2009/02/02

محاربة قديمة تحسم المعركة وحدها


سألت الطفلة أمها قائلة:
- هل سيطلقون الرصاص مرة أخرى؟
- قالت الأم:
- لا...
- ولكنك قلت لي انهم سكارى يا أمي.
- قالت الأم:
- إن الخمرة ذاتها التي جعلتهم يطلقون الرصاص هي نفسها التي ستنيمهم فيكفون عن إطلاق الرصاص.
ولو أن الطفلة لم تقنع برد والدتها إلا أنها نامت وظلت الأم مستيقظة تتوقع بين الحين والآخر أن يطلق أحد الجنود السكارى النار عشوائياً فتصيب طفلتها النائمة أو تصيبها هي.
لا أحد يستطيع أن يمنع الجنود السكارى من إطلاق النار طالما لا أحد يستطيع أن يمنعهم تناول الخمر، حتى السلطات نفسها لا تفعل شيئا.
يؤكد زوجها: إذا غضب الجندي المسلح وهو سكران قتل نديمه أو صاحبة المنزل وكلاهما خارجان عن القانون، وقد يصيبك أنت وانتصار، وموتكما أو إصابتكما بأذى لا تؤثر علي أحد له سلطة أو تُخل بالأمن القومي، وكالعادة كان يسخر من نفسه ومن زوجته وابنته الوحيدة، كان بعيداً جداً في هذه الليلة في مأمورية للعاصمة حيث يعمل سائقاً بإحدى الشركات الخاصة، سوف يطلقون النار مرة أخري، هي متأكدة من ذلك، في الغد سأرحل عن هذا المكان إلى حيث يقيم والدي وعندما يأتي صابر من مأموريته سأقول له بالحرف الواحد: يا أنا.. يا هذا المكان اللعين.
وكرر الطارق الطرق، بحركة لا إرادية أطفأت النور الرئيسي أبقت علي سراج صغير ضمت ابنتها إلى صدرها، أغمضت عينيها ولكن أذنها كانت تتصيد الأصوات في الخارج، زوجها لا يطرق الباب لديه مفتاحه الخاص ولا تعرف هي أحداً يزورهم ليلاً، يصر الطارق علي الطرق، تغمض عينيها أكثر، أكثر، أكثر: غداً سترحل عن هذا المكان اللعين يزداد الطرق علي باب الشارع، تستيقظ الطفلة.
لماذا لم تنمِ إلى الآن يا أمي.. هل سيطلقون الرصاص مرة أخري؟
يسمون أنفسهم "البوم" لأن الناس يتشاءمون بصوتهم، ولأن المواطنين يعتقدون أن من دخل البوم بيته لا بد أن يخرج من البيت أحدهم ميتاً، ومن رأى البوم نهاراً لا بد أن يفقد نظره، ومن رآه ليلاً لا بد أن يفقد ذكورته وإذا كانت امرأة لا بد أنها ستعقر، ويسميهم أبي (شياطين الليل) وأمي تسميهم الجماعة، أما السلطة تسميهم (الجنود الأشاوس الذين يحاربون قوى البغي والكفر والعدوان)، كانت البنت الصغيرة تموت من النعاس فهي تسميهم (ناس الحرب).
يزداد الطرق أكثر، أكثر، تغمض الطفلة عينيها الكبيرتين، تغمض الأم عينيها الكبيرتين.
- قد يكون أبي ؟
- أبوك عنده مفتاح.
- قد يكون خالي آتياً من السفر؟
- خالك لا يأتي هذه الأيام...
- إذا دعيني يا أمي أهاجمهم، انهم الأعداء.
- نامي يا بنتي، الباب مغلق جيداً ولا أحد يستطيع الدخول ولسنا في حاجة لمهاجمة أحد. وضعت البنت الصغيرة يدها المبتورة علي فمها. انتصار تحب اللعب مع ابن الجيران مصطفي، مصطفي يحب أن يلعب جيش جيش، هي تلعب جيش جيش واشتركا معاً في الهجوم الكبير ضد ثوار الخور، هي المعركة ذاتها التي فقدت فيها يدها اليمني وأدت بحياة صالح وصديق وفقدت فيها البطلة أسماء عينها، كان ذلك قبل عام بالتمام والكمال.
لست سكران، لست لصاً قالت الطفلة:
- هل هو عدو يا أمي ؟
- نامي.. نامي.
- هل تطفئين السراج يا أمي؟
- دعيها.. لا تشغلين نفسك بشيء، نامي فعليك أن تستيقظي عداً مبكرة للذهاب إلى المدرسة.
- هل يحملون قنابل أيضاً، مثل التي وجدناها في الخور الكبير؟
- انهم سكارى، ولا يحملون شيئاً سوي بعض الأسلحة الخفيفة!
- إذا كان مصطفي صاحياً فانه لن يتركهم يفعلون ما يفعلونه الآن، ابتسمت أمها في غيظ، ذكري بتر اليد، ذكري مؤلمة، لا أحد يستطيع أن يفعل شيئا من أجل الأطفال، الأسلحة في كل مكان: في النهر، الخور، المزارع المجاورة، في الغابة، تحت جدران المنازل: قنابل، الغام، قرنوف، ذخائر...
يبدو أن بعض الجيران قد تجمعوا حول الطارق وبدأوا يستجوبونه، كثير من الجيران، ثم أخذ الجيران أنفسهم يطرقون الباب، باستطاعتها أن تسمع صوت الخالة نفيسة تقول:
- ما حدث لآمنة وابنتها؟
- انه صوت الخالة نفيسة.. هل هي انضمت إلى الأعداء كذلك ؟
- لن ينفتح الباب لأي كان.
وعندما عاودوا إطلاق الرصاص، بكثافة هذه المرة، ربما استخدم سلاح ثقيل أيضاً، صمت الطارقون، ربما انبطحوا علي الأرض محتمين بسواتر طبيعية،في تلك الليلة المقمرة، إلا أن لا أحد بإمكانه رؤيتهم، كانوا يشربون الخمر في مكان ما، قريب جداً، أنهم لا يبالون بشيء ولا يحترمون أحداً ولا يخافون من أحد: يسمون أنفسهم "البوم".
أعرف أن أمي خائفة من الموت لأنها لم تدخل معارك بعد، لم تشترك في الهجوم الكبير علي ثوار الخور، لم تتدرب علي يد مصطفي، تكتفي بأن تغمض عينيها. أطلقوا الرصاص مرة أخري: طلقات متباعدة،ذهبت ابنتي إلى المرحاض وهو عبارة عن بناية صغيرة غير مسقوفة تقع في الجهة الخلفية للمنزل، جهة آمنة تلاصق حائط الجيران، ذهبتُ خلفها لأنها عندما تفرغ من قضاء حاجتها تحتاج إليّ لكي أساعدها في تنظيف نفسها، حيث أن يدها واحدة، لكنها لم تخرج من المرحاض، تأخرت كثيراً، في اللحظة التي ناديتها سمعت صوتها يأتيني من باب الشارع صارخة.
- يجب ألا يتحرك أحد، وإلا أطلقت الرصاص.


خشم القربة 1/4/2000م

عريس..


صلينا صلاة العشاء في جماعة، ونحن لسع في البرش قال ليّ اخوي آدم، يا موسي، عليك الله، تخلي قلة ادبك وتبقي ود ناس، وامور الحرمنة والشفتنة دى تسيبها ولو مرة واحدة في حياتك، بس عشان خاطر امك المسكينة المشلولة دى، القاعدة في بيت احسن منه الكوشة، وكل يوم الحكومة (مكسراوْ)، عليك الله شوف قدامك ووراك وابقي زول! تنفع نفسك وتنفعنا معاك.. باب التوبة مفتوح يا.. موسي..؟
قلت ليو.. ربنا يهديني ويسترني مع الناس ديل..الزمن دا الشغل مابيتلقي بالساهل..
2
جاء المأزون، قرأ قرآن كتير، ودعي ادعية كتيرة، صلينا وراه ركعتين لله، بعد داك عقد لينا كلنا العشرين في وكت واحد، بصراحة انا كنت ملاوز، ولكن اتذكرت كلام ادم اخوى: ياموسي الملاوز مابيكسب.. خت الرحمان في قلبك. لكن الشي الاقنعني اكتر لما شفت عروستي، كانت اجمل واحدة في العشرين عروس، لونها ذي اللبن، وصغيرة طويلة، وعندها شعر نازل حتي جعباتها، سمينة ولينة، وعيونها صغار ولكنهم لعينات ومغريات تقول عيون بت ابليس، كل مرة كانت تقول لي بدلع:
ـ انت.. محظوظ ود كلب..
كنت بسكت ساكت، بعاين ليها وبتوعدا في سري، بامور عجيبة حا تعرفها في وقتها لمن نصل الفندق.
انا مندهش من نفسي وروحي وحظي، الحافلة الكبيرة اللموزين المليانة باربعين من العرسان كانت بتجري بسرعة رهيبة علي الزلط المكسر في اتجاه (الجراندفيلتش)، بدأت الغناء عروس صوتها جميل، وكلنا عرفناها لما بدات اول مقطع من غنيتها.. وصرخنا في صوت واحد:
ـ زهور القضارف.. زهور القضارف..
حتي عريسها نفسه اندهش، انا متزوج من اشهر فنانة شباب في السودان، وماعارف!
قعدنا نبشر ونشيل وراها وننتشي، والعروسات يزغردن ويرقصن في مقاعدن، وفي عرسان شالتهم الهاشمية وباسوا عروساتم عديل في الحافلة وقدام الناس، بشرنا نحن عليهم وقلنا ليهم:
ـ مبروك..
قلنا للسواق عليك الله يااوسطي ودينا جناين امتداد ناصر، نهيص شوية ونعمل حِتٍّة بارطي علي الاقل نتعرف علي بعضنا اكتر وبعدين نمشي الفندق.. قال لينا:
ـ انا والله ملتزم بزمن لو ماكدا كنت وديتكم،
ـ نزلنا كويس هناك ونحن نأجر لينا حافلة تانية عشان ترجعنا بطريقتنا الخاصة.
الحفلة حفلة تاريخية.. الناس الكانو في رحل قدامنا خلوا
فنانيهم وجو يحضروا حفلتنا، كشف شديد.. حت شديد، تجدع شديد..الم شديد، وصوت زهور القضارف بدون مايكرفون وبدون ساوند سيستم، بدون آورقن وايقاع، كان براهو اروكسترا، ولمان تقول ليك:

جياشا.. جياشا.. ووب عليا انا،
جياشا.. والجيش نقلو فتاشة،
كّر علي،
لو كنت زول صالح وتقي عديل زي ادم اخوي او المأزون العقد لينا زاتو، حتنمسخ.
3
جاء البوليس، بوليس النظام العام، سأل:
ـ وين التسريح يا جماعة ؟
قالت ليو زهور القضارف، بعدما لمت توبا وجدعت يدينا الملآنات بالغواييش في الهوا ولوت شفتينا الكبيرات لويتين رايعات وصفقت:
ـ تسريح شنو ياجنابو ؟
ـ تسريح الحفلة دى ؟
ـ سجمي ياجنابو.. انت مابتعرف القانون ولاشنو.. الحفلة العايزة تسريح الفيها ساوند سيستم او مايكرفون او مسجل عندو سماعات وصوتو عالي او اورقن او آلات موسيقية فيها سماعات.. ولكن دى حفلة بالخشم ساكت دى مافيها تسريح حسب قانون النظام العام لولاية الخرطوم 1999م المعدل في 2001م،
ودوي التصفيق والصفير والكشف وهتف الناس بصوت واحد:
ـ دا الكلام .. دا العلم!
قال العسكري:
ـ انا حآوريكم القانون.. و اوريكم الكلام الما بتعرفوه والعلم الما سمعتو بيهو. ومشي عشان يجيب قوة اضافية، ونحن أخذنا الحافلة ومشينا الفندق.
4
لمان جينا الخرطوم ونزلنا من اللوري، قابلنا ادم اخوي ومعاهو صحبانو، وقسمونا..انت تنفع تبيع موية.. وانت تبقي مداح.. ابراهيم، انت تنفع تبقي فنان شبابي.. بس احفظ شوية اغاني حقيبة.. انت تنفع امام جامع..
انت ياموسي تنفع عريس،
ـ لكن انا مابعرف امثل..
رد لي سيد الوكالة مبتسم:
ـ الحكاية ما تمثيل عرس جد.. جد .. بمأزون.. وقسيمة وكل شيء.. حتي شهر العسل.. تمشي تقضي شهر العسل حسب حظك في السعودية او الكويت او ابوظبي بس في شي واحد تعملو وهو المهم.. لمان تجي من شهر العسل تجي براك.. تخلي العروس هناك عشان الوكالة تاني تعرس ليك.

فبراير 2003

صاحبة المنزل


هو شخص عادي، عادي مثلك، يعشق السلام ويحب أن يكون آمناً محبوباً، فهو مثلك يحب أن يكون محاطاً بالنساء الجميلات ولكن المرأة الجميلة عنده هي ليست مارلين مونرو أو صوفيا لورين ولا حتى ملكة جمال ملكات جمال العالم.
المرأة الجميلة عنده هي المرأة التي تقبل أن تذهب معه إلى مسكنه، أو وجره كما يسميه، حجرته الطينية الغبشاء وتجلس على عنقريبه المتهالك العجوز ذي اللحاف المتسخ ببقايا الصاعوط وكأسات العرق الأخيرة والتي قد يضطر على شرابها وقد بلغ السكر أشده فتندفق علي اللحاف مذيبة بقايا الصاعوط فيشكل المزيج خرائطاً بائسة، فهي اذاً امرأة بالغة الجمال إذا شربت من جركانة الماء المملوءة منذ يومين، التي بني الطحلب علي جوانبها – اخضر لزجا وماسخا – مستعمراته، اذاً هي أجمل من هيلين طراودة اذا تمطت علي عنقريبه ثم... نامت. هو شخص عادي وبسيط مثلك، فلماذا لا يهيم بالصبية الرد فاء التي تبيع السمسمية عند الحنية الصغيرة قرب بيته، الصبية التي عرف إنها جميلة منذ أول جملة قالتها له عندما استدان منها ولأول مرة قطعة سمسمية كبيرة.
- أأنت الذي يسكن ذلك المنزل ؟
مشيرة بإبهامها الرقيق – رغم سمنته – نحو وجره.


(2)

صاحبة المنزل، صاحبة الحجرة الطينية الغبشاء، والتي يتخذها وجرا لنسائه الجميلات وقلعة تحميه إلحاح الدائنين ولجب عسكر الخدمة الإلزامية.
قد تبدو هذه المرأة بمقياسك للجمال، هي أجمل سيدة تقع عليها عين في مثل تلك الحارة ولن أصفها لك، ولكني أهمس في أذنك بأن تنظر الي التلفزيون الآن وإذا بدأت أمامك مذيعة لا يهم من تكون تمعن في وجهها فهي تشبه صاحبة المنزل كثيرا عندما تعمل فمها في اللغة، لأن المذيعات كما تعرف – عندما يلوين شفاههن وهن يحاولن إخراج الكلمات من بين أحمر الشفاه والأسنان المطلية بماء الفضة، فهن يتشابهن كثيراً في تلك اللحظة يشبهنها وهن يدللن اللغة فيخرجنها مخنثة أو دائخة من عطر الفم الكيميائي المخلوط بروح الأناناس أو الليمون، ويمكن أن نضيف إلى هذا الجمال الواضح البين كرمها، فهي تهبه يومياً وجبه كاملة وحتى صبيحة الأمسية المشئومة والتي ضبطته فيها يراقد الصبية الرد فاء بائعة السمسمية والتي كانت في تلك الأمسية أجمل امرأة في العالم، حتى بعد هذا الحدث الرهيب لم تكف عنه يد العطاء ولم تسأله عن أيجار الأشهر الثمانية المنصرمة، بالرغم من أنها انهالت عليه ضرباً مبرحاً بعصا مصنوعة من أحطاب الكتر، ضرباً لا رحمة فيه ولا مخافة من عذابات يوم الحساب، وعندما سقط مغشياً عليه أخذت تركله في بطنه وصدره ثم أهالت عليه التراب ثم صبت عليه ماء الجركانه المطحلب البارد، بصقت عليه مراراً ولو، لم يمنعها بعض الحياء النسائي والذي عادة ما يصطحب جمال المذيعات لتبولت عليه ثم تبولت عليه.
كانت قاسية وعنيفة بشكل مفاجئ ومباغت مباغتة شلته تماماً عن التفكير، بل ذهبت بوعيه وشتتت فتاة المتعة الإنسانية العميقة والتي كان يقتاتها بكل سلام وبراءة من بين ردفي أجمل امرأة في العالم، صبية السمسمية، تلك القسوة التي عجز عن وصفها لصديقيه بابكر المسكين، ومايكل أكول عندما زاراه في وجره صبيحة الليلة المشئومة، فقط اكتفى بأن خلع ملابسه واراهما ظهره ثم أعطاهما رأسه الذى ما زال متروباً ومطيوناً بماء الجركانة مطحلباً... ثم أراهما أذنيه المعضوضتين ثم ساقيه المكلومتين ثم سألهما عن آمنة.. عن عينيها الحلوتين البريئتين وعن ضرسها المسوس وهل ما يزال يؤلمها ؟! ثم أكد لهما بأن اللكمات التي تلقاها من هذه المرأة، كفيلة بقتل ديناصور وليس بني أدم مسالم وطيب مثله.
ولو أن الموقف كان في قمة المأساة إلا انهما انفجرا بالضحك وضحك هو أيضا، بالرغم من الوخزات التي كان يحدثها الضحك في ظهره ورئتيه وعندما سأله مايكل أكول عن مصير الردفاء، قال:
- لا أعرف عنها شيئاً، لقد كنت في شبه غيبوبة.. فقط أعرف أنها اختفت عارية لان ما تجلسان عليه الآن هي أثوابها..
سألهما عن آمنة وعن كشه، الخدمة الوطنية الإلزامية، قال: له بابكر أن فوال المحطة الوسطى دايم السؤال عنه، كم طلباً من الفول أكلت منه بالدين؟ ّ ثم أضاف وهو يحملق في جرح بساق صديقه المغضوب عليه:
- لقد أصابتك لعنات ام بخوت صاحبة الشاي، وصاروخ الكيف ولعنات كل فوالي العاصمة حتى بائعات التسالي وفارشي الكتب على الرصيف وبائعات عرق البلح والداعرات..
فرد مايكل أكول مبتسماً
- أيهما أهون عند الله الموت جوعاً أم الأكل بالدين..؟
قال بابكر وهو يبصق سفة صاعوط
- ولكن السكر بالدين.. والمزة بالدين..وحتى النساء بالدين ؟!
ألم يكن هذا ما يسميه خطباء الجمعة بالإثم المركب ؟!
ضحكا، فسي فسوتين متتاليتين، سأل عن آمنة أحس براحة نفسية عابرة سأل عن الكشة ونتيجة المعاينة الأخيرة، سأل عن آمنة وما إذا كانت ما تزال تتردد على المركز الثقافي الفرنسي باحثة عن عمل او تسهيلات لتأشيرة دخول لفرنسا، بعد أن خاب أملها في اصطياد ضربة حظ اللوتري الامريكي. طلب سفه صاعوط.
(3)

بصق سفة السعوط، قال أنه لم يقابل آمنة منذ أكثر من أسبوع فقد بقي بحجرته سجين الدائنين وعسكر الخدمة الإلزامية، الآن حبيس المرض.. طلب سفة صعوط أخرى، فقدم إليه مايكل أكول سيجارة كان يحتفظ بها في جيبه بعد أن دخن نصفها مناصفة وبابكر المسكين في الطريق، سأل عن آمنة وهل وافق الطبيب علي خلع ضرسها.


