2010/10/21

من قصة «رماد الماء» - بشاعة الحرب وحلاوة السلم.. «1-3» عبد العزيز ساكن في ثلاثية البلاد الكبيرة- نقد وتحليل الدكتور بابكر الأمين الدرديري


عظمة السلام
قصة: رماد الماء
وأنا أقرأ في قصيدة الشاعر الجاهلي زهير بن أبي سلمى، وهي معلقته التي مطلعها:
أمن أم أوفى دمنة لم تكلم بحومانة الدراج فالمتثلم
والتي يذكر فيها بشاعة الحرب ودمويتها وما تورثه من ضغائن وأحقاد ومرارات وقتل ودمار وعدوات انسانية وشعور بالكراهية الأبدية، ثم يدعو للسلم وتجنب الحرب والعيش في سلام ومحبة وأخاء، حيث يقول:
وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم وما هو عنها بالحديث المرجم
متى تبعثوها تبعثوها ذميمة وتضو إذا ضريتموها فتضرم
فتعركم عرك الرحا بثقالها وتلقح كشافاً ثم تنتج فتتئم
هذه هي صورة الحرب من قديم الزمان وحياة البشرية نجد فيها الظلم والمآسي والموت والتشرد وانتهاك الحرمات والخراب والدمار، ولا أحد يحب الحرب ولا يريدها، ولكنها تفرض نفسها في بعض الأحيان لأسباب قد تكون مقنعة في بعض الأحيان، وغير مقنعة في أكثر الأحيان خاصة إن صاحبها الظلم والاعتداء والغرض وحب الذات والاعتداد بالقوة والنفس والجنس.
وذلك ما صوره الروائي الرائع الذي استوطن مكانته وتربع عليها في قوة واعتداد: عبد العزيز بركة ساكن.. الأديب الروائي في رائعته التي كتب لها عنوان «رماد الماء».. والتي وصف فيها بشاعة الحرب وما تدفع إليه من خراب ودمار وفناء وموت للإنسان وللأحياء وللحياة الإنسانية والطبيعة بكل مكوناتها وخصائصها وتصوراتها وتناقضاتها..
السلم هو جثة الحرب:
لا شئ لا شئ
لا شئ غير هياكل الأشجار والمحترقة..
أشجار الحبحب، المهوقني، المانجو، والتك العملاقة..
لا شئ غير هياكل من الفحم والرماد..
إنها الحرب والموت التي تدمر كل شئ ولا تبقى على حياة ولا حركة ولا أمل فإذا كان زهير بن أبي سلمى صوّر بشاعة الحرب ودمارها وقتلها للحياة مباشرة ونصاً، فإن الروائي الرائع عبد العزيز بركة ساكن لم يصور بشاعتها وتدميرها للحياة مباشرة، بل عمد إلى الكلمة المعبرة والوصف المعبر عن الموت والقتل والدمار والبشاعة، بكل ما تحمل هذه الكلمات من تصوير مرعب وبشع يجعل الأبدان تقشعر منه، عبر عن ذلك في لغة مباشرة تعطي المعنى المراد قوياً ومعبراً وتعطي مردوداً قوياً ورائعاً منفراً من الحرب ومحبباً إلى السلم والسلام والعيش الهنئ في ظل سلام أبدي ينعم بالرخاء والمحبة والسلام، وينعم بالتنمية والرخاء والود والنماء والعمران للحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والفكرية، ويؤسس لمجتمع قوي ومتماسك ويؤسس إلى شعب واحد متوحد تعمه الحياة الاجتماعية الكريمة وتعمه نعمة النماء والرخاء والمحبة والود والسلام، ويسعى نحو التقدم والتحضر والرقي، مما يجعل له حياة كريمة وعزيزة يسودها الترابط والتكاتف والعيش الهنئ وبلوغ مصاف الأمم الراقية المتحضرة المتقدمة في عزة ومحبة وترابط أبدي، ليس فيه تفرقة ولا تمييز ولا تهميش ولا نبذ ولا فرقة..
عشرة أعوم على التوالي، الأرض سوداء.. ليس نتيجة خصوبة أو أن الله خلق لها طيناً في بشرة الإنسان، لكن لأنها محترقة، أيضاً: تتناثر عليها بين مكان لآخر شظايا المقذوفات المدفعية: الهاون، الراجمات، الدوشكا، م.د، فوارغ فوارغ فوارغ، جثث الآلات العسكرية الثقيلة، إطاراتها، هياكلها، خوذات العسكر، البنادق المهشمة، الألغام الفاسدة وهي طفل غير شرعي لألغام لئيمة صامدة تنتظر تحت الأرض، تسبح بحمد الله عسى الله ان يرزقها عثرة..
.. هياكل عظمية، هياكل عظمية يا حبيبتي، هياكل عظمية، قطط مشوية، قردة مشوية، صقور مشوية، أرانب مشوية، أسد، كلب، قط، ولد ولد، ولد، نساء مشويات ينمن قرب جنائز الآلة، أشجار مشوية أحذية، أحذية عليها بقايا أرجل بترتها الألغام، أحذية تدوس على أزرار دبابات هالكة، أحذية عسكرية يا حبيبتي، عسكر أموات، أموات، مقابر جماعية، هاونات معطوبة، جندي محترق نصفه الأعلى، نسفه الأسفل في الخندق، سحلية لا رأس لها، سحليتان، خوذ حديدية بداخلها رؤوس، حراب ودروع من جلد وحيد القرن، نمل شديد السواد، منكمش على نفسه، الأرض سوداء تدل علي وجود القرية، الأواني الفخارية التي دائماً ما يحملها البشر البائدون مهمة أن تعلن عنهم في الزمن القادم، زمن ليس بزمانهم، يدل عليها الأطفال المقليين المشويين، المتناثرين بين هنا وهناك، تدل عليها بقايا كهوف، تدل عليها قرب الماء المشوية، تدل عليها الأغنام، الأبقار المشوية، تدل عليها الدجاجات، وهي ريش الآن منثور، يدل عليها طفل على صدر أمه، هيكلان عظميان يتحاضنان تحت شبح شجرة، ويتساقط الرماد منها عليهما..
سلاماً سلاماً كلما عبت بها الريح لم تمت، هل تموت الريح؟ إنها الحرب وبشاعة الحرب والقتل والدمار والموت الذي يقضي على كل شئ، إنه شئ بغيض لا يحتمله إنسان بل قد يغرق منه موتاً.. مناظر آثار الحرب مرعبة وقاتلة ومحزنة وشديدة الأسى.. ولكن الإنسان أي إنسان هذا؟ ذلك الذي لا ينظر إلى هذا الخراب والدمار والبشاعة التي تتخلق عن الحرب والقتل خاصة بأسلحة الدمار الحديثة الفتاكة المهلكة.. في تلك اللحظات ينسى الإنسان كل ذلك ولا يتذكره ولا ينظر إليه ولا يستوعبه إلا بعد فوات الأوان واستحالة الرجوع والانفكاك منه..
إنها صورة بشعة صورها هذا الروائي الرائع عبد العزيز بركة ساكن، بقدرة تعبيرية رائعة وموحية قلما تجد مثلها في وصف بشاعة الحرب ونتائجها ومخلفاتها المحزنة للإنسانية وللمجتمع الانساني..
أراد عبد العزيز بركة ساكن ان يقول: هذه هي الحرب بصورتها تلك وبشاعتها ونتائجها المحزنة القاتلة التي تقضي على كل الحياة الانسانية هو لم يقل ذلك مباشرة بل بالوصف لآثار تلك الحرب البشعة وذلك الحدث البشع المدمر.. وقد تناول وصف ذلك وصوره بكل ما يملك من قوة الكلمات والتعابير ومضامين اللغة وحيثياتها ومفهوماتها ومدلولاتها، وما تشير إليه وترمي وتوحي.. إنه التعبير بعبارات تجسم المأساة وتوضح مكنوناتها وتوضح جوانبها وتظهر تفاعلاتها كأنما هي شريط سينمائي يُشاهد ويُرى.. ويُحس،، ويُمس.. تستوعبه النفس ببشاعته وترفضه وتتمنى السلام والأمن.. والأمان وحياة الأطمئنان..
الحرب مكروهة ومنفرة وبغيضة ولا أحد يريدها، ولكنها قدر الإنسان لتحقيق أطماعه وتحقيق رغباته وغاياته وتحسين ظروف معيشته وأحواله وتبديل حياته إلى الأحسن والأفضل.. ولكن عاقبتها وخيمة ومرعبة وثمنها غالٍ وباهظ.. ولكنها رغبة الإنسان ومحاولة تحقيقها في لحظة غفلة وستر عقل وبعد عن التفكير الصحيح في التفاوض وعرض الأمر بوضوح، ومناقشته في تعقل ورغبة في حل المشاكل الناجمة عن الظلم والقهر والتسلط والتهميش وعدم الاهتمام بالوجود الانساني في المجتمع المعاش، والقضاء علي تطلعاته ورغباته في العيش الكريم في ظل تنمية دائمة وأمن، ولا يتم ذلك بالقطهر والظلم والشدة والبطش وهضم الحقوق الإنسانية التي جعلها الله للإنسان أن يحيا بها في مجتمع كريم فاضل آمن، ويعيش بها في رغد وأمن وسلام..
إنها الحرب التي تقضي على كل ذلك لأنها عندما تندفع وتثور وتتحقق وتشتعل، فمن الصعب التحكم فيها وفي نتائجها وما تؤول إليه من دمار وخراب، وموت وقتل، وقضاء على الحياة والأحياء.. كما صور ذلك الروائي والأديب الرائع عبد العزيز بركة ساكن في لغة يختص بها في قصصه ورواياته كما إبراهيم إسحق في أع ماله القصصية والروائية خاصة روايته «حدث في القرية» التي كتبها بلغة ولهجة غرب السودان في دارفور، خاصة منطقة الفاشر وما حولها..
فاللغة هي الوعاء المعبر بوضوح وجلاء عن الأديب أو المبدع، وتميزه عن غيره من المبدعين على نطاق الوطن العربي.. كما الأديب والقاص الرائع المبدع عيسى الحلو.. وغيره من كتاب القصة والرواية المسرحية، التي تحمل في بصماتها شخصية ذلك الانسان المبدع بكل ما تحمل من سمات ومضامين وحيثيات وعبارات، ومنهج قصصي وروائي وإبداع في ذلك يتغير ويتكون من مبدع إلى مبدع، ومن قاص إلى قاص، ومن روائي إلي روائي، ويتجلى ذلك بوضوح لدى مبدعين كثر في هذا المجال منذ الأزل إلى يومنا هذا.. وفي ذلك نشير إلى ا سلوب وتناول المبدع الرائع والمشهور والذائع الصيت «الطيب صالح» في كل أعماله وما تميز به من أسلوب مبدع اختص به وعرف وتفرد..
لذلك فإن «عبد العزيز بركة ساكن» له تميزه الخاص به في اللغة والسرد والتناول القصصي المبدع في تصوير الحقائق من كل جوانبها، وإظهار ما فيها من مقومات إبداعية يختص بها ويتفرد.. وهذه من سمات الإبداع الرائع المتفرد الذي يحمل في طياته حقيقة الوجود والتكوين والتفرد عند كل.. إنها سمات إبداعية تستوعبها اللغة بكل ما تحمل من كلمات أو عبارات أو نصوص أو حيثيات ومضامين، تتفرد بكل دون غير، ولهذا فإنه يعرف بها ويتميز دون الغير.. كما الجاحظ في زمانه.. وكما المقفع وكما بديع الزمان الهمزاني.. إنها سمات لغوية متفردة تحتضن الحدث من كل جوانبه وتبرز مكوناته، وتجسم مدلولاتها، وتشخص حالاته، وتوضح جوانبه وتحتويه.. وبذلك يكون رد الفعل قوياً ومدركاً، وقوياً ومعبراً بكل ما تحمل هذه العبارات من معانٍ.
.. كانت الريح تدور في المكان تصر صريراً مرعباً، برماد الأشياء، تعبث برماد الأشياء، تعمي أعين الموتى الفارغة، أعين الدبابات المحترقة أعينها السرية جداً، لا أثر للحياة في الأرض، لا إنسان!! لا حيوان!! لكنك يا حبيبتي إذا تطلعت إلى السماء بعينيك الحلوتين لرأيت من وقت لآخر اسراباً من النسور الصلعاء تدور في حلقات، فاردة أجنحتها، تحملها تيارات الهواء حيثما شاءت، هناك أيضاً أسراب الطيور المهاجرة تعبر المكان متجهة نحو الجنوب أو الشرق، نحو الغرب إنها لا تهبط إطلاقاً: أما في الليل، الليل يا حبيبتي زهرة تعشقينها دائماً، الليل يا حبيبتي قنديل الليل نعاس لذيذ وقبلة، أما في الليل بعد أن يختفي آخر شعاع خصه الله بالشمس، و هو خير الخاصين عندها يا حبيبتي..

