2010/03/15

صَلاةُ الجَسَدْ - خاص كيكا

أبناؤنا المشردون علي جسدك الحار. أنتِ مُسجاة هنالك بكامل إرادة الوقت والقهوة. بكامل صُراخ العُشيبات المُصطفاة في سبيل النشوة يمهدن سُبل الرب. ينشدن صلاة الجسد:

أُحبك أُحبك أُحبك، ألف نجم وطائر، زرافة في سافنا كُوما قنذا الغنية، و أنت مثل ماء يتدفق بين صخرتين طيبتين كأحجار مُوسى، تبعثرين جسدك في المكان. تتشهين الشيء أن تذوبين فِيَّ. و مثلى كما لم يعلمه اللهُ، خائن وماكر، لا يثق في حنين يموء كهر جبلي شبقْ.

صلاة لأجلك وحدك، أقلد فيها إفك الحمام وصدق الذئاب و فُسق الدجاجات و أبكي. لأني أغني بصوت وأبكي بصوت و أجني ثمار النهود التي تزهر فيك بصوت. أدعو و أعلم أنَّ الإله يجيب دعاء الشقي.

أصلي صلاة الجسد، لرب يظلل ليل البنات الجميل بجنحيَّ، و أنت البنياتُ ينمن في خاطري، يخافن الرجالَ جمعياً إلا أنا الوحيد في جوقة الجوارح يعطي الطمانينةَ و الخوفَ و الجنَ وشهوةَ الأنتشاءِ بِذَاتِ الألمْ. أصلي لأجلك صلاة الجسد، لا سُورة تُقرأ، لا توراة، لا أنجيل، لا كماسترا، لا مشيل فوكو أو فوكوياما، لا فيدا، لا سرديات كتلك التي في كتاب الموتى، لا النِفرى، لا شيركو بيكا س،لا شيخ سنار التقي فَرَحْ،لا سياب روحي، لا دون جوانٍ خليع. ليس سِوى بُوذا ينقط ميلاد عيسى المَسيح بحبر اللوتس. يدير بوصلة القيامات و الأمهات الجميلات إلى وقتنا المُتَقِدْ. صلاة لأطفالنا في الجسد. مابين صدرِك و نهدِك و نعليكِ، مابين شاربِ اللِذةِ و سِكْينكةِ الجنجويد في رقاب المساكين. أصلي لأجلك صلاة الجسد، مثل النخيل يلطف وجه السماء المحرَّق بالشمس و الأنتظار. مثل الدليب و الدوم، تعلو بأوراقها و تُسقط أبناءها كأبنائنا المشردين في الأرض. أصلي لأجلك وحدك صلاة الجسد. أمنحيني صلاة تصلي لأجلك، لأجلك وحدك صلاة الجسد. كُنَّ في الليل و الغربةِ نفس المسافة مابين ليلِ وغربة. نفس الجسد.

أحبك، أحبك، أحبك، أحبك كثيراً كحبة رملٍ، كذرة تِبرٍ و حنظلْ. أحبك جداً كشدوِ طُيورِ الكُلجْ، كوخذ ضمير الحمام. أحبك أيضاً و أني و لكن و ثم وبعد وليت التي ثم ماذا و كيف. صلاة لأجلك وحدك، كأطفالنا المشردين في الجسد، بلذة الرمل الذي نغني له: أحبك وكنا يمر القطارُ بعيداً رويداً رويداً، تهمسين لي:

"بِحُبْ. حَبِيبي، بِحُبْ"

أمدُ يدي للسماء و قلبي، استعين بشيخي و سيدي النِفّري، بالمواقف و المخاطبات، أصلي و أسلّم، أشبعُ الوقتَ و الميتين. رأيتك عند الصباح البهي تحلبين النِعاج، تثقو بلحن سُليمان النِعاج، نشيداً لأنشاد الجسد. كنت تنثرين وردَك ملء المساء. كغاردينا البعاعيتِ مسمومة و مشتهاة. يفوحُ عطرُك يسكر شهوة الأنتعاظ الغبي لدينا، "وحش السرير الزنيم"، وأنا مثل غُنِ يهيم بزوجة ملكٍ، وأنت سُلطانةٌ تغوي خلاً يَخُونُ و يوفي بِحُبْ. يغني: لنا ما لنا من حنين لنا، لنا ما لنا من جمال.

يا هذه، يا مجدلية الروح، يا مريمي، ومريمي الأخرى و فاطمتي.




2-1-2010

الدمازين

امرأة - خاص كيكا

كان الشَرَطِيُّ النحيف، الشاب، الذي يَقَدِّرَ عمره كل عام "بعدة سنوات" منذ ان تجند في الشرطة وهو في عمر الخامسة عشر، يقف في المسافة القانونية التي اوصاه بها القاضي التقي ود كُشيب، و المقصود هنا مولانا حسن النوراني ود كشيب، وكشيب في مُخيلة سكان غرب السودان تعني المريسة، وهي مشروب ريفي لذيذ مُسَكِر جدا مغذي جداً له طعم كل الفاكهة دونما تمييز ورائحة أشياء شتى من بينها عفن الخبز ،عبق نوار شجرة السيَّال و البيرة، وله لون الرمل النقي. كان الشرطي يُمسك بسوط من جلد فرس البحر سميك يزن خمسة ارطال بالتمام، ولقد تمَّ وزنه أمام الحضور حتى يكونوا شهودا على شفافية و نزاهة المحكمة و دقة تطبيق القانون أو كما يطلق عليه البعض بين فينة و أخرى الشرع،يحس بثقل السوط في عظمة كتفه،ونعومة ملمسه في بطن كفه، ربما تسرب للمقبض بعض الزيت الممزوج بالقطران. و الحق يُقال، لم يكن للشرطي اية نوايا طيبة او ميول فكرية ملتوية، او نزوة تقوى انسانية توخذ ضميره العسكري الصارم، يشهد له اختياره ان يكون جلاداً على ذلك، ولكن ما حدث للشرطي وهو يقف تلك الوقفة القانونية الجيدة، ويمسك بالسوط بتلك الشرعية الصارمة، ويتجاهل احساسه بثقله في كتفه، كان شيئاً غريباً حتى على الشرطي نفسه.

النَطَع عبارة عن طاولة من الخشب في طول الشخص العادي، وروعيت الدقة في ارتفاعها عن الأرض وعرضها ايضاً ولو انه تمّ فرشها عَرَضَاً ببطانية عسكرية قديمة تفوح منها رائحة صُنان عتيق. لم يجدوا نصا قانونيا او شرعيا ينفي او يدعم الشكل الهندسي للنطع المستخدم الآن، ولكنهم اجتهدوا فلهم اجر المجتهد مرة واحدة إذا أخطأوا و مكرورا إذا أصابوا. طالما كانت نواياهم سليمة، و الأعمَالُ كما قِيّلَ بالنياتْ.

عندما خرجت سيدة من البيت للمدرسة، وسيدة لمن لا يعرفها معلمة في ثانوية للبنات بامبدة في امدرمان، كانت قد راجعت مظهرها الخارجي بدقة، فهي تحرص على ان تكون مقبولة من الجميع و ألا تثير الرغائب بصورتها الخارجية، فهي تكتفي بأنها عميقة في ذاتها و تفكيرها وتكتفي بما تحسه من امان وحب من قِبَل حبيبها الأخير حسبو، الذي يقبلها و يعجب بها بما هي عليه، وهذا يجعلها أكثر توازناً. لذا اختارت ان ترتدي بنطلونها الأبيض الأنيق، الذي يحبه ايضا حسبو، بالإضافة الى انه لا يعري ساقيها عندما تعتب سلم حافلة المواصلات العامة او عند الهبوط منها، وهي عادة لا تلبس شيئا تحته، لأسباب ايضا متعلقة بالمظهر الخارجي، واختارت جيبتها الطويلة المخططة بألوان مائية هادئة،راجعت بسرعة ضفائرها الممشطة بالأسلوب الأثيوبي منذ يومين، جلست طويلا كعادتها في المرآة، وضعت تلك النقطة الهامة من الروج على جانبي فمها، هي تفعل ذلك منذ عشر سنوان اي منذ ان اكتشفت ذلك الظل في زاويتي فمها،وبالأحرى منذ ان نصحتها احدى صديقاتها انه عليها إخفائه بتلك الطريقة، كانت سيدة تفعل كل شيء بثقة و بحب،حتي بخات عطر فرست سكس، نثرتها حول عنقها بعناية وثقة. تركت لأمها مصروف البيت، تحدثت قليلا مع والدها المريض، الذي كرر طلب الأمس غير المنجز المتمثل في زجاجة العسل الطبيعي الذي لم تتحصل عليه سيدة. قبل ان تخرج نهائيا من البيت تفقدت محتويات حقيبة يدها الصغيرة، وتأكدت ان بها كل شيء، اهمها الروج الذي تحتاج اليه بعد الإفطار، وبعد وضوء صلاة الظهر و بعد ان تلتقي بحسبو في نهاية يوم العمل الذي سيقوم كعادته بطريقته العجيبة في التقبيل بلحس الروج، وانفها ، عينيها ،شفتيها ولسانها بدون تمييز.