(4)

علي المنضدة الصغيرة المصنوعة من الفلنكة كان وعاء الطعام، أرسلته صاحبة المنزل في الصباح الباكر مع طفل صغير كالعادة، بالرغم مما حدث بالأمس... وكأنه لم يحدث شئ بل وكأن ما حدث لم يكن سوي مواجدة تزيد من التقارب الإنساني وتقوي العلائق الاجتماعية، فكان الإفطار دسماً وشهياً جعل ثلاثتهم يتذكر الوجبة الملائكية – كما تسمونها – والتي تطفلوا عليها بقاعة الصداقة وهي عبارة عن مأدبة عظيمة أقامتها أسرتان ثريتان احتفاء بنكاح وقع ببينهما.. فدخلوا كالمدعوين ثقة وادعاء للغني – ولو كان ذلك علي مستوي السلوك فحسب لان مظهرهما الخارجي كان يدل علي البؤس والعطالة – فإذا رآهم أهل العروس ظنوهم من أصدقاء أهل العريس وإذا رآهم أهل العريس ظنوهم من أصدقاء أهل العروس ولم يكتشف آخرهم إلا بعد أن شبعوا واتخموا بالمحشيات والمشويات والمقليات والسلاطة وحينما تذكروا آمنة وإنها الآن ربما تتلوى جوعاً.. فهل نبخل عليها بفرخة سمينة مطبوخة بالبهار والسمن البلدي محشوة بالزبيب والزيتون وما لا يعلمون ؟!
وأمام دهشة مئات المدعوين الأثرياء، تلك الدهشة المنعمة السمينة المشحونة بالازدراء وعفن الدونية. حمل بابكر المسكين الفرخة عارية تقطر سمنا بلديا وتفوح منها رائحة البهار الهندي، وخرجوا من مطعم القاعة مسرورين يغنون بصوت واحد نغما شائعاً رخيصاً يناسب ثراء المكان وعقد المناكحة المحتفى به، سادتي: أنا وصديقاي نحي فيكم روح الثراء، ونبارككم أبداً ما تناكحتم وشم بعضكم فيخ بعض.

(5)

سأل عن أمل، قالا له: إنها أنجبت ولداً واحداً فقط على الرغم من ضخامة فخذيها وسمن زوجها والذي في الغالب يزن اكولين ونصف بابكر، أي ثلاثة أكول إلا ربع الأكول، قالا انها ما تزال غنية وكلما قصدا منزلها أنقدتهما مالا لا يستهان به يمكنهما من شراء الصاعوط وركوب المواصلات وقد يتبقى لهما ما يساوي نصف زجاجة العرق ومزة رخيصة قد تتعدى الزيتون الأسود أو الفول المدمس.
قال إنه طوال هذه الأيام المقضية في حبسه كان يكتفي بوجبة واحدة صباحية يتيمة والتي تهبه اياها صاحبة المنزل مجاناً ولله وحده، ويقضي يومه في قراءة وول سونكا استعداداً لدراسته أكاديمياً في إطار إعداد بحث عن الصورة الشعرية في الأدب الأفريقي الحديث.
وأحياناً وفي بعض المساءات تشاء سيدة ما تكون أجمل امرأة في العالم وغالباً تقوم بهذا الدور الصبية الردفاء بائعة السمسمية، فتتسلل الي حجرته حاملة معها بعض السمسمية وتحكي - بينما يلتهم هو السمسية التهاماً- عن صديقتها الوحيدة والتي تبيع التسالي و حلاوة فوفل عند بوابة السينماء الوطنية، التي بإمكانها حفظ أي أغنية هندية بسماعها مرتين فقط وهي أيضاً تشبه الهنود في طباعها وأيضاً ملامح وجهها، فلها وجه مدور كالقمر ذو بشرة ناعمة شفافة يمكن من خلالها رؤية شرايين دمها.. شرياناً شريان. وبين حاجبيها لها شامة ربانية والذي جعلها هندية أكثر وأكثر هو أنها تستخدم كريم ديانا مخلوطاً بمعلقة من اللوكسيدآر وملعقتين من الكلي وقليل من الكبريت الأصفر مما جعل وجهها أبيض كالقمر المكتمل وأظهر شامتها الربانية السوداء بين حاجبيها الكثيفين.. آه.. يا ليتك رأيتها، حمداً لله.. لأنك إذا رأيتها ما كنت تهتم بواحدة مثلي لا تستخدم سوى صابون سبتو.. لا.. لا تظن إنني استخدم سبتو لأنني فقيرة..؟ لا.. ولكن لأن الديانا واللوكسيدآر.. والكلي وحتي الكليرتون والامبي تسبب لي حساسية.. ألا تري هذه البقع السوداء بوجهي.. إنها ليست خلقة ربانية!! ولكنها رغم جمال صديقاتها وتهندها، إلا أنها تعيب عليها قلة أدبها – فقلبها فندق.. وحبها وغرامها البوليس والجيش وأظنها تحاكي بذلك سيتا حبيبة كومار ابشلخة الخائن، فأنا عكسها، تماماً لا أذهب إطلاقا لبيوت العزابة ولا ميس الضباط وأكره ما أكره العسكر والبوليس. وأفضل عليهم بمليون مرة الطلاب وكانت تحكي له بينما يلتهم هو السمسمية التهاماً، وعندما يفرغ من التهام السمسمية يلتهمها هي، يلتهمها بحرفية وأستاذية تثير إعجاب صديقتها خدوج الهندية به، وحسدها عندما تقص عليها أثر كل مغامرة تقاصيل شبقة وحبه لها.
أخرج بابكر كيس تمباكه،ضغط على الكيس في عدة اتجاهات مختلفة بأنامله مكونا كرة صغيرة من الساعوط، أخرجها بميكانيكية، رفع شفته العليا فبدأ كحمار يتشمم بول أنثاه ثم وضع كرة الصعوط بكل أناة ودقة ما بين شفته العليا ولثته، ثم بصق على الارض حبيبات صغيرة من التمباك وكح. سأل عن آمنة، عن الإمساك المزمن والذي تعاني منه منذ شهرين ؟! كان سيسأل عن آمنة أيضاً وعن خديها اللذين يصيران شديدي الاحمرار عندما تجوع أو تقابل –صدفة- أحد دائنيها. أو عندما تقرأ نتيجة المعاينة والتي دخلتها مؤخراً ولم تجد اسمها بين من تم اختيارهم للخدمة، والذين تتفوق عليهم أكاديمياً، كان سيسأل.. لولا أن صوتاً نسائياً أخذ يصيح في الخارج منادياً باسمه صوت سيدة يعرفه تماماً ويخافه، فبغير ما شعور منه صاح مرعوباً.
- هي.. هي.. هي..!!
قالها كما لو أن جندياً ينبه رفيقه على الا يطأ اللغم والذي علي بعد نصف خطوة من رجله. هذا الأسلوب هو الذي أرعب بابكر المسكين ومايكل أكول وشل تفكيرهما فوقفا علي رجليهما في لحظة واحدة هي اللحظة ذاتها التي ولجت فيها هي الحجرة. لم يبد عليها إنها قد فوجئت بوجود مايكل وبابكر معه بالحجرة ولكنها تفحصت مايكل أكول بعين نافذة.
كانت سيدة جميلة بغير مقياسه بمقياسك أنت صغيرة، تلبس في احتشام تام وعلي رأسها خمار ثم فوق الخمار يلتف ثوبها المتواضع بأنامل كفتيها، تلتف خواتم من الذهب عليها فواريز بألوان شتي كما أنه لم يكن بمقدور احتشامها اخفاء فتنة جسدية جامحة تخصها، كان صوتها رقيقا وناعماً الشيء الذي جعله يعيد النظر في حقيقة أن هذا الملاك المائل أمامه هو شيطان الأمس ذو القبضة الحديدية والعصي الكتر والذي كاد أن يقتله ضرباً..
صافحتنا واحداً، واحداً، واضعة أناملها الرقيقة في اكفنا العجفاء ولكنه استطاع استشعار قوة رهيبة تكمن وراء تلك الأنامل الناعمة كالزيت، قالت برقة متناهية كأنها تخاطب عصفوراً أثيريا، إنني آسفة لقد كنت متوترة بالأمس وقالت إنها إذا أثيرت: اذا استغضبت تتملكني روح شيطان ولا أستطيع أن أتمالك نفسي وبإمكاني تحطيم كل ما يقع عليه بصري حتى ولو كان من الحديد الصلب، واكدت - وبعينيها دميعات رقيقات صافيات كالبلور ود بابكر المسكين في غرارة شبق روحه لو أتيح له لحسها- ان الله وحده هو الذي نجاه من موت محقق ثم اجهشت بالبكاء وهي تجلس علي منضدة صغيرة من الفلنكة وهي الأثاث الوحيد بالحجرة بالإضافة إلى العنقريب العجوز القصير ذو الحبال المزيفة، ببكائها أحس ثلاثتهم بطمأنينة بالغة وهم يراقبون اسحاح الدميعات الصافيات كأنها قطرات ندى علي بتيلات غاردنيا.
أخذ هو الآخر يعتذر عما بدر منه من سلوك أدى إلى استغضابك أيتها الجميلة، هذه الردفاء التي لا احبها واكره سمسميتها، ووجهها السبتوي، وتحدث بابكر المسكين عن القيم والاخلاق السامية والتي لا تمس، وهو منتعظ المفعال، في ذات اللحظة متخيلا وجهها الصغير المدمع في عطش كوني لا رواء له.
فتململ مايكل أكول في مجلسه وهو يسمع كلمات الخوف تخرج من بين فكي بابكر المسكين المرتجفين وتحت عينيه الزائغتين، غير ان هذا لم يمنعه من الادلاء بدلوه متحدثا عن بنيات الزمن الشريرات مشيراً بوضوح خبيث للصبية الردفاء وبطريقة ميتافيزيقية كان يشير إليها هي في ذاتها.
بصق بابكر المسكين سفة الصعوط في الخارج قرب باب الحجرة ونهض خلفه مايكل اكول استئذنا الانصراف ولكن سيدة المنزل والتي اجلستهما قبل دقائق علي العنقريب قربه أصرت علي أن يحضرا الغداء معهما، وهو الآن معد وسأحضره حالا، فأبقيا، خوفا من استثارة غضبها ولأننا -نعلم- لن نجد غداء في أي مكان آخر في الدنيا: أيتها السيدة المعطاءة ملكة بطوننا يا ربة البيت ذات الادمع البلورية نحن نحبك ونخاف منك.


(6)
رقد ثلاثتهم علي العنقريب العجوز واخرج مايكل اكول من حقيبته مختارات من شعر هنري ميشو وعندما هم بقراءة قصيدة ريشه تحدث عن الشاعر مارول مارول ثم طلب من بابكر المسكين قراءة قصيدة The Foe بصوته الحلو ولكن بابكر تحدث عن انتحالات ادونيس أو ما اسماه سرقاته من الاصمعي والنفري، ثم أخذ ثلاثتهم يغنون لمريم ماكبا ثم تعاطوا التمباك مرة أخري سأل عن آمنة وعن الكشة والمعاينات للخدمة العامة في جملة واحدة، قال انه لا يرغب في شئ في هذه الدنيا غير أن يقبّل آمنة قبلة واحدة في شفتيها، ثم يقول لها باللغة الفرنسية أحبك! ولكنه لا يعرف اللغة الفرنسية وهو أيضاً لا يستطيع أن يقبّلها،
إذا ما جدوى أن نغني يا آمنة ما جدوى هذا الخريف، بينما هم يحكون عن آمنة وسارة وماريانا إذا بصوت سيدة يأتي من خارج الحجرة الطينية الغبشاء فهتف مذعورا.
- انها.. انها.. انها..
الردفاء بنت السمسمية.. انها دائماً تختار الزمن الخطأ..
قال مايكل اكول وكان بصوته رجفة خفيفة حاول اخفائها عن صاحبيه فخرج صوتا مخنوقاً بائساً مشحوناً بالجبن وأكثر ارتجافاً.
- ما العمل ؟
ولكنها لم تدع لنا وقتاً للتفكير بل اندفعت داخله الحجرة فوقف ثلاثتهم دفعة في استقبالها مصافحين اياها واحداً واحداً كانت اردافها الكبيرة، كبيرة، جلست علي المنضدة المصنوعة من الفلنكة، المنضدة الصغيرة والتي لم تسع ردفيها مما جعلهما يبرزان على جانبي المنضدة متدليين كقربتين كبيرتين مملوئتين بالزيت، أحس بابكر المسكين إحساسا مزدوجا في ذات نفسه، إحساسا عميقا بالامتلاء وأحس في ذات الان إحساسا عميقا بالجوع، كانت اردافها الكبيرة كبيرة، وهي تعتذر لائمة نفسها علي انها تسببت في ضربة فما كان عليها ان تزوره في مثل هذا المكان وهي تعلم ان صاحبة المنزل هي اشرس امرأة في الدنيا لأنّ بها روح شيطان تتلبسها عندما تغضب، وقالت انها قلقة لحاله ولم تنم ليلة البارحة ولم تهتم ابداً بمأساتها هي الشخصية حيث انها هربت عارية كما ولدتها امها جارية عبر الأزقة الضيقة المظلمة الي بيت أسرتها ولولا ان ستر الله لرآني والدي لولا انه كان بالجامع في صلاة العشاء.
وقالت: إنها تعرف ان صاحبة المنزل الان توجد بالسوق الكبير حيث لديها مكان للشواء مشهور ولا تعود إلا بعد المغرب وكان بإمكانه ان يسر بهذه المعلومة الدافئة وان يفرح بها ايضاً صديقاه الا ان علمهم بأن السيدة توجد الآن بالمنزل وانها ستأتي بعد قليل وستجد الردفاء و س.. ت.. غ.. ض.. ب!
قال لها هامساً، في الحق كانت تخنقه عبرة مرة وهو يقول للردفاء:
- انها بالمنزل الأن.. وكانت هنا قبل قليل وستعود الآن بالغداء!!
فنهضت الصبية الردفاء مذعورة وأرادت الانصراف في ذات اللحظة التي سمع فيها الجميع وقع أقدام سيدة المنزل، وهي تترنم بأغنية شائعة في سعادة بالغة ومتعة دافقة، كنا نبحلق في جنون نحو باب الحجرة نحو بعضنا البعض نحو الصبية الردفاء والتي لولا الخطر الحادق والرعب الذي نتوقع مواجهته بعد لحظات.. لضحكنا عليها.. لضحكنا حتي الموت ولكن لا بأس سيضحكون كثيرا اذا خرجوا من هذه المعركة سالمين وسيحكون لأمل وزوجها السمين والذي سيضحك الي ان تنفجر كرشه الكبيرة مصدرة دويا مرعباً، وسيحكون لآمنه وستضحك هي الأخرى إلى أن يحمر خدها وسيحكون لعبدالله ومحمد وتأبان وكوة تيه، فقط لو خرجوا أحياء من هذا المأزق سيستأنسون بذكراه وهم يعانقون الجوع والعطالة والهرب علي شاطئ النيل او عند ام بخوت بائعة الشاي.
كانت الصبية الردفاء تحاول الاختباء تحت العنقريب العجوز الصغير ولكن ردفيها.. فحاولت القفز عبر النافذة الصغيرة المواجهة للحائط الخلفي حيث يصبح بالإمكان الهرب بسلام، ولكن ردفيها.. وعندما عجزت عن أية فعل منقذ غطت وجهها بكفتيها وأغمضت عينيها بشدة وأخذت ترتجف كما لو أنها صعقت بتيار كهربائي منتظرة مصيرها المحتوم، وذلك المصير المشئوم والذي استطاعت الهرب منه ليلة البارحة بأعجوبة الأعاجيب، كانت الأغنية الجميلة توافي مسامعنا مرعبة كأنها عواء الذئاب وكلما اقتربت من باب الحجرة وأصبحت أكثر وضوحا كلما كانت أكثر رعبا، فصاحت بأن يأتي من يساعدها علي حمل الطعام،أين أنت ؟
ولكن لم يحرك أحد ساكنا لقد شل تفكيرهم جميعا فدخلت الحجرة ووضعت حملها علي المنضدة ودون ان تنتبه الي الردفاء قالت بصوتها نغمة ملائكية حلوة:
- فليذهب أحدكم لإحضار الماء البارد من..
فجأة توقفت عن الحديث وهي تبحلق في وجه الردفاء المغطي بكفيها، قالت بهدوء مشحون بالتوتر والشيطانية الباردة.
- أهلا..أهلا.. تفضلي.. أنت دائما هنا.. البيت بيتكم، أرقدي على العنقريب واخلعي ملابسك، لا تخافي مني، فأنا ذاهبة سأتركك مع الثلاثة، جميعهم، أيتها الداعرة الإبليسية بنت الشوارع، لماذا تنظرون إلى هكذا؟ لن أفعل لها شيئا، سأكون معها هادئة، اذهبوا انتم لاحضار الماء واتركونا، أنا وهي، وحدنا بهذه الحجرة، لن أهشم عظامها، لن أحطم رأسها ولن أمزق أردافها الكبيرة التي تشبه الإخراج، أخرجوا، وأنت.. أنت.. هل تحبها، أيها الفأر الأكول اذا اتركوه لي.. اخرجوا جميعاً.. حتى أنت أيتها السمينة.. اخرجوا.. اتركوه لي وحدي.. فأنا هادئة، وسأظل هادئة لم تنظروا، هل أنا مجنونة، أن صمتكم هذا يثير أعصابي.
ثم أخذت ترتجف بصورة مثيرة للشفقة حينما خرجنا وتركناه بالداخل أما الردفاء فمنذ أن سمحت لها صاحبة المنزل بالخروج انطلقت كالسهم وتلاشت في خبايا الأمكنة، بقي مايكل اكول وبابكر المسكين خارج الحجرة قرب الباب بعيدين عن ناظر صاحبة المنزل والتي يبدو انها في طريقها لكي تستغضب، أو انها استغضبت بالفعل، كأنا على أهبة لانقاذ صديقهما ولو بمناداة الجيران أو الشرطة.. كانا قلقين كفأرين علي كف قط: سيدتي الجميلة المرعبة، أي نسمة شيطانية ستعصف بنا؟ أي إعصار لذيذ؟!
ولكن بعد لحظات قلائل من وقوفهما خارج الحجرة سمعا نعم. سمعا صوتا نسائياً ناعماً رقيقا يبكي.. يبكي في بؤس مثير للشفقة.
فقال مايكل اكول لبابكر المسكين والذي جحظت عيناه دهشة وانفعالا وأسئلة عصية..
- اذا فلنعد لداخل الحجرة، فلنلتهم الغداء قبل أن يبرد.. فأنا لا أحب الطعام البارد..! فرد بابكر المسكين وبين فكيه ابتسامة خبيثة.
- حسنا، وأنا كذلك!! فأنت تعرف عني ذلك جيّداً..!