2010/09/28

بَيتيَ:غَابةٌ صَغيرةٌ وَجبلٌ،بَيتُهَا قَلبَيْ. - (مجلة الى الثقافية)

قلبي زرائبُ خنازيرٍ، أعشاشُ دجاجِ وزنبقةٌ سوداءْ. في فصل المطر تمر البروق عبر نافذتي، تستريح قليلاً على لحافي الباردِ، تدفئه، تغني لي بهزيمها العنيف. تدهش دجاجات القلب و خنازيره، قلبي مطرقةٌ وعيناها طبلانْ.
في هذا الصباح، لا امرأة لي، لذا ظلت أظافري تطول، نمى الفطر الطيب في إبطيَّ، وعلي هامتي يسكن العنكبوت. عندما لا تكون امرأتي في البيت، أذهب الى المقبرة ، احمل لها بقايا ماتركت في غرفة النوم، جرائد صفراء، قصائد لم تكتمل، اشرطة فديو لحفل تخرجها من الجامعة، احذيتها الكثيرة الخالية من الكعوب، ورود و اناتيك صغيرة، جهاز موسيقي عاطل، قوارير عطر كثيرة،هاتفها الذي ظل يرن الليل كُله- كنت اخشي ان تكون هي من يتصل- آنية المطبخ، جواربها، صور طفولتها، سريرنا السنطي الفسيح، عيناها مسمرتان في كل زوايا البيت، يدها تلوح لي خلف الستائر، حقائبها الكبيرة المملوءة بالأشياء، التي لم تستخدمها قط، صورتي الشخصية في ملف المرض اللعين، لحظة أن شاهدتها أول مرةٍ، أحمل لها قُنينة الدواء، مصاحفها و كتيباتها الصفراء.
عندما لا تكون في البيت فانها حتما تكون هنالك، تملأ الغياب اغنيات باهيات، لماذا يترك لك الراحلون مسئولية ذكرياتهم، لماذا يتركون لك البيت وحدك، لماذا يتركون ملابسهم هنا وهنالك، لماذا لا يحملون معهم بعض الأمتعة الخاصة، مثل اشجار الزينة و الأصص، دولاب الملابس المحشو،عطر الصندل، الأعشاب الطبية، والجدران. لماذا يتركون رائحة اجسادهم في المكان، لماذا لا يأخذون ارواحهم أيضاً؟
عرفت الآن الحكمة من أن أجداي كانوا يدفنون مع الراحل كلما يخصه، لأنهم كانوا يعرفون، ان الراحل يبقي حزينا في متعلقاته.
في هذا الصباح لا امرأة لي، ليس هنالك من يطقطق اصابعي لينبهني ان وقت العمل قد آن، و أن الأطفال سيمضون الى المدرسة و ان الطريق اليوم به وردتان، ولا موسيقي غير نشيد الحياة، كل تلك الأغنيات سوف لا تجد شفةً تموسقها، وجسداً يرقصها، تبقى في أغبية الروح، ما بين دجاجة وأخرى خنزير، يمرق انوفه في الوحل، يبحث عن اصل الأشياء، تقرصه دودتان، الرجل الذي قُدَّ من عُشبة الخريف، لا يثمر الا في ساعة الفصول. يرتب ايقاعِه بنشيد الوقت، ولا وقت لي. أنام في ارجوحة صمتي و لا صمت لي. اتجول مابين اليوم و غروب الشمس، لا شمس لي. أعرفُ كيف اضحك بنصف قلبٍ و أبكي بالقلب كُله، مثل صديقي أحمد زكي. تعلمتُ من الطائر فلسفة الريشة، فكتبتُ. وتعلمتُ من الريشةِ حكمةِ الطيران، فحلقتُ بعيدا في سماوات الحبيبة. علمتني الحبيبة ألا اثق إلا في الجسد ، فهو لا يكذب بل يبقى مثل الوجود: فانيا ودائما.
في هذا الصباح تحكي لي العُشيباتِ ما يبكيني و يضحكني، تحدثني عن الله، وكنت اظنني قد مررت على الجبل مرات كثيرة، و أنني خبرتُ الغابة مثل كف يديّ، و أظنني في الوحدة صرتُ العالم كله، وكان البرقُ يمر بنافذتي، يقبِّلُ طينَ الشبابيك، يتوعدني بهزيم يطيح بالعالم خلف الطرقاتِ المنسية. العالمُ يبقى دائما تحت سطوة البرق، يبلل المطر شفة البرق، يلعق بلسانه الروج البني، تتبسم العصافير الصغيرة المتخفية تحت النافذة، عصافيرُ الكُلجْ كُلجْ.

صباحي يخلو من امرأةٍ، أعني : يخلو من طعم الخبز الطازج وثرثرة الماء.

على كفي تنمو اشجار الجوغان، تمتد اغسانها في دمي، تظلل وجهي وتركُ عليها اليمامات، تزرغ اليمامات في عيني، وعندما ينتهي موسم المطر الصيفي تثمر الذكرايات الجميلة. لم يكن ضمن احلامنا الموت، كنا نتجاهله و نثور عليه لأننا لم نتعرف على ثروته العدمية بعد ، لعبنا على ظهره الفسيح ورسمنا تمائم البقاء في ساقيه بالحناء و الحنظل، وظننا – وكنا محقين- إنَّ الموت مات، و قلنا لي: احذر الحياة. الحياة تغويني كسُرَةِ الطَفَلةِ. كسرطان حميم يذهب بأنفاسك الشهية نحو بئر الإختناق، مثل كابوس لا فكاك منه إلا بالرحيل.
يخلو الصباح منك: يخلو مني، يبدو غريباً عن نزق الفجر ووسوسة اللإنتشاء.

عبد العزيز بركة ساكن
الكرمك
26-7-2010

ثِمَارُ البَيتِ - خاص كيكا

قال لي جدي:
ثمرة البيت الظل، ثمرة الشوكة الوخز، ثمرة الوخز الآهة.
ثم نام، قلت له: ما ثمرة النوم؟ قال : الأحلام.
ثمرة الأحلام الإنسان.
وثمرة الإنسان الحروب.
ثم شرع طبوله في وجهي، شرعت في وجهه كتاب الانفجار الكبير لجيمس هاوكينج.
وأخذنا نتجادل في معنى الكون.
عرجنا لسبل الخير و المعصية، تجادلنا في أنني – إذا صُمتُ- أصبح طودا و أكبر كذاكرة الأطفال، وان الطفل يولد مختل الأخلاق فيفسده أبواه أو يصبح مثلي – من رحمه الله- مفخرة الضالين.
أنا لا اكتب شعرا.
بل أكتب نثرا بأدوات الشعر، أو اكتب شعرا بألوية النثر، أو أني أتحرر من قيد الاثنين الذهبي معا ، و أمشى في الظلمة ممتطيا شاع الروح المجنون كسعلوات العقل الغيبي.
جدي يفهم معنى الشعر المكتوب بغير حروف وصياح، ويفهم في موسيقى الضوء وكيمياء الوشم وأنا الجاهل بما يجهل جدي، و العارف في السر: حريف الروح.
من يغضبك يثير جنون ذنوبك.
من يكرهك، يقول أبي: جنبك شرور محبته.
ثمرة البيت الأطفال، ثمرة الأطفال الأم، ثمرة الأم أبي.
ثمرة الشوكة خوف الشجرة، وثمرة الشجرة أن يألفها الطير.
ثمرة النوم سفر الروح، ثمار الروح السيَّاف.
ثمرة الأحلام بنات الليل، ثمار البنت الأحضان.
ثمرة الحرب.
ثمرة الإنسان.
ثمرة الوهم.
ثمرة النص السردي كتابُ هكذا تكلم زرادشت.
ثمار زرادشت الأديان.
ثمار الأديان.
ثمار الأسئلة.
ثمار طيور الفجر.
ثمار المخبول الموتور: في أديس أببا، كل شيء بارد.
ماعدا النساء و البيتزا دي- نابولي.


أديس أببا

14-9-2010

2010/09/16

فِي المِحْنةِ شَخْصَانْ - خاص كيكا

أنا شخصان: طينيٌ ورمليٌ. في جوفي قلبان: بنيٌ و أسودْ. تعشقني بنتان: تُوتا وهند. وفي نحري ملكان: سيفٌ وحربةْ. لي قبران: روضةٌ من رياض الجنة وقبو من نار. فابعثني يا صاحبي،أينما شئتَ. ابصقني، كيفما كنتَ. ارسمني على كهفك أو كفك أو في بوصلة عينيك. اصلبني أو توجني، فأنا فعلان و مفعولان: نَبِيٌ فِي معركةٍ وفي الأخرى شيطانْ. ش
استيقظُ إذ استيقظُ من نومي سكران. أتوهم أني ملك و أني صعلوك و أني كعبةٌ تربةٌ. أتوهمُ أني أتوهمُ، فيفجعني الإعلام بان لي وطنان. وطنٌ كالطين و آخر كالطيان. ابني منهما عرشي، اغسل فيهما وجهي، وأتبولُ أو أتوضأُ بالنيل الأزرق و الأبيض و الأحمر و الأسود كأسماك البلبوط الوحلانة في ألم الطوفان. واني أتذكر إذ أتذكر كل نِساء العالمِ فِي قُبْلةْ.
واني استنكر إذ استنكر هذا الليل المتبرج و المفتون بقطرة ماء يستخلصها من إبط الوردة طنانٌ مجنونْ، استودعُها- باسم الله - رحم البنت.
لم يخلقني في تلك الليلة ربي، لم يقرأ جدي في أذنيَّ : "إنَّا أنزلناهُ في ليلةِ القدرْ"، لم تُطعمني أُمي مِنْ ثدييها لُغةَ الشعَراءِ المُنْتَعِظِينْ كهوائيات التلفون. كان الصبيةُ مَشْغولين بصناعة مركب نوح. يخلقها أطفال الحارة من عُشب البيت و أقصاب البوص. لم يُتكاثرَ كالطحلب أو يُسْتنسخَ أو يُتصورَ في المَاءِ أو العُشبةَ حبيبي، بل كُنا مُنذُ الطلقة شخصٌ واحدٌ.
يطلقَ النارَ على كبدي و يهتفَ منتصراً.
بعد قليلٍ، يسْقُطَ مَيْتَاً.
ويُسمى في بيت الزوجةِ مقتولاً، ولدى الأم: قتيلان.
فأنا في عُرفِ الطلقةِ مجرد لحم يُثْقبْ، مَحض دماءٍ يتدفق من أوردة وشرايين شتى، محض صُراخ وآهات يصدرها مَلْحُومٌ مكلومْ.
ابعثني يا صاحبي في حضن حبيبي. ابعثني كالطير ملائكة و خيول. ابعثني في الليل نبياً بغير كتابٍ و قمرْ، بدون جناحين. أتبركُ بوحلِ خطاياي. فأنا شخصان بإثمين وفضائح شتى، ابعثني يا صاحبي. سَئمتُ القبرَ. سَئمتُ الجَنةَ ولم تدهشني بُنياتِ الحورِ "المفعوصات" وتطواف الوِلْدَانْ.
وَطني مُنذُ الطلقةِ أوطانْ. و أنا شَخْصٌ وَاحدْ، لكني في المِحنةِ شَخْصِانْ. لا أعرف اسمي بالفطرة، في الواقع: لِي اسمانْ.

الدمازين
1-9-2010


2010/07/18

صَلاةُ القَلبْ -خاص كيكا

سيدي ابن الإنسان، لأننا لم نلتق منذ أكثر من ألفي عام، منذ ان افترقنا في ظلمات اورشليم، اقصد منذ ان كنا أطفالاً نلعب في ازقة السماء بالنجوم وشجيرات الكون الزاهيات، كانت لنا نفس الذاكرة ونفس الروح ونفس المسافات الطاعنات في العِشق، كانت لنا ذات المريمات تنمو في أظافرهن لجَب الجُند الذين سوف يأخذونك إلى هنالك و يسوقونني إلى هنا، يشيدون بيني وبينك أحجارا من ألفى سنة ونيف، لكن لا أحد يمحوا ذاكرتي من رسم قلبك البهي، الذي ظل ينبض بين أضلعي، يدغدق أحشائي بكلام الله الطيب، يقول لي في السر: الحقيقةُ،سوف تطلقك حُراً.
أريد أن أقول لك الآن، بعد كل هذا الدهر من الأيام الطويلات، بعد أن استفحل شجن الروح وصار مميتا مثل أسف صديقنا يوحنا الأسخريوطي المسكين، أقول لك : إن الحقيقة لم تستطع أن تطلقني حُراً، لقد كبلتني بقيد من نار، كلما برد صار أكثر قسوة، كلما غنيت له، صارت عيناه غولات كاسرات وعضتني في وجهي، لم تحررني الحقيقة يا سيدي، انما ادخلتني بيت الرعب، واصبح هنالك مليون صليب يطلبني، مليون مسمار تتشهي دمي، ودمي بالكاد يفي حاجة القلب للحب، بالكاد يحمل مراكب المريمات الى قيامتي، تماما كما خبرناه أنت و انا قبل ألفي عام و نيف، الحقيقةُ الآن أحبسها في كمبيوتري الشخصي، مثلها مثل حبيباتي، زجاجات القهوة، أشعار بدر شاكر السياب وسمعة صديقتي السيئة - لقد صار لي صديقات في الآونة الأخيرة، بعضهن لهن سيرةُ عطرة- لم تتعبني الحقيقة كما يبدو للحراس، لم تتعبني يا سيدي أبدًا، لكنني كنت لها بالمرصاد، تقاتلنا في شوراع القاهرة،عند الخور الكبير في قريتنا بخشم القربة، على دير المحرق باسيوط: أنت تذكر ذلك المكان جيدا، أينما خبرتها نازلتها، كرجل لرجل أو كرجل لحقيقة، ولو انني غالبا ما أكون رجلا، كم مرة كنت سيدة، مرة غانية من بعلبك، مرات كثيرات شاعرة يوغندية تنظم شعرها من جذور البابايات و البفرا وتزقزق كطائر الليل، كم مرة صرت مثل مريم أمي، سيدة لأبناء كثيرين و بقرة، في كل مرة أكبد الحقيقة خسائر تليق بقبح قلبها الشرير، بقبح قلبي الطيب كقلبك الذي ينبض الآن في صدري بدم من رمل وطين، قلبي قلبك حيث تخاطفته الأطيار بعدما ركت علي تويجاته الفراشات كنبيات من اللون و الرفرفة، سيدي، صديق طفولتي، ابن حارتنا الفقيرة: ذات ماء المطر .
أحبك منذ قبل ان نفترق الي مساء الليلة، ولم انكرك سوى مرتين، مرة عندما صرخت طفلةٌ في أزقة قلبي، اغتصبها جنجويد من الجن، أمام ناظري و أشار إليَّ ببندقيةٍ وحربةْ: أتعرفها؟
ونكرتك مرة أخرى وكنت أسير حول المكان، بينما مريم و مريم ومريم، يحاورن الحراس، رمقني الحارس اتخفى خلف أجمة من العُشب البري و استنط لمقالته ثم شاهدته يرتشي ثلاث مرات، فهتف بي صارخا، ما رأيت، قلت له : لا شيء.
ولم انكرك كثيرا في حروبات شاسعات بدرافور ولو انني رأيتك تحصى جراحات الموتى، تضع على وجعي عصابة من النار، رأيتك في الشارع مرتين و تحت شجرة النيم في بيتنا تلاعب الخراف، رأيتك تضحك، تبكي وتقود جحافلاً من الأطفال و المشردين لبيتك في سويداء قلبي، لم أنكرك وَلو أنّكَ ألمتني بالحقيقةِ، التي أطلقتني حُراً مِنكَ أنت بالذاتْ.