طلبت من القاضي ان يسمح لها بتغطية وجهها، ولكنه رفض طلبها لأن فضحها امام الناس هو جذء هام من العقوبة ولا يمكن استبداله بالسجن أو الغرامة ولا حتى بمزيد من الجلدات،بالتالي وضعت كفتيها في وجهها ورقدت بالطريقة التي رأى الجلادون انها القانونية و الأمثل. لسيدة ارداف كبيرة وجميلة، وقد رعتْ ورَبَّتْ والدتها هذه الأرداف منذ اليوم الأول لميلادها،وفقا لطقوس قبيلتها، حيث ان المرأة في ريفهم تحمل جرة الماء على ظهرها مسنودة على ردفيها، ومن ليست لها ارداف فإنها سوف تجد صعوبة عند القيام باهم واجبات المرأة تجاه اسرتها، وهي توفير مياه الشرب. لذا كانت الأمهات تحرم على بناتهن النوم على ظهورهن، وتطعمهن أحسن الأطعمة. ولاحظ القاضي انه الآن أمام معضلة من نوع آخر،لم يحسب لها حساباً، ولم تسعفه التشريعات التي يختزنها في رأسه بمعالجتها، معضلة أكبر وربما أكثر حرمة من ارتداء البنطلون اللعين. فهاهو ردف ضخم يرقد على النطع، بيحلق فيه الناس و يطل عليهم في تحد، و يبدو بكل سلطاته وثوراته الأنسوية مثيرا بصورة ما كان يتوقعها هو أو محفل الرجال الذين جاؤا لمشاهدة المشق الآن، كان بنطلونها الأبيض الجميل ابيض لكنه حزينا، شعرها يتبعثر على جانبي وجهها المدفون في النطع العفن، جسدها الساخن يرتجف في صمت. عندما طلب القاضي من الجلاد ان يبدأ الضرب حتى يتخلص من ذلك الجسد الآبق، الذي أحس به يفضحه هو شخصياً، بل ويمد إليه لسانه في بذاءة وغيظ، انتبه القاضي لعيني الشرطي المحملقتين في الجسد العظيم الراقد على النطع، كان الجندي قد ذهب بعيدا في السنوات، مباشرة الى امه، وكان يسمع صوتها عاليا و قويا وهي تقول له: الراجل لا يضرب البت، عيب يا وسخ، عيبْ. ولكنه أيضاً كان يتخيل نفسه منبطحاً علي ذلك الردف الأسطوري الحزين، كان يراه عاريا منتصبا كطود من اللذة، تذكر اخته أيضاً، تذكر زينب، تذكر صورها التي ارسلتها له من بريطانيا وهي في جينز محزق على جسدها كانه جذء من جلدها وهي بين اطفالها وزوجها. عندما انتهره القاضي المرتبك للمرة الثانية او الثالثة أو العاشرة لا يدري، انتبه الشرطي الى ضحك المتفرجين عليه، فرفع الصوت ذا الأرطال الخمسة عالياً جداً، لم يحس هذه المرة بثقله في عظمة كتفه، بل في سويداء قلبه ، و أنزله بكل قواه في وجه القاضي مباشرة، وقبل أن ينتبه الحرس و الشرطيون الآخرون ويتدخلوا لإنقاذ القاضي كان قد مشقه ثمانية مرات في ذات الوجه و الرأس و الكتف و الظهر، و ألحقه بمشقتين لئيمتين مبرحتين في اردافه وهو يهرب سابحا في بركة من الدم و الصياح، محتميا بالمتفرجين، الذين يبدو انهم كانوا في غاية الأستمتاع أو الدهشة.



26-1-2010

صوت الظلام - خاص كيكا

يمر الظلام خلف القُطِية الكبيرة على أطراف أصابع رجليه اللينة، يمسك أنفاسه في قسوة لا تخلو من طرفة ومرح، أنا والقط، نسمع وسوسة العشب الناضج لأصابعه، أسمع همس الأفكار الشاسعة التي تعصف في عقله بالكلمات الموزونة وعبارات قُبرات الليل والصراصير المتمدنة البليدة..

يسمع القط لا شئ، يمر الظلام خلف ألف قطية كبيرة ومزيرة، والجميلة النقية سوف لا تحمل قفاف الحياة وسلال المرح مرة أخرى يشتاق إليها الدرب وطلائع الليل الغبشاء، كلبان يبحثان في الكوشة المنزوية عند الكمبو الصغير، رد السلام وتفقد الجيران والأصحاب وأخبار الحواشة، الحزن .. الفجر.. الجان.. سائق الكارو.. مورد الخضار.. يمر الظلام ناعماً، أسود، ترقص أجنحته البيضاء فتثير الورود الناعمة وأشجار اللوسينا العالية المتعالية تقبل ملائكة قريبات من لعبة الطفل، مثل عصفور ضلّ بوصلة الطبيعة كنت وما زلت أجوب البحار عائداً من طروادة روحي.. آهـ.. أهـ..

كم أغنية وكم أغنية وكم أغنية..

مسكينة قفة السوق إذ لا تجد إجابة لدهشتها عن الصباح.. لماذا أنا هنا.. أين الصديقة والرفيقة ابنة الدرب والقعاد؟!

ولماذا تصرخ النسوة يرمين بسوقهم العجلة على الدفلات ولا ينتبهن للقطط الصغيرة بين هنا وهناك..

مسكين جداً الليل يحبو خلف القطية الكبيرة تلاحق أنفاسه التعبة الخائفة، اسمع همس الليل في أذن الظلام، قوالاته ووقفته، اسمع دقات قلبه البيضاء الرقيقة مثل قول أحبك، المتوحشة.. نعرف أن عدَّ العمر ذرةً نقطةً يعني الكثير بالنسبة للقلب، وأنه خالٍ من الأصفر والأحمر والبنت، القلب أبيض كالأسفلت وأنا والقط وحدنا يخيفنا همس الليل في أذن القط، يخيفنا النداء..

ـ من؟!

ـ ماذا؟!

ـ الملك؟!

)يمكن دا الموت(

دعونا نذهب إليه، أين هي أحذيتنا القوية الدافئة، فلنتركها في البيت تحت عنقريب الراحة، أين هي ستراتنا، فساتين الجمال، أقمصة النوم، البناطلين القوية القطنية الزقاء، أين القطع السوداء الحميمة التي تغمض عينيها خجلاً عندما تلمسها أصابع الآخر المعرورقة المرتجفة، فلنغلق عليها دولاب الملابس، أين الأصدقاء، دعهم يذهبون إلى العمل، قد لا نحتاج إليهم..

فقط نحتاج بتهوڤن، المقطوعة التاسعة يطرق الباب؟!

أنا والقط عازفان وحيدان بغير إناث وأطفال وأحذية ذات كعوب عالية..

بغير بقايا خصل على الفراش.. نخاف همس الليل في أذن القط ولا شئ يقضي على جرأة الليل.. سوى صوت بتهوڤن يخترق الأشياء..

قال لي القط (تستدير عيناه وتستطيلان وتتثلثان في آن وأحد(

ـ لا يستطيع كل رجال العالم أن يصبحوا أنثى وأحدة.. ولا حتى قطة صغيرة عجفاء..

ابتسم، فتبدت أسنانه السوداء مثل حبات من الجواهر المسحورة، فأخافتنا أكثر أنا والقط لم نكن في يوم ما وحيدين.. كان دائماً معي، وكنت دائماً معه..

رجلان، أو قطان، أو..

قط ورجل، لا تدهشنا أية امرأة لا نعرفها ولا نتشهى غير أن نُترك وشأننا لا نبوءات أو قصص..

ينتفض القط إذا سمع النداء، يقعد فوق المكتبة، الكمبيوتر، تربيزة الطعام، أشعار ناظم حكمت، صورة الأسرة، فانوس المذاكرة الكهربائي المشاكس، ديوان ابن الفارض، دولاب الملابس، فوق رأسي تستطيل، تستدير، تتثلث عيناه، يبتسم فتبدو أسنانه أكثر سواداً ورعباً فتخيفنا..

أنا والقط لا نطمئن للمناداة بعد العاشرة مساءً..

لا نطمئن إلى النساء..

القط و..

أنا..

2010/03/14

العالم لا يشتم صراخ الأرواح بدارفور

اشتم بأنفي الأصوات، و انفي لغتي بين المعنى والمبهم، انفي ثرثرة الأضداد، أنفي أسئلة لإجابات توغل في الإبهام وفي التأريخ.
جاؤا في الصمت، كانوا جندا و صراصير قتله، كانوا زرا زير أبابيل، وأنا أقود قبيلة جدي لهدم الغفلة اركب فيما يركب أبنائي فيلاً، في السر توسوس لي نفسي أن افعل، أن اطرد من ارضي شبح الموت الآثم: الموت؟ يقول جدي عبد الكريم إدريس آدم: الموت الكافر.
كانوا ما يسميه السحرة جنجويدا، حكاما وسلاطين و مسلمين من عرب النيجر و جمهورية شاد، مثل جراد من طينة جن و كلاشنكوف، مثل أزيز الطلقة و آآآآهةِ سيدة مغتصبة، ونسائي العشرين و بناتي التسع و أولادي الخمسون، سكارى من عطر البارود وجدي يعلن أن النصر في حد الصبر و تقبيل النار، يعلن أن الله يؤرخ للقتلى بدماء نحيب المغتصبات، وانفي تشتم كلام الله، مثل نبي يتسول في العرش يندس بين حروف العلة و المجرور، يحسبه الحراس ذبابة تقوي، واحسبه موسيقي تدفيء روحي في الجنة بنار الإفك
بلدي دارفور، ووطني ما يخرج من مَنِيٍ حامض من سُرة جدي، أمي تحبل بالأحجار و بالماء وعلى عينيها بقايا ما ترك الجند من الليمون و اليوسفي على شاطئ خور معوج كثعبان، بلدي لغتي كذاكرة الأطفال تهوّم بين السحر وما بين الأحلام و بيتي، تحبل امرأتي بالطين و بالشمس السوداء الشبقة، وطني حيث تنبت في النطفة امرأة و رجال وهوام.
لن يقتلنا الموت أو الإهمال، لن يمحو ذاكرة الأرض تبول ناقتهم في الرمل، فالرمل يقاوم مثل البنت ومثل اللغة و انفي.
صباح الخير، العالم يغشاه نعاسٌ، العالم لا يشتم صراخ الأرواح بدارفور.