الحكاية الكاملة لمأساة الأستاذ صابر الدقيس!


قال له الملحق الثقافي ذو التغضينات الجميلة على وجهه الثري الناعم الملآن، قال له وهو يقلب شهاداته بكفه البيضاء ذات الأصابع النظيفة الشهية، قال وبشفته ابتسامة مراوغة، ظنها الأستاذ صابر في بادئ الأمر نوعا من مظاهر الثراء والتي تعم المكان كله، ولكنه اكتشف بينه وبين نفسه، فيما بعد أنها ليست سوى مسحة حزن كان لا بد منها لخلق جو ملائم لما سيقال، قال له:
- بصراحة يا أستاذ شهاداتك الجامعية كلها ممتازة ومدارسنا في حاجة ماسة لشخص مثلك يمتلك المؤهل،
ثم صمت قليلاً قبل أن يضيف بصوت خفيض عميق وكأنه يحدث نفسه:
- ماجستير في التربية، ليسانس لغة عربية بدرجة الامتياز، دبلوم كمبيوتر مع خبرة في التدريس لمدة عشرين عاما؟ هذا نادر الحدوث..
ثم أضاف وبصوت عال ولهجة حادة بعض الشيء:
- ولكن لا رجعة فيما قلته لك!!.. لقد انتهى التقديم! كم هو مؤسف..
ثم صمت ولم يكمل وكأنه يريد من الأستاذ صابر أن يقاطعه، ولكن الأستاذ صابر والذي يعرف أن السكوت من ذهب، كان يحب أن يحتفظ بذهبه، في الحق ما كان لديه ما يود قوله فقد قال كل شئ للملحق الثقافي والذي استجوبه فيما يقارب نصف الساعة، لم يترك شاردة أو واردة إلا اشبعها سؤالاً. بدءاً من عمره وانتهاءً بصحة زوجته. لذا عندما لم يكمل الملحق الثقافي جملته نهض واستأذن أن ينصرف ولكن الملحق ذو الأصابع البيضاء الشهية أشار إليه بالبقاء.
بعد أن أجرى عدة مكالمات. ابتسم وجهه السمين الثري مظهراً أسناناً منتظمة عليها صفرة فاقعة وقال:
- أنت رجل محظوظ، ورد للملحقية عقد قبل خمسة دقائق، أي أثناء وجودك هنا، علي هذا المقعد. و طلبت الموثق أن يحضر الآن ويحاورك في شأنه،
قبل أن يجد الأستاذ صابر وقتاً لكي يبتسم، إذ بالموثق يدخل وفي يده حقيبة..
- الموثق أبا يزيد الدينوري
- الأستاذ صابر الدقيس
لأبي يزيد الدينوري أيضاً أنامل بيضاء شهية يجيد التحدث مستخدماً أصابعه السمينة والتي كثيرا ما ساهمت، فيما بعد، في إقناع الأستاذ صابر الدقيس، قال أبو يزيد بعد أن جعل وجهه النظيف يبتسم:
- إنه ليس عقد تدريس كما كنت ترجو وكما مؤهل له، ولكنه أكثر فائدة ودخله ألف مرة ضعف دخل مدرس مؤهل مثلك أو يزيد، ولكن به إشكالية واحدة هي أنه مستعجل جداً وسري، ويجب تنفيذه خلال ساعتين فقط من وصوله القنصلية.
في الحق مل سريعاً الأستاذ صابر حديث أبا يزيد الدينوري حول العقد دون النفاذ إلى نقطة إجرائية سريعة ومفيدة، ولكن بطبع الأستاذ صابر أنه لا يتعجل الأمور ولا يحب مقاطعة المتحدث مهما أمله حديثه، وأخيراً قال أبو يزيد وهو يعتدل في جلسته السمينة الهادئة والتي ما كانت في حاجة لأي استعدال:
- إنه عقد سجين.
صاح الأستاذ صابر الدقيس بصوت أحس فيما بعد أنه كان عالياً بعض الشئ ولا يناسب الجو الدبلوماسي الذي هو في قلبه:
- عقد سجين ؟
قال أبو يزيد بثقة وعلى فمه ابتسامة ثقيلة باردة:
- نعم.. عقد سجين.
ثم واصل بثقة مفرطة وآلية:
- ستبقي في السجن نيابة عن أمير وسيدفع لك مقابل ذلك بسخاء منقطع النظير..
- قال الأستاذ صابر وقد بدأ منفعلاً قليلاً:
- أنا حياتي كلها لم أدخل الحبس ولا مرة، بل لم أقف أمام قاض أو شرطي.. فكيف لي أن أدخل السجن ؟!
قال أبو يزيد وقد بدأ طيباً ومتسامحاً وخيراً في ذات اللحظة بل ومبشراً عن جنة غامضة، في برود معلوماتي كبرود الكمبيوتر:
- يا أخي يا أخي هون علي نفسك.. السجن عندنا في بلدنا ليس كالسجن عندكم هنا في دولة فقيرة تعاني من عسر خدماتي عام مزمن، أضف الي ذلك أنك ستسجن باسم أحد الأمراء المرموقين، أي أنك ستكون في محل أمير، ممثلاً له متمثلاً فيه، أي أنت الأمير ذاته في السجن، فتخيل كيف يكون سجنك!! أنت فيما يشبه جناح بقصر أميري، حجرات متسعة مكيفة صيفاً وشتاءً وعندك أحدث ما أنتج العقل الياباني من تلفاز ذو شاشة سحرية به الصورة ذات أبعاد ثلاثية وألف قناة عالمية في اشتراك دائم بالقمر الصناعي العربي أراب سات رهن لمسك جهاز الرموت كنترول، جهاز فيديو وكمبيوتر متصلاً بشبكة الانترنيت يقوم بتسليتك وتزويدك بما تشاء من معلومات وبإمكانك أن تستثمر سنوات سجنك الأربع، في التحضير للدكتوراه، فيما تشاء من جامعات العالم، وكل جامعات العالم رهن مكالمة تلفونية منك لأميرك.. لا أكثر. لديك مطبخ مهيأ به كل ما سمعت من أدوات، وما لم تسمع به، وستدهش لرؤيته، بأم عينيك، بين يديك، ولن أسمي لك شيئاً، لكني سأترك لعنصر المفاجأة مجالاً.
الطعام وما أدراك ما الطعام ؟! قبل كل وجبة بساعة يأتيك طباخ السجن بقائمة تحتوي على مائة صنف من الأطعمة، ومائتين من المشروبات، وورقة فارغة لكي تكتب فيها ما تريد أكله، وهو لا يوجد ضمن المائة صنف. تفاحك من لبنان وحيفا، وعنبك من عرائس كروم قبرص، وإذا شئت أن تطعم مما تطبخ زوجك يومياً، لكان لك ذلك.. يا أخي.. بالسجن عالم من المفاجآت والدهشة، وكيف لا وأنت أمير.
الرياضة ؟! القراءة؟! الجري ؟! تنس الطاولة، ما هي مواهبك؟.. بل ما هي أحلامك؟ ماذا تريد في هذه الدنيا؟ ما هواياتك ؟.. شطرنج.. هل تلعب الشطرنج بالكمبيوتر، لك طبيب خاص، ولك ممرضتين تجدهما قربك وقتما شئت، وبإمكانك اختيارهما من بين أجمل الفتيات المستوردات من شرق آسيا، وأخيراً أخذت السجون في بلادنا تستورد فتيات من روسيا، بعد انهيار الشيوعيين هنالك.. بالسجن يا أخي، بالسجن يا أخي..
كان يحكي في برود معلوماتي قاس، أما الأستاذ صابر الدقيس، فقد ذهب بفكره وقلبه بعيداً.. بعيداً.. في مجاهل الحلم الواقع، الغد البؤس، الأصدقاء..
وداعاً أيها المعلمون، أيها البائسون، حشرات العدس والفول والشاي الماسخ، ديدان الطباشير المنقرضون، يا أحبائي المساكين،
هتفوا بصوت واحد أجوف:
- فور وصولك أرسل إلينا عقود مساجين، ألف عقد وعقد، أطلب منهم أن يفتحوا سجوناً جديدة، وقل لهم هناك مساجين في انتظار السجن! فمدوا إليهم يد العون والمساعدة، يمد الله في أعماركم مدا.
السجن يا أخي في بلادنا، جنة.. جنة.. جنة علي الأرض، يا أخي، وما نقدمه إليك مقابل ذلك، مال سخي يدهشك. فحين توقيع العقد، نسلمك شيكاً بمبلغ أربعة مليون دولار، يمكنك إيداعه بالبنك، باسم زوجتك أو أحد أطفالك، شهرياً سيضاف لرصيدك، بإشارة بنكية، مبلغ ألف دولار. هذا فضلاً عن نثرياتك ومصروفك الشخصي، أضف إلى ذلك المعاش الوراثي، لحياة آخر فرد من أسرتك، يا أخي، هذه هي فرصة العمر، والعمر فرصة واحدة لا غير، وان أميرك هذا، رجل كريم شهم، وما ألصقت به من تهمة إلا مؤامرة خبيثة، دافعها الحسد والغيرة، والذين يعرفونه عن قرب، الملوك والأمراء، يشهدون أنه ليس باستطاعته إيذاء نملة، دعك من ارتكاب جريمة! وكان بإمكانه ألا يمثل أمام القضاء، ولا يرضخ لحكمهم، ولكنه يريد للعدالة أن تأخذ مجراها، فنحن، ومهما يقول الغرب عنا، إلا أننا ديمقراطيون في عمق أخلاقنا وثقافتنا..
- يا أبي.. بابا صابر.. قل لهم يوفرون لنا حجرتين ملآنتين باللعب والبسكويت..
- وأنا أريد كوكاكولا أيضاً..
- قل لهم يا أبي.. أنهم لا يرفضون طلبك.. وإلا بلغت الأمير ليقوم باللازم..
- هل يسمح لي بزيارتك ؟ أنا لا أستطيع البقاء من دونك.. ولا أتحمل مسؤولية التربية.. فأنت تعرف أن الأطفال يفسدون دون رعاية والدهم ؟!
ليس بإمكان أحد زيارتك، وأنت في السجن، لأنك مخفي تحت اسم ولباس أمير، ووجهك سيظل مغطى بحجاب دائم، مثلك مثل كل السجناء، الذين ينحدرون من أصول عريقة، وأسر لها مكانة اجتماعية أو سياسية كبيرة، فهم لا يحبون أن يميزهم أحد.. وماذا تريد من زوجتك. هل ستحتاج إلى زوجتك؟
- هل قالوا لك أربع سنوات ؟
ألا تشتاق للمشي في الشوارع المشمسة، وأكل التسالي، تحت أشجار المهوقني.. قرب المدرسة؟ ألا تشتاق للصلاة بالزاوية مع الأحباء ؟ ألا تشتاق لقهوة الظهر.. ونسة العشاء.. ألا تشتاق لأطفالك وهم يتواثبون علي حجرك، وبأيديهم بقايا حلوى وطبيخ، بصدورهم شئ من الرّيالْ، فيلوثون ثيابك، ولا تستطيع أن تنهرهم إلا مبتسماً.. ألا تشتاق...
- لا يهم.. لا يهم.. عندما تعود ستعوض كل ذلك وأكثر.. ستعود لأطفالك بالمال الوفير.. وحينها: سحقاً للملاريا.. سحقاً لسوء التغذية.. سحقاً للرمد.. سحقاً
- لا تكن عاطفياً أكثر من اللازم. السجن يا أخي بالنسبة لك طوق نجاة، وأعرف أنك ستفتقده يوم خروجك منه.
- ومن يعلم، فقد يصدر عفو ملكي عام، ويشمل أول ما يشمل أنت، وتكون قد أفدت من العقد كما لو أنك قضيت السنوات الأربع.
- سافر.. سافر.. سافر.. أنت الآن في سجن كبير، فما يهم أن تدخل حجرة منه، هي.. جنة حقه.
- أمامك ساعتان للتفكير، أجلس في المكتب المجاور، واستشر نفسك، ولا تشغل نفسك بإجراءات السفر.. جوازك.. الكشف الطبي.. إيصال مصروف أبناءك.. أو حضورهم لوداعك، فكر يا أخي ؟
- أنت ترفض نعمة الله، سجن.. أهذا سجن، الذي أنت فيه الآن، ألست أنا مدير المدرسة، وأنني وريث لمال تعلم أنت قدره، إذا وجدت فرصتك هذه فأنني لن أتردد لحظة واحدة في الموافقة.. هذا رزق ساقه الله إليك.
- أقول بصراحة، أنا متشككة في هذا الموضوع ؟ هل هناك أمير يسجن ؟ انهم ربما يودون سجنك بدلاً عن تاجر مخدرات ثري.. أو أي شخص.. المهم الأمر برمته ليس مفهوم لدي..
- دعيني أقول لك، بصراحة أيضاً، انك امرأة أحادية النظرة دائما تنظرين إلى الأمور من زاوية الظل.. الزاوية العمياء، تفاءلي لمرة واحدة في حياتك ؟
- موافق.. موافق.. متي السفر.. أريد أن أسافر الآن.
- أقرأ العقد أولا.
في يوم الثلاثاء الموافق الأول من مايو 1997م، وعند العاشرة صباحاً وبينما كانت زوجته، المعلمة بمرحلة الأساس، تستلم حوالة بنكية بمبلغ أربعة مليون دولار، ولولا أنها كانت مشغولة البال بأسئلة ملحة في رأسها:
لماذا لا يخبرني ؟ هل كان يظنني سأقف دون سفره؟ هل سأحرمه وأحرم أبنائي كل هذه الثروات؟ لماذا يسافر هكذا فجأة ودون علم أحد؟ وأيضاً، لولا أنها كانت مأخوذة ببريق الدولارات الخضراء، ذلك البريق الفسفوري الآخذ بالألباب، لسمعت صوت المذيع الرخيم يعلن إعدام الأمير حران بن البحر المجيعد، بعد محاكمة سريعة وسرية، اثر قتله لوالده الشيخ المجيعد، وقد تم إعدامه صبيحة الأمس بالكرسي الكهربائي، ووريت جثته الثرى، بصمت تام.
2000

