معا في سرير واحدٍ. كامرأة ورجل. كانت ليلتنا الأولي. وليس كما ذكر الكاتبُ المنحاز، إنها  الليلة التي إن أنهيت فيها قراءة حكايات ألف ليلة وليلة. وما فعل الكاتب ذلك إلا ليضفي علي ليلة لقائنا رومانسية بغيضة. في الحقيقة أنا ودرويش لم نحب في يوم ما بعضنا البعض.

2015/09/14

رواية الرجل الخراب الجزء 16 والاخير

كتب درويش كل ذلك بخط يده وربما كانت تلك الرسالة قد تمثل طوق نجاة في وقت ما إذا  لم يصدق القاضي أن درويش قد انتحر، واكتفى بشاهدتنا الثلاثة وتقرير الطبيب الشرعي الذي يميل إلى        حادثة الانتحار أكثر  من ميله لعملية قتل مدبرة أو غير مدبرة، وأنه انتحر بعد محاولته قتل توني. وتطابق ذلك مع رسالة درويش. في الحقيقة لم أقتله أنا علي أية    حال متآمرة مترصدة، بل لم أقتله في الأصل. ليس لدي سبب وجيه لذلك، فكونه مُزعجا ومُربكا ومُرتبكا ومتناقضاً لا يُعالج ذلك بالقتل، ولكن بالانتحار لأن تلك شخصية لإنسان محطم من الداخل هذا إذا  جاز لي أن أطلق عليه صفة إنسان. أظن     أن درويش قد خطط أيضا   للطريقة التي ينوى أن يموت بها ليس إلا. ولم أكن سوى آلة لتنفذ وصيته غير المُدركة الساكت عنها. سأحكي باختصار ما حدث:

بعد حواره السيئ مع توني خرج من البيت. وكان قد خاطب توني بلغة لا يمكن أن تصدر عن أبٍ. ولكي تتضح الأمور سأحكي بعض الحوار كما ذكره تُوني. بالتأكيد هذا لم يحكه الراوي ولا الكاتب المتُحشر للقراء. وذكرا شيئاً مختلفا كثيرا عما حدث بالفعل، أو أطلقا العنان لخيال مرح مثالي.

قال لتوني عندما اختلي به في غرفة المعيشة وصرفنا أنا وميمي إلى        غرفتي: اسمع أيها الوقح، أقول لك، إذا  تأكد لي أنك تمارس الجنس مع بنتي، أنا سأنكحك أنت أيضاً!

فقال له توني مُندهشا: ولكنني لست مثلياً. أنا لا أميل لممارسة الجنس مع الرجال!

قال لتوني: أنا أيضا لا أميل لذلك، ولكنني لا أتردد في أن أكون مثليا في حالتك، لذا من الأحسن أن تترك سبيل ابنتي، وإلا سأنكحك كما تُنْكَح المرأةُ!

حسناً، حكي لنا توني ذلك وغيره كثير. وتداولنا الأمر في البيت. وقلنا إنها  طبيعته وإنه سكران بعض الشيء. لأنه حكي لتوني قصة غريبة أظنها مغلوطة ومختلقة بصورة كاملة، مما أثار رُعب تُوني أكثر، لقد سأل توني:

- هل تعرف شخصاً نمساوياً سجنه الإمام المهدي في السودان اسمه سلاطين باشا؟

فقال له توني:

- أنا لا أعرف الإمام المهدي ولا أعرف سلاطين باشا، ولكني متأكد أن اسم سلاطين باشا ليس اسما نمساوياً، قد يكون تُركيا أو مصرياً، أو ألبانياً، ولكن ماذا عنه؟

قال له:

- لا يهم، دلالة اسمه، فاسمه الحقيقي رودلف سلاطين، ولكن هذا الرجل أراد أن يخدع الخليفة التعايشي وهو الحاكم السوداني المسلم في ذلك الوقت وأعلن أنه  دخل الإسلام، لكي ينجو من الموت ويتعايش مع الدراويش، فما كان من الخليفة إلا وختنه بنفسه وبيديه الطاهرتين، أتدري كيف ختنه؟

- لا، كيف ختنه؟

أحضر الخليفةُ فأساً من ذلك النُوع الذي يستخدمه الدراويش الشرسون، لتسوية أخشاب السُنط الصلبة من أجل صُنع المراكب النهرية والبيارق الحربية يُسمى مَحليا "القَدُومْ" لأنه يشبه فك الذئب. وأمسك به درويشان من أمراء المهدية مشهود لهما بقوة الإيمان وقوة البدن، وهما الأمير محمود ود أحمد، والأمير يُونس الدكيم، والأخير هو الذي رشحه الخليفة عبد الله التعايشي للزواج من الملكة فكتوريا، ملكة بريطانيا العُظمى، بعد أن يقوم جيش الخلافة الإسلامية بفتح بلادها بإذن الله وعزيمة الأنصار، وكان رجلاً قوياً عنيفاً وهو قائدٌ لجيوش الفتح. وبضربة واحدة حاسمة سريعة وخاطفة. قطع الفأسُ الجلد الزائد في ذَكَرِ سلاطين باشا وتقريباً استأصل أيضا رُبع الحشفة وهي مقدمة العضو الذكوري في الرجل.