بركة ساكن كاتب من السودان
8-3-2010
خاص فوبيا

2009/12/07

المهمة الأعظم - خاص كيكا

قبل سنوات قليلة من الآن، أي في عام 2007، كنت أعمل مترجما للبعثة الإفريقية العسكرية في دارفور، تُسمى حينها AMIS وتحولت أخيرا إلى UNAMID،أي بعثة الأمم المتحدة في دارفور، ويقرأه بعض الوطنيين Unnecessary Mission In Darfur أي البعثة غير ضرورية لدارفور، بدلاً عن United Nation Mission In Darfur كما يجب أن تُقرأ. أعمل مترجما مباشراً للآنسة باتريشيا كيمبو، وهي امرأة شابة وجميلة من زمبابوي تمثل رئيسا لشعبة حقوق الإنسان بالبعثة الإفريقية.
الوقت عصراً، وكنت واياها نحتسي الشاي بخيمتي، وننتظر أن نُطْلَبْ بواسطة الراديوالى الخروج للمهمة، حيث ننتظرها منذ أيام، وهي مهمة روتينية، إلا اننا هذه المرة كنا نحس بمرارة حارقة في أنفسنا، ويعذبنا تأنيب ضمير عصي. فقبل أسبوع وصلتنا أخبار مؤكدة عن تجمعات لمليشيات الجنجويد جنوب زالنجي. وهذا دليل على أنهم ينوون القيام بشيء ما، ولكنا قبل ساعة عرفنا أنهم يتوجهون ألى قرية ضُلاية، وهي قرية صغيرة سكانها حوالي الألف نسمة، معزولة بين أودية وجبال كثيرة، كان يسيطر عليها المقاتلون الوطنيون ولكنهم انسحبوا منها بكل قواتهم لمناصرة الرئيس ادريس دبي ضد المعارضة التشادية التي بدأت تزحف نحوه بشدة، ويُقال إنها تطرق أبواب انجمينا عاصمة جمهورية تشاد بقذائف دوشكاتها الرشيقة، بالتالي أصبحت ضُلاية هدفاً سهلاً للجنجويدِ ومليشياتِ أَمْ بَاخَا المواليتين للحكومة المركزية بالخرطوم.
كان علينا ألا نفعل شيئاً كما هوفي ميثاق عملنا mandate، ولم نفعل شيئاً، سوى بعض الرسائل الإلكترونية بين زالنجي، واشنطن، داكار والخرطوم. ووفقاً للواجب أُعِدَتْ فُرق الطواريء، جنود مسلحون ومدرعات خفيفة وغيرها من إسعافات ودفاتر التقارير ثم جلس الجميع يحتسون الشاي، يدخنون، بيتلعون كؤوساً كبيرة من البيرة. كنا نترقب الراديوليخبرنا بأن الجنجويد قد فرغوا من غزوالقرية وانفضوا عنها، وعلينا أن نذهب بعد ذلك لحصر القتلى، المفقودين والمُغْتَصَبِين واسعاف الجرحى، ثُمَّ رفع تقريرٍ وافٍ وأمين بكل ذلك.
باتريشيا الجميلة كانت تعرف اني من نفس المجموعة البشرية التي تقيم بضلاية، وتعرف أنَّ بعض أقاربي مازالوا بها، وتعرف أيضاً أنني فقدتُ في هذه الحرب عدداً كبيراً جداً من عشيرتي، وأعرف أنها تحزن الآن بشدة لأجلي، لذا جاءت إلى خيمتي تحتسي شايها وتؤانس وحدتي، كنت أحاول أن أكون مهنياً أي كما تقول باتريشيا بروفيشنال professional، وادعي أنّ الأمر لا يؤثر على مهمتي كثيراً، وان العاطفة عابرة، والعقل هوسيد العالم، وانني ببعض الحكمة سوف اتجاوز عاطفتي. تحدثنا قليلاً عن الطعام والرمال التي بدأت في الزحف هذه الأيام. ويبدوأنها لم تستطع أن تتجاوز الجُرح حينما سألتني بصورة غير مهنية البتة.
- هل ستذهب معنا إلى ضُلاية؟
كنت أعي تماماً انها تتألم الآن، وأعرف انها تعرف انني سوف أذهب الى ضُلاية، لأقوم بأداء واجبي المهني،على الرغم من انني لا استطيع ان افعل شيئا مفيدا، حتى الترجمة تبدوغير ضرورية، لأن الجميع يعرفون من قتل من ومن اغتصب من. قبل أن أجيبها كان الراديوقد بدأ يصيح.
كل المحطات كل المحطات، الرجاء الإنتباه، كل المحطات عليها التحرك الى المحطة سبعة.
قالت لي باتريشيا ، بعد اتصال تلفوني سريع.
أنا لن أذهب، لقد إعتزرتُ، سيذهب مساعدي بيتر ميروكا لتسجيل الوقائع وكتابة التقرير، أريدك ان تبقى، اذا لم يكن لديك مانع.
أن لا تذهب في مثل هذه المهام، رحمة كبيرة، لأنك تُعْفَى من مشاهدة ما لا تطيقه النفس. والأسواء انك لم ولا تستطيع أن تفعل شيئاً مفيدا من أجل هؤلاء المكلومين، سوى التسجيل واللأسف، وإذا لم تكن مهنيا بما يكفي فالبكاء أيضاً. ولا تستطيع أن تتحمل تحدّيق عيون الجرحى، المُغتَصَبِين والقتلى، في وجهك. كأنها تحملك مسئولية ما حدث لهم. تبدوخيبة أملهم فيك واضحة كالشمس وتُقْلِقَ منامك لأيام كثيرة قادمة، إلى أن تتولى أمرك حادثة أخرى.
أحضرت باتريشيا الوايت هورس، أحلنا أرض خيمتها إلى مسرحٍ كبير ساخن وجريء، وبدأنا في المَهَمة الأصعب. التي يُطْلِقْ عليها بعض المتفائلين من بني الإنسان اسماً كبيراً مثل: مَهَمَّةُ حفظ الجنس البشري من الإنقراض.

القربة 27نوفمبر 2009

2009/10/27

الصادق الرضى يحاور بركة ساكن على موقع كيكا




عبدالعزيز بركة ساكن يحصل على
جائزة الطيب صالح
حاوره :الصادق الرضي


الكاتب عبدالعزيز بركة ساكن من مواليد مدينة كسلا شرق السودان عام 1963م، وهو صاحب رواية (الطواحين) ورواية (رماد الماء) وله مجموعة قصصية بعنوان (على هامش الأرصفة) وأخرى بعنوان (امرأة من كمبو كديس)، حقق جائزة الـ بي بي سي أكثر من مرة عن قصته (دراما الأسير) ثم عن قصته (فيزياء اللون)، ترجمت بعض أعماله إلى اللغة الإنجليزية والفرنسية، كتب أيضا عددا من النصوص المسرحية، صدر له مؤخرا عن (مكتبة الشريف الأكاديمية) كتاب (البلاد الكبيرة) في (552) صفحة من القطع المتوسط، متضمنا روايتيه: الطواحين و رماد الماء، بالإضافة إلى روايته (زوج امرأة الرصاص) التي تنشر لأول مرة، ضمن هذا الكتاب.


روايته الجديدة- لم تنشر بعد (الجنقو- مسامير الأرض) حققت جائزة الطيب صالح للإبداع الروائي في دورتها الأخيرة التي أعلنت ظهر الأربعاء الماضي 21أكتوبر بمركز عبدالكريم ميرغني الثقافي وسط حضور إبداعي وإعلامي حاشد، مناصفة مع رواية (الربيع يأتي نادر) للكاتب يعقوب بدر.
بمناسبة صدور ثلاثيته (البلاد الكبيرة) وحصوله على جائزة الطيب صالح، كانت معه هذه المقابلة.


* الجوائز..الجوائز..يا صديقي أعلم أنك حصدت بعضها هنا وهناك، خلال مسيرتك الإبداعية، قبل ايام قليلة حصلت على جائزة الطيب صالح للإبداع الروائي- مناصفة، حدثنا عن الجائزة ما ذا تعني للكاتب، ماذا تحفز فيه، على ضوء الحدث الأخير.
صديقي أنت تعلم تمام العلم ان هذه الجوائز التي حصدت لا تعني الكثير اذا قيمت من زاوية المنفعة المالية، ولحد ما الأجتماعية و الثقافية ايضا، هي مفيدة من النواحي الإعلامية البحتة ، كل ما استفدته من جوائزمجلة العربي و الب بي سي كان اعلاميا بحتا، لأن من قاموا بترجمة بعض قصصي للفرنسية و الإنجليزية تعرفوا علي عن طريق العربي و البي بي سي، والشيء الآخر هنا لا يمكن للكاتب أن يُذكر في وسائل الإعلام الوطنية ما لم يسلك هذا السلوك القبيح.
وهنالك شيء تعلمه جيدا يا صديق انني عندما افوز في احدى هذه المسابقات لا يعني ابدا انني كنت الأفضل، ولا يعني انني سعيدا بهذا الفوز او ذاك، بل كنت دائما ما أحس بخيبة الأمل.


* أين تكمن خيبة الأمل: هل في ضعف المردود المالي والإهتمام الإجتماعي والثقافي أم ثمة شعور داخلي ينتاب المبدع حينما يبدو أنه قد أنجز شيئا؟!


إنها حالة شبيهة بالغثيان، ولا ادري أهي نتاج إكتشاف انك وقعت في ذات الفخ الذي نصبته للآخرين بأن زينت لهم انك الأفضل وفي حقيقة الأمر هذا ليس من الحقيقة في شيء، او بصورة أفضل قد ينتابك شعور بأنك الآن قد هبطت إلى قاع البئر وليس هنالك ثمة امل للخروج قريب.
ولكني بيني وبين نفسي كنت أعري نفسي و أفضحني امام الآخرين، على ما أظن انها خيبة الأمل التي يحس بها الآخرون أيضاً، كم كنت مكرها يا صاح وانا اتقدم للمسابقات .