2010/07/17

زوج من أجل أجاك الطويلة

بعد ست سنوات من الحياة في مدينة الخرطوم والدراسة المتواصلة، عمدت اجاك للعودة الى مسقط رأسها في ابيرو، وهي قرية صغيرة تابعة لمحلية شويبت برمبيك ولاية البحيرات بجنوب السودان، و على الرغم من الإنقطاع الطويل عن ابيرو، إلا ان أجاك مازالت تذكر كل شيء عن القرية، ولم تنس اللغة أو العادات و التقاليد، ومازالت تذكر جداتها و جدودها و امهاتها جميعا و كل من كان في القرية حين مغادرتها لها، وكانت اجاك من الجيل الجديد في القرية حيث انها لم توشم في جبهتها بعلامات القبيلة، و احتفظ لها والداها بأسنانها الأمامية البيضاء المشعة، كلما لم تأت به معها مرة اخرى هو السكسك الذي يحيط بخاصرتها تلك الخرزات البيضاء و السوداء، حيث انها اصبحت بدينة بعض الشيء ولم تتحمل ضغط الخيط على خاصرتها، لذا تركته في البيت بالخرطوم، لكن غير ذلك كانت اجاك كما هي، طويلة ممشوقة القوام مثل شجرة تك، سوداء البشرة ليست كقلب الآبنوس، بل مثل الليل ذاته، صدراء ناهد، لها اذرع طويلة و رقيقة، وعينان بهما نظرات حادة وثاقبة كعيني النمرة، و يجب ان يلاحظ شيء آخر ايضا، ان أجاك لم تتزوج الى تلك اللحظة، وهي الوحيدة التي بقيت من بنات جيلها بغير زوج الى الآن، لربما شغلتها سنوات الدراسة االطويلة عن اسئلة الجسد، كانت اجاك فارعة القوام، سوداء كالليل لها ذراعان طويلان رقيقان، وعينان تشعان رغبة كعيني نمرة، وهذا مهم جدا، لأن اجاك سوف تُقيم بعد قليل بعدد من الأبقار وفقا لقوامها و جموح جسدها اللذان سوف يقرران من هو الزوج وكم هي الأبقار التي ستسحق كمهر لها، وكيف ان أباها دووت يحبها أكثر من كل أخواتها، وأنها ما يفخر به وذلك واضحا من الأغنية الخاصة التي يغنيها لها وحدها:
اجاك يا بقرتي
اجاك يا بقرتي المقدسة
يا بنت عُشب النيل
اجاك يا بقرتي اجاك يا بقرة عشب النيل جدها العظيم.
لم تنس اجاك، ان تستبدل ملابسها وهي تغادر شيوبت الى ابيرو، تخلصت من كل شيء، لفت جسدها الجميل الطويل بقطعة قماش زاهية الألوان وهي اللاوي او الزى الرسمي لقبيلتها، عبارة عن ملاءة ينتهي طرفها الأعلى على كتفها الأيمن وتدور حول نصف الجسد بغنج غابوي مدهش، تظهر نصفه و تخفي نصفه، ليعلن النصف المخبوء عن النصف غير المحجوب، وهذا سره و سحره، اختارت جلبابا بسيطا من الحرير الملون لم تكن له أكمام و عاري تماما من الصدر، وهو أكثر ما يليق بجسدها من ملبس، فاجاك كغيرها من البنيات تعرف ما يليق بجمالها وما هو حري بإثارة دهشة الرجال ودهشة أنوثتها هي أولا، كانت في رفقتها أمها التي انتظرتها في شويبت منذ بداية الأسبوع لتصطحبها في رحلة بالأرجل الى القرية تستغرق الساعة في غالب الأحيان عبر غابة سافنا غنية مستوحشة، انضم لركب المستقبلين رجال ونساء أقرباء والديها و عشيرتها، اجاك سوف تصبح أول طبيبة من ابيرو، وستظل الوحيدة التي تتمتع بهذا اللقب الى عشر أعوام اخرى، كان هم أمها الوحيد ان تتزوج اجاك قبل كل شيء، ان تنجب أطفالا يحفظون نسل الأسرة، وظلت طوال الأسابيع الماضية منذ ان سمعت بان ابنتها في الطريق الى ابيرو، تتحف الشيخ بالهدايا لكي يقضي وقتا أطول في طلب الزوج لأبنتها من الجد الأكبر للأسرة الذي هو عُشب النيل، وكانت تعرف ان ابنتها سوف لا تتزوج بسهولة، لأنها طويلة و شديدة السواد وممشوقة القوام، يعني هذا ان مهرها قد يتجاوز الألف بقرة، وهذا غالبا ما لا يتوفر لشخص عادي، في الحقيقة كان هذا هم العشيرة الأقربين جميعا، من أين لزوج بألف بقرة في وقت تهب فيه بقايا الحرب التي دارت عشرين عاما في المكان قضت على مراحات كثيرة من الأبقار و أضعافها من الإنسان، حتى لو شاء ان يبقي دينا كثيرا عليه، حتى لو ساعده الأقرباء، ولم يتحدث شخص واحد عن خيارات أجاك، التي همست لأمها، بأنها سوف تتزوج رجلا من الخرطوم، ليس من الدينكا، بل هي الى الآن لا تعرف قبيلته، وانه يعمل في الصحافة، طبعا سألتها أمها عما هي الصحافة، فلم تستطع اجاك ان تجد لغة مناسبة لشرح الكلمة، لم تمانع الأم ولكنها فقط أكدت على عدد البقرات، لأن أبيها سوف يموت من الغبن إذا نقصت بقرة واحدة من الألف المتفق عليها كحد ادني لمهر لبنت في طولها ولها ذراعان بهذا الجمال.
في الغد جاء كثير من الشبان من بعض القرى المجاورة و أقاموا حفلا احتفاء بعودة اجاك، رقصوا معها، وقفزوا في السماء محاولين تجاوز ذراعيها المرفوعين للأعلى، و غنوا لها و شبهها كل منهم بأجمل بقراته، و أعطاها اسمها، فكانت: كتنج، و لول، و نيانج، أكوي، يار، أكور، أين، وجنطوك، و ابتهجت صاحباتها و غنين معها، وتقدم لها منقار للزواج، لمنقار زوجتان اخريتان، وقال إنه سيدفع ثلاثمائة بقرة عدا وحالاً، قالت أمها إنَّ ذلك لا يسوى عدد الخرزات التي تزين عنق بنتها، تقدم إليها ملوال أجوك، وهو شاب وسيم من دينكا بور، له زوجة واحدة فقط وورث أبقارا كثيرة وأطفالا و امرأتين عن أبيه المتوفى، قال إنه سيدفع من أجل أجاك، خمسمائة بقرة، ومن ضمنها ثوره الخاص، وهو مال لا يستهان به وتكريم مدهش، إلا أن أم أجاك قالت، إن ذلك المال لا يسوى قيمة الرحط الذي سوف يحيط خصر ابنتها الجميلة، و إنها أحبطت في فتيان الدينكا وفشلهم في تكريم ابنتها بما يليق بطولها، و اعتبرت هذا من علامات ان الدنيا تصير للفناء و ان الكون قد ينتهي قريبا طالما كان هذا هو حال القيم و الأخلاق، رفضت من تقدموا لها فيما بعد حتى قبل ان تعرف عروضهم المغرية التي جاؤوا بها، واستفسرت مرة اخرى عن الزوج الذي حدثتها أجاك عنه فيما قبل، كم يمتلك من الأبقار، وكم تمتلك أسرته، ومن هو جد أسرته؟ قالت لها أجاك إنها لا تعرف شيئا عن أسرته ولكنها متأكدة أنه لا يمتلك ولا عجلا واحداً: إنه صحفي يا أمي.
حسنا دعينا نذهب مرة أخرى للشيخ، ليدعوا لنا جدك عُشب البحر، ويسأله عن مقدار القرابين التي تقدم إليه من أجل أن يستجيب لحاجتك لزوج يجيد تقييمك و يعرف قدرك ولديه مال يمكنه من فعل ذلك، قالت أجاك إنها لن تفعل، فذهبت أمها وحدها، و ذبحت دجاجات بيضاء و دجاجات سوداء كما طُلب منها، و أقامت في خدمة الشيخ ساعة من الزمان، ووعدها بالخير.
ابيرو قرية صغيرة جدا، عدد المنازل بها لا يتعدى مئة بيتا، وبها اسر معروفة لم تنقص ولم تزد من أكثر من عشر سنوات، أي منذ ان انتهت الحرب الطويلة، كلها مبنية من أفرع الأشجار و البامبو و العشب الموسمي، تقيم الأسر في تجمعات سكنية يخصص جانب منها للأبقار و الجانب الآخر لسكنى الإنسان، وفي مثل هذا الوقت، الصيف تكون الحياة أكثر سهولة و الحركة ليس لها من معيق، لذا لم يستغرب الناس في القرية وفادة أشخاص من قرى بعيدة قد لا يعرفونهم ولم يشاهدونهم من قبل، و الرجل الذي عَرّفَ نفسه بِطون، ذو الصوت الجهوري، كان واحدا ممن أتوا من بعيد لخطوبة أجاك، ونسبة للطريقة الشاذة التي قَدَّم بها نفسه، قالت أجاك عنه في نفسها: إنه موهوم.
من الرسومات و الوشمات التي في بطنه وعلى جبهته وكتفه، عرف الجميع أنه يكمل الآن عامه الأربعين، وأوضح العُقد الذي يلتف حول عنقه، وعلى ساعديه، أنه قتل نمراً أو نمورا كثيرة. لم يندهش الناس كثيرا لعُريه، فلقد كان عارياً تماماً، يطلي جسده بالرماد، حتى لا يكاد الناس ان يروا من لونه الطبيعي شيئاً، شعره مصفوف جيدا ومسقي ببول الثيران، عن طريق الطبل التي جاء يحملها على كتفه مع حرابة، أيقظ القرية كلها ذات صباح باكر، وغني بصوت قوي كأنه زئير الأسد، ولما هب الناس إليه، رقص قافزا في السماء عشر قفزات، كان طويلاً ونحيفا، وتلعب أشياؤه بين ساقيه في الهواء كأنها رانب مجنونة، وتبدو مضحكة ولكن نسبة للجدية التي ظهر بها، لم يستطع أحد أن يضحك، ثم غرز رمحه في باطن الأرض الصلبة، نظر بعيدا نحو الغابة، وقال: أنا أسمي طُون قوقريال طُون، و انظروا إلى تلك السحابة، ما هي إلا أغبرة حوافر الأبقار التي أتيت بها مهرًا لأجاك، سوف لا تجدون مكاناً تحفظونها فيه بالقرية، ستصلكم بعد قليل.
قالت أجاك إنها لن تتزوجه ولو أنه جاء بأبقار العالم كلها، أكدت لها الأم إنها سوف تتزوجه رضيت أم لم ترض،لأن امها إذا كانت قد رفضت الزواج من والدها ما كانت هي على قيد الحياة الآن، وإن مهرها ملكا لأسرتها وليس ملكا لها هي،وان والدها يحتاج لخمسين بقرة منه لسداد متأخر صداق امها، و أن اخوانها الخمس يحتاجونه ايضا لكي يتزوجوا به، و ان كثيراً من الأقارب ينتظرون نصيبهم من هذا المهر، وأنها لا ترى شيئا يعيب طُون قوقريال طُون سوى انه فخور بنفسه أكثر مما يجب، وكان عليه ان يستر عورته بجلد النمر الذي قتله، و ألا يثير كل تلك الضجة بصوته المرعب و الطبل القبيح الذي يعلقه على كتفه، غير ذلك لا يعيبه شيء.
عندما انشغل الناس بعد الأبقار، صُنع الزرائب، واقتراح القسمة، هربت أجاك لتحتمي بالغابة، كانت تجري بأسرع ما تستطيع، وعندما توغلت في الدغل، شاهدته يجري خلفها، كان سريعا كما الريح، أمسك بها، حملها على كتفه ومضى بها في خُطى سريعة ناحية النهر، وهو يغني بصوت أجش ماكرٍ.
عبد العزيز بركة ساكن
18-6-2010