 ولكي لا يموت سلاطين باشا من جراء النزيف، تم صب السمن الساخن علي الجُرح. نعم كان الأمر مؤلماً، وكان صُراخ سلاطين باشا المؤمن المسكين جديد العهد بالإسلام، يُسمع تقريباً في كل أنحاء المَدِينةِ الطِينيةِ المُقدسةِ الصَغيرةِ الراقدة علي جنب النيل الغربي: أُمدرمان. ولكن دُخول الإسلام ليس لعباً يا ابني توني: مقابل ذلك الجنة في يوم القيامة. 

الذي يؤكد أن هذه القصة مختلقة تماماً وغير صحيحة وأنها من بنات أفكار درويش، هو أن سَلاطين بَاشا كان مختوناً منذ صغره من قبل أسرته، فهو من أسرة يهودية هنغارية شهيرة، ومعروف أن اليهود يختنون أطفالهم وفقا لشريعة التوراة بذات طرائق ختان أطفال المسلمين الذكور. ولكن لا يعرف توني هذه الحقيقة، توني الذي عَرفتُ مُؤخراً أنه  من أسرة ذات أصول يهودية. وضحكنا علي الرغم من أن الأمر ليس مضحكاً ونعرف أنه  يعني تماما ما يقول. وأنه لا  ينوي أن يرهب توني فحسب بل إنه  يهدده بجدية. وكلمة أنكحك التي قالها لتوني كانت تعني ببساطة أقتلك. وقصة بتر بعض الحشفة، والختان بفأس النجار، وشواء الجُرح لم تكن رموزا مجانية لإدخال الرُعب في نفس توني فحسب، ولكن توني لا يفهم ما وراء كلمات درويش وحكاياته المختلقة: لأنه لا يعرف درويش عن قُربْ.

 فجأة عاد من الخارج، بقي في غرفته حوالي رُبع ساعةٍ من الزمان، ثم خرج إلينا بفكرة أن نتمشى. كان فَرحاً ومنتشيا، مختلفاً تماما عما كان عليه منذ أن التقي بتوني وما قبل ذلك أيضاً. واقتنعنا بفكرته جميعاً، ولو أن توني كان له رأي مُخالف ولكن ميمي أقنعته، فركبنا السيارة إلى     سفح الجبل ثم بدأنا نتمشي. عبر ممرات المُشاة لأعلي. ونحن معتادون علي ذلك، فدرويشُ، ومنذ أن كانت ميمي صغيرة جدا كان يتمشى معها في هذه المرتفعات الجميلة الآمنة وأحيانا بالعجلة التي يحب ركوبها. حيث لا تُوجد وحوش ولا أي من الهوام التي تمثل خطورة علي الحياة. في بعض الأحيان هنالك بعض الغزلان البرية الصغيرة والثعابين غير السامة. والضفادع والسحليات ذات الألوان الزاهية. درويش يحب أن يزور قبر والدتي أو في الحقيقة رمادها الذي شتته في المكان ودفن البقية في عُلبة من الزجاج تحت الصخرة التي سقطت منها وكانت سبب موتها بعد سنوات عديدات. وضع درويش شكلا لملاك منحوت من الحجارة الجرانيت عليه. وذلك وفاء وحبا لها. وفيما أظن     أن درويش لم يحب ولم يكن وفيا لإنسان علي وجه الأرض غير أمي وكان يطيعها طاعة عمياء: حية وميتة. الشيء الوحيد الذي لم يفعله لأجلها هو عدم الاحتفاظ بالكلبين، فلقد تخلص منهما مباشرة بعد موتها، باستيداعهما مؤسسة رعاية الحيوانات الأليفة التي لا راعي لها. وكانت لديه فكرة غير حسنة عن الكلاب مفادها: "إن البيت الذي به كلبٌ لا تدخله الملائكة".ولكن في الواقع أن البيت الذي به درويش لا تدخله غير الشياطين والأبالسة وآلهةِ الشرور كُلها. والأغرب أن تلك الكلاب التي خانها هي سبب كل النعيم الذي هو فيه الآن، فقد كان يعمل مُخَرِّيَاً لها.

 كلما تقدمنا في الصعود، يصبح الجوُ أكثر برودة. والهواء يثقل. وكنا متوقعين ذلك حسب النشرة الجوية، حتى المطر لم يفاجئنا. شرعنا مظلاتنا ولم نتوقف عن المشي. يتقدمنا درويشٌ وقريبةٌ منه أنا، ثم توني وميمي. كانا في المؤخرة. الأرض لثِقةٌ. والعُشبُ مخضلٌ. ولكن المشي مأمون. فعبرنا كنيسة الكاهن المنحوتة علي الصخور الجيرية، نحو الأعلى، لم نلاحظ وجود عدد كبير من الزوار. إلى     أن  انتهينا إلى     قبر أمي، كانت السحب قد أفسحت الجو لشمس دافئة. مكثنا هنالك نرتب بعض الأزهار حوله، وكان درويش أخذ   في تنظيف التمثال الحجري، بينما توني وميمي كانا يجمعان بعض زهور الليّلَك البرية ليضعاها حول التمثال. كنا صامتين، ما عدا درويش الذي أخذ   ينشد بصوت هادئ ولكنني كنت أحسه مُرعبا، تلك القصيدة التي لا أحبها:

April is the cruellest month, breeding 
Lilacs out of the dead land, mixing 
Memory and desire, stirring 
Dull roots with spring rain 
Winter Kept us warm, covering 
Earth in forgetful snow

تخرج الكلمات من فمه كالنيران من منخري تنين رهيب. وكنت أحس     بشيء يغلي في أعماقه، أو مرجل يفور. ما كان ينظر إلى     أى   منا  في عينيه. إنما احتفظ بمقلتيه منكفئتين علي وجهه. بينما انهمك في تنظيف التمثال وتلميعه وهو يردد افتتاحية قصيدة الأرض الخراب. بذات الايقاع كلما خلص بدأ من جديد. علي الرغم من أنه  يحفظ مقاطع أخرى كثيرة جدا من القصيدة. بل يكاد أن يحفظها كلها علي ظهر قلب كما تُحفظ المُعَلقات العربية.