(البلاد الكبيرة) مشروع روائي عملت عليه طويلا.. كتابة وتنقيحا ونشرا وإحجاما عن النشر، هل اكتمل إثر صدوره الآن بأجزاءه الثلاثة، في كتاب واحد؟!
هذا المشروع في طريقة للإكتمال، لأن النشر ليس سوى المرحلة الثانية انا في انتظار القارئ ثم الناقد ثم ردود فعلي ككاتب، تم النشر بمبادرة كريمة من الناشر متوكل الشريف، ونحن الآن نستعد لنشر و إعادة نشر ما انجز من أعمالي الأدبية.
لكن هناك أجزاء نشرت قبلا من الثلاثية وبالتأكيد وصلتك أصداء من القراء بشكل أو بآخر بالإضافة إلى الندوات التي عقدت لمناقشة بعض أعمالك والمقالات التي نشرت عنها بالداخل والخارج!
أحلم يا صديق بأكثر من ذلك بالرغم من ضيق ذات النقد وشح ذات القراءة و مغامرة الكتابة
بالإمكان أكثر مما كان، وغدا يَعِدُ بقراء ونقاد وسكك للكتابة هي أكثر وفرة و أعمق، وطرائقنا في الكتابة سوف تصبح أكثر نُضجا وسُهولة وقرباً، كُلما يمر يومٌ نقترب أكثر من الشيء.
* روايتك الجديدة (الجنقو- مسامير الأرض) حدثنا عنها، هل هي بداية مشروع جديد- خارج (البلاد الكبيرة)؟!
هي مشروع جديد ، وانتهجت فيها سردا مغايرا ولغة مغامرة ، عملت فيه بنظام لا مركزي، في الرواة و الحقائق الفنية، و المصائر و الحكايات، عملت فيها زمنا طويلا ، عشت فيه مع الجنقو اينما كانوا، تتبعتهم الى احراش اثيوبيا و ارتريا، و مفازات السودان، و حاولت ان يكون اسلوب كتابتها دليلا لأفكارها و مجاريا لحياة الجنقو انفسهم.
* كاتب روائي أم كاتب قصة قصيرة، ما الفرق برأيك، من واقع تجربتك وإنتاجك؟!
يبدو انني مازلت اتلمس طريقي لكتابة ما، جنس ما، متاهة ما.
مازلت روائيا وقاصا، وهذا وذاك ليس سوى محاولة لتلمس الطريق، الذي بالتأكيد سوف لا ينتهي بي كشاعر: أعدك بذلك..
وهل غاب هاجس الشعر في جسم عملك الإبداعي المنشور وغير المنشور- حدثنا عن أثر الشعر أعني مستوى ذائقتك الشعرية على إبداعك الأدبي
في بقايا ليلة ما، وجدت نفسي وحيدا وحزينا في أهوال وأحوال حب شتى، أخذت قلما وكتبت (ما يتبقى كل ليلة من الليل) وقرأه الناس وظنوا انه الشعر، قرأته وظننتني شاعرا، نشرته و أحبه القراء و امطرتني البنيات بالرسائل الإلكترونية من كثير من أنحاء الوطن العربي ، حتي صبايا غزة ذاتها، بالرغم من ويلات اليومي المر هنالك، و ارسلت لي رابطة عربية تدعوني الى مؤتمر قصيدة النثر، وعندما انكرت اني شاعر قالوا إن ذلك ليس سوى حال و من أحوال جنون الشعر.
أحب الشعر كثيرا، وأعجب بولت ويتمان و جبران خليل جبران و نشيد الأنشاد، وهذا الثلاثي اثر في اسلوبي و لغتي، و تجدهم ماثلين في رواية الطواحين، ويلوحون لك بأذيالهم في ما يتبقى كل ليلة من الليل، و يمدون لك ألسنتهم في رماد الماء، ولا أدري ما يُنجيك من غبرة حوافرهم و انت تقرأ على هامش الأرصفة.
كتبت مسرحيات ايضا، هل انتاجك في هذا السياق يعد ادبيا ام هناك تجربة في الأداء والإخراج المسرحي تقف على خلفية المشهد؟
مازال كثير من المصريين يعرفونني كمسرحي، ونفذت لي أعمال بقصر ثقافة أسيوط، و نشر لي كتاب بعنوان طقوس العودة، صدقني مازلت اتلمس الطريق نحو ذاتي الكاتبة.
* ترجمت بعض أعمالك إلى الإنجليزية والفرنسية، ماهو الأفق الذي تفتح لك من هذه التجربة، ماهي مشاريعك في هذا السياق؟!
في اغسطس سوف اقوم برحلة قصيرة الى اوربا، بدعوة من المترجم اجزافيا لوفن، الذي كان في زيارة للسودان في اغسطس الماضي، هي في ذات المساعي للترجمة بصورة اوسع.
هل يمكن أن تحدثنا بشيئ من التفصيل عن الأعمال التي ترجمت لك إلى الإنجليزية والأعمال التي ترجمت إلى الفرنسية، أيضا عن طبيعة رحلتك القادمة إلى أوربا وبرنامج عملك خلالها؟!
ترجمت لي الأستاذة كاثرين استابلي استاذة اللغة الإنجليزية بجامعة لندن قصة موسيقى العظم، ونشرها صديقنا صمويل شمعون بمجلة بانيبال ببريطانيا.
ترجم لي اجزافيا لوفن المترجم البلجيكي للغة الفرنسية، قصص: طفلان وباتريشيا، موسيقى العظام، امرأة من كمبو كديس. وترجم لي قصتين تراثيتين و اصدرهما في كتابين بثلاثة لغات و القصص هي: حواية و الضبع و قصة فارس بلالة.
هنالك ترجمة قام بها –حتى الآن- مجهول لرواية رماد الماء الى اللغة الأنجليزية ووزعت في عام 2002-2003 للأسرى من القوات المسلحة السودانية من قبل الحركة الشعبية لتحرير السودان.
* من واقع تجربتك في العمل الثقافي العمل من خلال نادي القصة السوداني ومشاركاتك أو إحجامك عن المشاركة في فعاليات المشهد، انت ناشط ثقافي مناكف؟!
انا رجل قروي لا استقر على حال، ونادي القصة مؤسسة مدنية، وهنا يبدأ التناقض، وظروف عملي الصعبة حيث انني أعمل من (أجل أبنائي) ساعات طويلة بعيدا عن الخرطوم، عميقا في غابات و جبال الكرمك، هنالك حيث الحياة تبدأ الآن .
* لا نعني نادي القصة تحديدا، إنما- على سبيل المثال- مشاركتك في مشروع الخرطوم عاصمة للثقافة العربية، وما حدث مع كتابك الصادر عنها، أيضا مبادرتك نحو أن لا ينشر المبدعون أعمالهم الإبداعية بالصحف دون مقابل وما هو نحو ذلك؟!
حسنا، مشاركتي بمهرجان الخرطوم عاصمة للثقافة العربية، كان ورطة لي وللقائمين، كنت قد اقنعت نفسي بأن لي الحق في ثمار زقوم المهرجان مثل الذي يجنون تفاحاته، وطالما كتابي على قيد النشر منذ اوآخر الثمانينات من القرن الماضي، فلأدفعنه لهم، فنشرته الأمانة و صادرته الأمانة ، كان تجربة مريرة، اما فيما يخص الكتابة بمقابل في الصحف و الوسائط الإعلامية الأخرى ، فمازلت و سأظل ومعي الكثيرون و قبلي كثر و بعدي آخرون ملتزمون بذلك، إنها مسألة كرامة يا صديق، وحقوق.
*ربما كنت الأوفر حظا، من بين أبناء جيلك، حيث حظيت أعمالك بكثير من التناول النقدي داخليا وخارجيا، كيف تنظر لواقع النقد عندنا، أيضا كيف تجد مستوى النقد الذي تناول عملك؟!
اليوم النقد اكثر نضجاً و استفاد النقاد الشباب و غيرهم من حركة النقد العالمي. وتوجد اسماء كبيرة الآن بالسودان تعمل بصبر وحكمة.
نعم كنت الأوفر حظا من النقد ربما لأنني من أكثر جيلي- في الداخل- نشرا ، و لأنني اقوم بتوصيل كتبي لأقاصي مدن و ارياف السودان، بل لبعض البلدان المجاورة بمجهودي الخاص، و الشيء المهم هو انك تجد موقفا واضحا في كتاباتي، بالتالي يتطلب ذلك موقفا نقديا اما معي او ضدي، وهذا محفز للكتابة.

2009/10/24

فوز "الجنقو.. مسامير الأرض " لعبد العزيز بركة ساكن بجائزة الطيب صالح للإبداع الروائي في موسمها السابع



في الحادية عشر من صباح هذا اليوم المبارك (21 أكتوبر)، الموعد الذي اختارته سكرتارية جائزة الطيب صالح للإبداع الروائي، فعقدت مؤتمراً صحفياً أعلنت فيه عن فوز أربعة روايات هي:الجائزة الأولى مشتركة بين:

1. "الجنقو مسامير الأرض" لعبد العزيز بركة ساكن

2. "الربيع يأتي نادراً" ليعقوب بدر العبيد

الجائزة التقديرية مشتركة بين:

1. ""شجر الروح شغف الجسد" لمحمد خير عبد الله

2. "أفران الشمال" لأسامة عبد الحفيظ

2009/10/09

صدر حديثا رواية «ثلاثية البلاد الكبيرة»


صدرت عن مكتبة الشريف الاكاديمية للنشر والتوزيع «رواية ثلاثية البلاد الكبيرة « للروائى عبد العزيز بركة ساكن وتحوى الاصدارة ثلاثة مجموعات قصصية وهى رماد الماء «الطبعة الثانية» والطواحين «الطبعة الثانية»وزوج امرأة الرصاص وابنته الجميلة ، وهذه الاخيرة فقد صدرت فى طبعتها الاولى ، جاءت الرواية على «552»صفحة من الحجم المتوسط .