2010/07/15

مَقَالةُ العَاشِقِ فِي الليَلُ -مجلة الي الثقافية

عَلى حَوافِ البِنتِ، البِنتُ و الإشتهاءُ النقيُ، جزائركُ المنتقاةُ، سقسقةُ المكانِ، دوائرُ الإلتصاقِ، حُمى العِشق، دَاءُ الرعشةِ، على حوافك تسترخي البحارُ المسحورةُ تبتلع سفنَ دمٍ متعجرفٍ وحارقٍ، في ظلمةِ الفُسِق النضرْ، محراب التوبة يشيده كل صباح سُلطان العاشقين، وينفيه الكلبُ المُثقف الأنيقْ.
ابتسامتك، انتبهاهة نهدك الأيسر، سموم انفاسك، الرسالات السماوية فيك، عطسة العاشق، قصائد الشاعر التي خبأها الله في رحم امرأة ستولد فيما بعدك وفيما بعد اطفال الشهداء، مثلهم مثل امهاتهم، يبصرون القريب بعيدا و يرون البعيد ملتصقا بهم كالقلب، لذا يقتلهم الساسة و الهولاكيون، يشوون دمهم على نصل المقصلة: ابتسامتك مطلية باللذة وزهرة البرتقال.
مثلي مثل اصدقائي، اقرأ الطواسين عندما اختلي بنفسى، و اتفرس في رسوم فان جوخ عندما التقى بحبيبتي في غُرفة البيت الخلفية، على شاشة عرض سوف نستخدمها فيما بعد لمشاهدة البرونوفلم، ويدهشني سلمان رشدي في أطفال منتصف الليل وذلك فقط عندما تلفظ القوارير انفاسها الأخيرة وتئز الريح في تجويف الكأس، قال لي المهاتما غاندي:
في البدء يتجاهلونك
ثم يسخرون منك
ثم يحاربونك
ثم تنتصر
وقلتِ لي انت، وبصوتك بحتهُ و بأناشيدك روعةُ العناقِ، دعك من الروح العظيم، غاندي، دعك من شجر الثورة و التحرير،أنا دولتك، والمتمردوين، وساستك الفاسدون، وسوار روحك،والمستعمرون و الخونة،انا شعبك الطيب، اكتب مقالتك فيَّ وعني، أنا العاشقة و انت سلطان أمكنتي جميعا، وتلك أمكنتي ما بين أصابعك و قبلتك و آهِ اللذة، لك كل شيء وكل ماهو لا شيء.
سيدتي
سيدة الليل
سيدة المسافة ما بين الشيء و الشيء
سيدة القلب كله
سيدة العاشقات جميعهن، سيدة البنيات النمامات على مقهي حليوة بشارع المك نمر، سيدة اللائي جلسن على بنبر القطيعة و الثرثرة الطازجة في بقايا ليل و زيتون و خمور بلدية، وسيدة ُ حالمةٍ تستيقظ في اواخر الليل، تنفك من ذراع العاشق السكران، تحرر ضفائرها من كفيه، تسحبُ من تحت صدره سُرتها الجميلة، يحملها حمار النوم لمرقدي في الغرفة الأخرى، كانت كالشبح في شَبق النُعاس و هلوسة المشي الليلي الخطر، حرمتُ علي نفسي ما حرمتْ: حبيبات أصحابي، نساء المكتبات العامة، بنيات الغرف الأخرى، ما حمل حمار النوم و فهد الشهوات إلي، كل من ذكرهن تي اس اليوت في شعره، استثني الائي يتحدثن عن مايكل انجلو في المقهى فحسب.
سيدة المرايا و الحكايا والجوال الضاج.
سارسمك ، سأرسم نمر و قطة، سأرسم شفة واسعة كالبحر، وشاطئين كزغبك، سارسم طائرين كبيرين في مكان عينيك، سأرسم شجرة زقوم وليمون و بفرة، سأرسم خوف صديقتي نهلة عليَّ وصوتها عبر الهواء المكهرب بالرطانات و الفرنجة الجادون في كل شيء.
سيدتي أنا،
أنا وحدي : عَبْدٌ لقُبَلاتِكِ الشَهِيةْ.