شربنا بعض العصائر الطازجة. ثم بدأنا مُشوار العودة. واقترح علينا ألا نعود بذات السبيل التي أتينا بها. ونحن دائما ما نفعل ذلك. أن نتخذ طريق الجرف، فسرنا جميعا هابطين من الجبل إلى        السفح.

وفجأة حدث كل شيء بسرعة رهيبة وبدون توقع. بينما كنا نمر بجرف عال في الطريق الضيقة الصخرية علي حافة الجبل: توقف درويش. انتظر قليلاً إلى     أن مَرَّ توني قريبا منه.  قبض توني من يديه الاثنين. ودفعه بكل ما لديه من قوة نحو الهاوية. ومع رطوبة الأرض لم يستطع توني استعاد توازنه. ولكنه تمكن من التشبث بشجرة كانت تبعد أمتارا قليلة من حيث سقوطه، أو أن الشجرة هي التي نجدته وتشبثت فروعها به. ولا أدري كيف قمتُ بالخطوة التالية. حيث إنني  دفعتُه- ذلك مؤكداً- بكل قواي إلى     الهاوية التي كان يقف علي حافتها يحملق في توني وهو عالق في غصن كبير في الهاوية، تماما في موقع من ينوى القفز من تلقاء نفسه وهو على أهبة. فانحدر نحو الأسفل بدون أية    مقاومة وكأنه جثة هامدة لا روح فيها، تسقط في الهاوية سقوطا حُرًا. وعندما ارتطم بالأرض، أصدر دوياً مُرعباً، اختلط مع صفارة مركز إطفاء الحرائق، وهي تعلن منتصف النهار. أظنني أنا التي دفعته نحو الهاوية، وقد يكون هو الذي سقط من تلقاء نفسه، أو هو الذي طلب مني أن أدفعه، ولو عن طريق تعابير جسده، لغة دمه الذي يتشهى العدم. لقد قرأت مرة أن الدمَ يصرخُ مُنادياً سَافِكَهْ. إذا  كنت أنا التي دفعته فلست التي قتلته. فالفعلان مختلفان. هنا أتحدثُ عن الإرادة والرغبة في الموت. إذا صبرتُ قليلاً لألقى علينا تحيةَ الوداعِ ومضي لحتفه، هل تعجلتُ؟ علي كل أنا: لستُ متأكدة من شيء، يبدو أنني مرتبكة قليلاً.

                                                  

                                                   عبد العزيز بركة ساكن

                                                   سالفلدن 22-6-2014

2015/09/01

فصل من رواية منفستو الديك النوبي

البيضة الحجرية


قال له وهو يضربها على زجاج المنضدة: «دي بيضة حجر، أدّوني ليها التومات.»، فقفز الأب مذعوراً من مرقده كالملسوع، وأخذ يحملق في البيضة وكأنها عفريتٌ يخرج من قمقمه الآن، وبدون أن يشعر صرخ بأعلى صوته في ابنه بأن يعيد البيضة إلى حيث وجدها، أن يعيدها للتوأم، وألا يقربها مرةً أخرى. وقف الطفل مندهشاً، ممسكاً بالبيضة في يده، ولا يدري ماذا يفعل بها، ولا يدري لماذا تثير الرعب والخوف في والديه، وهي ليست سوى بيضةٍ حجريةٍ أهدتها إليه التوأم!. عندما دخلا الشقة، قابلهما «فرّاج» فرحاً، مادّاً هديّته ليريها لأمّه، لا يدري لماذا دخلها كلُّ هذا الفزع من البيضة التي دفعها «فراج» دفعاً في كفِّها، لدرجة أنها رمتها بعيداً عن يدها، وكأنها جمرةٌ ملتهبة، لكنها تراجعت- تدريجيّاً- عندما رأت الدهشة في وجه «فراج» وأخته، اللذين كانا في استقبالها عند الباب. لقد خرج «السرّ» مبكّراً إلى القيادة العامَّة لترتيب أمر حقوق ما بعد الخدمة وشهادات الخبرة وإخلاء الطرف، أبدت البنت ملحوظةً لأمِّها بأن تلك ليست سوى بيضة حجرية، لا أكثر، فلِمَ الخوف؟ قالت الأمُّ بصوت مبحوح: «ما كنت أظنها تقيلة، تخيلتها بيضة عادية، من وين جبتها؟ من التومات، مش كدا!»

كان «فتح الله» مشغولاً بالتخلُّص من جلبابيه وعمامته الثقيلة، حيث إنه لم يعتد على لبس جلبابين وعمامة، لأنه لم يمتلك سعرها في الماضي ولا يحبُّها الآن، يحسُّ بها حملاً ثقيلاً على رأسه وجسده، لا ضرورة له، ولكن البروتوكولات الاجتماعية تحتِّم عليه لبسها، بل لبس أكبرها حجماً، وأكثرها ليونة؛ ليبدو مثل رجل ثريٍّ يُوضع له ألف حساب وحساب. تدرَّب على لبس العمامة بواسطة أخي زوجته، الجنرال.