في ذكرى مرور اعوام كثيرة،علي مغادرة بوذا لمدينة أسيوط،


بغم أسيوط،
أسيوط في أسيوط، أما الصادق حسين عند دوران روكسي يرقب المارة، في شارع النميس، ثلاث فتيات، ولد واحد، جلال الجميل، النفق الصغير، شارع الجامعة، عند كلية التجاره تقف عربة التاكسي، تنزل فتاة واحده تمضي العربة بالبنتين، كلما في جيب محمد الناصر ثمن سيجاره واحده، سوف يستخدم علبة الكبريت الفارغة كراسة لكتابة ملاحظاته عن محاضره الدمشاوي الاخيره، يغني الدمشاوي لسيد درويش، ثم، يموت.
انا لا احب الفلافل، ولكن الجوع الكافر هو الذي جعل الفتاتين توقفان سائق التاكسي وتطلبان منه ان يشتري لهما جريدة المساء، ستقرءان لأول مرة لعاطف خيري وحسين تيه باجور وشكيري توتو كوه ووداد مرجان والشاعر الرقيق حمدي عابدين، هل نذهب الي قصر الثقافة، اليوم هو الثلاثاء، البنت الكبيره حميده والبنت الصغري فوزيه ابو النجا، سمر هي ايضا طفلة جميلة ستصير اكبر من المروحة واكبر من حديقة الفردوس، انا أعرف ذلك وايضا سعد عبد الرحمن، تتحرك عربة التاكسي نحو الفرح والجوع والامال العريضة، دار الاتحاد، أمين حمد ناالله، جفون، امل الخاتم، بهاء غير موجود الليلة يسهر مع اسامة الكاشف في الاسنكدرية، فالموسم مطير، اشجار المسكيت تنمو فى كل مكان مجانا، لاثمن لشئ، تفف عربة التاكسى عند مدخل بيت الطالبات، درويش الاسيوطى، محمد درويش، ابليس الشعراء احمد الجعفرى يغنى هو وجمال عبدالناصر على ترعة الابراهيمية، يدخل، كانت بذاكرتى تعبث الجرذان، ذاكرة جرذ كبير، كبيرة ذاكرة الجرذ الكبير، بوذا يعشق الليل والنهار والسفر وكتب عم سيد الشهية المتبلة والدوريات الكويتية، عالم المسرح واقلام صدام حسين، العالم هنالك اقرب، اقرب اكثر من السماء، السماء هنالك تمطر قططا وكلاب، بوذا يرضع اغنام المهاتما غاندى ويهرب نحو قمةلاسا،معاويةالزاكى،انتصار،انتصار،انتصارالشايقى، دبى،الفاشر،انتصارالاخرى، ابوذر وداليا وامال فى جمالها المرعب، جمال كبير البصاصين، تنزل بنت جميلة ولكنها تقول لجلال الجميل،
- نتلاقي في جامعة بحر الغزال.
عاطف خيري، أخرج، أخرج، عاطف خيري، عاطف الحاج عاطف الفوكس، عاطف البحر، عاطف، نادر، عبدو، سوسن، سوسن عبد العزيز، عبدو نادر، أخرج ياعاطف، انت لست في المنزل، لست في الحسبان،
معروف عني،
أنك فيّ كأني،
معروف عنك،
أني منك اليك،
أحبك شئت،
أبيت،
بكيت،
ضحكت،أرضت
سموت،
لأنك أني،
وأني،
ذاتك أنت،
معروف عني، انك في كأني، معروف عنك، أني منك اليك، احبك شئت ابيت، ضحكت بكيت، أرضت، سموت، لأنك أني، واني ذاتك أنت، سلام لطيف لا يوق، سلام لاشجار دفلي، سلام لسياب روحي، سلام لأسيوط قلبي، سلامي لقلبي، صديقي محمد فتحي، ذكريا عبد الغني، صديقتي البتزا بنادي الحقوقين، صديقتي جداً اليوم يمضي، والتكاسي تلفظ البنات في الشوارع الجانبية، بوذا وحيدا يواجه بوذا، والناس مشغولون عنه بالناس، والقصص القصيرة والاشعاروالروايات تنتظر في دواته، أكره هذا العالم الجميل، احبه أكثر، مابين 1963 يوم الثلاثاء وبين 1993، ثلاثون عاما في الحمراء، عزبة السجن، محمد عيسي، عادل خليل شايب، عبدالله ابراهيم عبدالله، عبد الله المبصر، نحن العميان، رياض تبن، مني، نازك، الحاج حمد الحاج، جوهر، نادر، هجو، هجو اللعين، هجو اللعين جدا، هجو، عصمت، معاوية الاخر، معاويةالاول، أدخل مجهرا اخرج من اخر، الولد الكبير يغني،
بلادي وان حنت علي كريهة، قومي وان حتموا علي لئام، بوذا يتبول عند حائط المبكي فيلعن، اولئك اصحابي فجئني بمثلهم، كتاب، لسان سليط، مناهل سعيد، زينب، لاأعرف بحرا للمحس غير النيل، زينب حلمى،اطول عنق، عنق النخلة، واجمل عنق، عنق النهر، وبوذا يستفرغ ذاكرته فى قاع النهر، بوذا يحلم، تنزل حبيبة من عربة التاكسى، تصعد حبيبتان، جلال الجميل، يتأمل وجه ياسر، ينقسم وجه ياسر لوجهين، وجه يخشي الاسفلت، ووجه يشع كالنجم، يذهب الوجهان، لحضورالبروفة النهائية، لفرقة ساورا، الزين بحارى، امل الخاتم،ابتهاج، موناز، السماني لوال، الصادق الرضى، اخيرا يفشل فىصنع فتاة من دمه، ولكن ينجح فى ان يسميها نضال، من ينتصر على من، كلتوم فضل الله، الدارصباحى،012233305،الطريق الي الله، يبدأ من الله، فى سنة1992،
احبك حبا شديدا،
فيروز، شادى، اللوسينا، حبيبة الصادق، اطيار الكلج كلج، قطيةالروح، سلام بلادى في عيد السمك، خشم القربة، بنت النوبة، احمد سعودية، حماد، كفاح، حسن علي، كوثرحسين، سيحزن الليل انه وحيد، يريد ليلا يؤانسه، في شارع روكسى، عندالدوران يقف الصادق حسين،لا ينتظر احدا، ولكنه ايضا لا يريدالذهاب، لان كل الاتوبيسات، والميني بص وعربات التاكسي والمترو والقطارات السريعة، لايمكنها ان توصله الي كمبو كديس، ولا خميسه ولا عايدة ولانعمة ولا علوية ولا احد باستطاعته ان يأخذه الي ديوانه بالحي الجنوبي، قرب الزاوية شمال الغسال تسفاى، الصادق يحملق في المارة، الصادق حسين، في جيبه علبة كليوباترا، ومئة دولار ارسلها له اخوه داؤد من الولايات المتحدة، له حذاء جديد، وهو لا يهتم بالموضة، يكتفي بالجينز، في جميع الفصول، تماما كما كان يفعل في خشم القربة وفي اسمرا أيضا، الآن لاينتمي الي اي حزب كان، فقط، حزب المغربين والمبعدين عن كمبو كديس، والذين ليس بامكانهم حضور يوم السمك في،
18/ 8/ 2003، كل سنة وانت بخير، أحمد زكي، كمبو أحمد زكي، معروف عني، انك في كأني، كتبت حبيبة ذات يوم لحبيبها واسمه السمندل، أمه سوزان وأبوه المتنبي، قالت له،
- عد،
قال،
-من أين،
قالت،
-عد وحينها أنتظر خلفك لتعرف أين كنت،
وكانت البلاد شاسعة، والنيل يمتد الي مالانهاية،السمندل لا يعرف أحدا في استراليا ولم ير حبوباته من قبل،لا يعرف وجه صالحة، فات منها فوت، و الصبر و الكدح أبدا لا يعيدان غريبا لوطنه، عبثا، الصادق حسين يقف عند الدوران، تقف عربة التاكسي تنزل صبية، تلقي التحية كيفما اتفق، ثم تنتبه لوجود شخص تعرفه يقف عند الدوار، وجلال الجميل لايعرف أحدا أنه يحب الجميع، قالت
- الصادق،
قال انه سوف لايذهب لاي مكان كان وبأي طريق كانت طالما لم تقده هذه الليلة الي كمبو كديس،
قال لها: لا يوجد، يا أختي ملجأ أفضل من الوطن،
( قلنا لن يوصلك البحر..)
قلنا،
لن،
يوصلك، البحر.
عاد أبكر آدم أسماعيل، وفرحت امه بعودته وزغردت، ولكنه نسي في المهجر كراسة اشعاره الاخيره، عاد مرة اخرى، سوف لايشتاق إليه احد،
( لسنا في البيت
لسنا في الحسبان)
نعم، سوف لايشتاق إليه أحد، قلنا لن نشتاق لأحد، نحن هنا في البيت لانضع احداً في الحسبان، لن نشتاق الي أحد، منذ ان غادر احباؤنا البيت لم يعد البيت للبيت، والبنيات الصغيرات
أطلقن ضفائرهن للريح،
اعدنا نحن الضفائر للنهر،
اطلقن ضفائرهن مرة اخرى للمطر،
اعدنا نحن الضفائرللرمل،
اطلقنها للنخيل،
اعدنا نحن الضفائر للودع،
اطلقنها للسوميت،
اعدنا نحن الضفائر للبنات،
فنعسنا ونمنا علي أكفنا وكنا ــ كما تركتمونا- أمينين علي الصبيات، فتغازلنا الليل كله ثم، عندما اشرقت الشمس حملن اطفالنا وذهبن لأبائهن بالبشارة، بوذا يرسم في كهف العذراء مريم ليل دير المحرق، الأب ناشد بشاره، البابا كرلس، لا احد في المغارة، لاوجه يبكي، حبيبتي تقلم اظافرها عند المزلقان، تنبهها خديجة لامر أهم، كريمة ثابت، آمنة الصعيدية الشاعرة، دكتور مصطفي، عم سعيد صاحب الكتب الشهية، نادي الادب , الريح تأخذ حبيبتك للريح، والله يأخذ الريح بالريح، لابأس، سلام من اجل وردة الطين، سلام من اجل كتاب لم نقرأه، سلام لاطفال الشوارع، أولاد الحرام، الذين ليست لهم ريح يستحمون بشظاياها، وانت بارد كجرادة تبيض، بوذا، سوف يغادر الان اسيوط، نعم سوف يغادر اسيوط الي محاسن، رحلة لم تنته وسيظل طبق الكسرة علي عطر الطايوق ودخان الكتر، كان بول كلب طريد، اغسلته محاسن، مازالت رائحة شوائه تزكم انوفنا، عاد بوذا يحمل اسفاره الخمس: كتاب اللبن، كتاب السماء، كتاب الصبيان وكتاب كمبو كديس، انت لاتسوي شيئاً في المنفى، حسن البكرى، هنا سوف يراك الناس عندما تستحم في الخور، سوف يراك الجميع ويصفقون ويرميك الاصدقاء بالسفاريك والدراب كما رمي الشنقر والرضي، كما رمي شكيري توتو كوة، يرمونك بالكلج كلج وأم بقبق وصلاح احمد ابراهيم، بصديق الحلو، سيرمونك بي، وبك وقبلة سريعة من صبية تشهيتها كثيرا وطويلا وقصيرا ـــ ومثل عبدالله زيدان ــ عندما انفردت بها في زقاف ضيق وهي عائدة من الدكان، ضممتها لصدرك بشدة وقلت في ذات روحك،
- ديني انا.
الصبية الآن في البيت، ولكنها لاتنتظر أحدا، لاتشتاق الي احد، لستم في البيت، لستم في الحسبان، عند المساء، عندما يتهيأ لنا ان العسس في سنة عنا، آخذ صديقي، الصادق وبابكر الوسيلة، عبدالله زيدان يقف عند الماسورة يشّيل نسوان الكرنقو باقات المياه، وبين مسكيتتين كبيرتين ندخل الي خميسة، تغمرنا رائحة البيت العطره، رائحة البلح المعتق، تحتفي بنا تدير موجة الراديو الي ام درمان وياسعادتها اذا صادفت اغنية، كأنما هيأت ذلك هي بنفسها شخصيا،
ـــ ديل ا نتو،
يا بنت... يا بنت اديهم البنابر،
وتأتي سلوي بالبنابر، ومنذ ان فعل عبدالله زيدان فعلته، تعاهدنا بأن سلوى زيها زي انتصار، زيها زي صباح، زيها زي عزيزة، جلسنا، لم نتذكر احدا، لم نشتاق الي احد، ولوان خيال الذي يصحي التمرة نصف الليل لم يبرحنا، إلا ان بابكر دفق كأسا مليئة في وجهه قائلا له،
- لست في البيت،
اسيوط روحي، البيه مهران، حمدي عابدين: لسنا دائما علي مايرام،
في العراق، عند الباب الشرقي، صنع السودانيون المغربون تمثالا لابادماك من التمباك، واحتج نفر من الساسة، اعجب بذلك نفر من الساسة، تخاصم عليه نفر من الساسه، انشقوا علي انفسهم عندما باعه احدهم وقبض الثمن، حدث ذلك في العتبة وفي ركن السودان بأسيوط، لكن، من يوصل الصادق حسين الي كمبو كديس، انه مازال عند دوران روكسي، يرقب المارة، السنوات الاخيرة، هكذا نغني، السنوات الاخيره، كتب بوذا في سفراللبن، عندما عدت من لاسا، عدت الي نفسي، كنت موزعا بين الصخور، اللالوبات، المسكيتات، الدراب، الخيار، ازهار الليمون، خجل الصبيات، العاب الاطفال وشليل، بنات بنات، كنت الدكتور في لعبة المستشفي، اللص في الحراميه والشرطة والكديس في من نطاك، الرمة في الحراس، التمساح في لعبة النهر، كنت الطيش في الفصل، الغياب والمشاغب، كنت ود امه وصديق ابيه وحبيب امل، صديق عبد الرحمن، الولد العضاه الكلب، القطع البحر، الجرى من الثور، الرفسه الحمار، الشرب المريسة، السأل الاستاذ سؤالاً عوقب عليه الفصل كله، كنت موزعا في المكان، لذا لم اجدني في لاسا، لا في اعلي قمم التبت لاعند معبد القرده او في شوارع روكسي، كان قلبي في صدر هاشيما بنت الكرنفو، ورأسي عند الشنخابي صاحب صاروخ الكيف، يداي في جيب صديريتي، ووجهي في راكوبة مريم يتستنشق عطر البن المقلي، لاأتذكراحدا، لاأشتاق الي احد، في الانتنيه جلس شيخان، كانا يتوكآن علي عصي واحدة، شيخان طويلان لهما وجهان جميلان، لكن لم يتعرف عليهما احد، كانا يعرفان المكان، تحدثا لبعضهما: إن في المكان لحمة تخصنا،
لم يتعرف عليهما اجمل الجالسين عندما يدخن سيجارة برنجي، ماو، لم يتعرف عليهما، شخص ليس في المكان من هو ابرع منه في اختراع الشجار الممتع واروع الالفاظ السوقية ذات العفن البهيج العفن الشهي، وليد اسماعين حسن، لم يتعرف عليهما المراسي محمد اسماعيل في عنقريبه، المقدود وقربة قرعة البقو تحفل في حضرتها الذبابات الكبيرات الخضراوات والتي يجيد رسمها صلاح ابراهيم، كان الشيخان، شيخان، يتوكآن علي عصي واحدة ولهما وجهان جميلان.
قال شيخ جميل لصبية تلعب بجملة قصصية:
ـاناادجار ألان بو.
قال شيخ جميل لصبية تلعب بجملةشعرية:
ـ انا اوفيد..
ولكنا قتلنا العمر خارج البيت، فلم نكن في الحسبان، الان ليست سوى عصى واحدة نتوكأ عليها و نهش بها علي الكلمات، وجهان جميلان، لدينا ظل لا يقي يوم لا ظل إلا ظل الله، بكت الصبيتان قبل ان تمضيا مع محمد خلف الى مكان قريب، يصنع الأمدرمانيون دائماً نصوصهم في مكان قريب، الصادق حسين يلتفت يميناً، يساراً، لا بص، لا حافلة، لا قاطرة، لا نفق، لا تاكس،لا قدمان، لا حمار أو ناقة، تستطيع أن تلقيه في خور قريب من كمبو كديس، أو عند مشرع السقايين، حيث أعتاد في الماضي الالتقاء بالصبيات علي الرمل بعيداً عن القيل والقال، لا عند الصفصافات، آسف أنت لا تعرف الصفصافات، لقد نمت بعد رحيلك تأكيداً علي غيابك و نكاية بك، نبتت غابة الصفصاف العشوائية على شاطيء النهر، شرق معسكر اللاجئين، عند الشلال، لا نجوى، لا زهور، لا نعمة، لا نزهة، لا جهاد، حماد، لا الحلب المزعجين، لا شجارهم في المغرب، سوف لن تحضر زواج موسى السمح، لن تشاهد صراع النوبة غرب مكتب الأمن، أمام الستشفى، في 18/8/2003 يوم دق السمك السنوي،012205926، 23/2/2003 حفلة ختان ولد نعمة أختك أعرف أنك نسيت أسمه، لذا لن أخبرك باسمه، 16/3/2003 عرس سعاد، نعم للمرة الثالثة، سيتزوجها صلاح، وهو ضابط إداري جديد، أنت لا تعرفه، لكنه سمع عنك، سعاد أخبرته عن كثير من عشاقها، تشاجر معي، تعرفني جيداً أنا لا إفتعل حرباً في النساء، لكنه دفعني علي ذلك دفعاً، فهو شخص جديد في النساء، سوف يتزوجها علي أساس أنها عذراء، مازلنا نذهب لكبري ستة لتناول الافطار في مطعم حسين، كل يوم جمعة علي عربة أبراهيم الديدي، في صحبة عتوت أو خروف أو ما تيسر من خيرات الله، نذهب للرميلة، يغني الدرديري لأبي داؤد، الكاشف، أغنيات الحقيبة التي تعجبك كثيراً، لا أحد يتذكرك، لا يشتاق إليك أحد، نغني، نسكر، نرقص نهيص ونبيص، تحت أشجار السنط، علي رمل الشاطيء، عمر، التاج، حماده، مساعد الديدي، عادل موسي، جني، عصام،الإعراب، الأسماك، الحدأة، ياسر، و أنا.
نسيك الجميع و الأنكأ والأمر أننا تقاسمنا حبيباتك جميعهن، غازلناهن، قبلناهن، ثم، بذرنا في أرحامهن أطفالاً، أسمينا الأطفال، بأسماء نعرف أنك تكرهها، مثل عايده،غايده، رايده، مثل الكاسح و الماحق و البلى المتلاحق، اسمينا كبيرهم باسم قاتل محمود محمد طه، منذ ان قتل محمود لم يسم أحد طفله بذلك الأسم البغيض، نكاية بك أسمينا أول الأطفال بإسم القاتل، لا احد يتذكرك، لست في البيت ـكما يؤكد عاطف خيرى ـ لست في الحسبان، هنا انا في البيت انا وحدى في الحسبان، بوذا يرسم خارطة لمن يريد العودة للبيت،
1 - للذين في السعودية،
تمشوا في الشوراع بحرية، غنوا للكاشف ومحمود عبد العزيز، هي اقرب الطرق الي البيت.
2 - للمغربين في مصر،
اضربوا بعصيكم البحر
3- للذين في بلاد الفرنجة،
حطموا سور الملجأ الذي فيكم، ثم الذي يحيط بكم، والعنوا اليورو والدولار، و كل العملات التي يستحيل الإحتفاظ بها في الجيب، قولوا لبعضكم البعض: لا يجد منفي أحلى من الوطن،
4- دكتور السماني في ماليزيا،
لا احدسوف يتصل بك، نسي الجميع رقم هاتفك الجوال وعنوانك وصورتك الشخصية، وحبيتك سوف تتزوج من صديقك في 2003/3/30،
5- عاطف خيري،
من يوقظ التمرة،
جلس شيخان في مقعد واحد، كانا يتوكأن علي عصي واحدة ولهما ثلاث ارجل، قال الشيخ للشيخ،
ـ ما اسم هذا المكان الفسيح،
قال الشيخ،
ـ اظنها روما،
بوذا عاد، عندما عاد من اسيوط، عرف الفرق ما بين روما وكمبو احمد ذكي، ما بين روما وكمبو الليمون وعرف الفرق مابين السمؤال محمد الحسن ورجل تبول علي واجهه المحال التجارية في التحرير، شوقا لشوق ونادية،
سلام مصر روحي، سلام منفاي الجميل، سلام بنت جوعي، سلام لطائر الكلج كلج علي شجرة اللوسينا، لحدأتين علي قمة قطيتي، لعبد الله زيدان وهو يحملق بعينين خبيثتين تافهتين في حشو شجرة طندب تسكنها بومة، سيدة الشاي، متلة بنات الجامعات الصغيرات يبحثن عن معرفة لا تفيد، كلام قاله الجامعه في الكتاب المقدس، يكرره عبد الله في جمال هذا المساء،لا يتذكر احدّا، ولا يشتاق الي احد ودكتور علي شرفي، يزداد طولا وبؤسا، ويزداد بيته صغرا وضيقا ولا يمتد ناصر، ولكنه هنا اكثر جمالا، الصادق حسين،
ام صلمبويتي،
ولا،
كدقاية زول،
لا تعد، ابق في دوران روكسي، هنالك النساء في الميني جيب والميني ميني جيب، الرجال علي عجل، الدراجات للسباق والفيلم الهندى، تحياتى لمكتبة مدبولي، اسيوط في اسيوط وبوذا يحي ذكري سنوات كثيرة مرت منذ ان ودع درويش الاسيوطي يوم السبت في نادى الادب، استفرغ الذاكرة،
ارمي بكم بعيدا عني، اخرجوا مني كي اراكم اكثر حلكة، كي ادفق عليكم ماء النسيان لكي احبكم اكثر ألعنكم، عوض شكسبير في صلعته الجميلة، عبيد، انس الشرير، اخرجوا، اخرجوا، تدور عربة التاكسي دورتين سريعتين ليضغط السائق علي زرار المنبه، يفتح الحارس الباب، تدخل السيارة حرم الجامعة، في كلية البيطرة تنزل بنت جميلة اسمها ياسمين، تعود سيارة التاكسي فارغة لتختفي في شوراع الوليدية الضيقة تزحف بين عربات الكارووالباعة المتجولين، من علي البلكونة يطل وجه عبد الرحمن جربو، ثم يختفي مرة اخرى، باتريشيا الآن وحيدة، كتنق، تمتطي طول قامتها، ترسل اظافرها في الهواءالندى، هواءالصباحات القادمة، سوف يحاول الاطفال تأجيل عيد الفصح من اجل باتريشيا فالحائك لم يجد منديلا بطول باتريشيا، ولا نخلة يطيل صبرها بها ولم يجد مرسي لسفن الباشوات والقرصان، حتي يستريح عندها العبيد، والرحلة طويلة سواء اكانت الي مصر او جورجيا،
الرحلة طويلة،
والاغلال تحز معصمي وتأكل ساقي وكلما ادمي لي جرح بصقت عليه، وكلما رآني السيد افعل، مشقني بالسوط علي ظهري وسبّ أمي وأبي والمستنقع الذى خلقني منه الله،
ـ انتم وصمة العار الوحيدة في جبين الانسانية،
قالت لي، كتنق، بلغتنا،
ـ انه كلب حقير،
كدت ابتسم لولا الحزن الذي يغمر قلبي، لا لا لن ابتسم للسيد، ولكن من اجل كتنق وحدها، الصادق حسين تؤلمه الجغرافيا وبذاكرته مجزرة تعمي دمائها المسفوكة قلبه، لا احد، لا درب، لا شجرة، لا سنبرية، لا بنت لا ولد يقوده اليوم الي كمبو كديس،
كل البدائل ظلام، والنجم،
اين النجم،
هنا في الحي الجنوبي، تحت ظل النجم جلسنا، الطيب، ابراهيم، التاج، سليمان والسلطان، حولنا اشجار المسكيت والتي سوف نستخدمها سواترا طبيعية، اذا هاجم العسكر الكمبو، سلوي تغني بلغة الباريا، انا بصوتي الاشتر اغني خلف سليمان،
ساقني بعجلة وداني كمبو،
وين يا ناس،
ساكن جنبو،
عندما يؤذن للصلاة، يوم العيد، نرتدي ما تيسر ونصلي مع المصلين في ميدان المدراس،
من يجرؤ علي سرقة عتوت سيدة، غير كبسون نفسه، من يجرؤ علي شيه كاملاً غير منقوص، تحت السنطات الشاهدات علي المسرقة، غير ابليس ذاته.