عبد العزيز بركة ساكن
30-6-2010

محنة الكاتب السوداني

معظم كُتاب العالم الفقير ممتحنون، أما محنة الكاتب السوداني فهي الأعمق و الأغور جُرحا، من جانب خلق المادة الفنية، ثم طباعتها ثم نشرها، ثم نقدها، فلنتطرق لذلك شيئا فآخر. ستلاحظون انني اناقش الموضوع معتمدا على تجربتي الخاصة في كثير من الأحيان.
دعنا نبدأ بمحنة التأليف، حيث تلعب اللغة دور الممتحن الأول، فاللغة التي يفكر بها الكاتبُ كما هو معروف هي لغة المخاطبة اليومية ولغة حياته الشخصية و العامة، أي لغة المكان و الزمان، وهذه اللغة في السودان هي العاميات السودانية المشتقة من اللغة العربية ولهجاتها و كثير من اللغات المحلية القبلية، و صلة الأديب السوداني باللغة العربية الفصحى في الغالب هي صلة تعلم مدرسي واحيانا صلة عمل، أقصد لغة مكاتبات وتدوين أو تدريس وصلة قراءة. وعندما يبدع كِتابيا، مطلوب منه أن يستخدم اللغة العربية الفصحى، أي اللغة التى لا يفكر بها، أي مطلوب منه أن يفكر بلغة ويكتب بأخرى، بالتالي يعاني من ذلك المخاض التحويلي الهدمي البنائي، الذي يعمل على مستوى الصورة و الفكرة و الأحساس بالشيء. في مجال الشعر خاصة ذلك الذي ينهض على الموسيقى التقليدية الخليلية، فالمسألة أكثر تعقيدا ، فالموسيقى الخليلية هي ليست مايجب أن يمشي عليه الإيقاع الشعري، ولكن هي ما وجد عليه الخليل الإيقاع الشعري في زمان ومكان بعيدين وغريبين عن أمكنة وأزمنة كثيرة، ومنها الزمان و المكان السودانيين، و الشيء الآخر أن تلك الموسيقى بلا شك قد بُنِيت في الأصل لدى الشعراء على أمزجة لا تنفك من الموسيقى السائدة و الغناء و الإيقاعات التطريبية و إيقاعات الحياة منها أدوات العمل، المواصلات ، طرائق النطق، أصوات المكان، و طرائق العيش وغيرها. وإذا لم ينتبه الشاعر السوداني لكل ذلك سيجد نفسه مورطا في الإلتزام بادوات صنعة لا تذهب عميقا في وجدانه الإبداعي، أي تظل فوقية، فيصبح انتاجه أيضا كذلك، ولا ينجح فيه إلا من وطن نفسه على أمزجةِ أزمنةِ و أمكنةِ الفراهيدي، وهذا يحتاج لتغريب و مران صعبين وغالبا ما يُلهيان عن الشعر بالصنعة.
ولقد بدأتْ لي تلك الملاحظة واضحة عندما أخذتُ أدرسُ أحد شعراء العامية السودانيين ، شاعر الدُوبيت المدني عبد الله الكردوسي توفي في 1934، قد لاحظ قبلي الأستاذ ميرغني ديشاب صاحب كتاب قاموس شعراء البطانة ، أن الشاعر المدني كتب شعره بأوزان غريبة، غير معتادة لدى شعراء البطانة الذين سبقوه وأيضا لدى شعراء الفصحى السودانيين، وبدراسة حياته عرفت أنّ الشاعر ما كان يستخدم الجَمَلَ في ترحاله كما هي عادة الشعراء من قبله، حيث أنهم يرددون الشعر على ظهور نوقهم و يتغنون به في الترحال، فلقد كان يستخدم الحمار كوسيلة ترحال، و معروف أن ايقاع سير الحمار ليس كايقاع سير الجمل، فظني أن ذلك أحد العومل المهمة في أن تأتي ايقاعات شعره في بحور غريبة و سريعة و شديدة التنوع.
والمحنة الأخري، بعد أن ينجو ذلك الكاتب المسكين من براثن اللغة، ويكتب نصا، عليه أن يراعي شيئا غريباً جدا، وهو الأخلاق المُعْلنة على أنها الأخلاق الرسمية للدولة، و أعني بالمعلنة أنها المعلنة وليست بالضرورة أخلاق الشُعوب السودانية. وتتمثل في أن السودان دولة عربية مسلمة، سُكانها عرب مسلمون من نوع لم يخلقه الله من قبل،وجميعهم ذووا جذور ضاربة في بطون قريش، ليس بالدولة فساد مالي أو اداري، ليست هنالك حروب يموت فيها الأطفال و النساء و تديرها الدولة،مايسمى بأزمة دارفور ومخاطر انفصال الجنوب وغيرهما من المشاكل ليست سوى مؤامرات من تدبير اسرائيل وكيد اليهود و الأمريكان، ليس هنالك فقر يقود للمرض و الجهل و الدعارة، لآنه في الأصل ليس بالسودان من يمارس الجنس، وعلي الكاتب أن يحترم ما يُسمى بالقيم السودانية و الأخلاق السودانية و العادات و التقاليد السودانية و أن ينسى أن هنالك مئات القبائل و عشرات الديانات و الأعراق و طرائق الحياة، و أن ما يُعتبر قيمة أخلاقية حميدة في الخرطوم قد يُعتبر زلة في قرية لا تبعد عنها مسيرة ساعتين، ليس بالسودان سياسيين فاسدين، ولا أحزاب مرتشية، كل زعماء الأحزاب السودانية الكبيرة وقادة الطرق الصوفية وزعماء القبائل وكبار السياسيين من الأشراف، يعني انهم من اسرة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وليس بالسودان كُتاب مارقين وليسوا مثل كافكا الذي يقول ذات نشوة:
" الكتابة مكافأة عذبة رائعة، لكن مكافأة على ماذا؟
في الليل كان واضحاً لي أنها مكافأة على خدمة الشيطان، ربما توجد كتابة أخرى أيضا، لكنني لا أعرف سوى هذه"
يجب على الكتابة ان تكون عبادة، ليست عبادة حرة طليقة ممتعة كصلاة النفري و وابن عربي او وولت ويتمان، ولا يستطيع الكهنة القائمون على تخطيط ما يجب ان تكون عليه الكتابة السودانية، اولئك الذين دائما ما اتخيلهم كفئران دقيقة غاية في الصغر، لهم أذناب نتنتهي بأشواك حادة كانياب الأفاعي، لا يمكنهم تخيل كاتب في السودان بنزق كافكا او شيطانية رامبو، كل ما يأملون فيه فقهاء يكتبون صحائفا طيبة وحكايات تمجد قوما طيبين وطاهرين وعفيفين، لا يتعاطون المريسة، و اسماؤها الخمسون ماهي إلا نتاج مخيلة كاتب فلت من الرقابة في زمن نجس ما كانت لهم يد طليقة فيه ، يكتبون عن دنيا دائما بخير و الناس على ما يرام.
وقد رضخ كثير من الكتاب لهذه المؤامرة الباردة، وأعرف الكثيرين الذين عندما يكتبون شيئا، او يتطلب الموقف الفني كتابة حدث ما، يفكرون كما يلي
- حسنا، ماذا لو قرأ رجل متطرف دينيا هذا؟
- ماذا لو قرأت ابنتي او اختي او اطفالي الآخرون هذا النص؟
- ماهي ردة فعل القراْء ؟ وبيدون في مخيلته كأغوال ضخمة لها سبعة رؤوس، و مليون لسان، فوق ذلك يحملون بنادق كلاشنكوف.
و الأبعد، يفكر الكثيرون في سلطات الرقابة، هل سيصادرون الكتاب، هل سيرفع البعض ضدي قضية اذا تشابهت شخصية البطل بشخصيته؟ هل اذا ذكرت اسم المدن و القرى التي تدور فيها أحداث الرواية المتخيلة، ألا يجر ذلك لكثير من المشاكل؟
لذا تجد أغلب الكتاب السودانيين في رواياتهم وقصصهم لا يذكرون اسماء المدن و القرى و الأحياء الحقيقية إلا ما ندر وفي بعض كتاباتي كنت أفعل ذلك أيضا ولكن في اطار ضيق، ولو انني لا استطيع أن أجد مبررا لذلك غير الخوف المتوارث من ذكر الأمكنة بأسمائها ممن سبقنا من كتاب، وظل المبدعون السودانيون لا يناقشون مطلقا الموضوعات الأنسانية الساخنة، في شعرهم وقصصهم ورواياتهم، مثل حرب الجنوب، قضية دارفور، الفساد المالي و الإداري و الإجتماعي في دولة الإنقاذ، نظام الرق في دولة المهدية و سنار، القوانين التي تحد من الحريات، اشكاليات الهوية، السودانيين في المهجر، المجاعات وغيرها، وتجدهم في كتبهم ونصوصهم يهيمون في آفاق رحبة من اللغة و الشعر و الرمز و الغناء. لقد استطاعت القوانين و استطاع التصور العام المفترض لما هو سوداني وأخلاقي أن يكبل ابداعهم وفي الغالب كون مفهوما غامضا لما يجب ان تكون عليه الكتابة، واصبح منهجا مقدسا للكثيرين.
و الأغرب ايضا، فوق ذلك كله، ان كل الكلمات التي يجب على الكاتب ان يستخدمها هي كلمات مستوحاة من قواميس القرون الوسطى ،لا باس ان يعيش الكاتب كما يشاء و ان يقول في يومه ما يشاء لمن يشاء، ان يستمع للناس يتحدثون بما يتحدثون به عادة ولكنه عندما يختلى بملائكة الكتابة اولئك الطاهرين البررة، عليه أن يحذر ثم يحذر لغة الشارع، وان يحذر ثم يحذر لغة العامة ومنها اسرته و اقاربه و اصدقائه بل هي لغته هو أيضا و ان يتحدث بطله المتشرد الأمي البائس- اذا سمحت له المصنفات ببطل كهذا- ردا على الشرطي الذي يناديه قائلا وهو يحمل بندقية كلاشنكوف
- قفْ، يا أيها المتشرد الزنيم.
فيرد له المتشرد
- أفٍ أيها الشَرطِيُ، و أمي و ابي ، لست بواقف، فلتذهبا انت و بندقيتك الى الجحيم.
وانشأت الدولة مؤسسة بغيضة لرعاية هذه المحنة، و اطلقت عليها اسم المجلس الإ تحادي للمصنفات الفنية و الأدبية ، و زودتها بقانون، وسلطات تقوض كل التشريعات الأنسانية التي تكفل الحريات، كالميثاق العالمي لحقوق الأنسان، و الدستور السوداني ، وفاتورة الحقوق وغيرها، به سادة أشداء قد يفقهون في أمور كثيرة غير الرواية و الشعر و القصة، يصدرون احكاما نهائية كأنها منزلة، لا يتراجعون، لا يعترفون بجهلهم، لا يرحمون، يصادرون و يحرقون و يمزقون،يضربون بيد من حديد، ولا تأخذهم في ذلك لومة لائم.
وقد قام هذا المجلس بمنع نشر و مصادرة عشرات الأعمال الأدبية و الفكرية بالسودان، وهو يعد من كبريات المؤسسات الراعية لتكبيل الأبداع وعرقلة حركة النمو الثقافي في السودان، ويظل للأسف الناقد الأول للعمل، معتمدا على نصوص القانون وظنون الفقهاء ، بدلا من النظرية النقدية وضلالات باختين و دريدا وغيرهما من النقاد.
وقد ينجو الكاتب أيضا من تلك المحنة بمهارتاته التي اكتسبها من هراوة الشرطي و فأس مجلس المصنفات و مثقاب الرقابات الأخرى، ويتكرم المجلس له بتسريح لنشر العمل المكلوم، بعد حذف ومسح وشطب و قطع، تشذيب وتهذيب يضر بالعمل ضررا بالغا، ويخرج منها كفـأر هرب من مختبر بيلوجي، لتطل المحنة الثالثة برأسها، رحلة البحث عن ناشر. والناشرون في بلدي ناشران. ناشر يأخذ الكتاب و يطلب من الكاتب ان يشاركه قيمة الطباعة، لأن الكتب عادة ما تكسد و لا سوق لها، وهو سوف يشاركك المغامرة التي هي خاسرة خاسرة، وما يأخذه من الكاتب كمشاركة في النشر هو في الواقع مبلغ يساوي تكلفة النشر مضافا إليه بعض الأر باح القليلة المدفوعة مقدما. والناشر الآخر يشرح لك بإستفاضة انه لا يستطيع ان يعطيك اية شيء مقابل ان ينشر كتابك ولا يطلب منك مالا ولكنه سيعطيك بعض النسخ الإكرامية بعد النشر- ويظل بعض الناشرين- يطبع من كتابك الآلاف ويبيع في كل معارض الدنيا، وانت لا تربح مليما واحدا، وعليك ان تشكره بين الفينة و الأخرى لأنه تكرم عليك بالنشر، فالكتاب لا ينباع هذه الأيام. والحال ذاته في النشر بالجرائد و الصحف و المجلات الدورية وغيرها كلها لا تدفع لك شيئا، فالأدب مثل الفضلات لا تُباع، انما يُشكر من ساعدك على التخلص منها. وللحق هنالك بعض الناشرين الذين لهم طرائق أخرى، ولو أنهم قلة، قد يجد الكاتب منهم بصيص فائدة ما، ولو ان جميع الناشرين ليست لديهم هيئة تحرير أو لجنة قراءة ولا حتى مصممين خاصين بدار النشر، مما يجعل الكتاب المنشور دون المواصفات العالمية حتي ولو بذل الكاتب و الناشر قصارى جهدهما في تجويده، يظل الكتاب معاقا وبه من العيوب الكثير، فحسن النوايا وحدة لا ينتج كتابا جميلا.
و سيندهش القاريء اذا عرف انه ليس بالسودان الى لحظة كتابة هذا الشيء 2010-05-21 اية مجلة ادبية او صحيفة مختصة بنشر الأدب، خاصة كانت أم حكومية، و انه ليست هنالك وزارة ثقافة بالمعني المعروف، وتوجد وزارة تسمى وزارة الثقافة و الشباب و الرياضة، واعلن احد وزرائها في صحيفة ما انه لا يشترط على وزير الثقافة ان يتعاطى الثقافة، اي ان يكون مثقفا، بالتالى تهتم هذه الوزارات بكرة القدم ، ولو ان الحال في مجال الكرة ليس بأحسن منه في مجال الأدب إلا ان بالسودان حاليا ما لا يقل عن عشرين صحيفة يومية مختصة بكرة القدم، والمفارقة المضحكة المبكية توجد بالبرازيل تلك الدولة ذات التاريخ الحقيقي في كرة القدم ، صحيفة رياضية واحدة فقط؟
بعض الكُتّاب – شخصي واحد منهم- ندعي العبقرية في التحايل على محنة النشر، فالناشر الذي يقوم في الغالب بنشر أعمالي هو مكتبة الشريف الأكاديمية، لدي اتفاق غريب معه، وهو ان يعطني ثلاثين في المئة من الكتب التي يقوم بطباعتها، على أن أوزعها بطريقتي الخاصة. بالرغم من أنني حتى الآن لم اجن شيئا من الكتب التي اقوم بتوزيعها بنفسي في مدن وقرى السودان إلا انني استفدت كثيرا من تجارب السفر و الشوف و الأمل في ان أجد مبلغا ولو يسيرا من المال مقابل ما اكتبه، في الحق اصرف على الكتابة الكثير من الوقت و الكتب و مصروفات الأسفار الطويلة، و اتحمل في شأنها الشتائم و التشكك في اخلاقي ، هنا نعرج لمحنة اخرى وهي الظن العام في ان الكاتب يكتب تجاربه و مغامراته لا غير، وإلا من اين له بكل تلك الحكايات الضالة؟ وهذا يتطلب من اخواتنا الكاتبات عندما يكتبن ان يتجنبن الخوض فيما يجر عليهن تهمة الإنحراف، ويثير حفيظة ازواجهن و اخوانهن و انف المصنفات الكلبي، و المحنة في ان الكاتب كلما تجنب شيئا ما لمخافة ما ، فانه ينحرف بعمله نحو هوة الضعف الفني .
ومحنة النشر خارج السودان بالمجلات و الصحف الرصينة التي تدفع مقابل مادي عن النشر، مثل مجلة العربي وغيرها، محنة شائكة، لدي تجربة وقد خاضها قبلي استاذي مبارك الصادق، وهي ان مجلة العربي ترسل شيكا مسحوبا على البنك الباركليز، وفي السودان لا يوجد مثل هذا البنك، بل محرم تماما التعامل مع البنوك الأمريكية وتوجد قائمة سوداء لأخرى. ولقلة المبلغ فانك لا تستطيع ان تقوم بمحاولات اخرى تجعلك تتحصل على قيمته، لأن تكلفة صرفه أكبر من قيمته، لذا احتفظ الآن بشيكات مجلة العربي باليورو داخل شنطتي، للذكرى العطرة وانا في اشد الحاجة للمال الذي تحويه. أما عن اعمالي الصادرة باللغة الفرنسية فإلى الآن لم يستطع الناشر- ولا أنا- ان يفهم لم لم يكن سهلا امر تحويل نصيبي مباشرة لحسابي في السودان.
بعد ان يتخطى الكاتب كل تلك الحواجز، مثل ثعلب عجوزيخدع الشباك التعبة، يقع في شرك النقد، وهو محنة سوف لا ينجو منها بالسهل، فالنقد في السودان- في كثير من الأحيان- يقوم على المزاجية ، الشللية، الأخوانيات و احيانا البلديات و الحزبية الضيقة جدا، على الرغم من ان جيلا من النقاد يمتلك الكفاءة العلمية، اي تخرج من كليات النقد، بل ان كثيرا من حملة الدكتوراة في هذا المجال قد شرفوا الساحة الأدبية، إلا ان حركة النقد مازالت بطيئة وغير فاعلة، بل تصبح في احيان كثيرة معيقة لحركة الأبداع ، حيث ان ميكانزم الشلة، منذ سنوات قليلة كان يعمل على انتاج كُتّاب الشلة، وفي سكته هذه قد يقوم بتجاهل كتابات كثيرة جيدة، تجاهلا متعمدا،وقد يسحق تحت حوافرة العجلة كُتّابا مثابرين كان يُرجى منهم الكثير،ليلقي الضوء على تجارب فطيرة فقيرة، حالما يكتشف القاريء زيفها منذ الأسطر الأولى.
واذا كان الكاتب يتمتع بروح كديس بري، ونجا من كل تلك المحن و الإحن، فما ينجيه من الجرى اليومي وراء لقمة العيش الذي يلهيه عن القراءة و الكتابة و المنتديات عن السفر؟ وكما يقر بول الوار بأن "الخبز خير من الشعر"، اعتصم أكثرهم بوكر الخبز.
سألت مرة ابني الصغير اسمه المهاتما، عمره ثمانية سنوات
- عندما تكبر، عايز تكون شنو؟ اي ما هي امنيتك؟
قال بسرعة وكانه يعد الإجابة مسبقا
- عايز اكون كاتب مثلك!
وعندما سألته لماذا يريد ان يصبح كاتبا، قال لأن الكاتب لديه مال كثير و لديه عربة. وحتى لا يضيع ابني في الوهم الأخضر كما ضاع ابوه، اخذت اشرح له، بأن العربة التي اقودها هي عربة المصلحة التي اعمل بها، و ان النقود التي ادفعها يوميا من اجل توفير الطعام له و لأخيه، هي ما تدفعه لي المؤسسة مقابل ان أعمل الوقت كله لها، وشرحت له انني اذا اردت ان أعيش ككاتب،اكتب و أقرا واقدم الأوراق الأدبية و أحضر المنتديات، عليه و اخوه ان يتوقفا عن الذهاب للمدرسة و يتسولا في الشوارع، ونصحته بأن تكون له امنية أخرى اذا اراد المال و العربة و الحياة الرغدة الطيبة، سياسي مثلاً او ناشر كتب.
ولكنه اصر على امنيته في ان يصبح كاتبا، بالتالي كتبت هذه الواصايا الإحدى عشر من أجله:
- عندما تكتب عليك ان تنسى ماهو دينك او حزبك او قبيلتك، عليك فقط بالنص.
- لا تتردد مطلقا في ان تكتب اية كلمة تخطر ببالك اذا كانت لها ضرورة فنية.
- عند لحظة الكتابة لا تهتم مطلقا بكل ما تعلمته من فضائل وقيم و اخلاق، اهتم فقط بالإنسان، بالقيم التي تخصه و الأخلاق و الفضائل التي تخصه، اقصد الأنسان الذي تشكله في النص .
- لا تفكر في النشر إلا بعد ان تفرغ من الكتابة، لآن التفكير في النشر يجر الى التفكير في ما يجب ان يكتب و ما لا يجب.
- انس كل القوانين التي تقيد كتابتك وتحد من حريتك.
- ضع العالم في جيبك و انت تكتب، امتلكه كله ، زمانا و مكانا.
- استخدم اللغة التي تروق لك انت شخصياً.
- لا تتبع غير الموسيقى التي تنبع من ذاتك، الموسيقى التي تخصك،الموسيقى التي هي جزء منك و انت جزء منها.
- تذكر مقولة بودلير" لا تخلط الحبر بالفضيلة".
- لا تنسى وصية جدتك فرجينيا وولف " كل الموضوعات تصلح للكتابة".
- في غمرة الكتابة لا تفوتك الحرفة، اقصد فن اللعبة، لأن الرواية ليست هي الحكاية ولكنها فن كتابة الحكاية، وكذلك الشعر، القصة و الرسم.