انتزعها من رأسه انتزاعاً، تخلَّص- أيضاً- من الجلباب الأعلى، وبقي بالجلباب القطنيِّ الداخليِّ القصير، نفض رجليه نفضتين سريعتين، أطارتا فردتي المركوب بعيداً، لتسقط واحدة منهما على الكونسول، وتكاد تصطدم بمرآته المصقولة، غالية الثمن، والأخرى حلَّقت في الهواء قليلاً واستقرَّت على الكنبة الكبيرة المستطيلة التي تقبع مواجهةً لمقعده.

نفخ الهواء في كسل، صاح يريد ماءً بارداً من الزير، وهو قّلة فخّارية ضخمة يحتفظون بها في حجرة قصيَّة بعيداً عن أعين الزائرين المترفين من الجيران، وأنه يريد أيضاً كيس صعوطه وسفنجته.

بدا واضحاً أنه ليس بمزاجٍ طيب. اصطحبته الأمُّ «نصرة» إلى غرفته وأغلقت الباب خلفهما. قال له الشيخ بعد أن تفحَّصه جيِّداً واستمع إلى قصته مع الديك، ومغامراته في التعدين العشوائي للذهب، وسرقة ممتلكات الموتى من النوبة الأقدمين (طبعاً كان «فتح الله» وزوجته حريصين ألَّا يحكيا للشيخ قصة البيض الذهبيِّ والثروات التي جنياها منه): إن الديك هو الشيطان حارس الذهب.

وأكَّد لهما أن هذا الديك لن يفارقه ما لم يتم التخلُّص من الخاتمين بالطريقة السليمة، وهي أن يحضرهما للشيخ، الذي سيقوم بوضع بعض التمائم عليهما، ثمَّ يُرمَيان في النيل في ليلة مظلمة، أو أن يعيدهما إلى القبر النوبيِّ المسحور، ثمَّ على «فتح الله» أن يذبح ثوراً أسود أو أبيض شديد البياض كرامةً وفديةً لنفسه، وأن يحدث هذا في أوَّل يومٍ من الشهر القمري. أوضحا له أن الخاتمين موجودان في بيت أسرة المرحوم، ولا يمكنهما الحصول عليهما، كما أن الأسرة لا ترغب في بيعهما في المدى القريب، إنهم يحتفظون بهما للذكرى. ولكن الشيخ أكَّد على أن علاجه من الديك حارس الذهب يكمن في تلكَ الطريقة، ولا بدائل لها، حسب علمه ومعرفته وفهمه للجنِّ والإنس.

لحق «فراج» بوالديه في الحجرة، كان مسروراً جدّاً بعودة والديه، يحاول شتّى الحِيَل ليعرف أين كانا بالضبط، ولماذا لم يأخذاه معهما، ولكن أمَّه تبطل محاولته بالعبث بشَعْره وإغراقه بالأسئلة التقليدية: ماذا أُطعِمَ في غيابها، وكيف قضى ليلته، وهل تحدَّث كثيراً مع أخيه «السرّ»، ولِمَ لَمْ ينَمْ في حجرة «ميرم»؟ أمَّا والده فكان يحاول جهده أن يمتثل للنوم، ولا يجاوبه بغير همهماتٍ قصيرةٍ لا معنى لها، ولا فائدة تُرجى من ورائها.

كان «فتح الله» يدير حواراً صامتاً مع الديك، يرجوه أن يتركه لكي ينام، ولو قليلاً، وإنه سيفعل كلَّ ما يأمره به، فقط إن تَرَكه ينام، ولو لدقائق قليلة. كان الديك يقبع على جبهته، يضع كلَّ قائمةٍ من قائمتيه على عينٍ من عينَيْ «فتح الله فرّاج»، وبمخالبه، يباعد بين جفنَي العين، وبين فينةٍ وأخرى ينقر على أنفه، ويصيح.

عندما يئس «فراج» الصغير من جذب انتباه والديه إليه، أخرج البيضة من جيبه، وخاطب والده:

- شوف عندي شنو؟

وبزاوية عينه اليمني نظر الأب إلى البيضة، وحاول أن يغمض عينيه مرةً أخرى، وهو يقول له بصوت ناعس:

- لا تلعب بالبيضة، كُلْها، وخلص.

قال له وهو يضربها على زجاج المنضدة: «دي بيضة حجر، أدوني ليها التومات.»، فقفز الأب مذعوراً من مرقده كالملسوع، وأخذ يحملق في البيضة وكأنها عفريتٌ يخرج من قمقمه الآن، وبدون أن يشعر صرخ بأعلى صوته في ابنه ليعيد البيضة إلى حيث وجدها، أن يعيدها للتوأم، وألّا يقربها مرّةً أخرى. وقف الطفل مندهشاً، ممسكاً بالبيضة في يده، ولا يدري ماذا يفعل بها، ولا يدري لماذا تثير الرعب والخوف في والديه، وهي ليست سوى بيضة حجرية أهدتها إليه التوأم.

لمز إليه الديك بعينٍ يسرى ماكرة وغمز، وعلى منقاره ابتسامة مخيفة، قائلاً: «جبااااااان» وضحك وهو يضرب بجناحيه الهواء، فيتطاير ريشه ليملأ الفراغ كلّه، لدرجة أن حجب عنه رؤية ابنه المندهش، وزوجته التي تحاول أن تشرح للطفل المسكين أن والده عنده صداع، وأنه مرهق من السفر، لذا كان ردُّه بهذه الصورة، «فلنخرج إلى المضيفة أو إلى غرفتك، ونتركه ينام قليلاً.».