بغم الأسماء
عبد الله الحارث، صلاح، حلفا الجديدة، علي الكوتش، محمد،الاستاذ محمد، عبد المعطي حجازي، ابو حديدة، سيرة العرق والطين، عرق الحصي، حبيته الجميلة، طلال، ظلال، دلدوم، حسن كوكو، عبد العزيز كافي، الشريف موسي، مملكة سنار، الطواوشة، التنابلة، الماسليت، الصابونابي، حكومه، جيرمني، سيدة وعائشة وموريس، حي صدام، حلة عم محمد زين صاحب النيفة، حسن مرسال، حسن الكونج، حسن حسن حسن، علي جعفر، ابتهاج، فرحة، زهورعبد الله، عبد الله، صورة، عصافير، ود ابرق، عشوشاي، سمرعبدالله، لتجاني عثمان حسين الحاج، شيخ السمانية الصالح العاقل الكريم، طائران، شجرة واحدة، قال ابليس،
(ان دخلت الدئرة الاولي، ابتليت بالثانية،
وان حصلت في الثانية، ابتليت بالثالثة،
وان منعت من الثلاثة، ابتليت بالرابعة،
قال ابليس،
لو علمت ان السجود لآدم ينجيني، لسجدت ولكن قد علمت ان وراء تلك الدائرة، دوائر فقلت في حالي، هب اني نجوت من هذه الدائرة، كيف انجو من الثانية والثالثة والرابعة)
[1]
فدخل الصادق الدائرة الاولي، وهي السفر، هب انه نجي من هذه الدائرة فمن ينجيك من الغربة،
من ينجيك من الامريكيين والكنديين والاشتراكيين وشامل كامل اوربا، من ينجيك من روكسي وعاطف خيري، من ينجيك من انهيارالاتحاد السوفيتي ومجازر القاعدة، انهم في كل مكان، الذين صنعوا القاعدة، هم ذاتهم الذين صنعوا إنهيار الاتحاد السوفيتي، وهم الذين جندوا شيكيرى توتو كوة في الحزب الشيوعي، جنبا لجنب مع روزا لكسمبورغ 1918 بالمانيا،.وهم الذين اوحوا لابليس الا يسجد لادم ولا لمخلوق بعده، ربابة، ايقاعات كنيسة مجاورة تتسلل الي حوش بيتنا، افراح الحي الجنوبي بعيد السمك لا تحدها كراهية الطارقيلة للقرقور أو البلطي، الدنيا بخير ولكنها بشر اجمل، والشر جميل وبهيج ورائع، الخير بارد ماسخ ولا طعم له، ان الدم الذي يلوّن الشر هو الذي اعطاه حرارة الوردة وازلية التراب، أنظر جمال وليد اسماعيل حسن، انظر لروعة بابايات استيلا قيتانو، اميمة حسب الرسول، صلاح ابراهيم، بابا بلوم، واشتياق، من الذي أكد جمال هؤلاء من الذي شق نهر عطبرة علي صخرتين كبيرتين وانشأ علي شطه كمبو كديس، الانادى، والرميلة، يد خبيثة، يد خيرة، الجامع الكبير، زاوية محمدعثمان، العرديبات، بنات البني عامر، والباريا والعنسبة، البجوك، فلاتيات الشوارع الغربية، مسكيت مدرسة البنات، يد شريرة هي اليد الخيرة ذاتها، دم الحلاج أضاءه أكثر، قتلة محمود محمد طه، طبخة دمه، الذين صنعوا البهار، الذين ولغوا الدم، الذين رقصوا علي القبر، الذين عندما سمعوا نشيده تبولوا في أرديتهم، هم الان الحجر الذي يدل علي الرمس، كلما عرقوا، تفصدت مسامهم دماً نعرفه، دم يدل عليهم، دم ناره هنا لا تنطفيء، علي إيقاع الصيد و مراكب الكرنقو، علي طس الأسماء، علي بغم الكلام، علي ناصية روكسي تسأل روحه روحه، الصادق،
كلما ولج دائرة طائعا اولج مليون دائرة قسرا، طالما كفر بابليس، دعه، فالله يؤجله لصاحبه في الحياة الدنيا قبل الممات،













بغم الخطيئة
أعطيناك كلما تقوى علي أخذه، أعطيناك شوارع الطين والاطفال المشردين وبقايا احشاء الذبائح بسوق النوبة، أعطيناك بنياتنا السوداوات الجميلات، وهبنا لك عطر إبطهن الممهور بالمكافحة والمنافحة والسعي اليومي وراء الخبز، أعطيناك أزقتنا وقطاطينا وأزيار المياه والطحلب الذي في باطنها وخارجها، أقسمنا علي رأس حرابنا والتراب، علي ان نعطيك الخوف، بذا تكون قد سلبتنا الحياة، ابقيتنا عراة يضحك علينا الرهو والسمبر وطيور الكلج كلج الساخرة، وسوف لانري عري بعضنا البعض، فالعري ياحبيبنا حجاب وحجاب العاري بصيرته، بغم الخطيئة، بغم كلامي اليك، بغم الغياب الطويل، أعطيناك كلما تقوى على اخذه، صلاتنا، صيامنا، قيام الليل، عهر العاهرات، مياه الواردين، بلح الفقراء لالوب الناسكين، لعب اطفالنا، بول البائلين، السلام الودع، السفر، موت الاصدقاء، قبر الذي لاقبر له الا في احشاء قاتليه، كلما تقدر علي حمله، حملناكه، سوسن الجميلة، حفرة يقف عندها عبدو ويعتذر علي مواصلة السير، طلقتان منتصف الليل، جندي يسأل عن الطريق الي الحامية، الحامية، وهبناك السكة والتكة والفكة والكحة والحكة وقول القائلين وقلناك، في الشعر ومقام الشعر وخالد بخيت وكل ورقة شجره وكتب الجغرافيا وتأريخ الوردة،
أعطيناك أشعار بابكر الوسيلة وبنته والجبال التي في بيته وقلبه كله، كله، كله، ثم لم نقصر، أعطنا فقط، أعطنا الرجوع،




بغم ويلتاه

أزهرت برتقالتا حبيبتي ورك عليهما الطير، الطنان الصغير يمتص رحيق الوردة الصغيرة، يسكن في التويج، يطرق رجل الباب المرحوق، تنق ضفدعة، تبوم بومة عجوز، علي شجرة تمر هندي جوار البرتقالتين، تستيقظ البنت، تفتح وردتيها في كسل، وردتا غاردينا بيضاوتان، يسمع نوسهما الطنان، يطرق علي تويج الزهرة، تعرف الوردة الطنان وتراه عندما يراها وعندما يغفل عنها أيضا، وعندما يقبل وردة مجاورة، تنهض الصبية، تقف علي غصنيها، ثعبان يلتف باحدى الغصنين، يصعد نحو الوردة، يدب حزينا حذراسوف لايزعج الطنان، يريد ان يقتنصه وهو في مزاج رايق، تتمطي الصبية، تمد افرعها في جهات الله الكثيرة، يرك سرب من عصافير الجنة جنة، ينشد السرب اناشيد الصباح البهيج، يبتسم الثعبان وهو يرتقي الغصن، عصفور الجنة جنة ألحم من الطنان، سوف إصطاد عصفور جنة جنة، تتثائب الصبية، يصعد بخار الماء الي السماء تمتص وريقاتها الضوء والاوكسجين، الجذورالبعيدة المتوغلة بين الطين والرمل والحصي، تشرب شاى الصباح، امها سيدة جميلة يعرفها الناس، ويعرفها كلبها وقطتها العجوز هنا في الهامش لااحد يري جمالك، يرون عوزك وفقرك ويديك الممدودتين، ترك عليهما حدأتان حرتان تطيران عندما تحاول قفل اصابعك علي مخالبهن، تشرق هذه الشمس علينا جميعا ويخصنا الله معا بالصحيان،الذين في البيت والذين خارجه عندما تلبس البنت طرحتها، كل شيء يكون قد تمّ، اتمه الله بقدرته، نحن يا حبيبتي الصغيرة لانستطيع ان نعيق الحياة مهما تجملنا بالشر والقبح وعفونة الريح وتغربنا،



بغم الشجرة
يقف الان الاحباء والاصدقاء والاعداء علي حافة المقام، ويسع المقام الشعر وبسم الله الرحمن الرحيم، يكفيك من القول القائل من المطر العشب، ومن الرمل البيت، يكفيك من الثمر الشجرة، تمد يدك، ان مددتها مهبطا للنسور، ويدك هشة وقلبك كسير دربك معوج وبصرك اليوم حديد، ماذا تفيد الرؤية والقلب محجوب.
ويلك..
اذا عرفت كل لغات البشر وعجزت عن مخاطبة شجرة.


24/1/2003
خشم القربة


[1] الحلاج، كتاب الطواسين.