في مصر كنت قد التقيت قبل سنوات كثيرة، بصديق درسنا الجامعة معا بمدينة اسيوط، اسمه احمد خالد وهو روائي وقاص مصري مشهور، سألته عن حاله و احواله ، قال لي إنه الآن متفرغ للكتابة، واندهشت جدا لهذه الجملة التي لا توجد اطلاقا في قاموس الثقافة السودانية.
وسرحت بخيالي في اسئلة عصية، من اين يأكل هذا الشاب، كيف يوفر مصروفه الشخصي ولحسن حظه انه غير متزوج ولكن من يدفع له ايجار الشقة؟ وكنت أعرف انه لم يكن من اسرة ثرية او بقايا باشوات. وعندما شاهد دهشتي، قال لي إن هذا الشيء عادي تماما في مصر، و لقد فرغتني المؤسسة الحكومية التي اعمل بها، انا اصرف مرتبي شهريا و اذهب للمنتديات و اقرأ و اتسكع و أحب من اجل ان اكتب روايتي الجديدة في عامين كاملين. قارنت هذا بأديبنا الأعظم ابراهيم اسحق الذي ظل يعمل و يكتب اكثر من ثلاثين عاما و الى اليوم، قارنته بأستاذنا الروائي و القاص عيسى الحلو وهو على مشارف السبعين واذا لم يذهب للجريدة سيموت من الجوع ويطرد من بيت الإيجار، بذات الحال الروائي و القاص مبارك الصادق، الناقد مجذوب عيدروس، الشاعر عالم عباس، و الناقد عبد القدوس الختم الذي لم يقعده عن العمل سوى المرض، القاص بشرى الفاضل وكثيرون هم الآن فوق الخمسين أو الستين لم يتفرغ اي منهم ليوم واحد من اجل مشروعه الأدبي، وإلا اصابتهم لعنة المسغبة ، ولأن هؤلاء الشيوخ الذين افنوا جل عمرهم في خدمة الأدب و الثقافة لا يشملهم التأمين الصحي و ليس هنالك ضمانا اجتماعيا يحمي اسرهم ، فكثير منهم مات محبطا بأتفه الأمراض مثل القاص زهاء الطاهر و الروائي محمود محمد مدني صاحب الدم في نخاع الوردة،و القاص بدر الدين عبد العزيز وتركوا اسرهم للريح، بذلك ينقلون محنتهم اقصد لعنتهم ككُتّاب الى اسرهم من بعدهم، وهم السابقون و نحن اللاحقون. تخليوا الروائي الفذ الطيب صالح اذا تفرغ للرواية بعد كتابة رواية موسم الهجرة الى الشمال في اوائل الستينيات من القرن الماضي ، دعنا لا نتحدث عن جائزة نوبل، لأنها كما يقول الأستاذ عنها "حظوظ"، ولكن كم من الروايات الجميلة كان سيكتب وكم من القصص الساحرة؟ ولكن كان ابو الرواية السودانية فقيرا ايضا، وظل يعمل الى ان اقعدته الشيخوخة والمرض عن العمل ثم تفرغ مجبرا في اواخر ايامه.
فكرت ذات مرة- كثير من الأفكار الشيطانية نتابني بين حين وآخر- أن اتفرغ للكتابة سنة واحدة فقط، تبدأ ب 30 مارس 2008 و تنتهي ب 30 مارس 2009، وكان حينها قد انتهى عقد العمل الذي يربطني بالأمم المتحدة و منظمة رعاية الطفولة السويدية كمستشار لحقوق الطفل بدارفور، وكانت بجيبي بعض الجنيهات حصيلة عمل شاق وخطر استمر لثمانية عشر شهرا مع قوات حفظ السلام الأفريقية ثم الجيش السوداني، وفكرت عمليا وسريعا في ان استثمرها في مشروع صغير يوفر لأطفالي مصروفات السنة التي سوف اقضيها للعمل النهائي في مخطوطة رواية الجنقو مسامير الأرض، وكنت متفائلا جدا، وطيبا جدا، و اكتشفت فيما بعد انني كنت غبيا جدا، عندما اودعتها جميعا، في مشروع كانت خسارته داوية بعد ثلاثة اشهر فقط،ولكنني قررت ان اظل متفرغا الى بقية العام، لذا قمت بعمل خفيف وهو ان اصمم اقمصة من اقمشة القطن و ابيعها للمثقفين بأماكن تجمعاتهم، لقد كنت في صباي اعمل تلميذا لخياط في بلدتي بخشم القربة،وامتهنت فن تصميم الأزياء ذات فقر من قبل ، اي كانت لدي فكرة لا بأس بها في هذا المجال، وفشلت محاولات اخرى كثيرة من أجل توفير لقمة العيش، ولولا نجدة الأصدقاء و الصديقات، لولا الصبر الذي تعلمته من امي، لولا مهارتي في إدارة الجوع و الفقر، لما اتممت العام متفرغا للكتابة، واعتبر ان تلك كانت مغامرة كبيرة سوف لا اكررها فيما بعد.
إذا،كيف يبدع الكاتب السوداني وهو في دوامة تلك المحن، و محنة الكاتب السوداني تقود الى محنة الأدب السوداني بالضرورة،و تبقي حقيقة واحدة مهمة، من جراء كل تلك المحن، يصبح "الكاتب السوداني مشروع فاشل لكاتب عالمي".
عبد العزيز بركة ساكن
19- 5- 2010

2010/04/11

السلطات تصادر رواية الجنقو مسامير الارض


الجنقو مسامير الارض رواية بركة ساكن
فازت بالجائزة الاولى فى مهرجان الطيب صالح للابداع الروائى
فى نسخته السابعة 21 / اكتوبر 2010
بمركز عبد الكريم ميرغنى الثقافى - امدرمان
لها اكثر من شهرين وهى حبيسة المطار
اول امس ارسلت المصنفات الادبية خطابا الى المركز
بمنع دخول الرواية السودان

2010/03/15

صَلاةُ الجَسَدْ - خاص كيكا

أبناؤنا المشردون علي جسدك الحار. أنتِ مُسجاة هنالك بكامل إرادة الوقت والقهوة. بكامل صُراخ العُشيبات المُصطفاة في سبيل النشوة يمهدن سُبل الرب. ينشدن صلاة الجسد:

أُحبك أُحبك أُحبك، ألف نجم وطائر، زرافة في سافنا كُوما قنذا الغنية، و أنت مثل ماء يتدفق بين صخرتين طيبتين كأحجار مُوسى، تبعثرين جسدك في المكان. تتشهين الشيء أن تذوبين فِيَّ. و مثلى كما لم يعلمه اللهُ، خائن وماكر، لا يثق في حنين يموء كهر جبلي شبقْ.

صلاة لأجلك وحدك، أقلد فيها إفك الحمام وصدق الذئاب و فُسق الدجاجات و أبكي. لأني أغني بصوت وأبكي بصوت و أجني ثمار النهود التي تزهر فيك بصوت. أدعو و أعلم أنَّ الإله يجيب دعاء الشقي.

أصلي صلاة الجسد، لرب يظلل ليل البنات الجميل بجنحيَّ، و أنت البنياتُ ينمن في خاطري، يخافن الرجالَ جمعياً إلا أنا الوحيد في جوقة الجوارح يعطي الطمانينةَ و الخوفَ و الجنَ وشهوةَ الأنتشاءِ بِذَاتِ الألمْ. أصلي لأجلك صلاة الجسد، لا سُورة تُقرأ، لا توراة، لا أنجيل، لا كماسترا، لا مشيل فوكو أو فوكوياما، لا فيدا، لا سرديات كتلك التي في كتاب الموتى، لا النِفرى، لا شيركو بيكا س،لا شيخ سنار التقي فَرَحْ،لا سياب روحي، لا دون جوانٍ خليع. ليس سِوى بُوذا ينقط ميلاد عيسى المَسيح بحبر اللوتس. يدير بوصلة القيامات و الأمهات الجميلات إلى وقتنا المُتَقِدْ. صلاة لأطفالنا في الجسد. مابين صدرِك و نهدِك و نعليكِ، مابين شاربِ اللِذةِ و سِكْينكةِ الجنجويد في رقاب المساكين. أصلي لأجلك صلاة الجسد، مثل النخيل يلطف وجه السماء المحرَّق بالشمس و الأنتظار. مثل الدليب و الدوم، تعلو بأوراقها و تُسقط أبناءها كأبنائنا المشردين في الأرض. أصلي لأجلك وحدك صلاة الجسد. أمنحيني صلاة تصلي لأجلك، لأجلك وحدك صلاة الجسد. كُنَّ في الليل و الغربةِ نفس المسافة مابين ليلِ وغربة. نفس الجسد.

أحبك، أحبك، أحبك، أحبك كثيراً كحبة رملٍ، كذرة تِبرٍ و حنظلْ. أحبك جداً كشدوِ طُيورِ الكُلجْ، كوخذ ضمير الحمام. أحبك أيضاً و أني و لكن و ثم وبعد وليت التي ثم ماذا و كيف. صلاة لأجلك وحدك، كأطفالنا المشردين في الجسد، بلذة الرمل الذي نغني له: أحبك وكنا يمر القطارُ بعيداً رويداً رويداً، تهمسين لي:

"بِحُبْ. حَبِيبي، بِحُبْ"

أمدُ يدي للسماء و قلبي، استعين بشيخي و سيدي النِفّري، بالمواقف و المخاطبات، أصلي و أسلّم، أشبعُ الوقتَ و الميتين. رأيتك عند الصباح البهي تحلبين النِعاج، تثقو بلحن سُليمان النِعاج، نشيداً لأنشاد الجسد. كنت تنثرين وردَك ملء المساء. كغاردينا البعاعيتِ مسمومة و مشتهاة. يفوحُ عطرُك يسكر شهوة الأنتعاظ الغبي لدينا، "وحش السرير الزنيم"، وأنا مثل غُنِ يهيم بزوجة ملكٍ، وأنت سُلطانةٌ تغوي خلاً يَخُونُ و يوفي بِحُبْ. يغني: لنا ما لنا من حنين لنا، لنا ما لنا من جمال.

يا هذه، يا مجدلية الروح، يا مريمي، ومريمي الأخرى و فاطمتي.




2-1-2010

الدمازين

امرأة - خاص كيكا

كان الشَرَطِيُّ النحيف، الشاب، الذي يَقَدِّرَ عمره كل عام "بعدة سنوات" منذ ان تجند في الشرطة وهو في عمر الخامسة عشر، يقف في المسافة القانونية التي اوصاه بها القاضي التقي ود كُشيب، و المقصود هنا مولانا حسن النوراني ود كشيب، وكشيب في مُخيلة سكان غرب السودان تعني المريسة، وهي مشروب ريفي لذيذ مُسَكِر جدا مغذي جداً له طعم كل الفاكهة دونما تمييز ورائحة أشياء شتى من بينها عفن الخبز ،عبق نوار شجرة السيَّال و البيرة، وله لون الرمل النقي. كان الشرطي يُمسك بسوط من جلد فرس البحر سميك يزن خمسة ارطال بالتمام، ولقد تمَّ وزنه أمام الحضور حتى يكونوا شهودا على شفافية و نزاهة المحكمة و دقة تطبيق القانون أو كما يطلق عليه البعض بين فينة و أخرى الشرع،يحس بثقل السوط في عظمة كتفه،ونعومة ملمسه في بطن كفه، ربما تسرب للمقبض بعض الزيت الممزوج بالقطران. و الحق يُقال، لم يكن للشرطي اية نوايا طيبة او ميول فكرية ملتوية، او نزوة تقوى انسانية توخذ ضميره العسكري الصارم، يشهد له اختياره ان يكون جلاداً على ذلك، ولكن ما حدث للشرطي وهو يقف تلك الوقفة القانونية الجيدة، ويمسك بالسوط بتلك الشرعية الصارمة، ويتجاهل احساسه بثقله في كتفه، كان شيئاً غريباً حتى على الشرطي نفسه.

النَطَع عبارة عن طاولة من الخشب في طول الشخص العادي، وروعيت الدقة في ارتفاعها عن الأرض وعرضها ايضاً ولو انه تمّ فرشها عَرَضَاً ببطانية عسكرية قديمة تفوح منها رائحة صُنان عتيق. لم يجدوا نصا قانونيا او شرعيا ينفي او يدعم الشكل الهندسي للنطع المستخدم الآن، ولكنهم اجتهدوا فلهم اجر المجتهد مرة واحدة إذا أخطأوا و مكرورا إذا أصابوا. طالما كانت نواياهم سليمة، و الأعمَالُ كما قِيّلَ بالنياتْ.

عندما خرجت سيدة من البيت للمدرسة، وسيدة لمن لا يعرفها معلمة في ثانوية للبنات بامبدة في امدرمان، كانت قد راجعت مظهرها الخارجي بدقة، فهي تحرص على ان تكون مقبولة من الجميع و ألا تثير الرغائب بصورتها الخارجية، فهي تكتفي بأنها عميقة في ذاتها و تفكيرها وتكتفي بما تحسه من امان وحب من قِبَل حبيبها الأخير حسبو، الذي يقبلها و يعجب بها بما هي عليه، وهذا يجعلها أكثر توازناً. لذا اختارت ان ترتدي بنطلونها الأبيض الأنيق، الذي يحبه ايضا حسبو، بالإضافة الى انه لا يعري ساقيها عندما تعتب سلم حافلة المواصلات العامة او عند الهبوط منها، وهي عادة لا تلبس شيئا تحته، لأسباب ايضا متعلقة بالمظهر الخارجي، واختارت جيبتها الطويلة المخططة بألوان مائية هادئة،راجعت بسرعة ضفائرها الممشطة بالأسلوب الأثيوبي منذ يومين، جلست طويلا كعادتها في المرآة، وضعت تلك النقطة الهامة من الروج على جانبي فمها، هي تفعل ذلك منذ عشر سنوان اي منذ ان اكتشفت ذلك الظل في زاويتي فمها،وبالأحرى منذ ان نصحتها احدى صديقاتها انه عليها إخفائه بتلك الطريقة، كانت سيدة تفعل كل شيء بثقة و بحب،حتي بخات عطر فرست سكس، نثرتها حول عنقها بعناية وثقة. تركت لأمها مصروف البيت، تحدثت قليلا مع والدها المريض، الذي كرر طلب الأمس غير المنجز المتمثل في زجاجة العسل الطبيعي الذي لم تتحصل عليه سيدة. قبل ان تخرج نهائيا من البيت تفقدت محتويات حقيبة يدها الصغيرة، وتأكدت ان بها كل شيء، اهمها الروج الذي تحتاج اليه بعد الإفطار، وبعد وضوء صلاة الظهر و بعد ان تلتقي بحسبو في نهاية يوم العمل الذي سيقوم كعادته بطريقته العجيبة في التقبيل بلحس الروج، وانفها ، عينيها ،شفتيها ولسانها بدون تمييز.