جلست «ميرم» قربها، بل التصقت بها كثيراً، كانت تحسُّ القلق الذي تعاني منه والدتها، وتشعر بأن هنالك سرّاً مؤلماً يأكل أحشاءها، ولكنها- أيضاً- تريد لِحَياتها أن تمضي، وتريد أن تبدأ مشوارها في عشّ الزوجية بأسرع ما يمكن، والأفضل الآن، فمشاكل أمِّها وأبيها لا نهاية لها، منذ أن خلقهما الله هما قلقان ومهمومان ومشغولان بأمور الدنيا، هذا هو حالهما، أثرياء كانوا أم فقراء، لا فرق لا فرق، قالت لها:

- «أحمد» ح يرسل أمه يوم الاثنين.

نظرت إليها أمُّها وكأنها لم تسمع شيئاً، كانت مقلتاها فارغتين من أيِّ معنى، حولهما هالةٌ سوداء، عندما أفرجت عن شفتيها لتقول شيئاً، كرَّرت لها «ميرم» الجملة، وهي تحملق في وجهها لترى ردَّة فعلها، قالت لها بصورة حادَّة ونهائية:

- ما في عرس يا «ميرم»، وكفاية النحنا فِيهُ الآن.

قالت لها مستفسرة:

- شنو النحنا فيهُ يا أمّي؟

قالت لها بصوت مبحوح:

- أبوك مريض!

قالت بخوف:

- مالُه؟

قالت لها الأمُّ متجنّبةً عيني ابنتها اللتين تخترقانها كالحربة:

- أبوك ما بيقدر ينوم، الليل كلّه يفضل صاحي، وتجيه هلاويس!

قالت في براءة:

- كويّس، يمشي الدكتور!

قالت الأمُّ، وهي تعبث بشعر «فراج» الذي يدير البيضة في كفّه:

- مرضُهُ ما مرض دكاترة، مرض «فكية».

قالت «ميرم» وهي تنهض من قرب أمِّها:

- ما في مرض اسمه مرض دكاترة، ومرض «فكية»، المرض مرض، والحمد لله مرضه خفيف، أحسن يمشي الدكتور، يوم الأحد، حَ تحضر أم أحمد وأبوه.

قالت الأمُّ غاضبة:

- الزواج بعد الجامعة يا «ميرم»، ونحنا اتّفقنا، مش كدا؟

قالت «ميرم» مستنكرة:

- اتّفقت مع منو؟ معاي أنا؟ لأ!

ولم تنتظر إجابة أو تعليق والدتها، دخلت حجرتها، أغلقت الباب خلفها بصوت مسموعٍ، بل مُدَوٍّ، خلعت ملابسها، دخلت الحمام، جلست على المقعد، أخرجت سجائر «برنجي لايت» ذات العلبة الزرقاء من خلف المقعد، أشعلتها، وأخذت تمتصُّ الدخان في قلقٍ، بينما كانت أدمعها تسيل على خدَّيها، عقلها يعمل مثل ألف ساعة، لها ألف بندول، تدقُّ في ألف زمنٍ مختلف.

*فصل من رواية «مَنِفِسْتُو الدِّيكِ النُّوبِيِّ»، تصدر قريباً.