2009/08/28

ذاكرةُ الطينِ ..كيكا

أجل، أبيعك بقبلة، يا سيدتي وورقة نُحاس صفراء، تلوحين لي من بعيد شاكرة أم غاضبة لا أفهم، يداك تعرفان السر، أصابعي تتفقدان حموضة الشجرة وتتوهمان ـ بين لحظة وأخرى ـ أن ينفجر الكنز المسحور ينثر أقماراً كثيرة وبرتقالات وزيتوناً وزيتاً!!

لا يدهشني القطن الأسود، سوف تثارين وتَقبلين ثمن القبلة ملحاً.. والمجد الذي يبنيه الأطفال على الرمل الذهبي.. بالتأكيد في شكل قصور وقطاطٍ وذرة شامية ـ مجد لا يقاس بمسبار اللحظة أو اللذة أو حتى طنين الجسد..

بقدر ما يوحي لي الحبر أحبك، حباً كثيراً يكفي قشلاقاً حدودياً من الطمأنينة وسر الليل، قد نتبادل نشوة الجسد ونحتفي بالروح ونهتف على بقايا الورق والأصباغ والأصدقاء بما يكفي من سخرية ولكنا أبداً لا نكتفي من الحنين الأسود الزاهي، لا يكفي الليل كله ولا المرقد وسقسقة ماء الحياء الحار، تنامين على كفي طوال العمر وتحلمين مثلك مثل العصافير الصغيرة..

العمر كله ثم الأقمار بين نهديك دون هدي أو سكرى، مثلي يبللها العرق النقي الحلو فتموء الأصابع الرشيقة، تأتي أقمار لا تعرفها الأقمار إلا بالندى، ترضع الأطفال ـ وهم يكبرون ويزدادون سواداً ـ ويبقيني الحرس خارج أسوار المدينة موسماً بعد موسم اتحمل ثقل الريح ونهيق الرعد وحوحة البرق المشاكس على أسوار المدينة ، وحدي أحبك..


أسمع الآن طنين الصمت وأرى كما يرى الحالم ذراعيك تبرزان من بين السواد تُلَوحان في الهواء وتقبضان لا شئ أو الملائكة الذين يوجدون حيثما يحصون لحظات الجسد الخفيفة طازجة بآلاتهم الحاسبة، وأحدة تلو الأخرى..

هي ذاتها دهشة كل شئ يحدث للمرة الأولى، هي ذاتها مأساة أن ينتهي..

هي..

ذاتها..

أن نعيش لنهدم ما بناه الميتون، كم قبلة تبقت من هذا الليل، كم لمسة ساق وعنق، وشوشة إبطٍ حنون، كم نخلة تنتظر عند الباب مولد يسوع، يتحرق جذعها شوقاً لرعشة متوحشة تنطلق عبر خلايا الجسد كعنكبوت مسحور، أطرق أبوابِ المُدن التي تحاصرنا، أنادي جميع الحراس بأسمائهم وألقابهم وكنية حبيباتهم ونسائهم وأقول لهم: إني أعرف كيف يسمون أطفالهم وإني أفهم سر بنادقهم التي لا تطلق النار أبداً ولكنها تخيف وتقتل وتسرق الدم من الشرايين؟!..

حينها يفتحون البوابات، تستيقظ العصافير والوطاويط والعناكب المتوحشة فاستقبلها بأحضان عطشة، تطل امرأة تبدو دائماً في الظل وشهية تحت ضوء الشمس وعفر الرمال..

آهـ.. سبعون عاماً وغداً يومٌ جديد، له شمس مكرورة وذات الآذان وثغاء البقر، وله ظلُ ذات الشجرة البعيد.. سوف يتمطى هذا الصباح بيني وبينك، رامياً بأجنحته الكثيرة في الفراغ الأخضر والطين والحر والراديو وما تبقى لي من بخور مسحور.. لا شئ يبقيني مستيقظاً غير ذاكرة الطين الحار تزحف مثل جيوش النمل المشؤوم..

كم قبلة تبقت من الليل.. كي يصير ليلاً، كم نشيد وبوليس يذرع الطريق المظلمة غادياً ورائحاً في خوف فطري، كم أنثى.. كم لحظة عميقة تحسبها الملائكة دهراً ونيف..

كم أغنية؟!

كم حبيبة حافية تخوض النهر ثم تجلس على ضفاف لا اسم لها تمشطها حوريات القاع السحيق بزيت الماء ويدلكنها برمل الشطآن الشهي تحت عرديبة اسميها عندما ـ نلتقي ـ نفح وردة الكَرَبْ المنسية.. وتحكي..

)على أنهار سيتيت..

حيث جلسنا..

وبكينا(

مثلك يا حبيبتي ينبع النهر من العاصفة وتخونه حدأتان فتلقيان به إلى الأرض حيث الجنة التي يصنعها ويصبح موضوعاً لها.. ما تبقى من الليل قبلتان.. غمزةُ نجم، شرطيٌ نعسان، بقيةُ ماء في الكأس، وردة تذبل تدريجياً، شظايا عطر تبرقُ هنا وهناك، ضفائرٌ مبعثرة على الفراش، قلمٌ فارغٌ وشاعرٌ.. ينام وحده على قهقهة المروحة العجوز..

2009/08/08

مَحض تَشهٍ.....كيكا


ما تعلمه الجندي في حياته، تحصده طلقة واحدة، والسيدة التي اختلقتها من أجل الحب يسحبها التيار نحو بقايا السفن المنسية وكنوز عصور تعرف الآن بعطرها وشئ من اللوتس الأسود، على شاطئ النيل يجلس النوبيون يروون لي كيف بنى جدي الهرم الأكبر ثم تزوج ببنت صانع التوابيت الحجرية في مصر السفلى.. أنا لا أضحك، أرسم في شفتي ليّة فمك، وردة خدك العميقة، أبحر في ماء شفيف ينطلق نحوي، يسكرني وتصطف البُنيات الجميلات المشيطات، سوقهن تهرع في الوقوف.. ويهتم الشعراء، ينشدون يقولون إن العالم أجمل.. وإنه الآن أحلى وإن الليل تملص من قبضة الشرطي وهراوته والتهم كلاب الحرس البُنية.. وأنا وأنت على المقهى، نحملق في عينيّ بعض، نتشهي أن نُتْرَك وحيدين وأن يمضي الناسُ إلى ما شاءوا.. أن نُترك والنادل ينعس، يتمطى، يجمع كرسياً على فنجان بارد وزجاجة ماء فارغة، عقب سيجارة بينسن، لفحة مريلة عصير العاشقة المحزون، رماد سجائرنا، فليتركنا، نحملق في عينينا نتشهى أن نرقص في العشب أو الماء أو الرمل وأن نبني بيوتاً من وقت يتكسر بين أناملنا ويسيل لعاب الليل الليل الليل، وتبقى آخر فتاة للأسفلت ولا امرأة أخرى غيرك تمشي بساقين شهيتين إلى موقف أم درمان ولا.. غير الشرطي البارد يمل صوتاً ورصاصاً وحافلة لا تمضي إلى أين.. رجال لا يمضون إلى إين.. كماسرة يتخذون من الأسفلت لباساً وينامون..

وأنت آخر عذراء في تلك الليلة تنظر في عينيّ عميقاً وتتعشق أن يتركنا النادل إلى أنفسنا وحيدين.. ويتركنا النادل، المدينة لا تعرفني وأنت القروية لا تعرفين سر الغربة ولا تفهمين معنى أن يتركنا النادل ننظر في عينينا نتشهى أن يتركنا النادل وأن يمضي ..غداً، غداً، يكتمل الفجر، تستهويني رؤية قبر الجندي ونبش حبيبته من موت قد يخدعنا أو يدل القاتل عنا.. أعرف أنك لا كالأم ولا كالبنت ولا كالعاشقة ولا بنت الليل.. وأعرف أن وجودك في المقهى محض تشهٍ، وأعرف أني اخترق الليل إليك كالمتسول للدفء وللرائحة..