طلبت من القاضي ان يسمح لها بتغطية وجهها، ولكنه رفض طلبها لأن فضحها امام الناس هو جذء هام من العقوبة ولا يمكن استبداله بالسجن أو الغرامة ولا حتى بمزيد من الجلدات،بالتالي وضعت كفتيها في وجهها ورقدت بالطريقة التي رأى الجلادون انها القانونية و الأمثل. لسيدة ارداف كبيرة وجميلة، وقد رعتْ ورَبَّتْ والدتها هذه الأرداف منذ اليوم الأول لميلادها،وفقا لطقوس قبيلتها، حيث ان المرأة في ريفهم تحمل جرة الماء على ظهرها مسنودة على ردفيها، ومن ليست لها ارداف فإنها سوف تجد صعوبة عند القيام باهم واجبات المرأة تجاه اسرتها، وهي توفير مياه الشرب. لذا كانت الأمهات تحرم على بناتهن النوم على ظهورهن، وتطعمهن أحسن الأطعمة. ولاحظ القاضي انه الآن أمام معضلة من نوع آخر،لم يحسب لها حساباً، ولم تسعفه التشريعات التي يختزنها في رأسه بمعالجتها، معضلة أكبر وربما أكثر حرمة من ارتداء البنطلون اللعين. فهاهو ردف ضخم يرقد على النطع، بيحلق فيه الناس و يطل عليهم في تحد، و يبدو بكل سلطاته وثوراته الأنسوية مثيرا بصورة ما كان يتوقعها هو أو محفل الرجال الذين جاؤا لمشاهدة المشق الآن، كان بنطلونها الأبيض الجميل ابيض لكنه حزينا، شعرها يتبعثر على جانبي وجهها المدفون في النطع العفن، جسدها الساخن يرتجف في صمت. عندما طلب القاضي من الجلاد ان يبدأ الضرب حتى يتخلص من ذلك الجسد الآبق، الذي أحس به يفضحه هو شخصياً، بل ويمد إليه لسانه في بذاءة وغيظ، انتبه القاضي لعيني الشرطي المحملقتين في الجسد العظيم الراقد على النطع، كان الجندي قد ذهب بعيدا في السنوات، مباشرة الى امه، وكان يسمع صوتها عاليا و قويا وهي تقول له: الراجل لا يضرب البت، عيب يا وسخ، عيبْ. ولكنه أيضاً كان يتخيل نفسه منبطحاً علي ذلك الردف الأسطوري الحزين، كان يراه عاريا منتصبا كطود من اللذة، تذكر اخته أيضاً، تذكر زينب، تذكر صورها التي ارسلتها له من بريطانيا وهي في جينز محزق على جسدها كانه جذء من جلدها وهي بين اطفالها وزوجها. عندما انتهره القاضي المرتبك للمرة الثانية او الثالثة أو العاشرة لا يدري، انتبه الشرطي الى ضحك المتفرجين عليه، فرفع الصوت ذا الأرطال الخمسة عالياً جداً، لم يحس هذه المرة بثقله في عظمة كتفه، بل في سويداء قلبه ، و أنزله بكل قواه في وجه القاضي مباشرة، وقبل أن ينتبه الحرس و الشرطيون الآخرون ويتدخلوا لإنقاذ القاضي كان قد مشقه ثمانية مرات في ذات الوجه و الرأس و الكتف و الظهر، و ألحقه بمشقتين لئيمتين مبرحتين في اردافه وهو يهرب سابحا في بركة من الدم و الصياح، محتميا بالمتفرجين، الذين يبدو انهم كانوا في غاية الأستمتاع أو الدهشة.



26-1-2010

صوت الظلام - خاص كيكا

يمر الظلام خلف القُطِية الكبيرة على أطراف أصابع رجليه اللينة، يمسك أنفاسه في قسوة لا تخلو من طرفة ومرح، أنا والقط، نسمع وسوسة العشب الناضج لأصابعه، أسمع همس الأفكار الشاسعة التي تعصف في عقله بالكلمات الموزونة وعبارات قُبرات الليل والصراصير المتمدنة البليدة..

يسمع القط لا شئ، يمر الظلام خلف ألف قطية كبيرة ومزيرة، والجميلة النقية سوف لا تحمل قفاف الحياة وسلال المرح مرة أخرى يشتاق إليها الدرب وطلائع الليل الغبشاء، كلبان يبحثان في الكوشة المنزوية عند الكمبو الصغير، رد السلام وتفقد الجيران والأصحاب وأخبار الحواشة، الحزن .. الفجر.. الجان.. سائق الكارو.. مورد الخضار.. يمر الظلام ناعماً، أسود، ترقص أجنحته البيضاء فتثير الورود الناعمة وأشجار اللوسينا العالية المتعالية تقبل ملائكة قريبات من لعبة الطفل، مثل عصفور ضلّ بوصلة الطبيعة كنت وما زلت أجوب البحار عائداً من طروادة روحي.. آهـ.. أهـ..

كم أغنية وكم أغنية وكم أغنية..

مسكينة قفة السوق إذ لا تجد إجابة لدهشتها عن الصباح.. لماذا أنا هنا.. أين الصديقة والرفيقة ابنة الدرب والقعاد؟!

ولماذا تصرخ النسوة يرمين بسوقهم العجلة على الدفلات ولا ينتبهن للقطط الصغيرة بين هنا وهناك..

مسكين جداً الليل يحبو خلف القطية الكبيرة تلاحق أنفاسه التعبة الخائفة، اسمع همس الليل في أذن الظلام، قوالاته ووقفته، اسمع دقات قلبه البيضاء الرقيقة مثل قول أحبك، المتوحشة.. نعرف أن عدَّ العمر ذرةً نقطةً يعني الكثير بالنسبة للقلب، وأنه خالٍ من الأصفر والأحمر والبنت، القلب أبيض كالأسفلت وأنا والقط وحدنا يخيفنا همس الليل في أذن القط، يخيفنا النداء..

ـ من؟!

ـ ماذا؟!

ـ الملك؟!

)يمكن دا الموت(

دعونا نذهب إليه، أين هي أحذيتنا القوية الدافئة، فلنتركها في البيت تحت عنقريب الراحة، أين هي ستراتنا، فساتين الجمال، أقمصة النوم، البناطلين القوية القطنية الزقاء، أين القطع السوداء الحميمة التي تغمض عينيها خجلاً عندما تلمسها أصابع الآخر المعرورقة المرتجفة، فلنغلق عليها دولاب الملابس، أين الأصدقاء، دعهم يذهبون إلى العمل، قد لا نحتاج إليهم..

فقط نحتاج بتهوڤن، المقطوعة التاسعة يطرق الباب؟!

أنا والقط عازفان وحيدان بغير إناث وأطفال وأحذية ذات كعوب عالية..

بغير بقايا خصل على الفراش.. نخاف همس الليل في أذن القط ولا شئ يقضي على جرأة الليل.. سوى صوت بتهوڤن يخترق الأشياء..

قال لي القط (تستدير عيناه وتستطيلان وتتثلثان في آن وأحد(

ـ لا يستطيع كل رجال العالم أن يصبحوا أنثى وأحدة.. ولا حتى قطة صغيرة عجفاء..

ابتسم، فتبدت أسنانه السوداء مثل حبات من الجواهر المسحورة، فأخافتنا أكثر أنا والقط لم نكن في يوم ما وحيدين.. كان دائماً معي، وكنت دائماً معه..

رجلان، أو قطان، أو..

قط ورجل، لا تدهشنا أية امرأة لا نعرفها ولا نتشهى غير أن نُترك وشأننا لا نبوءات أو قصص..

ينتفض القط إذا سمع النداء، يقعد فوق المكتبة، الكمبيوتر، تربيزة الطعام، أشعار ناظم حكمت، صورة الأسرة، فانوس المذاكرة الكهربائي المشاكس، ديوان ابن الفارض، دولاب الملابس، فوق رأسي تستطيل، تستدير، تتثلث عيناه، يبتسم فتبدو أسنانه أكثر سواداً ورعباً فتخيفنا..

أنا والقط لا نطمئن للمناداة بعد العاشرة مساءً..

لا نطمئن إلى النساء..

القط و..

أنا..

2010/03/14

العالم لا يشتم صراخ الأرواح بدارفور

اشتم بأنفي الأصوات، و انفي لغتي بين المعنى والمبهم، انفي ثرثرة الأضداد، أنفي أسئلة لإجابات توغل في الإبهام وفي التأريخ.
جاؤا في الصمت، كانوا جندا و صراصير قتله، كانوا زرا زير أبابيل، وأنا أقود قبيلة جدي لهدم الغفلة اركب فيما يركب أبنائي فيلاً، في السر توسوس لي نفسي أن افعل، أن اطرد من ارضي شبح الموت الآثم: الموت؟ يقول جدي عبد الكريم إدريس آدم: الموت الكافر.
كانوا ما يسميه السحرة جنجويدا، حكاما وسلاطين و مسلمين من عرب النيجر و جمهورية شاد، مثل جراد من طينة جن و كلاشنكوف، مثل أزيز الطلقة و آآآآهةِ سيدة مغتصبة، ونسائي العشرين و بناتي التسع و أولادي الخمسون، سكارى من عطر البارود وجدي يعلن أن النصر في حد الصبر و تقبيل النار، يعلن أن الله يؤرخ للقتلى بدماء نحيب المغتصبات، وانفي تشتم كلام الله، مثل نبي يتسول في العرش يندس بين حروف العلة و المجرور، يحسبه الحراس ذبابة تقوي، واحسبه موسيقي تدفيء روحي في الجنة بنار الإفك
بلدي دارفور، ووطني ما يخرج من مَنِيٍ حامض من سُرة جدي، أمي تحبل بالأحجار و بالماء وعلى عينيها بقايا ما ترك الجند من الليمون و اليوسفي على شاطئ خور معوج كثعبان، بلدي لغتي كذاكرة الأطفال تهوّم بين السحر وما بين الأحلام و بيتي، تحبل امرأتي بالطين و بالشمس السوداء الشبقة، وطني حيث تنبت في النطفة امرأة و رجال وهوام.
لن يقتلنا الموت أو الإهمال، لن يمحو ذاكرة الأرض تبول ناقتهم في الرمل، فالرمل يقاوم مثل البنت ومثل اللغة و انفي.
صباح الخير، العالم يغشاه نعاسٌ، العالم لا يشتم صراخ الأرواح بدارفور.

بركة ساكن كاتب من السودان
8-3-2010
خاص فوبيا

2009/12/07

المهمة الأعظم - خاص كيكا

قبل سنوات قليلة من الآن، أي في عام 2007، كنت أعمل مترجما للبعثة الإفريقية العسكرية في دارفور، تُسمى حينها AMIS وتحولت أخيرا إلى UNAMID،أي بعثة الأمم المتحدة في دارفور، ويقرأه بعض الوطنيين Unnecessary Mission In Darfur أي البعثة غير ضرورية لدارفور، بدلاً عن United Nation Mission In Darfur كما يجب أن تُقرأ. أعمل مترجما مباشراً للآنسة باتريشيا كيمبو، وهي امرأة شابة وجميلة من زمبابوي تمثل رئيسا لشعبة حقوق الإنسان بالبعثة الإفريقية.
الوقت عصراً، وكنت واياها نحتسي الشاي بخيمتي، وننتظر أن نُطْلَبْ بواسطة الراديوالى الخروج للمهمة، حيث ننتظرها منذ أيام، وهي مهمة روتينية، إلا اننا هذه المرة كنا نحس بمرارة حارقة في أنفسنا، ويعذبنا تأنيب ضمير عصي. فقبل أسبوع وصلتنا أخبار مؤكدة عن تجمعات لمليشيات الجنجويد جنوب زالنجي. وهذا دليل على أنهم ينوون القيام بشيء ما، ولكنا قبل ساعة عرفنا أنهم يتوجهون ألى قرية ضُلاية، وهي قرية صغيرة سكانها حوالي الألف نسمة، معزولة بين أودية وجبال كثيرة، كان يسيطر عليها المقاتلون الوطنيون ولكنهم انسحبوا منها بكل قواتهم لمناصرة الرئيس ادريس دبي ضد المعارضة التشادية التي بدأت تزحف نحوه بشدة، ويُقال إنها تطرق أبواب انجمينا عاصمة جمهورية تشاد بقذائف دوشكاتها الرشيقة، بالتالي أصبحت ضُلاية هدفاً سهلاً للجنجويدِ ومليشياتِ أَمْ بَاخَا المواليتين للحكومة المركزية بالخرطوم.
كان علينا ألا نفعل شيئاً كما هوفي ميثاق عملنا mandate، ولم نفعل شيئاً، سوى بعض الرسائل الإلكترونية بين زالنجي، واشنطن، داكار والخرطوم. ووفقاً للواجب أُعِدَتْ فُرق الطواريء، جنود مسلحون ومدرعات خفيفة وغيرها من إسعافات ودفاتر التقارير ثم جلس الجميع يحتسون الشاي، يدخنون، بيتلعون كؤوساً كبيرة من البيرة. كنا نترقب الراديوليخبرنا بأن الجنجويد قد فرغوا من غزوالقرية وانفضوا عنها، وعلينا أن نذهب بعد ذلك لحصر القتلى، المفقودين والمُغْتَصَبِين واسعاف الجرحى، ثُمَّ رفع تقريرٍ وافٍ وأمين بكل ذلك.
باتريشيا الجميلة كانت تعرف اني من نفس المجموعة البشرية التي تقيم بضلاية، وتعرف أنَّ بعض أقاربي مازالوا بها، وتعرف أيضاً أنني فقدتُ في هذه الحرب عدداً كبيراً جداً من عشيرتي، وأعرف أنها تحزن الآن بشدة لأجلي، لذا جاءت إلى خيمتي تحتسي شايها وتؤانس وحدتي، كنت أحاول أن أكون مهنياً أي كما تقول باتريشيا بروفيشنال professional، وادعي أنّ الأمر لا يؤثر على مهمتي كثيراً، وان العاطفة عابرة، والعقل هوسيد العالم، وانني ببعض الحكمة سوف اتجاوز عاطفتي. تحدثنا قليلاً عن الطعام والرمال التي بدأت في الزحف هذه الأيام. ويبدوأنها لم تستطع أن تتجاوز الجُرح حينما سألتني بصورة غير مهنية البتة.
- هل ستذهب معنا إلى ضُلاية؟
كنت أعي تماماً انها تتألم الآن، وأعرف انها تعرف انني سوف أذهب الى ضُلاية، لأقوم بأداء واجبي المهني،على الرغم من انني لا استطيع ان افعل شيئا مفيدا، حتى الترجمة تبدوغير ضرورية، لأن الجميع يعرفون من قتل من ومن اغتصب من. قبل أن أجيبها كان الراديوقد بدأ يصيح.
كل المحطات كل المحطات، الرجاء الإنتباه، كل المحطات عليها التحرك الى المحطة سبعة.
قالت لي باتريشيا ، بعد اتصال تلفوني سريع.
أنا لن أذهب، لقد إعتزرتُ، سيذهب مساعدي بيتر ميروكا لتسجيل الوقائع وكتابة التقرير، أريدك ان تبقى، اذا لم يكن لديك مانع.
أن لا تذهب في مثل هذه المهام، رحمة كبيرة، لأنك تُعْفَى من مشاهدة ما لا تطيقه النفس. والأسواء انك لم ولا تستطيع أن تفعل شيئاً مفيدا من أجل هؤلاء المكلومين، سوى التسجيل واللأسف، وإذا لم تكن مهنيا بما يكفي فالبكاء أيضاً. ولا تستطيع أن تتحمل تحدّيق عيون الجرحى، المُغتَصَبِين والقتلى، في وجهك. كأنها تحملك مسئولية ما حدث لهم. تبدوخيبة أملهم فيك واضحة كالشمس وتُقْلِقَ منامك لأيام كثيرة قادمة، إلى أن تتولى أمرك حادثة أخرى.
أحضرت باتريشيا الوايت هورس، أحلنا أرض خيمتها إلى مسرحٍ كبير ساخن وجريء، وبدأنا في المَهَمة الأصعب. التي يُطْلِقْ عليها بعض المتفائلين من بني الإنسان اسماً كبيراً مثل: مَهَمَّةُ حفظ الجنس البشري من الإنقراض.