2015/08/19

الشكل هو هاجسي اﻻول ...حوار مع الروائي السوداني بركة ساكن/صحيفة القاهرة

حاوره: محمود حسني محمود
عبد العزيز بركة ساكن: أديب وروائي سوداني، حائز على جائزة الطيب صالح للرواية في دورتها السابعة، وفيما حظيت أعماله باهتمام القراء والنقاد فكثيرًا ما أغضبت الرقيب.وُلِدَ بمدينة »كسلا« عام ١٩٦٣م، ونشأ وترعرع في »خشم القربة« بالقرب من مدينة »القضارف«، حيث درس المرحلة الابتدائية بمدرسة»ديم النور الابتدائية بنين« )الرباط حاليًّا( بالقضارف، والتحق في المرحلة المتوسطة بمدرسة »خشم القربة« ثم مدرسة »حلفا الجديدة« في المرحلة الثانوية، وتابع دراسته الجامعية في مصر، فدرس إدارة الأعمال بجامعة أسيوط. ويقيم حاليًّا في »النمسا«، وهو متزوج وله ولدان: »المهاتما« و»مستنير«.عمِل مدرسًا للغة الإنجليزية في الفترة من ١٩٩٣م إلى ٢٠٠٠م، وشغل عدة مناصب، أبرزها: عمله مستشارًا لحقوق الأطفال لدى اليونيسيف فيدارفور من ٢٠٠٧م إلى ٢٠٠٨م، ومديرًا لمشروعات التنمية في صندوق تنمية المجتمع التابع للبنك الدولي بالنيل الأزرق، إلى أن تفرَّغ للكتابة؛ تلك الوظيفة التي يستودعها شغفه التام والدائم ويعدها»وظيفة الساحر«، فإلى جانب مؤلَّفاته القصصية والروائية، كتب في كثير من الدوريات والمجلات والجرائد، منها: »مجلة العربي«، و»مجلة الناقد اللندنية«، و»مجلة الدوحة«، و»جريدة الدستور« اللندنية، و»الجزيرة نت«، وغيرها. كما أنه عضو نادي القصة السوداني وعضو اتحاد الكتاب السودانيين، وله مشاركات عديدة في فعاليات ثقافية عربية وعالمية.حصلت روايته »الجنقو مسامير الأرض« على جائزة الطيب صالح للرواية عام ٢٠٠٩م، ليصدر بعد قليل قرار وزارة الثقافة السودانية بحظر الرواية ومنع تداولها، وقبل ذلك صودرت مجموعته »امرأة من كمبو كديس« عام ٢٠٠٥م، وفي ٢٠١٢م قامت السلطات بمنع عرض كتبه بمعرض الخرطوم الدولي للكتاب، فيما رأى ساكن في تعنُّت الرقابة تضييقًا غير مقبول، مؤكِّدًا على أنه »كاتب حسن النية وأخلاقيٌّ، بل داعية للسِّلْم والحرية، ولكن الرقيب لا يقرؤني إلا بعكس ذلك.« في المقابل،توفَّرت لأعماله قراءات تنبَّهت إلى رسالته وإبداعيته ونبَّهت إليها، فمُنحجائزة »بي بي سي« للقصة القصيرة على مستوى العالم العربي ١٩٩٣م عن قصته: »امرأة من كمبو كديس«، وجائزة »قصص على الهواء« التي تنظمها »بي بي سي« بالتعاون مع مجلة العربي عن قصتيه: »موسيقى العظام« و»فيزياء اللون«، وفي ٢٠١٣م قرر المعهد العالي الفني بمدينة سالفدن سالسبورج بالنمسا أن يدرج في مناهجه الدراسية روايته »مخيلة الخندريس« في نسختها الألمانية التي ترجمتها الدكتورة »إشراقة مصطفى« عام ٢٠١١م.تحاوره القاهرة بمناسبة صدور أحدث أعماله رواية “الرجل الخراب” عن مؤسسة هنداوي 2015– في الرجل الخراب تشتبك بشكل مباشر مع فكرة العيش في الغرب، ألم تخشى من هذه الفكرة خاصة وأنها كثر تناولها كتيمة روائية؟نعم، هذه الفكرة مستهلكة جدا وتناولها الكثير من الكتاب، ولكن الرواية هي ليست  الحكي وليست عرض الافكار، فالرواية هي فن سرد الحكاية وليست هي الحكاية، وليست هي ما يحدث او حدث، اقصد ان الرواية هي عمل ادوات السرد في المسرد، بالتالي انا في كل اعمالي اهتم بالشكل والشكل هو الذي يولد ما بعده. فالاسلوب الذي كتبت به رواية الرجل الخراب والتكنيك الفني هما اللذان جعلا هذه الرواية غير مستهلكة ولا تشبه تلك التي تناولت ذات المكان والافكار.الجانب الاخر: حساسية الوقت والأحداث في اوربا في تغير دائم، اوربا كما العالم لا تستقر علي حال، والإنسان كما الله كل يوم هو شأن، والكتابة مثل النهر فانك لا تدخلها  مرتين، وهكذا.– كم من الوقت احتجت لإنجاز هذا العمل؟ وهل هناك ما يميزه عن باقي أعمالك التي تركز في عوالمها على السودان بشكل شديد الخصوصية ؟هذا العمل اخذ مني عامين، وهما كل الوقت الذي قضيته في اوربا بالنمسا، وكنت دائما ما اكتب وفقا للمكان الذي انا فيه، مثلا رواية مسيح دارفور بدأتها في دارفور قريبا جدا من ميادين المعارك، ومن ذاتامكنة الصراع، وبين الضحايا انفسهم، الجنقو كتبتها وانا اتجول في الحدودالاثيوبية الارترية في حقول السمسم والذرة، في بيوت صانعات المريسة وعرق العيش والبلح، بين الجنقو والجنقاويات وعند محبتهم، رواية الطواحين التي ابطالها طلاب كلية الفنون، حملتني لدراسة الفن النشكيلي،وهكذا ، العمل الروائي عندي لا ينفصل بأمكنة الحياة التي تخصني، فالروائي مثل النحات النوبي يعمل علي  الصخرة التي يعرفها ويحفظ خصائصها.