وأعرف أنك لا.. إلا أن تأتي إلىّ، وأن تلتئم اللوحة وأن : نَسْقُطْ

2009/07/27

(موجة التجديد).. في الرواية والقصة - صحيفة الرأي العام


إجراه : عيسى الحلو

مدخل: عبد العزيز بركة ساكن كاتب من الجيل الجديد استطاع ان يقدم أجمل القصص القصيرة وان يضيف للرواية.. وهو موجة جديدة في تيار الكتابة الابداعية السودانية الان.. وهو تيار يشق لنفسه طريقاً وسط صخور الكتابات الابداعية المستقرة ذات السلطة القابضة.. الا أن هذه الكتابات الجديدة تسعى لفتح النوافذ على فضاء اكثر اتساعاً وحرية. «المحرر».-------
? ما علاقة نصوصك بالنصوص المجاورة.. «الان.. والماضي»؟- ان نصوصي لها صلة بالنصوص الروائية والقصصية السودانية والعالمية. كما أنها امتداد لنصوصي السابقة حينما أثبت أشياء واتجاوز أشياء. في قصصي الأولى تأثرت (بادجار الن بو) وذلك في طرائق السرد الى جانب اللغة القصصية. ثم انتقلت الى مرحلة أخرى وأنا أقرأ الآداب العربية والافريقية بتركيز وتوسع. فحملت كل ذلك معي وأنا اجوب في كتابات ذات سمات فكرية وجمالية عالية. فتعلمت من الحياة ومن القراءة .. وتعلمت من النصوص السودانية، عمق عيسى الحلو في ذات الانسانية، عذوبة سرد الطيب صالح، سحرية ابراهيم اسحق وجنون بشرى الفاضل. وحاولت فوق كل ذلك أن احدد بصمتي الخاصة ومازلت أعمل في إطار شخصيتي الابداعية الخاصة.? الكاتب يبدأ من مكان ما.. متوافقاً.. او مختلفاً.. ما هو موقفك من المنجز الابداعي السوداني؟- اذا تجاوزنا جيل الرواد في فترة الثمانينيات والتسعينيات.. فالرواية تتأرجح ما بين الضعف الفني والمغامرة.. فما بين الجدة والاصالة (أعني بالاصالة العمق) فهناك أسماء مثل منصور..... وابكر أدم اسماعيل، وحمد المك والحسن البكري ومحسن خالد.. هؤلاء استطاعوا ان يحفروا أنهراً كثيرة وان يشيدوا أعمالاً جميلة. أما القصة القصيرة السودانية فهي في مصاف العالمية، أرى أن القدامي قد انجزوا مشروعاتهم وهي نتيجة واقع تاريخي معين. أما الجدد فهم أيضاً يعبرون عن راهنهم الجمالي والفكري والاجتماعي. فلا مجال للمقارنة بين الجيل القديم والجيل الجديد.? في كل من المعسكرين.. نجد هناك من يرفض الآخر ولا يعترف به.. شيء هو كصراع الاجيال.. وهذا الصراع يضعف المسألة كلها ويهزمها..؟- المسألة الاساسية في صراع الاجيال.. انه بدعة.. الستينيون والسبعينيون حينما عجزوا في أن يجدوا صلة فنية ما بين الفترتين، اما بسبب ضعف المنتوج واما لعدم جدية المشروع.. فهناك من يتخذ الكتابة تسلية او مجلبة للشهرة، مع ان الابداع هنا هو مشروع حياة. وهناك من يكتفي بكتابة قصةاو قصتين ويريد أن يصبح رائداً لجيل لا يعرفه.لقد استطاع التسعينيون (مع فقر المؤسسة والظلم الاجتماعي) والقهر السياسي الذي صاحب ظهورهم ان ينشئوا روابط عميقة بينهم والجيل الذي يتكون الان. بل سعوا لرتق صلاتهم بالاجيال السابقة.. وانشطة نادي القصة شاهد على ذلك.? هل الكتابات الجديدة تقدم تنازلات امام الكتابات المستقرة، حينما يجد الكاتب الجديد نفسه في موقف محرج.. كأن يقبلوه وفق شروط التنازلات او الا يساوم، فيقطع كل الشوط.. ولا يهم النجاح وقتئذ؟- لقد عانيت الكثير وما زالت من هذا.. من الشروط البالية للكتابة. فهي أما ان تكون تقليداً بالياً بحسب تسلط سدنة القديم، او يتم أهمال الكاتب الجديد بشكل تام، وهناك (لوبيات) معروفة في الخرطوم وهي قد فشلت في تقديم كاتب واحد. أنا أحاول أن استشرف آفاقاً أوسع.. ولا يهمني الاهتمام بي أولاً.القاريء الان هو قاريء كوني وهو يقرأ كل المنتوج العالمي، فالتحدي الان كبير جداً. فأما ان يكتب الكاتب وفق هذا السقف العالمي وأما ان يترك الكتابة الابداعية ليصبح ناقداً.. او ليفشل تماماً !!!? في اعمالك تجريب مستمر.. خاصة روايتك الجديدة (مخطوطه) .. (الجنقو.. مسامير الارض؟.. ماهو الجديد هنا؟- عملت هنا في ثلاثة محاور.. حاولت أن استلهم راوياً مرناً.. اذ لا التزم بتقنية الرواة كما هم في النقد.. وذلك لأن مهمة كتابة رواية (الجنقو.. مسامير الارض..).. كانت صعبة ومعقدة جداً. أردت أن يتحدث الاشخاص بلغتهم ولكن هذه اللغة هي لغة شفاهة ولغة الرواية دائماً هي لغة كتابة. لهذا يعجز الراوي الذي يتحدث بضمير المتكلم ان يقوم بهذه المهمة مع أختلاف موقعه. والمحور الثاني هو محور الحكاية أذ استلهمت الطريقة الشعبية في الحكي.. كما هي في (الاندايات) وبيوت المآتم والأفراح.. فالرواية عبارة عن حكايات غير متزامنة ولكنها مترابطة. أما مجال التجديد الثالث فقد كان في موضوع الرواية نفسه.? البعض يرى أنك قاص أفضل منك روائياً؟- مهمتي هي ان اكتب فقط. واقدم ما اكتب للقراء - ولا أذهب بعيداً.. فكل شخص حر في أن يرى مايراه.. وهذه رؤية نقديه شخصية نسبية تتراوح في صدقها من قاريء لآخر.? من هم الكتاب السودانيون الجدد الذين قدموا جديداً؟- مغامرة ابكر آدم اسماعيل في استخدام الحوار الدارجي، وتوظيفه بصورة جميلة. وعالم أحمد المك الذي يشبه حكايات واحاجي الحبوبات. منصور الصويم أستطاع ان يكتب رواية مغايرة في موضوعها. ومحمد خير عبد الله الذي كتب روايات يتولى البطولة فيها (المكان) وهي روايات ساخرة وهو نوع جديد في كتابة الرواية السودانية. والحسن البكري له مساهمة جيدة في استلهام التاريخ في روايته (سمر الفتنة).? من أهم النقاد الذين ناصروا الكتاب الجدد؟.. هناك النقاد الشباب.. وهناك بشرى الفاضل.. فقط!!!