القربة 27نوفمبر 2009

2009/10/27

الصادق الرضى يحاور بركة ساكن على موقع كيكا




عبدالعزيز بركة ساكن يحصل على
جائزة الطيب صالح
حاوره :الصادق الرضي


الكاتب عبدالعزيز بركة ساكن من مواليد مدينة كسلا شرق السودان عام 1963م، وهو صاحب رواية (الطواحين) ورواية (رماد الماء) وله مجموعة قصصية بعنوان (على هامش الأرصفة) وأخرى بعنوان (امرأة من كمبو كديس)، حقق جائزة الـ بي بي سي أكثر من مرة عن قصته (دراما الأسير) ثم عن قصته (فيزياء اللون)، ترجمت بعض أعماله إلى اللغة الإنجليزية والفرنسية، كتب أيضا عددا من النصوص المسرحية، صدر له مؤخرا عن (مكتبة الشريف الأكاديمية) كتاب (البلاد الكبيرة) في (552) صفحة من القطع المتوسط، متضمنا روايتيه: الطواحين و رماد الماء، بالإضافة إلى روايته (زوج امرأة الرصاص) التي تنشر لأول مرة، ضمن هذا الكتاب.


روايته الجديدة- لم تنشر بعد (الجنقو- مسامير الأرض) حققت جائزة الطيب صالح للإبداع الروائي في دورتها الأخيرة التي أعلنت ظهر الأربعاء الماضي 21أكتوبر بمركز عبدالكريم ميرغني الثقافي وسط حضور إبداعي وإعلامي حاشد، مناصفة مع رواية (الربيع يأتي نادر) للكاتب يعقوب بدر.
بمناسبة صدور ثلاثيته (البلاد الكبيرة) وحصوله على جائزة الطيب صالح، كانت معه هذه المقابلة.


* الجوائز..الجوائز..يا صديقي أعلم أنك حصدت بعضها هنا وهناك، خلال مسيرتك الإبداعية، قبل ايام قليلة حصلت على جائزة الطيب صالح للإبداع الروائي- مناصفة، حدثنا عن الجائزة ما ذا تعني للكاتب، ماذا تحفز فيه، على ضوء الحدث الأخير.
صديقي أنت تعلم تمام العلم ان هذه الجوائز التي حصدت لا تعني الكثير اذا قيمت من زاوية المنفعة المالية، ولحد ما الأجتماعية و الثقافية ايضا، هي مفيدة من النواحي الإعلامية البحتة ، كل ما استفدته من جوائزمجلة العربي و الب بي سي كان اعلاميا بحتا، لأن من قاموا بترجمة بعض قصصي للفرنسية و الإنجليزية تعرفوا علي عن طريق العربي و البي بي سي، والشيء الآخر هنا لا يمكن للكاتب أن يُذكر في وسائل الإعلام الوطنية ما لم يسلك هذا السلوك القبيح.
وهنالك شيء تعلمه جيدا يا صديق انني عندما افوز في احدى هذه المسابقات لا يعني ابدا انني كنت الأفضل، ولا يعني انني سعيدا بهذا الفوز او ذاك، بل كنت دائما ما أحس بخيبة الأمل.


* أين تكمن خيبة الأمل: هل في ضعف المردود المالي والإهتمام الإجتماعي والثقافي أم ثمة شعور داخلي ينتاب المبدع حينما يبدو أنه قد أنجز شيئا؟!


إنها حالة شبيهة بالغثيان، ولا ادري أهي نتاج إكتشاف انك وقعت في ذات الفخ الذي نصبته للآخرين بأن زينت لهم انك الأفضل وفي حقيقة الأمر هذا ليس من الحقيقة في شيء، او بصورة أفضل قد ينتابك شعور بأنك الآن قد هبطت إلى قاع البئر وليس هنالك ثمة امل للخروج قريب.
ولكني بيني وبين نفسي كنت أعري نفسي و أفضحني امام الآخرين، على ما أظن انها خيبة الأمل التي يحس بها الآخرون أيضاً، كم كنت مكرها يا صاح وانا اتقدم للمسابقات .


(البلاد الكبيرة) مشروع روائي عملت عليه طويلا.. كتابة وتنقيحا ونشرا وإحجاما عن النشر، هل اكتمل إثر صدوره الآن بأجزاءه الثلاثة، في كتاب واحد؟!
هذا المشروع في طريقة للإكتمال، لأن النشر ليس سوى المرحلة الثانية انا في انتظار القارئ ثم الناقد ثم ردود فعلي ككاتب، تم النشر بمبادرة كريمة من الناشر متوكل الشريف، ونحن الآن نستعد لنشر و إعادة نشر ما انجز من أعمالي الأدبية.
لكن هناك أجزاء نشرت قبلا من الثلاثية وبالتأكيد وصلتك أصداء من القراء بشكل أو بآخر بالإضافة إلى الندوات التي عقدت لمناقشة بعض أعمالك والمقالات التي نشرت عنها بالداخل والخارج!
أحلم يا صديق بأكثر من ذلك بالرغم من ضيق ذات النقد وشح ذات القراءة و مغامرة الكتابة
بالإمكان أكثر مما كان، وغدا يَعِدُ بقراء ونقاد وسكك للكتابة هي أكثر وفرة و أعمق، وطرائقنا في الكتابة سوف تصبح أكثر نُضجا وسُهولة وقرباً، كُلما يمر يومٌ نقترب أكثر من الشيء.
* روايتك الجديدة (الجنقو- مسامير الأرض) حدثنا عنها، هل هي بداية مشروع جديد- خارج (البلاد الكبيرة)؟!
هي مشروع جديد ، وانتهجت فيها سردا مغايرا ولغة مغامرة ، عملت فيه بنظام لا مركزي، في الرواة و الحقائق الفنية، و المصائر و الحكايات، عملت فيها زمنا طويلا ، عشت فيه مع الجنقو اينما كانوا، تتبعتهم الى احراش اثيوبيا و ارتريا، و مفازات السودان، و حاولت ان يكون اسلوب كتابتها دليلا لأفكارها و مجاريا لحياة الجنقو انفسهم.
* كاتب روائي أم كاتب قصة قصيرة، ما الفرق برأيك، من واقع تجربتك وإنتاجك؟!
يبدو انني مازلت اتلمس طريقي لكتابة ما، جنس ما، متاهة ما.
مازلت روائيا وقاصا، وهذا وذاك ليس سوى محاولة لتلمس الطريق، الذي بالتأكيد سوف لا ينتهي بي كشاعر: أعدك بذلك..
وهل غاب هاجس الشعر في جسم عملك الإبداعي المنشور وغير المنشور- حدثنا عن أثر الشعر أعني مستوى ذائقتك الشعرية على إبداعك الأدبي
في بقايا ليلة ما، وجدت نفسي وحيدا وحزينا في أهوال وأحوال حب شتى، أخذت قلما وكتبت (ما يتبقى كل ليلة من الليل) وقرأه الناس وظنوا انه الشعر، قرأته وظننتني شاعرا، نشرته و أحبه القراء و امطرتني البنيات بالرسائل الإلكترونية من كثير من أنحاء الوطن العربي ، حتي صبايا غزة ذاتها، بالرغم من ويلات اليومي المر هنالك، و ارسلت لي رابطة عربية تدعوني الى مؤتمر قصيدة النثر، وعندما انكرت اني شاعر قالوا إن ذلك ليس سوى حال و من أحوال جنون الشعر.
أحب الشعر كثيرا، وأعجب بولت ويتمان و جبران خليل جبران و نشيد الأنشاد، وهذا الثلاثي اثر في اسلوبي و لغتي، و تجدهم ماثلين في رواية الطواحين، ويلوحون لك بأذيالهم في ما يتبقى كل ليلة من الليل، و يمدون لك ألسنتهم في رماد الماء، ولا أدري ما يُنجيك من غبرة حوافرهم و انت تقرأ على هامش الأرصفة.
كتبت مسرحيات ايضا، هل انتاجك في هذا السياق يعد ادبيا ام هناك تجربة في الأداء والإخراج المسرحي تقف على خلفية المشهد؟
مازال كثير من المصريين يعرفونني كمسرحي، ونفذت لي أعمال بقصر ثقافة أسيوط، و نشر لي كتاب بعنوان طقوس العودة، صدقني مازلت اتلمس الطريق نحو ذاتي الكاتبة.
* ترجمت بعض أعمالك إلى الإنجليزية والفرنسية، ماهو الأفق الذي تفتح لك من هذه التجربة، ماهي مشاريعك في هذا السياق؟!
في اغسطس سوف اقوم برحلة قصيرة الى اوربا، بدعوة من المترجم اجزافيا لوفن، الذي كان في زيارة للسودان في اغسطس الماضي، هي في ذات المساعي للترجمة بصورة اوسع.
هل يمكن أن تحدثنا بشيئ من التفصيل عن الأعمال التي ترجمت لك إلى الإنجليزية والأعمال التي ترجمت إلى الفرنسية، أيضا عن طبيعة رحلتك القادمة إلى أوربا وبرنامج عملك خلالها؟!
ترجمت لي الأستاذة كاثرين استابلي استاذة اللغة الإنجليزية بجامعة لندن قصة موسيقى العظم، ونشرها صديقنا صمويل شمعون بمجلة بانيبال ببريطانيا.
ترجم لي اجزافيا لوفن المترجم البلجيكي للغة الفرنسية، قصص: طفلان وباتريشيا، موسيقى العظام، امرأة من كمبو كديس. وترجم لي قصتين تراثيتين و اصدرهما في كتابين بثلاثة لغات و القصص هي: حواية و الضبع و قصة فارس بلالة.
هنالك ترجمة قام بها –حتى الآن- مجهول لرواية رماد الماء الى اللغة الأنجليزية ووزعت في عام 2002-2003 للأسرى من القوات المسلحة السودانية من قبل الحركة الشعبية لتحرير السودان.
* من واقع تجربتك في العمل الثقافي العمل من خلال نادي القصة السوداني ومشاركاتك أو إحجامك عن المشاركة في فعاليات المشهد، انت ناشط ثقافي مناكف؟!
انا رجل قروي لا استقر على حال، ونادي القصة مؤسسة مدنية، وهنا يبدأ التناقض، وظروف عملي الصعبة حيث انني أعمل من (أجل أبنائي) ساعات طويلة بعيدا عن الخرطوم، عميقا في غابات و جبال الكرمك، هنالك حيث الحياة تبدأ الآن .
* لا نعني نادي القصة تحديدا، إنما- على سبيل المثال- مشاركتك في مشروع الخرطوم عاصمة للثقافة العربية، وما حدث مع كتابك الصادر عنها، أيضا مبادرتك نحو أن لا ينشر المبدعون أعمالهم الإبداعية بالصحف دون مقابل وما هو نحو ذلك؟!
حسنا، مشاركتي بمهرجان الخرطوم عاصمة للثقافة العربية، كان ورطة لي وللقائمين، كنت قد اقنعت نفسي بأن لي الحق في ثمار زقوم المهرجان مثل الذي يجنون تفاحاته، وطالما كتابي على قيد النشر منذ اوآخر الثمانينات من القرن الماضي، فلأدفعنه لهم، فنشرته الأمانة و صادرته الأمانة ، كان تجربة مريرة، اما فيما يخص الكتابة بمقابل في الصحف و الوسائط الإعلامية الأخرى ، فمازلت و سأظل ومعي الكثيرون و قبلي كثر و بعدي آخرون ملتزمون بذلك، إنها مسألة كرامة يا صديق، وحقوق.
*ربما كنت الأوفر حظا، من بين أبناء جيلك، حيث حظيت أعمالك بكثير من التناول النقدي داخليا وخارجيا، كيف تنظر لواقع النقد عندنا، أيضا كيف تجد مستوى النقد الذي تناول عملك؟!
اليوم النقد اكثر نضجاً و استفاد النقاد الشباب و غيرهم من حركة النقد العالمي. وتوجد اسماء كبيرة الآن بالسودان تعمل بصبر وحكمة.
نعم كنت الأوفر حظا من النقد ربما لأنني من أكثر جيلي- في الداخل- نشرا ، و لأنني اقوم بتوصيل كتبي لأقاصي مدن و ارياف السودان، بل لبعض البلدان المجاورة بمجهودي الخاص، و الشيء المهم هو انك تجد موقفا واضحا في كتاباتي، بالتالي يتطلب ذلك موقفا نقديا اما معي او ضدي، وهذا محفز للكتابة.