– في الإهداء قلت أن الشيطان حتى وقت قريب كان يكتب لك الروايات، ماذا تفعل الآن بعد أن تخلى عنك، خاصة أنه يمكن استنتاج أنالرجل الخراب مكتوب دون عون من الشيطان ؟قصتي مع الشيطان ليست قصة خيالية ولا هي نوع من العبث والجنون والشيطنة، وليست ايضا حكاية ابداعية، فهي واقع فعلي مادي ملموس ومعاش،  فأمي عليها الرحمة هي اول من انتبه ان هنالك شيطان يخصني انا بالذات، وهو كان يقيم معنا في البيت بمدينة القضارق بقشلاق السجون، ربما لم يكن شيطانا ولكنها اطلقت عليه هذا الاسم المربك المحير، وأنا قبلته وهو ربما قبله ايضا ولو علي مضض، ولكن ظلت رعايته لي كاملة غير منقوصة، لذا عندما شاهدتني امي املا كراسات المدرسة ودفاتر كبيرة ضخمة بالكتابة وأنني اقضي ليل في ذلك العمل، لم تندهش، تعرف ان راس ولدها هذا الصغير ليست به كل تلك الكلمات ، انما يمليها له الشيطان صديق طفولته وراعيه الوفي.ثم حدثت لي اشياء كثيرة غريبة جدا، طوال حياتي، لم تحدث لإنسان قبلي إلا اذا كان لديه مثل الذي لدي، ولا ابالغ اذا قلت انني لولا هذا الشيطان الطيب لمت منذ سنوات في  مناطق الحروب التي لا يبدأ فيها القتال إلا بعد ان افارقها بساعات قلائل، كان يهمس لي: يا عبدو، عليك ان تغادر الان.بارك الرب في شيطاني الجميل، ذلك المخلوق الوديع، الذي يكتب لي الروايات والقصص القصيرة، وعلمني الشعر، وأوحي لي ببعض الافكار الشيطانية.وأظنه كان قربي في الطائرة الى اوربا، من يدري– أخبرنا أكثر عن شكل التعاون مع ناشرك “هنداوي”، وألا ترى أنك مهضوم الحق في أن أعمالك ليس لها توزيع جيد بين البلدان العربية؟مؤسسة هنداوي للعلوم والثقافة بها ادارة وموظفون نبلاء، وأنهم بشر يسهل التعامل والتعاون معهم وأنهم محترمون، وأصبحوا لي اصدقاء اكثرمما انا عميل عندهم او زبون، ولكن في ظني ان مشكلة هندواي كمؤسسة هي مشكلة بيروقراطية بحتة، اعني مشكلة  تصاحب المؤسسات الكبيرة التي تعمل وفقا للوائح ونظم ادارية صارمة، في واقع شديد التغير ومربك مثل واقع البلاد التي نحن منها، السودان ومصر.ومنذ اللحظات الاولي اخبرت المؤسسة  عما يمكن ان يصير عليه الحال في توزيع كتابي، وشرحت لهم كيف ان من كتاب واحد يدخل السودان يمكن ان ينسخ الناسخون ولصوص الكتب والناشرون الاشباح الآلاف ، وعليهم ان يقوموا بإغراق السوق تماما في السودان ومصر، ولكن لكي تأخذ هذه الفكرة دورتها، استهلكت وقتا طويلا، اما اليوم فمؤسسة هنداوي لا تستطيع ان توزع كتابا واحدا في السودان، فلقدسيطر المزيفون علي السوق واعرف الان سبع طبعات مختلفة لكتاب الرجل الخراب بالخرطوم  وطبعة واحدة رديئة بمصر انجزها ناشر مشهور، وبذلك خسرت تماما ان اجد مليما واحدا من هذا الكتاب من سوقالسودان، ولكن انا سعيد ايضا بأن الكتاب الان في كل مكان في السودان  وانه اصبح مصدر دخل لبعض باعة الكتب الفقراء ويكفيني اذا استطاع احدهم ان يوفر افطارا لطفله من ربح يأته من احد كتبي.ولي تعاون آخر مع هنداوي وهو تعاون ناجح ، ان اعطيتهم حق  نشر كتبي الكترونيا لخمسين سنة  ولهم الفضل في توصيل كتبي للقراء في كل انحاء العالم مجانا.– كيف ترى الجوائز الأدبية في العالم العربي مثل البوكر وكتارا؟ وألا تفكر في التقدم لهذه الجوائز؟الجوائزمشجعة جدا، ولكن الذي يدهشني فعلا في احيان كثيرة عندما اقرأ العمل الفائز، احس بان في الامر شيء لا افهمه، هل هنالك مواصفات اخرى للعمل الذي عليه ان يفوز بمسابقة ما غير الفن البحت؟؟طبعا ساشترك في يوم ما في مسابقة ما، ولا تهم النتيجة.– هل أصبح على الكاتب أن يكون جزء ضروري من التسويق لأعماله بحضوره لحفلات التوقيع والندوات التي تناقش روايته؟طبعا، الكاتب لم يعد شيئا منفصلا عن سوق كتابه وسوق الكتب الاخرى، اقصد سوق القراءة. وتواجده بين القراء اصيل كواحد منهم وهو القارئ المنشئ للعمل الفني وهم المؤلفون اللاحقون له، ودورهم في تأليف النصوص التي تخصهم من نصه ، كبير وفاعل واساسي. والقارئ هو الكاتب الادق الذي يصنع مؤلفه من خبراته وظنونه مباشرة. وتواجد الكُتَّاب في الزمان والمكان بين القراء يفيد تجربة الكاتب ويعطيه الثقة فيما يكتب او يحبطه، وكلاهما تفيدان الاعمال القادمة.– بخصوص الترجمة، هل هناك أعمال تترجم لك حاليا أو تفكر في مشروع تعاون مع مؤسسة ثقافية أوروبية لترجمة أعمالك؟