2009/01/27

حريته


بقصره الصّغير جنة من الفُلْ، الورد البلدي، الياسمين بجميع فصائله محاط – القصر – بسياجٍ عال من أشجار البَان والتمر هندي، زاهيات اشجار الواشنطونا معلقة عليها مرجيحة القيلولة.
تنبعث موسيقي " شوبان " من بين خُصّلات زهور النرجِس والجهنمية عبر سماعات دقيقة مخفية بحنكة، خلف أذنه اليسرى، يحتفظ بعود من الصَنْدل موثق بختم " التاميل " البارِّز.
تقرأ صبيتان حسناوتان ذاتا صوتين عذبين وضفائر مسدلة على كتفيهما العاريين الناعميين، غزليات " فروغ خرخذار " بينما تدلك آنسة سمراء ساحرة ظهره بعطر " الكلونيا " وزيت الصندل " تسقيه وقتما يشاء كؤوس الخمر البلدي بالقُرنفل وعبر انابيب صغيرة محقونة بين أغصان شجيرات البرتقال، التين الشوكي، والليمون تصله نسيمات مدفوعه بجهاز خاص ينفح عند القيلولة في صدر الحقيقة وحول المرجيحة نسمات محملة بعبق غابات المانجو الاستوائية مصحوبة بزقزقة طيور " الكلج كلج " و" القمري".
كان صدر الصبية السمراء، وهي تدلك بطنه يكاد يلامِس وجهه، لاحظ ان نهديها نميا بسرعة لا تعقل في الأونة الاخيرة وانها تفتعل الإلتصاق بجسده. ثم اخذ يفكر بجدية في أمور شتى صغيرة وناعمة، نام قبل ان يسمع المقطع الاخير من قصيدة " فروغ فرخدار ".
أفكر أعلم أني، لا املك المقدرة على مفارقة هذا القفص.
حتى ولو شاء سجاني لم يعد في رمق اطير به.
23/11/1993

حذاء ساخن


عندما انتصف النهار في ساعة الملازم حديث التخرج، المستبد، كانت الشاحنة المجروس عند التقاطع الرئيسي، وعلي السائق أن يتجه شرقا ويسلك الطريق الترابية المؤدية الي الموقع العسكري الحدودي، الذي يبعد مائة ميلا عن مدينة كسلا، لا عربة غير هذا المجروس العجوز علي الطريق، لن تكون هناك عربة أخري، فالمنطقة معلنة كمنطقة عمليات حربية، حولها تنتشر أودية من الألغام البشرية، أما القري المحيطة بها فهي خالية تماما من السكان، تسكنها الوطاويط، الحيات، الكلاب، القطط المتوحشة والذئاب، حولها الجنود نصف أموات، نصف أحياء نصف بشر، يعتصمون بجثث آلاتهم الثقيلة، مدافع الهاون، الراجمات وما لا يدري أحد من المميتات.
الشاحنة المجروس تنهق علي الشارع الترابي الوعر وهي تقفز علي الخيران التي تظهر فجأة أمام السائق، كأنما يدفع بها شيطان ماكر علي الطريق، مختلطة سحابة الأغبرة الكثيفة بحر الشمس الصيفية المُذاب في الهواء، كان الملازم حديث التخرج المستبد، يركب يمين السائق، لئيماً متكبراً، يري بينه وبين نفسه، بين فينة وأخري، أن الله ماخلق هذا الكون إلا ليصبح مسرحا لعنجهيته. في الحق كان لا يري في الكون غير فرقته العسكرية ومعسكره الحدودي، اذا اتسعت مخيلته فالعالم هو السودان، أما بقية الدول فهي دول خائنة وعدوه وحتما سيعينه الله علي فتحها، أنا حرسه الخاص، استغل صندوق العربة الضخم المفتوح علي السماء مباشرة، لا تحجبه عن الشمس غير الشمس ذاتها. كنت أشوي ببطء فلست أكثر من مجند يؤدي الخدمة العسكرية الالزامية كرها، وقد الحقت بها بينما كنت في سفر الي الخرطوم، بحثا عن وظيفة ما أسد بها رمق أفواه تخصني، صادفت احدي الكشات، ولو ان كثيراً مما معي من المكشوشين، هربوا، الا انني استسلمت للأمر الواقع: فلأي واقع بديل أهرب!!
الشمس تشويني، أنا مغطى بغبار أحمر ناعم ملعون، احمل علي كتفي بندقية ج3 ثقيلة، محاولا بقدر الامكان، أن أكون في وضع الاستعداد، وان أكون منتبها، متفحصاً الخلاء حولنا، الصحراء قاحلة، ليست بها شجرة واحدة أو حيوان، دعك من انسان، تبدو الحجارة الصغيرة عليها من بعيد في أحجام الجنادل، هذه الميزة مكنتني – وأيضاً السائق والملازم حديث التخرج المستبد- أن نميز وجود رجل علي بعد أميال كثيرة، ملابسه البيضاء تجعله كبقعة كبيرة من الضوء بعيدة، بعيدة تصغر كلما قربنا منها، ثم تبيناه: رجل شيخ يحمل ابريقاً وجراباً صغيراً وعصا يتوكأ عليها، ولأن الضابط حديث التخرج المتغطرس لديه وهم أن كل من وجد وحيداً علي مسافة من منطقة عسكرية، هو جاسوس، أوقف الشاحنة المجروس الضخمة:
- أنزل يا حرس، وكن في وضع الإستعداد، لأنني سأستجوب هذا الجاسوس، فاذا بدرت منه أية بادرة عدوان أطلق الرصاص في الرأس أو القلب.
وكنت صائداً ماهراً: قنّاص.. لهذا السبب اخترت كحرس لهذا الملازم حديث التخرج المتغطرس،
- حاضر سعاتو.
وكلمة سعاتو هذه تعمل في نفس الملازم حديث التخرج فعل السحر: فابتسم
قال العجوز القويّ والذي يحمل ابريقاً ومخلاة من جلد الماعز صغيرة علي ظهره، يرتدي سروالا وقميصاً نظيفين، يمشي حافياً، وجهه نظيف، ولو انه معروق ويبدو عليه الإرهاق.
- تشيلوني معاكم لقرية سماورا ؟
القرية علي بعد عشرين ميلا من حيث وجدناه. تأكد الملازم حديث التخريج أن هذا الشيخ لم يزرع الغاماً، الا أنه أفتاه قائلا:
- دي عربية جيش ولا نِشْيل شخصاً مدنياً وأحمد الله علي اننا لم نقتلك، تأكد لنا انك لست سوي سابل جائع منبوذ لامعرفة لك بزراعة الألغام وأمور الحرب، مجرد ملكي ساكت،
كالعادة آخر من ركب هو أنا، تحركت الشاحنة المجروس تاركة الرجل للشمس: جحيم فوقه، جحيم تحته، وسرنا لمسافة مائة متراً فقط. توقفت العربة وعندها قفزت علي الأرض في وضع الحماية وسألت:
- توقفت العربة من تلقاء نفسها ؟
أجاب السائق.
وقدر ما حاول السائق أشعال المحرك إلا أن محاولاته كلها فشلت، فنطّاس الوقود ملآن، البطارية مشحونة، الأسلاك جيدة التوصيل ناقلات الوقود والحركة فاعلة، لا شئ.. لا شئ علي الاطلاق، وبينما السائق يحاول مرة أخري اشعال المحرك اذا بالرجل الشيخ قريبا منا قائلا:
- تشيلوني معاكم ؟
- أبعد من هنا، والا أمرت العسكري يديك طلقة في صلعتك دي.
ذهب الرجل دون أن يقول شيئا وتحركت العربة لمسافة مائة متراً أخرى ثم توقفت من تلقاء نفسها وبينما يحاول السائق اشعال المحرك اذا بالشيخ:
- تشيلوني معاكم ؟
فانتهره الملازم حديث التخرج المتغطرس الذي يظن أنه ماخلق الله العالم الا ليكون مسرحا لخيلائه.
- أمش يا زوّل!!
ثم خاطبني الملازم حديث التخرج المتغطرس قائلاً:
- اذا اقترب هذا الرجل منا مرة أخرى أطلق عليه النار.
فاقترحت علي الملازم حديث التخرج المتغطرس اقتراحا دعمه السائق قائلا:
- ليه ما نشيلو معانا ما ح يكلفنا حاجة.
- أنا المسؤول وأنا اليشاء! انتو شنو غير عساكر حاجات لتنفيذ الاوامر.
لا أدري كيف أحسست بأن الشخص هو الذي بقوة خفية كان يوقف العربة ثم يطلقها، وان له كلمة قوية علي الأشياء وانه يستطيع، وانه يفعل وانه يريد، لكن كيف أجعل الملازم حديث التخرج المستبد يفهم، ولو أن السائق قد فهم ويبدو ذلك من تقعر عينيه، كلما توقفت العربة، سمعت كثيراً عن الأولياء والصالحين، قرأت طبقات ودضيف الله، لكن كان ذلك لمجرد قراءة كتاب مهم لرجل جامعي مثلي، يجب أن يعرف الكثير عن السلطنة الزرقاء وبنيتها الروحية، كنت أفكر: لن اؤمن بهذه الخرافات الا اذا رأيت معجزة ما بعيني.
ثم تطوّرت الفكرة في ذهني، لماذا لم أتمكن من معرفة حقيقة هذا الرجل، لماذا لم أقنع الملازم حديث التخرج المتغطرس، انها فرصة وضاعت، انه طريقي لكي اعتزل حياة المادة بكل ضغوطها ومآسيها وأعيش نقياً شفافاً زاهداً، متجولا في الأرض أنشر المعجزات هنا وهناك، أنه يقودني الي النقاء الانساني الروحي، الذي هو حلم كل شخص، ان امتلك المقدرة علي التواجد اينما شئت! أصبح صاحب سلطة علي كل شئ حتى علي الآلة، ولكن في العودة قد نجده علي الطريق، عندها لن أبرحه، الا بعد أن أعرف كل كبيرة وصغيرة، بعد أن أفض أسراره، ولو كلفني ذلك العمر كله، بينما أنا في هذا اذا بنا نصل قرية سماورا، ذلك بعد مسيرة ساعة كاملة بالشاحنة المجروس، عبر الطريق الترابية الوعرة، قرية سماورا كغيرها من القري الحدودية، خالية من السكان مسكونة بالذئاب والنسور والصْبرَات، كثير من الكلاب والقطط التي توحشت، هناك شخص واحد فقط يجلس تحت شجرة، علي جانب الطريق، عندما توقفت العربة قربه، وجدناه هو ذاته الشيخ ذو الإبريق صاحب مخلاة الجلد، الحافي، ذو الوجه النظيف العرق، عندما شاهده الملازم حديث التخرج المتغطرس جحظت عيناه، جف ريقه، حاول أن يهبط اليه، ربما ليقبله في رجليه، ليرجوه أن يسامحه، دمعت عيناه، لكن فجأة أمسك به السائق في كتفه، همس في أذنه، فتصبب الملازم حديث التخرج المتغطرس عرقا غزيرا، أدار السائق المحرك بسرعة رهيبة، كنت أرقب كل شئ بحذر ولكني لم أحاول أن أفسر ما حدث ولم تكن لديّ الرغبة في ذلك وانطلق المجروس، الشاحنة العسكرية العملاقة، مخلفة وراءها غابة من الغبار وأخذ الغبار يهبط علي رأسي وأنا جالس علي الأرض متخفياً خلف قطية صغيرة حتى لا يراني السائق أو الملازم حديث التخرج المتغطرس بالمرآة، وعندما تأكدت تماماً من أنه ليس بالامكان رؤيتي خرجت من خلف القطية وذهبت نحو الشجرة التي كان الشيخ يجلس تحتها. ولم أجد أية أثر يدل عليه. نعم كانت هناك بقايا ماء علي الأرض حيث يبدو أنه توضأ ولكن هي لحظات فقط، ليست أكثر من دقيقة واحدة، بل ما يزال جعير المجروس مسموعاً وغباره يغرق المكان. وأخذت أصرخ وأنادي بأعلى صوت:
- أيها الشيخ.. أيها الشيخ.. أيها الشيخ..
ولكن ليس من مجيب، أخذت أبحث عنه داخل المنازل المهجورة فلم أجد سوى الكلاب والتي ذعرت برؤيتي، حيث انها لم ترِ انساناً حياً منذ سنوت مضت، كانت الكلاب المتوحشة تنبح خلفي وتحاول عضي واعاقتي، كانت القطط تخرج هاربة من القطاطي المهجورة فزعة، خرج ضَبْعٌ كبير من احدي الحجرات المهجورة وهرب، فهربت خلفه الكلاب حيث تركتني بحثاً عن فريسة سوف تصبح أكثر اشباعاً، كانت القرية خلاء، في الحق أصبت بهلع شديد وأنا رجل أعزل حيث تركت البندقية علي صندوق العربة حتى لا يجدون في البحث عني من أجل البندقية هكذا تعلمنا: البندقية أهم من الجندي.. أترك بندقيتنا عندنا وأذهب الي الحجيم وحدك.
كانت الساعة تشير الي الثالثة مساء وأنا ما أزال أنادي وأبحث عن الشيخ طالباً منه بصراخ حاد أن يأتي الي لأنني أؤمن به وأريد أن أصبح له تلميذاً وخادماً وحواراً.. انني سوف انفق ما تبقي لي من عمر في خدمته: لقد وجدت الآن طريق الله ولن اتخلى عنها ابداً.. جلست تحت الشجرة ذاتها حيث كان يجلس، كنت تعباً مرهقاً وخائفاً أيضاً، الشمس الآن تذهب نحو المغيب وبالقرية لا شئ سوي الكلاب المتوحشة والذئاب وربما الاشباح أيضا. نعم أنا شخص مادي ولا أومن بهذه الأشباح ولكن الآن أمنت.. هناك أمور أعرفها بالباراسيكلوجي والميتافيزك، نعم، هل لبنية عقلي المادية الصرفة أن تؤمن بأن هناك نفر من بيننا يمكنهم فعل أشياء خارقة للطبيعة؟.. أناس يتواجدون حيثما شاءوا وكيفما أرادوا؟ أناس لديهم سلطان علي العلم نفسه، العلم الصرف، يمنعون متحركاً من الدوران؟ يمنعون بندقية من أن تطلق النار؟ يختصرون الأميال في خطوة، الآن لا شئ فوق مقدرة هذا الانسان! أعرف أنه لا عربة سوف تأتي بهذا الطريق، وأنني لا محالة مأكول، أما أن تتعشي بي الكلاب أو الذئاب وربما القطط المتوحشة والتي رأيتها بأم عيني تأكل بعضها. قرب الشجرة قطية قديمة، درت حولها لها باب قديم من الزنك، قمت بدفع الباب ببطء، داخل الحجرة عنقريب كبير يملأ معظم المكان، به هيكلان عظميان لطفلين، أغلقت الباب بسرعة وهربت، جريب بأسرع ما أستطيع علي الشارع الترابي الوعر، كنت لا أعرف الي أين أنا ذاهب المهم كنت أحس بالطمأنينة كلما ابتعدت عن هذا المكان المرعب، والشمس تذهب بعيداً نحو الغروب: يا أيها الشيخ.. أين أنت..
كان فمه يرتجف وعيناه تزدادان اتساعاً كلما بعدت الشمس عنه ولا أحد، كانت القرية تمضي بعيداً عني، بعيداً.. بعيداً.. الي أن اختفت اخيراً، توقفت، قرأت المكان من حولي، الشمس كانت خلف ظهري، اذاً أسير شرقاً، فاذا واصلت السير ولم يعقني عائق ولم يتفجر تحت رجلي لغم فانني سأدخل الحدود الارترية بعد مسيرة عشر ساعات، ولكن لماذا لم انتبه بأن هنالك الغام مزروعة بين هنا وهناك ولا أحد يعرف كيف يتجنبها، الآن أحسست بالرعب الحقيقي لأنني اذا خرجت حياً من هذا الحقل سأعتبر نفسي ولياً و رجلاً صالحاً يأتي معجزات ذلك الشيخ الغريب، وهنا أخذ العرق يتصبب علي وجهي وبين فخذي وتحت ابطي، وأخذت أمشي كالحرباء واضعاً رجلاً على الأرض في خفة وبعد تردد اسحبها، انه سوء تصرف من جانبي، جعلني أترك الشاحنة المجروس تمضي بدوني؟ لماذا لم اتريث، نعم، اذا تركت هذا جانباً، لماذا عندما هربت من الهيكلين العظميين لم أتخذ طريق المجروس، وهي الطريقة الوحيدة الخالية من الألغام والغريب في الأمر أنني كنت حرساً للمهندسين العسكريين الذين قاموا بزراعة الألغام حول هذه القرية ألف لغمٍ شخصيٍّ مغطاة بالبلاستيك حتى لا تتمكن أجهزة العدو النازعة للألغام اصطيادها، ولكن لا ذنب لي، فكنت مجرد منفذ للأوامر وأنا في داخلي وصميمي ضد هذه الحرب وقتل الانسان لانه لا خصومة لي مع أحد ولا معرفة لي بالذي أحاربه.. فكيف أقتله؟
كان يمشي كالحرباء تماماً كالحرباء.. "الشمس تجري لمستقر لها" وحيد خائف ومتردد، قد ينقذه فجأة في الوقت المناسب، نعم، هكذا في القصص والأحاجي وكتاب الطبقات، فان الأولياء يتدخلون لانقاذ مريديهم في اللحظات الحاسمة، وأنا أثق في هذا الرجل، إنه رجل صالح. إنه رجل صالح. ان لم يكن نبي الله الخضر ذاته!! والذي يتجول في العالم منذ بدء الخليقة الي أن يرث الأرض وما عليها ناشراً الحكمة والمعرفة بين الناس.. من أدرك!!
ليته عرف من جدته عنه الكثير.. لكن وعلى حقيقة القرية المهجورة والقطاطي المسكونة بالهياكل العظمية والقطط التي تأكل بعضها، فكر في الشيخ نفسه، قد يكون شبحاً من الأشباح من أدراك؟!
ما كان يؤمن بالبعاتي واعتبره ظاهرة ورثها المجتمع السوداني أو المخيلة السودانية من النوبة أجدادهم قبل ستمائة ألف سنة قبل الميلاد، حيث كانوا يؤمنون بان لكل انسان في هذا العالم كا و با وهذا الباء هو صنو الانسان وعندما يموت الأخير يكون الصلة بينه وبين الآخرين في الحياة الدنيا وانه نسخة عنه.. والآن أنت محاصر، الموت تحت أقدامك، ألغام الموت حولك، ذئاب وكلاب وقطط متوحشة، الموت من حيث لا تدري أشباح، ورغم كل هذا كنت متفائلا بأنني لن أموت، قد تعود الشاحنة المجروس للبحث عني اذا افتقدني أحدهم، ولكن يا ترى بماذا همس السائق في أذن الملازم! لا.. لا.. انه رجل طيب وصالح، أنا أثق به انه ليس بكا ولا با رجل صالح وسينقذني!!.. بل سيتخذني حوارا له،
أيها الشيخ.. أيها الشيخ!!
وكمن يؤذن في مالطا لا سميع ولا مجيب، وأخذ يمشي كما كان يمشي كالحرباء، وتمنيت أن يكون هذا الذي أنا فيه ليس سوى كابوس لا أكثر، سأستيقظ واجد نفسي في أمان الله وحفظه علي سرير في المعسكر وحولي جند يدخنون والحرس يصيح بين حين وآخر: ثابت!!
الحياة مدرسة ولكن لا يدخلها الا الحمقي، مثل هذا الدرس الذي أتعلمه أنا ولا أحد غيري، يستحقه الملازم حديث التخرج المتغطرس.
تذكرت في هذا الحين بالذات أدجار ألان بو، القلب الذي أخبر السر، القط الأسود، برميل خمر أمنتنلادو، قناع الموت الأحمر، الحقيقة في قصة اغتيال فلادمير، سقوط بيت.. ماذا.. جيفا في ديو مور جبو.. كنت أمشي واذا حدث وسلمت وقصصت لشخص ما حكايتي هذه سيظنها ضربا من الخيال، كنت أمشي كالحرباء وغابت الشمس، أعجبت لماذا لم يصبني لغم حتى الآن، نعم، انه لامجال لذلك لانه لا توجد ألغام بالأرض طالما توجد الذئاب والحمر السائبة حول المكان، وبمجرد ان خطرت هذه الفكرة في ذهنه انطلق جارياً: يجب علي ان لا أؤكل سهلاً يجب ألا استسلم للموت، ومرت بذهنه معارك خاضها: جثث تموت بسهولة، يقف الشخص هناك ما أن تطلق عليه رصاصة تصيبه في صدره أو رأسه حتى يستسلم للموت ببرود هكذا مات أصدقاؤه أيضا، مات جنود كانوا برفقته في الخندق، مات جنود أعداء، هكذا نساء سقطن وأطفال موتي أمام عينه عندما قذف صديق له جرانيت في مخبأ بين صخرتين اتخذته بعض الأسر ملجأ لها.. ولكن لن يموت هكذا رخيصاً وبارداً. وهكذا الرجل التقي العنيد لا يريد أن يستجيب لندائه ولترحيبه، رجل قاس، لا يلين له قلب، لا يرحم ولا يهزه رجاء.. لا شفقة!! ليتني ؟! ولكن هل تنفع ليت!!
وعرف الآن ما لم يهمس به السائق في أذنه وأنه تورط. والأسوأ احساسه بأنه خدع، والاحساس بالخديعة كالاستحمام بماء آسن، قرأ في سره "لن يصيبنا الا ما كتب الله لنا" ولانه كفر به عرفه أكثر وأوضح عندما كفر به تفتحت بصيرة كان يعميها الايمان الكامل المطلق: الكفر مفتاح الفرج.
عند الحادية عشر ليلاً بالضبط هكذا كانت تشير ساعته سمع حرس المعسكر يصرخ: ثابت!!
وعندما ثبت قدمه علي الأرض أحس بشئ يرفعها، لم يسمع دوياً كالذي سمعه كل المعسكر واستيقظ عليه الجنود النائمون وانبطح الحرس علي أثره علي الأرض وأخذ يطلق النار بطريقة عشوائية هستيرية، لقد كان الحرس مرهق الأعصاب نتيجة للسهر المتواصل وعدم أخذ قسط كاف من الراحة، لم يسمع دوياً ولكنه رأى ضوءا قوياً كثيفاً يعم المكان كله.. ثم لم يعد يشعر بشئ سوى ظلام قاتم.
يناير 2000م