2009/07/23

وَدْ أمونه مُتَبَلاً ... خاص كيكا ... رسم:نادر جني


عِطْرُ البَخُورِ الحَبشي يملأ القطيه، تأتي أصوات المكان مخترقة القش والأقصاب عَبْر الظُلمة للداخل، واستطعنا أن نميز غِناءً جميلاً رقيقاً يتلمس سِكَكَه عبر الليل نحونا، قال ود أمونه:
دِيَّ بوشاي.
ثم واصل في حكي تفاصيل السجن، تحدث بتلقائية وبساطة، بهدوء ورقة لا تتوفر في شخص غيره، ألم قِشي تقاسمني الوسادة البيضاء المستطيلة على طول عرض السرير، تخلف ساقيها مع ساقي، وبين وقت وآخر تتعمد حَكّ أخمصَ قدمي بأحد أظافر رجليها، مُثيرة شَبَقَاً وحشياً تؤجله دائماً حكايات ود أمونه المدهشة في السجن، الليل كعادته في هذه الشهور دافئ مَرِح، عَنّتْ فِكرةٌ لألم قِشِي، عبرت عنها بنهوض مفاجئ من حضني قائلة:
حَأعمل ليكمُ جَبَنَة-
هكذا يعبر الناس عن حبهم واهتمامهم بالآخر في هذه الأمكنة، بأن: يعملوا لك جَبَنة.
قال ود أمونه مواصلاً حكاية العازه، لم تستطع عازه أن تقنع أمه لكي تتركه معها عندما تخرج من السجن، وأرسلت لها الوسطاء من سجانين ومسجونين، وحتى مأمور السجن نفسه، ولم يقنعها سوى ما حدث لود أمونه في ذلك المساء: كنت في طريقي إلى عنبر النُسوان بعد أن عاد من مشوار كلفه به الشاويش خارج السجن، وعندما وصل ود أمونه الممر المؤدي إلى الزنازين وهو الطريق الأقصر إلى الجزء الغربي من عنبر النُسوان حيث مقام أمه، إذا بيد ناعمة قوية تُمسك بذراعه، وأخرى توضع في فمه، كانت تفوح منها رائحة البصل والثوم مما جعله يتعرف بسهولة على الطباخ، ثم همس في أذنه
. ما تخاف، دا أنا-
ثم سُحبت الكف عن فمه، قال له ود أمونه
- عايز مني شنو؟
قال الطباخ
- إنت بكره ماشي مع عازه، طبعاً حيطلعوها من السجن، وإنت حتمشي معاها، وأنا جيت عشان أقول ليك مع السلامة، طالما إنت ما بادرت بالوداع، مُشْ عيب عليك يا ود أمونه، ما تقو لي مع السلامة؟
قال ود أمونه متضايقاً
. كويس، مع السلامة، يَلاّ فك يدي-
قال الطباخ محاولاً أن يكون رقيقاً ومهذباً
- لا.... ما كدا.. مع السلامة دي عندها طريقة تانية، وفي حفلة صغيرة أنا عاملها ليك في مخزن المطبخ برانا، أنا وأنت.. جِبت شمع وعندي ليك هدية، ملابس جديدة وجزمه وكرة وحلاوة وحاجات حتعجبك.
قال ود أمونه وهو يحاول نزع يده
. إذا ما فكيت يدي حأصرخ وأمي تسمع وحتجي تقتلك-
فأدخل الطباخ يده في جيبه وأخرجها قابضة على نقود لها رنين
قال له ود أمونه
. أخير ليك تفكني-
بيد الطباخ الممسكة بالنقود، أعاد النقود إلى جيبه وبسرعة ومهارة فتح زرار بنطاله وأخرجه، شيء لم يستطع ود أمونه تمييز معالِمه في الظلام، ولكن عندما دفع به الطباخ إلى بطن و أمونه، أحس به ود أمونه قوياً وطويلاً، قال الطباخ:
. الموضوع بسيط، وما بِيَاخُدْ دقيقة واحدة، وأنا أدْيّك أي حاجة عايزها-
وعندما مَدّ فَمَه الذي تفوح منه رائحة الصعوط مختلطة بسجائر البرنجي، محمولة على عبق عَرَق العيش، بحركة رشيقة خاطفة أمسك ود أمونه بشيء الطباخ، كان مظلماً، كبيراً وأملس، أدخل ما يكفي في فمه وبين أضراسه الحادة نفذ وصية أمه بحذافيرها، الشيء الذي جعل كل من في السجن والذين يجاورونه والذين تصادف مرورهم في تلك الليلة بتلك الأنحاء، يقفزون رعباً في الهواء من جراء صرخة الطباخ العنيفة البائسة التي لم يسمع أحد في حياته مثلها ولن تتكرر في مقبل الأيام، صرخة أطارت العصافير الصغيرة النائمة في أشجار النيم في وسط السجن، جعلت السمبريات العجوزات الساكنات بالسنطة عند بِركة المياه جنوب السجن، تضرب بأجنحتها في ذعر، كانت الصرخات التي ألحقها بالصرخة الأولى، أقل أهمية، لأن أحداً لم يسمعها سوى ود أمونه، كانت أكثر بؤساً ورعباً. ثم سقط.
بصقت رأس الذكر من خشمي، كان شيء مقرف.-
قالت لي أمي بعدما صلينا صلاة الصُبح في الساحة
- إنت حتمشي مع عازه إلى بيتهم، أنا تاني ما حأخاف عليك، إنت بس حافظ على أسنانك، حأديك قروش تشتري بيها مساويك.
رائحة قلي البُن الحبشي تملأ رئتي عبقاً لذيذاً، وصوت بُوشَاي الحُلو يغني، فيأتي به الهواء الدافئ من حي العُمدة إلى قطيه أدّي شَهياً، قالت ألم قِشي:
بعد دا كله.. الطباخ شغال لِسَعْ في السجن، سمين زي البغل.-
كنت أعرف هذا السجان، وقد سمعت بقصته هذه من قبل ولكني لم أعرف التفاصيل إلا الآن، ولم أحس ببشاعة الحدث و فداحته بهذا القدر، لقد كان هذا السجان يسكن في ذات القشلاق الذي كانت أسرتي تسكنه، فأبي يعمل بذات السجن،ويعرف الناس عنه غرابة السلوك، ولو انه لم يتحرش بأي من أطفال القشلاق، فلقد كان له رفقاء في عمره، لم أقل لهم أنني أعرفه، ولم أقل لألم قشي أن ما قالته عن استمرار عمله بالسجن و سمنته ليسا حقيقة، فلقد مات الطباخ بعد هذه الحادثة بسنة واحدة، لدغَه ثُعبانٌ في مخزن البقوليات بالسجن، لم أقل لهم أن هنالك صِلة قرابة تربطني به .
تحركت ألم قِشي وهي تحمل المِقلاة تطوف بالقُطيه مقربة إياها من أنوفنا، فنستنشق المزيد.
قال ود أمونه
- طلعت من السجن وأنا عمري عشر سنوات، لكن تقول راجل كبير، كنت بعرف كل شئ، ما تفوت عليّ كبيرة ولا صغيرة.
أضافت ألم قِشي في زهو
. ما شاء الله.. ود أمونه دا... أصلو ما تقول كان طفل في يوم من الأيام -
صبّت البُن في الفُنُدك وأخذت تدق بتنغيم اتبعته بغناء بلغة الحماسين.
قال لي ود أمونه معتذراً
معليش شغلتك بحكايات السجن والأمور الفارغة دي، أنا حأخليك شوية مع ألم قِشي وحنتلاقى، أنا قاعد في قطيه ما بعيدة من هنا.
بالغرفة سرير واحد ولكنه ضخم، يساوي سريرين كبيرين، مصنوع من السنط، له قوائم ضخمة ثقيلة، عليه مُلاءة بيضاء مطرزة بالكروشيه في شكل طاووسين كبيرين متقابلين بالفم، ويبدو النهج الحبشي واضحاً في فن الحياكة والتطريز،من حيث استخدام اللون الأصفر و الأحمر و الأخضر، كانت ألم قِشي كعادة الحبشيات تبدو في بشرة حمراء ناعمة وساقين طويلتين نحيفتين منتظمتين جميليتين، عليهما نقوش حناء باهتة ووشم على القدم غريب، بدأ لي كصليب أو خاتم سليمان، أو ربما وردة سحرية، على كلٍ، كان شهياً وطيباً وطازجاً.
لا أفهم كثيراً في ممارسة الجنس، في صباي، أنا وغيري من صبية الحي، في أيام مراهقتنا الأولى، أتينا الأغنام والدحوش وحتى العُجول ولم يكن ذلك ممتعاً، ولكنه مهماً حيث تبدو كبيراً وفحلاً أمام أصحابك وإلا لُقبت بـ المرا، وهذا لا يجوز في حق أحدنا، ولكن، تجربة شريرة حدثت لي قبل ذلك أي قبل البلوغ، كانت الأكثر إدهاشاً وأكثر بقاء في ذهني وربما مازالت توجه بوصلة الجنس في ظلماء نفسي، اعتادت خالتي التَاية أن ترسلني إلى المِطحنة عند الصباح الباكر، قبل الذهاب إلى المدرسة، لكي أوصل جردل العيش إلى هناك ثم أعود لأخذه في نهاية اليوم وأنا عائد من المدرسة، أي بعد أن يتم طحنه حيث تقوم بإعداده لصنع كِسرَة يوم غد، التي تبيعها في السوق الكبير، صاحبة المطحنة امرأة شابة ليس لديها أطفال، يعمل زوجها في سوق الخضار، وكعادته لا يعود إلا عند المغرب، وهي سيدة معروفة في مجتمع المراهقين بصورة جيدة وكل واحد منهم له معها قِصة، ربما أغرب من قصتها معي، ولكن ربما الشيء الذي يميز حكايتها معي؛ هي أنها كانت تضربني ضرباً مبرحاً، لا أدري لماذا في ذلك الوقت، ولكني فهمت فيما بعد بعض الشيء، عندما أعود لأخذ الطحين كانت تأخذني إلى داخل المنزل عبر باب داخلي للمطحنة، وهناك تخلع ملابسها وملابسي، في أول مرة شرحت لي وأرتني إياه، وخفت خوفاً حقيقياً عندما رأيته لأول مرة، كان لا يشبه كل التصورات التي رسمتها له و أصحابي، كن نظن أنه شيئاً جميلاً، جذاباً مثل الوردة، ولكن هذا الشيء الذي أمامي شيئاً آخر، إنه أشبه بفأر كبير على ظهره شعر أسود مرعب،له فم كبير وربما أسنان أيضاً، بل له رائحةٌ كريهة،لا أدري كيف خُدعنا به طوال تلك السنوات، فلم آلفه أبداً،ولكنها بخبرة المرأة المجربة التي تعرف كيف تُثير، أزالت مخاوفي، ثم عرفتُ كل شيء، أو ما ظننت أنه كل شيء، ولكنها كانت تطلب مني غير الإيلاج أن أقذف، بالأحرى كانت تأمرني قائلة:
. بُول … بُول..... بُول -
وأنا لا أعرف كيف أبُول هناك، وليس لدي بُول في مثانتي، فكنت أقول لها ذلك فتغضب فتضربني قائلة:
؟ بُول، بُول الرُجال، إنتَ مَاكْ راجل-
ولم أعرف بُول الرِجال هذا إلا بعد سنوات كثيرة، عندما جاءتني في الحلم هي ذاتها عارية، وبَحلق فيّ فأرُها المتوحِشُ، وضربتني عندما اشتد بها الشبق.
. بُووووووووول -
فبللت ملابسي بسائل دافئ، له رائحة اللالوب الذي كنت أكثر من أكله في تلك الأيام، خرج البُول في لذة و ألم مُدهشين. ثم لم أبل في سيدة بالفعل أبداً، حيث لم تتح لي فُرصة لذلك، أو أنني كنت خجولاً أمام النساء، ولم تصادفني من هي في جُرأة تلك المرأة، أو لست أدري ما هي حكايتي بالضبط، كل ما امتحنت به جسدي، كانت لمسات أخت صديقي الدافئة البريئة، إذن بعد خمسة وثلاثين عاماً والآن ، وجهاً لوجه مع امرأة، ولأول مرة في حياتي: امرأة فعلية مجربة وخبيرة وأنا رجل كبير في السن راشد وبالغ ولا خبرة لي في النساء، ولا أدري كيف فَهِمَتْ ألم قِشي ذلك، ولكنها قامت بكل شيء بنفسها، بدءاً من لِبسِ الواقي؛ انتهاءً بالبُول، بُول الرُجَال، كانت تسحبه من أعماقي بِجُنونٍ ولذةٍ لا يوصفان.