لدي مشروعت في الترجمة: الجنقو مسامير الارض، ستصدر هذا الشهر من الولايات المتحدة بالانجليزية، ترجمها الاستاذ عادل بابكر، مسيح دارفور بالانجليزية”ترجمها عادل بابكر” وبالالمانية”ترجمها الدكتور غونتر اورت” وبالفرنسية”ترجمها البروفسير اجزافية لوفن” ستصدر  عن دار زولما بباريس وهي الدار التي ستقوم بنشر رواياتي الاخرى بالفرنسية، والتي في مراحل متختلفة نحو النشر، الخندريس نشرت بالالمانية “ترجمتها الدكتورة اشراقة مصطفى” والان تدرس بالمعهد العالي بسالفلدن، البحيرة المسحورة وهي قصة للأطفال صدرت بالألمانية في فيينا” ترجمها احمد اوبليد وزوجته اوتي”، فارس بلالةوحواية والضبع قصص شعوبية، صدرتا بالانجليزية والفرنسية والعربية، بدار هرماتان بباريس”ترجمها البروفسير اجزافيه لوفن”، وهكذا.– أخبرنا بعض التفاصيل عن طقوس الكتابة، المكان، الوقت، أنواع الطعام والشراب، هل تكتب بشكل يومي وكم عدد الساعات ؟اكتب الرواية، او في الحقيقة يمليني لها الشيطان بطريقة غريبة، لا ابدأ ابدًا بالفصل الاول، انما اكتب اول  مشهد يحضر الي ذهني، بدون تخطيط وبصورة عشوائية جدا، ثم تنمو الرواية في الاتجاهين، نحو الاعلى ونحو الاسفل، بمعني ان آخر فصل اكتبه هو الفصل الاول معا مع الفصل الاخير، وبعد ذلك في احيانا كثيرة قد اكتب بعض الفصول الأخرى المهمة في وسط الرواية في اتجاه البداية او اتجاه الخاتمة. وهذا يجعل الشكل قي رواياتي غريبا جدا، ولا تُوجد تراتيبية سردية ويمكن القارئ في كثير من الاحيان ان يقرأ الرواية بالطريقة التي تعجبه، كما ان القارئ يجد احداثا في رواياتي مبتورة لان  تمامتها ببساطة في فصل آخر، فعلي القاريء ان يكون منتبها طوال وقت القراءة وإلا اضله الشيطان. فانا اعتمد علي القارئ في كتابة الرواية وبنيتها، اي ان دوره مهم في ان تكتمل الرواية بعد نشرها.ليست لي طقوس معينة في الكتابة، اكتب في كل مكان وكل زمان ولكنني افضل العمل في الصباح والنهار، فالليل لا استهلكه في اعمالالكتابة، فهو لي.عادة اعمل في القراءة والكتابة يوميا بمعدل ثمان ساعات.– هل تختلف الحياة خارج البلدان العربية بالنسبة لعبد العزيز بركة ساكن الكاتب؟ وهل هو اختلاف ايجابي أم سلبي، حدثنا عنه أكثر.انا احب الحياة في الريف، ليس لي مسكن في اية مدينة، حتى الخرطوم، احب ان اقيم في المناطق الخلوية ولكن للأسف في السودان لم تعد فيه آمنة تلك البقاع، واحب ايضا القاهرة، لأنك يمكن ان تشكل القاهرة كما تهوي، يمكنك ان تصنع منها قرية بسيطة او مدينة معقدة.الان اقيم ايضا في الريف النمساوي، في منطقة جبال الالب علي حدود بعض الدول المجاورة للنمسا.اختلاف الحياة يعتمد ايضا علي استعداد الشخص النفسي لتقبل كل ما هو جديد. في اوربا احس بأنني اكثر حرية وأكثر امنا وأكثر وضوحا وأكثر فقرا.– ماذا مثلت لك الكتابة في اللحظة التي بدأتها فيها خطّ أول أعمالك؟ وكيف ترى الامر بعد مسيرتك المختلفة؟منذ صغري، حيث كتبت اول رواياتي وأنا في ال13 من العمر، كنت دائما احب ان اكون كاتبا، فقط كاتب، وتشكلت حياتي على هذا النحو، نعم لقد قمت بوظائف كثيرة: “خياط وبناء وعامل صحة، ومعلم، وموظف في منظمات دولية، مستشار في الامم المتحدة، مدير لأحدي مؤسسات البنك الدولي، ثم لاجئ في المعاش.” ولكني كنت دائما الكاتب الذي يعبر تلك الوظائف نحو هدفه الاسمى. في الكتابة لا يفيد ان تعتبرها مجرد نزوة عابرة، اما ان تكون الكتابة مشروع حياتك اولا تكون انت كاتبا.– ما هي الأعمال التي قرأتها مؤخرا وأحببتها من الأدب العربي والغربي ؟وما أحب الاعمال إلى قلبك في العام، والكاتب الذي ترى أنه أثر فيك كثيرا؟احب دائما وبصورة متواصلة ان اقرا المواقف والمخاطبات وهو الكتاب المقدس للنفريولكن الكتاب الذي اثر في  ودفعني للكتابة هو كتاب: قصص الرعب والخوف للشاعر الامريكي ادجار الان بو.اقرأ كل ما اجده من الادب العربي، وأفضل ان اقرأ للأجيال الجديدة.– أخبرنا إذن، هل هناك رواية تعمل عليها في الوقت الحالي ؟ وهل هناك ما يمكن أن نقتنصه من تفاصيل حول أجواءها أو انشغالها ؟روايتي الجديدة: هي منفستو الديك النوبي.سأخبرك بجزء منها:“الأبْنَاءُ السَّفَلَة نَحْنُ الأبْنَاءُ السَّفَلَة نَحْنُ الأبْنَاءُ السَّفَلَة نَحْنُ الأبْنَاءُ السَّفَلَة نَحْنُ الأبْنَاءُ السَّفَلَة نَحْنُ الأبْنَاءُ السَّفَلَة …نَحْنُ الأبْنَاءُ …السَّفَلَة…نَحْنُ الأبْنَاءُ السَّفَلَة نَحْنُ الأبْنَاءُ السَّفَلَة نَحْنُ الأبْنَاءُ السَّفَلَة نَحْنُ الأبْنَاءُ السَّفَلَة…نَحْنُ الأبْنَاءُ السَّفَلَة …
”نشر في جريدة القاهرة "