2009/01/25

سيرته الذاتية

( أ )
الشارع التُرابي العام يمر بعيد الحي متجنباً الغوص في متاهاته وكأنه عاف عفونة أزقته ومواء أطفالها، من هذا الشارع العام تتفرع أشرطة من أزقة ضيقة تذوب تدريجياً بين البيوت المتلاصقة الصغيرة المبنية من قصب الذرة الرفيعة والطين والِلبِّنْ مطلية بروث الماشية والحمير، وعلى أطراف الأزقة تحت أحواش القصب الرطبة يتقنطر بُراز الأطفال رمادياً أو أسود يابساً عليه جيوش من ذباب الخريف الأخضر الضخم ذو الأرجل الخشنة، طنينه قد يفزع بعض المارة.
أما المرحاض العام، زريبة المواشي، دكان اليماني صالح، وبالوعة مياه الجبنة العفنة تقع في ملتقي الأزقة وسط الحي.
ماسورة المياه المتعطلة تصنع نهراً طينياً يشق صدر الزقاق الضيق المفضي الى الخور الكبير، يبني على ضفتيه الأطفال الرماديون ذوو الأنوف المتسخة والجلاليب المتهرئة " مؤخراتهم الغبشاء عاري نصفها خلال مزق سراويل الدمور القديمة تعانق عفن الأمكنة " يبنون خزانات من الطين المختلط بالطحالب الخضراء، عفن الخبز وبيض الضفادع اللزج، ويشكلون جمالاً، حميراً، وجرارات صغيرة وبعض التفاهات التي تشبه عيونهم الجميلة المقذية..
يشتمون بعضهم البعض بألفاظ هشة مصّنعة في الغالب من أطيان نهيرهم وخْراء أزقتهم المتخمر تحت شمس الخريف الدافئة.
الناس كالأشباح ينسلون من ثنايا صمت الأزقة الرطبة يحتضون صخب أشعة الشمس، في بطونهم لا شيء مباني، المدرسة التي ستكتمل بمشيئة الأزمنة القادمة تقبع كالموتى، ما بين ميدان كرة القدم والجمعية التعاونية القديمة أي في بداية شارع الماسورة، بعض المباني غير المكتملة وفي داخلها ترقد جثث القطط والكلاب وغيرها من الحيوانات النافقة أو التي اغتالها أطفال الحي الذين ليس لديهم ما يشغلهم طوال اليوم.
هنا ولد في هذا المكان.
(ب)
الشرطي الوسيم ذو الهراوة الكهربائية الجميلة التي يسمع لها خشيش مرح حينما تلتحم بجسد فار أمامها، غاضب هذا الجندي غضباً لا مبرر لها إلا الحفاظ على المظهر العام، قربه تقف عربة الفورد المصفحة السريعة " بأريلها " المرسل في أحشاء الهواء الساكن، على بعد مترين منه يقف الجندي الآخر الغاضب – أيضاً – القبيح، وعلى بعد مترين يقف جندي آخر سمينا له كرش متفيلة ووجه كحلي ملصقة عليه عينان صغيرتان لا لون لهما في الغالب، الجميع أمام مبنى من ثلاثة طوابق وحديقة صغيرة مختصرة، ثلاثة كلاب متشابهة سوداء تتجول في فناء الحديقة، تتبول بإنتظام على حجر أملس كان نصباً تذكارياً في الأزمنة الماضية لشيء ما.. أو شخص ما، الحجر أبيض فيما عدا خرائط البول الصفراء التي صنعها الكلاب عليه.
المكان هادئ وبين وقت وآخر يخرج رجل متأنق نظيف معبق بعطر مثير.. وقد يخرج أكثر من شخص من هذه العينة ويدخل آخرون ولكن فجأة قد تسمع أصوات محرك عربة فورد تقف عند الباب الخلفي للمبنى، وإذا استرق الانسان السمع او الكلاب الثلاثة ورجال الشرطة يمكنهم سماع صرخات مكتومة وأنات باردة تنسرق من عمق هدوء المبني.
هنا مات في هذا المكان.

امرأة من كمبو كديس


في صباح قائظ من يوم خريفي، بينما كنت أتسكع في شوارع المدينة – كعادتي – منذ أن طُردت من وظيفتي للصالح العام قبل سنتين – سمعت صرّاخ أطفال وما يشبه التهليل والتكبير وأصوات نسوة تندفع إليَّ مع ريح السموم الصباحية، آتية من جهة تجمع سوق النوبة، كان نهيق حمير الأعراب القادمين من أطراف المدينة هو الصوت الوحيد المعتاد بين مظاهرة الأصوات تلك. هادئون كانوا دائماً رواد سوق النوبة، يساومون في هدوء وخبث وحنكة، يشترون ويبيعون في صمت وكأنهم يؤدون صلاة خاصة. نعم قد يسمع نداء موسي السَمِح الجزار بين الفينة والأخري،وقد تتشاجر بائعتان، و قد، لكن تهليل وتكبير وصراخ أطفال؟!، وكفرد أصيل في هذه المدينة أمتلك حساً تشكيكياً عميقاً هتف في:
- إن هنالك شيئاً ما في سوق النوبة...
وكما يتشمم كلب الصيد أثر الأرنب البريّ تشممت طريقي الي المكان.
عزيزة – إبنة كلتوم بائعة العْرقِي – كنا نحن قطيع المثقفين نطلق عليها اخصائية العْرقِي – مرت امام وجهي كالطلقة الطائشة وهي تحمل – على كتفها – أخاها الصغير منتصر، غير عابئة بصرخاته المتقطعة المخنوقة بلعابه اللزّج والتي تثير الشفقة في قلب أقسى شرطي في العالم الثالث، كان أعجفا صغيرا،له عينان مستديرتان لامعتان كعيني سحلية.. أعرفها جيداً وأعرف أيضاً أنها عائدة من عند أمها كلتومة التي تبيع الكسرة. نهاراً بالسوق، فكان لزاماً على عزيزة أن تحمل منتصر الرضيع ثلاث مرات في اليوم الى أمها بالسوق لكي ترضعه رضعة الصباح، رضعة النهار، ورضعة الغداء، وتحرص كلتومة أشد الحرص بألا تفّوت على إبنها الصغير رضعة واحدة حتى لا يمرض مرض الصعّيد، ويموت. لأن منتصر كان نزقاً شقياً و هبّاش، فما كانت كلتومة ترغب في ابقاءه معها في السوق.
صرخت فيها..
- يا بت.. يا عزيزة..
إلتفتت الي بسرعة رشقتني بنظرة عابرة وجدت في سعيها الي حيث تشاء، ولكني ومن خلال لمحتي الخاطفة لوجهها والتي لم تتعد الثلاثة ثوانٍ، رأيت بؤساً وألماً مكثفاً متقنطراً على وجهها الصغير الأملس، بؤساً لا يمكن اخفاؤه أو احتماله لدرجة أنني تيقنت في نفسي أنه لو قسّمنا هذا الحزن والبؤس على كل مشردي العالم لما وسعوه، وفي نظرتها السريعة كانت أسئلة – أيضاً – غامضة ومبهمة ومحيرة في نفس الوقت، جريت وراءها صارخاً:
- يا بنت....
أنا وأصدقائي من ابناء أعيان البلدة ومثقفيها، نفضل أن نسكر من عَرقِي بلح كلتومة وفي بيتها الصغير في كمبُو كديِس فهي امرأة أمينة صديقة حيث إنها لا تسرقنا – كما تفعل الحبشيات وكثير من بائعات العرقي – آخذة منا ثمن عَرقِي لم نشربه، عندما نثمل وتلعب الخمرة بعقولنا الصفراء – أو تغش العرقي بالسبرتو أو الماء أو غير ذلك من فنون السرقة.
" إنني لا أُطعم أبنائي الحرام ".
كما أنها كانت دائماً حافظة لأسرارنا وخبائث فضائحنا " أنا عن نفسي عندما أسكر أفقد مع وعيي وقاري واحترامي وأصبح حيواناً مثقفاً لا أكثر فقد أتبول في ملابسي وأتقيأ علي صدري، وإذا لم يحدث هذا أفشيت كل أسراري الأسرية وتحدثت عن أبي – ضابط المجلس – وقلت علانية ما يعرفه الناس عنه، وما لا يعرفونه بل أفشيت ما أعرف من خططه المستقبلية في سرقة التموين والجازولين.. الى آخر مآسي يومي وأسرتي.. " فكانت كلثومة – والحق يقال – تسمع بإهتمام ولكنهها لا تقول شيئاً، وكنا جميعاً نحترمها ونقدرها مثل أمهاتنا وبالتالي "عزيزة" كانت لنا أختاً صغرى..
- يا بنت.... قفي..
أمسكت بكمها القصير.. ودون أن تنظر الي قالت بصوت مبحوح تخالطه صرخات " منتصر " الحامضة المتدفقة تباعاً:
- أمي..
- أمي قبضوا عليها..
- "...... "
إذاً فهمت كل شئ وشعرت بأن الدينا أظلمت فجأة أمام عيني وأن شعري تحول الى دبابيس مسمومة توخزني في جلد رأسي،ولم استطع ان اقول او افعل لها شيئاً سوى زلق كفي من على كتفها الصغير المتعب، في برود تاركاً إياها تمضي لتذوب في بحر مآسيها ومحنتها و"منتصر" مبللا صدرها بلعابه اللزّج المُلبِّنْ يصليها بصرخاته وندائه المتواصل – بلثغته الحلوة الممتعة – رغم مآساة الموقف – لأمه " اتوما ".
كثيراً ما كنت اخجل من نفسي عندما اجدني عاجزاً امام موقف ما، فاذا حدث ذلك بالامس لذهبت الى جلال الجميل القاضي ودار بيننا الحوار التالي:
- صدر القرار منك ؟
- كنت مجبراً … فانت تعرف لا شئ بأيدينا تماما ..
- ولماذا كلتومة … فهي تعول اطفالاً وزوجها مقتول في الجنوب منذ سنوات.
- لم يكن الامر بشأن كلتومة وحدها..
ولكن حظها.. فلابد –كما تعرف – ان يكون هنالك ضحايا قالوا ان الوالي في زيارة جاسوسيّة في كل مكان. ويجب ان يعرف ان الناس هنا تعمل، تحارب الفساد الى آخر الاوهام كما ان كلتوم كانت تعلم بقرار التفتيش، لقد أخبرها "احمد صالح" ..
- ولكنهم وجدوا عندها جالوناً من العرقي وثلاث زجاجات مليئة بعرقي البلح.
- هذا تلفيق من الشرطة، فقد كانوا يخبئون هذه الأشياء في عربتهم.. فهم غالباً لا يجدون شيئاً عند هؤلاء النسوة..
- وما العمل ؟
- كالعادة نخفف الحكم ما امكن وبدلاً من السجن نضع الغرامة وصديقاتها يقمن بمساعدتها في الدفع كما يفعلن دائماً..
- هذا ما كان يحدث إذا وقعت احدى " زبوناتنا " في قفص الشرطة، ولكن أين اليوم " جلال الجميل " ؟!
- فإن القاضي الجديد لا يشرب العرقي ولكن – فقط – الويسكي " والانشا
* " ويدعى مخالفة الله والتقوي، وبالتالي يصعب الوصول إليه حتى الآن على الأقل.
جسدها النحيل المتعب يرقد على الكنبة في وسط سوق السبت وقد أهالوا عليه صفيحة من المياه ما تزال تقطر من جلبابها القطني الرخيص الى نهاية الجلد، ولو أنها لا تحفل بكتل البشر التي تحيط بها " مشفقة او شامتة " إلا أنها كانت تحاول إخفاء وجهها ما أمكن بين ساعديها وتحاول بقدر المستطاع وبجدية الا تصدر منها تنهيدة، آهة، صرخة ألم أو مجرد زفير مندفع قد يُخّيل للشرطيين القضاة او الجلاد، جمهور المتفرجين أنه توجع من وقع سوط " العنج
* " الأسود المشرب بالقطران والذي يصلي ظهرها مشقاً مبرحاً ممزقاً لحميات فيه عجفاء بائسة.
وعندما استطعت أن أجد لنفسي مكاناً أشاهد من خلاله ما يحدث كان الشاويش السمين يصرخ بغلظه..
- ثمانية وثلاثين إإيه.. هوب..
- تسعة وثلاثين.. إييه.. هوب..
- أربعون.. إيييه.. آآه.. تماماً مولانا... أربعون جلدة..
قال القاضي وعلى فمه ابتسامة صفراء قاسية محاولاً من خلالها ان يكون تقياً، عادلاً، محبوباً وحاسماً في نفس الوقت..
- هيا قومي.. استغفري ربك الله واعلني توبتك.. توبة نصوحة امام الجميع..
- نظرت إليه – كلتومة – نظرة فاحصة، عميقة – أحسست انها معتصرة من خلايا كبدها – ثم بصقت على الأرض بصاقاً دامياً مرّاً – واقسم ان جميع المتفرجين: الإعراب ذوو الجلاليب المسودة من الأوساخ والتي تفوح منها رائحة وَبر الجِّمال والحمِّير،وقطرانها وروثها بسياطهم وسيوفهم. الشماسة أبناء الشوارع المتشردين.
أصحاب المتاجر – أغلقوا دكاكينهم مضحين بقدر من المبيعات كبير في سبيل ان يحضروا المحاكمة – الكلاب الضآلة الحذّرة المختبئة خلف العشب متجنبة أعين الناس، وغير الضآلة أيضاً.
أسراب الحدأة والغربان والتي تضع حلقة في السماء، ناعقة. " المثقفاتية " مثلي – والذين ليس بإمكانهم فعل شيئ غير التعليق الذكي الصائب المُبرر غير المقنع لغير شريحتهم والمثير للضحك والسخرية من نساء " الكسرة "، العرقي، الشاي وغيرهم من الكادحات.
أعضاء المحكمة " المتفلقصين " كمُخصيىّ القرون الوسطى، صديقاتها البائسات، موظفات المجلس، الشامتون، المتعاطفون " معها او مع السلطة " الجميع.. الجميع بدون فرز ".. اقسم انهم جميعاً أحسوا بمرارة هذا البصاق وكأنه مقذوفاً في عمق حلوقهم مراً كنقع الحنظّل.
ودون أن تحرك فوهتا عيناها عن وجهه انتعلت حذاءها البلاستيكي القديم وشقت طريقها عبر الجمع مصوبة وجهها المجهد شطر بيتها – ساعية بخطي ثابتة سريعة – رغم ما بها من إرهاق – فكان عليها أن تسرع حتى لا تُفوت منتصر الصغير رضعة الصباح.