2009/07/17

THE MUSIC OF BONES


Abdul-Aziz Baraka Sakin

the Music of Bones
A short story
translated by Kat Stapley

The little battle, which I generously describe as trivial, we fought that battle against armed rebels, west of the Murra mountain in the Darfur region. Under an odious mountain range, with no water, no shade, not even any air to move the stubborn sunbeams that beat down on our cunning heads, the smell of the gunpowder was still in the air. The sighs of the injured and the yells of the wounded echoed in the open, confusing the heat of the still and heavy air which hung like an eternal mourning over all the death in the place. This place was a real paradise before the war. We were exhausted and scared because of everything, even the swift unexpected and inexplicable triumph we achieved. We had always expected a defeat or a very hard-won victory as we were besieged and left with no choice save dying slowly or fighting. We almost ran out of ammunition and fuel for our vehicles. Our water and food were depleted and the air force could not break the siege imposed on us by fierce and wily warriors who knew the place better than the snakes and wolves that lived there. We heard their voices and their laughter. We were wounded by their gunshots, but without seeing them. In the first desperate raid we launched against them, we defeated them, but we don’t know how. Here are their corpses and their wounded, crying out for help. Corpses are spread about everywhere covered in a mixture of blood and hot yellow sand. There were also fatalities and wounded amongst our brigade. We have not buried the dead yet, neither have we questioned the wounded, and that was a priority which we should have accounted for to study the battlefield well so as to anticipate how the situation would develop. That is one of the ABCs of military know-how. We were confused, worried and all over the place. We laid the wounded under a huge rock which had formed in the shape of a small cave that ran deep into the mountain. It might have been used by wild animals in the old days when there was still open space for wild animals. We left the dead to enjoy the sunset. We answered the cries and calls of the wounded rebels with insults and sometimes kicks, but we were clearly worried. However, Mousa, whom we called merciful Mousa, treated all the wounded indiscriminately and skilfully. He behaved responsibly and compassionately, which is what he was known for. He had learned it from the International Red Cross, as he always told us. Everything would have passed without problem had Al-Jaweesh[MO1] Al-Mahdi not insisted on killing one of the injured captives, claiming he deserved it for a reason which only he knew and would not reveal.
We were later told that the injured man had gestured to Al-Mahdi with his middle finger.
As usual, Mousa the merciful objected as he was the only one renowned for his beliefs prohibiting killing or torture or refusing to treat injured captives. He would defend his beliefs tooth and nail. He started a heated argument with Al-Mahdi. Then they started fighting. Then Al-Mahdi used the butt of his rifle, and in a swift acrobatic move Mousa was thrown to the ground. When we noticed the small fight between the two tall, slim men from the same brigade, all of us sixteen men and two women intervened to separate them. Al-Mahdi had already picked up a loaded rifle ready to fire, taking a defensive fighting position near the rock where the injured rebels were. They forgot about crying, moaning and calling for water or exchanging their wills. Instead, they stared at us wide-eyed. They scrutinized Al-Mahdi and Mousa the merciful, who was lying unconscious on the ground, uttering strange sounds. Their last chance of survival was ebbing away. Al-Mahdi ordered everybody to sit down, saying: “Otherwise, I will finish you off one by one.”
We sat down.
He ordered us to put our hands on top of our heads and face the north with our backs to him. He wanted that done “quicker than the wind”.
We did it.
He threatened that if anyone made a move, whether friendly or otherwise, he would “flatten him”.
We nodded, indicating that we understood.
When we heard the whirring of bullets, despite all the threats and promises, we all turned round towards him. He had his foot on the back of an injured captive who was facing the ground, his head sinking in the burning yellow sand under the weight of the boots and body of Al-Mahdi.
Al-Mahdi shot the injured captive in the heart: tak tak tak tak tak tak[MO2] .
Six deadly bullets from a Kalashnikov. The captive was finally silent. He was completely, totally, for sure, undoubtedly, absolutely dead: Six bullets from a Kalashnikov by old Jaweesh must have killed that injured captive: tak tak tak tak tak tak.
When Al-Mahdi lifted his foot from the head of the dead wounded captive[MO3] , the captive stood up dusty, tall and dreadful in complete silence. Al-Mahdi stiffened astonished, his mouth fell open, stupefied. He was absolutely unable to utter a single word. One swift punch to his head by the dead wounded captive and Al-Mahdi was lying on the ground half-dead. Then in another decisive move, the dead wounded captive turned Al-Mahdi over, fixed his foot on his back and bent his back into a horrible giant arch. He held Al-Mahdi’s head between his huge hands that were filthy with dirt. He turned the head gently and carefully to the right, then to the left, as if he was a doctor trying to examine a patient’s neck. Then with the speed of lightening and the devil’s skill, he whipped the head backwards at a sharp angle, letting us hear the bones of Al-Mahdi’s neck exploding, shattering, and accompanied by a deep impudent grunt similar to a Do Wa Za tune. The tune kept echoing in the air for a long time. Meanwhile, some Kalaj Kalaj birds sang as they flew eastwards in the empty sky. The dead wounded captive then lay down feeling a special pleasure. He laid his hands at the sides of his tall, heavy and calm body, and died once more.

Publication details to add,
title of work in transliterated Arabic and English, publisher, place, year.

[MO1] Is this really his name, or part of a description of him?

[MO2]I’ve amended the noises to sound English.

[MO3] It seems better in the English this way round, as the death happened last, and he was known to the reader first as a wounded captive. I think it works better with him dying again, too. The sring in the tail!

2009/07/14

على أنهار بابل (كيكا)




عندما خلقنا الخالق ذات صباح باكر. أنا و أنت. قُدَّ جسدك من الليمون. وجسدي من قشرة الليمون. قُدَّ جسدي من الليمون.


وجسدك من قشرة الليمون. بُنى وجهك من زقزة طائر الجنة جنة. وبُنى وجهي من رفرفة جناحيه. بُنى وجهك من رفرفة


جناحيه و بُنى وجهي من وجهك. رُسم فخذيك من طين النار ورُسم فخذي من نار الطين. رُسم فخذيك من نار الطين و


رُسم فخذي من قلبك. أَطلق لسانك من حكمة نبيين في ذاكرة المستقبل (كانوا سُودا كما الملائكة). و أَطلق لساني من


قُبلاتك. و أَطلق لسانك من لساني و أَطلق لساني من وجر النطق ووحوحة اللغة. فكنا في الخلق كفأرين. وفي الناس



كطائفة من العصافير و في البر كالريح.

لست هنا لأقول أني أحبك. فقد قلت لكل من أعرفهم ذلك. وقلت لمن لا أعرفهم أني أحبك. للريح وهي تمر عبر قصب


الحوش. للحوش. للجرو الصغير ينبح في إصرار غريب. للغرباء. لعلي نصر الله وصديقي الوسواس. للخناس. للناس


لرب الناس. قلت لليمامة تغني للربابة تُوتّرْ. للصبية تأكل الآيس كريم. لأبنة الجيران تخجل من قبلتي. لدرويش سكران


كان قد حدثني عن الله في صدره. لمريم. لولدين وشيخين لامرأة. قلت لطائر الطنان أني أحبك. و أني أراك في كل شيء


وردة و أرى نفسي طائر طنان.للبنت تُعشق وتَعشقُ. للسكة تُمشى وتَمشي. لأحمد زكي وهو صديقي أعرفه منذ أن إلتقينا


كعبدين أو ملكين أو شاعرين على أنهار بابل. لفاطمة و منى و سيدة و جعفر. للالايا. قلت أني أحبك مثل كل يوم يمضى


علينا متعانقين في قبلة و خمر. مثلما تعبث في ساقيك أناملي. مثلما يمر العام علينا ونحن لما بعد ننتشي في العُري و الليل.


ننتشي بك وبي.

لست أجمل امراة في الكون. ولست أطيبهن ساقاً و معشراً. لست أفسد امراة في القلب و الميناء ولست أطيبهن قبلة. لست


اشهى سيدة في الدرب ولست أنبلهن متعة. لست أطول أمسية للنهد. ولست أعمقهن عبيرا. لست سوى العالم يخرج من


رداء المعتاد و اليومي و المعروف و المألوف و الأغبى من صمت العارف. انت كل الليل وأنا ما يتبقي كل ليلة من الليل.


أنت كل النساء يمشين للنهر تضيء سوقهن الطريق و الطارق. أنت أجمل امرأة فيهن. أطولهن في النخل و أرسرعهن في


الغواية و أعرفهن في الجسد و البيت. لا أعرف كيف أحبك. لأنني أجهل فيك البنت. لا أعرف كيف أقول لك أني لا


أحبك. لأنك تُجهلين في الليل. ولم يكن ما يفعله الجسد في الجسد سوى جهل الشخص للشخص.ما يتبقى قليل من أمسية


تلتهمها قبلاتك مثل رغيف اللغات الشهي.

هنا أنت. وهنا أنت وحدك. وأنت. هنا أنت و أنا. هنا العالم يتبرج في عُري لذيذ. أحب العالم عارياً يمارس الجنس في


الطرقات. مثل كلاب أمي. أحب العالم كريما طيباً داعراً عاهراً و لوطياً نبيلاً. أحبُ العالم كما هو يتبرج لك ولي. و أنا و


أنت لسنا آخر غير العالم ذاته ولسنا نحن العالم. اذاً آتي إليَّ. أريدك الآن أكثر وحدك. وليكن معك بعض الأصدقاء الذين


تشع عيونهم حين الهفوة (مبارك كلبوس يعرف قيمة الخطيئة). أريدك مثل الفكرة. ومثلما كنت أريدك و أرغبك عندما


نكون وحدنا ومثلما كنت ترغبين فيّ عند الظل. هي الحياة يا حبيبتي لسنا وحدنا في العالم. ولكن يبدو ذلك أكثر و اقعية


عندما يعمل الجسد في الجسد فعل الجسد في الجسد.

قال لي الشاعر

سنلتقي في الروح.

قالت لي حبيبتي

أحب أن نلتقي في المكان.

و تضيق المسافة ما بين الروح و الجسد. ما بين الفكرة و المثال. ما بين الواقع و حبيبتي. ولا يسعنا هذا المساء مرقدا و لا


أغنية. تضيق الشوارع بنا و التلفونات ترن. و تضيق المكتبات بنا. والبنيات تحن. تضيق اللغة. عندما نلتقي كل شيء يصبح


لغة وكل ما نحتاجة من التكنلوجيا و العلم التطبيقي و العقل؛مكانا ما. لا يرانا فيه أحد.ونعرف كيف ننسى أن الله يرى كل


الأمكنة. نعرف كيف نمحو الخطيئة بالخطيئة البكر. لأنني و حبيبتي عندما نكون وحدنا نصبح بشراً تزهر في السؤِ


أشجارُنا. هنا قبل آلاف السنين قال لي الشاعر

- سنلتقي في الحب.

قالت لي بالأمس حبيبتي

ما هو الحب؟

العاشق من يفضح محبوبه. و العاشقة هي البنت التي تستطيع ان تهب روحها و جسدها في
قبلة واحدة و لا تدري ماذا


يعني ذلك. و الحكيم في الحُب من يكتفي بكل شيء ولا يُشبعه كل شيء.



الدمازين


21-5-2009