* الإنشا : نوع من الخمور المستوردة من أثيوبيا.
* سوط العنج : هو سوط مصنوع من جلد فرس البحر يستخدم لجلد الإبل والحمير.

المَجَرُوحْ


1
ضُلايَةْ.
زوجتي هي التي أصرت علي العودة إلى البيت، على الرغم من أننا استطعنا أن نأخذ أطفالنا الخمسة جميعاً معنا إلى الجبل، الشيء الذي لم ينجح فيه الكثيرون، حيث إن ضجيج الطائرتين المقاتلتين أربك الناس كلهم، وجعل الأطفال يهربون في كل اتجاه مما صعّب مهمة الآباء و الأمهات في إنقاذ جميع أطفالهم، وخاصة أن بعض الأسر لديها أكثر من عشرة أطفال ، وكثير من الأسر لا آباء أو ذكور ناضجين بها، فإما أنهم مقاتلون في الجبهات، و إما أنهم قتلوا، أو مهاجرون في أنحاء السودان الأخرى بحثا عن العمل، طلبت منها أن ننتظر قليلا حتى نتأكد من أن جميع الجَنْجَوِيدْ الذين قاموا بالهجوم - بعد أن مضت الطائرتان- قد غادروا القرية ، وكنا نرى الدخان من موقعنا ولكنّا لم نستطع أن نرى حركة الجَنْجَوِيدْ، فإنهم يعملون بسرعة ، يقتلون من يقع في بصرهم، إذا كان رجلا و يغتصبون من كانت امرأة، وهم في ذلك لا يفرِّقون مابين من هنَّ طفلات ومن هنَّ ناضجات، أو عجوز، ينهبون، ويحرقون القطاطي، ولكن كل شيء يتم بسرعة بالغة، وقد يأتي بعدهم الجيش النظامي أو لا يأتي، ودائما لا يخشى الناس الجيش النظامي كثيرا؛ لأنه في الغالب يتعامل مع المسلحين فقط، ولا يوجد مسلحون في القرية. و لكنهم أيضا لا ينتظرون من الجيش النظامي أنْ يحميهم من الجَنْجَوِيدْ، المهم أصرَّتْ زوجتي أن نعود ، طالما لم يكن هنالك جَنْجويد ولا خوف من الجيش النظامي، فهي تخفي إرث أسرتها كله من الذهب في القطية، وتظن أننا قد نستطيع أن ننقذ شيئا من الثروة تساعدنا علي العيش في معسكر النازحين، إذا استطعنا أن نصل إليه في تخوم مدينة نيالا، حيث لا جدوى من البقاء في ضُلايَةْ مرة أخرى.
وجدنا عددا كبيرا من الأهل و الجيران قد سبقونا إلى القرية وتوافد آخرون بعدنا، كانوا مثلنا يتخفون من المهاجمين عند الجبل الوعر، كل أسرة تهرول الآن تجاه بيتها أو ما تبقى منه، قليل من القطاطي هي التي سلمتْ من الحريق ولكن كل البيوت قد نهبت تماماً، وُجِدَ بعض الرجال وجلهم من كبار السن قتلى، بعض الصبيات المغتصبات يبكين و يرتجفن من الخوف و الإحساس بالعار، كانت(ضُلايَةْ) قرية صغيرة تقع غرب مدينة نيالا في إقليم دارفور، بها مائتا أسرة فقط وحوالي ثلاثمائة قطية مبنية من قصب الذرة و القش،محاطة بجبل وعر من جهتي الشمال و الشرق، وفي جهة الجنوب يحتضنها أحد روافد وادي (بِرْلِيْ) الكبير ويطمر بمائه سهلا خصبا يمتد عشرات الكليومترات، يستغله السكان القرويون في الزراعة،فوجود القرية على ضفة الوادي، ما فوق السهل وبين هذه المرتفعات، جعلها تصبح مثل كومة من البيوت متلاصقة متراصة مع بعضها البعض؛ لذا كان صراخ زوجة آدم التجاني وطلبها المساعدة، قد سُمِعَ في كل بقاع القرية، وحمل الرجال ما لديهم من أسلحة بلدية و مضوا نحوها تلحق بهم النسوة و الأطفال، كانت(أيّة ) زوجة آدم التجاني تقف عند راكوبتها المتهالكة قرب قطيتها المنهوبة وهي تصرخ و تشير بيدها إلى مخلوق لا تبين ملامحه جيدا، يغطيه ركام الراكوبة، تقول إنه:
- جَنْجَوِيد !
هتف أخي منصور بكل ما لديه من صوت
- جَنْجَوِيد وَدْ البُقُسْ.
وأراد مهاجمته، إلا أنني أوقفته خوفا من أن يكون الجَنْجَوِيدْ مسلحا، نصح البعض بأن نحرقه وهو في الراكوبة المتهالكة، آخرون كانوا يفضلون دفعه علي الخروج ثم ذبحه أو تقطيعه حيا، و أقسمت امرأة مغتصبة أنها سوف تأكل كبده ، هتفنا فيه أن يخرج و إلا قمنا بإشعال النار في الراكوبة و بذلك سيشوى حيا،وكاد البعض أن يفعلها، لولا أنه زحف خارجا من القطية، كان سميناً ذا شعر كثيف، له وجه طفولي مستدير، يحيط نفسه بالتمائم و الأحجبة، لونه بني، تحت إبطه طفلة صغيرة يبدو انه مغمى عليها، يضع سكينا كبيرا في نحرها علامة تهديد بأنه إذا هوجم سيقوم بقتلها، كان مصابا إصابة واضحة وبالغة في رجله اليسرى وتبدو عمامته التي يربط بها الجرح حمراء تماما من الدم، ولكن ما استغرب له الناس جميعا هو أن الجَنْجَوِيدْ لم يكن سوى آدم راشد ، ابن راشد الأبالي المعروف في كل القرى التي تقع على مسير أو درب العرب الرعاة ، كانت تربطه أواصر صداقة و تجارة ونسب بسكان ضُلايَةْ ، إحدى نسائه هي عمتي سعدية بت أبو علوية، وكان يبيع السمن و الجمال الذكور إلى الناس في القرية و يشتري الذرة و العسل و الصابون من القرويين، بل انه كان يترك كثيرا من حيواناته التي كبرت في السن ولا تستطيع المسير إلي بحر العرب في الصيف و بعض الجمال الصغيرة التي لا تتحمل الظعن ، يتركها في القرية أمانة في منزل جدي (أبو علوية) الذي يقوم بسقيها و إطعامها طوال فصل الصيف ، وأن ابنه آدم راشد، هذا الجَنْجَوِيدْ هو أخي في الرضاعة.
طلبت منه شخصيا أن يترك البنت التي تبدو كالميتة الآن، ويسلمها لأمها، و ذكرته بأننا نعرفه، وهو ليس غريبا عن هذه القرية ولا أهلها و إن أباه رجل يحترمه الجميع هنا و ذكّرته بأنه أخي في الرضاعة، أخي أنا زكريا، ولكنه أشترط علي أن أحلف قسما على كتاب الله بألا أدع الناس يقتلونه،و إلا قتل الطفلة و مات معها، أحضرت أم الطفلة مصحف قرآن محروق نصفه حيث لم يوجد مصحفا سالما في الجوار، حُرقت المصاحف مع القطيات، حلفتُ علي المصحف الحَرِيقْ، فترك الطفلة، حيث إن أمها خطفتها من بين يديه، وهرولت بها بعيدا محاولة إنعاشها أو إحيائها من جديد، حاول الناس الإجهاز عليه، إلا أنني وبعض الشيوخ طلبنا من الناس المشورة أولاً و أن يحترموا قسمي على المصحف، فعلوا وتفرقوا كل إلي مأساته ، أما الجَنْجَوِيدْ آدم راشد حيث أنه لا يستطيع الهرب نسبة لجرحه البليغ، قمت بتركه قرب الراكوبة ذاتها مع ربط رجله السليمة علي وتد كانت تربط به الجُحُشُ، ثم قمنا جميعا - نحن الرجال- بدفن الموتى في قبر واحدٍ كبير، حيث لا وقت ولا طاقة لنا بتخصيص قبر لكل واحد من الموتى العشرين، من ثم لحقت بزوجتي و أبنائي الذين وجدتهم يعملون بجد في البحث عن كنز أمهم تحت رماد قطيتنا المحروقة.
2
الجَنْجَوِيدْ (هَمْسٌ).
أنت تَحِسُ الآن بالندم، بل بالخوف، لأنك ما كنت لتندم لو استطعت الانسحاب مع زملائك الجَنْجَوِيدْ بسلام، بدلاً من الندم لكنت الآن تستعيد ذكريات القتل و الاغتصاب الممتعين مع أصحابك علي رائحة شواء الأغنام المنهوبة ولسعة عرقي البلح المنعشة، مثلما حدث عقب عشرات الغزوات التي أنجزتها بنجاح مع رفاقك، و الذين يحتفلون الآن في مكان ما، ويذكرونك ضمن الأموات و المفقودين، ووفقا لقانون سري صارم تعملون به، إنه لا رجعة للبحث عن مفقود أو دفن مقتول ، ولكنك أيضاً بدأت تحس بالندم، لأنك هاجمت هذه القرية بالذات، قرية ضُلايَةْ و اغتصبت الطفلة التي تعرف أمها جيداً و أباها وكلَّ أسرتها، القرية التي جئتها صغيراً مريضاً حيث تركك والدك راشد الأبالي في منزل أبي علوية صديقه ؛لأنه لا يستطيع أن يظعن بك و أنت مريض تحتاج إلى علاج لا يوجد في الفلوات و المفازات، ولو أنه ليست هنالك مستشفى أو عيادة بالقرية، إلا أن أبي علوية نفسه يعمل كطبيب بلدي وهو غالباً ما به، وأنه أخي في الرضاعة .
- أقتله أنا؟ ينجح في علاج القرويين من أمراض مثل الملاريا و البرجم و الحصبة وفقر الدم وحتى السعال الديكي و اليرقان، ولأن أمك مضت مع أبيك نحو بحر العرب، طلب أبو علوية من أخته أن تقوم بإرضاعك مع طفلها زكريا،أنت الآن لا تنسى كل ذلك، تذكره، وتذكر طفولتك الأولي ولعبك مع أقرانك في شعاب القرية، الطريق الى المدرسة في قرية (كُويَا) البعيدة ، و السباحة في الوادي و الرقص و الغناء مع البنيات و الصبايا في ليالي ضُلايَةْ المقمرة، ولم تذهب مع والدك إلا وأنت في الثامنة من عمرك، وكنت تحفظ القرآن و تتحدث لغة أهل ضُلايَةْ بطلاقة، إلى الآن تجيد التحدث بها، تحس بالخوف، لأن جُرحك ما يزال ينزف و هو يؤلمك بشدة، كما أنك لا تستبعد أن يتسلل إلى مكانك أحد القرويين الذين فقدوا أعزائهم وممتلكاتهم و يقوم بالانتقام منك بقتلك، أو أن تقتلك أم الطفلة التي اغتصبتها، ربما تكون قد ماتت الآن، وبينما أنت مابين خوف وندم، قفز في ذهنك سؤال عصي: لماذا قمتَ بما قمتَ به؟؟
وهنا مَرّ أمامك شريطٌ طويل من الأحداث، بدأ بالرجل الغريب الذي اجتمع بأبيك، وكيف أن أباك تشاجر مع الرجل، ثم بموت أبيك المفاجئ بعد ذلك، ثم بعودة الرجل الغريب مرة أخري ومعه غرباء آخرون و بعض شيوخ و شباب رعاة الإبل، كانوا يطوفون علي الفرقان ويقنعون الناس بالتدريب علي حمل السلاح وفنون القتال، من أجل حماية إبلهم و فرقانهم من النهب المسلح و اللصوص، وبعد أن تدربوا على حمل السلاح تحدث الغرباء عن الأرض و الحواكير و الأودية و المراعي والعرب و الزُرقة، ولأول مرة تعرف– كنت في العشرين حينها- أنك من العرب وأن سكان ضُلاَيَة وغيرها من الزُرقة؟، لقد شرح لكم الغرباء العارفون بكل شيء الذين يوزعون السلاح و المال بكرم و سخاء عظيمين، من هم الزُرقة ومن هم العرب، واندهشت مرة عندما أكد الغرباء لكم أن قبيلةً ما من العرب ، ثم عادوا مرة أخروا وقالوا لهم إنها من الزُرقة ؟
قطعت سليل أفكاركَ حركة أقدام تقترب منك.
3
زَوجَتي الشِرِيرةَ.
قررنا جميعا أن نغادر إلى مدينة نيالا حيث معسكرات النازحين، بحثا عن الأمن و سبل العيش، فلم تعد هنالك مساكن تأوينا ولم يعد هنالك سوق نستاق منه، وكل أشجار الفاكهة و المزارع تم تدميرها و حرقها بواسطة مادة تلقيها الطائرات عليها فتشتعل، يعرفها الناس بالبدرة، الشيء الوحيد الذي بقي سالما ولم يمس بسوء هي بئر ضُلايَةْ الشهيرة المعروفة في تلك النواحي ذات الماء الكثيف الدائم القريب من سطح الأرض، نحن نعرف السبب من ترك هذه البئر سالمة، بعد أن أخذنا من الماء ما وجدنا له أوعية، قمنا برمي الحيوانات النافقة من حمير و إبل و أبقار فيها و ما استطعنا نقله من حجارة و أوساخ فيما تبقى لنا من زمن بضُلايَةْ، تركناها بئرا لا يمكن أن يشرب منها بشر أو حيوان قبل أن نعود إليها نحن الذين قمنا بحفرها، حتماً في يوم ما .
كان يؤرقني مصير أخي الجَنْجَوِيدْ آدم راشد، لا يمكن أن نأخذه معنا فالرحلة إلى نيالا بالأرجل، لقد قُتِلَتْ الحميرُ أو هَرَبت في الخلاء، ولا سيارات في القرية غير تراكتور حاج إدريس و قد تم حرقه كذلك، و آدم راشد لا يستطيع المشي، ولا يمكن حمله، فبالإضافة إلى أنه سمين فهو لا يستحق ذلك،لأنه قاتل وناهب و مغتصب، وأيضا لا أستطيع تركه ليموت عطشا و نزفا، لأنه بصورة أو بأخرى أخي، كانت تنازعني مشاعرٌ و أفكارٌ متضاربة، وقلت لنفسي دع الأشياء تمضي وفي اللحظات الأخيرة قد يأتي الحل، حدثتني زوجتي المسرورة التي تحصلت علي كنزها أخيرا في قلته المدفونة في وسط القطية سالماً،أن نستعجل الرحيل وخصوصا أن الليل أخذ يسدل أستاره وهو الوقت المناسب للرحيل ، قلت لها
- و آدم راشد؟
قالت لي ، بصورة قاطعة
- اقتله.
صرختُ مندهشا، لأنني ما كنت أتوقع مثل هذه الإجابة منها ، وهي تعرف علاقتي
قالت ببرود
- أيوا.
وعندما رأتني استغرب ذلك أكدت لي أنه الحل الوحيد؛لأنني حلفت أمام الناس ألا أدع أحدا يقتله و الناس احترموا حليفتي، ولكني لم أحلف بأنني لم أقتله، وهاهي طفلة زينب جبرين التي اغتصبها دون رحمة تموت نزفاً، ولا يعلم الناس كم هي الأرواح التي أزهقها هذا الرجل قبل أن تصيبه طلقةٌ طائشةٌ من بندقية رفاقه و تعيقه، فإذا هو نجا الآن، فسوف يعود إلي قتل الناس مرة أخرى. و أنا السبب و المسؤول، هذا إذا لم تقتلني زينب بت جبرين بنفسها.
قلت لها
- لكن أنا ما قتلت إنسان قبل كدا.
قالت لي بحزم، وهي تنظر إلي في أم عيني الشيء الذي لم تفعله قبلها أية امرأة من دارفور لزوجها، وقرأت في نظرتها شيئا مرعباً، ثم قالت من بين أسنانها:
- دا ما إنسان.
ثم أشارت لي بصورة ملتوية ولكنها واضحة تماماً، بما يعني إذا لم تكن رجلا بما يكفي لكي تقتله، سوف أقتله أنا
لأول مرة في حياتي أعرف أن زوجتي آمنه هذه الزولة النحيفة الطويلة المنشغلة دائما بالبيت ، الزرع ، الرضاعة إنجاب الأطفال و إعداد نفسها للفراش، تلك الرقيقة الحنينة في الفراش، إنها أيضاً شر مستطير، و الحق يقال أنني خفت منها.

4
وَرَطِتي.
خرجنا من ضُلايَةْ في مجموعات ثلاث ، عدد من الرجال الشباب في المقدمة، ثم النساء و الأطفال ثم الرجال مرة أخرى، هذه الطريقة جنبتني نظرات زوجتي لحد ما أو لبعض الوقت، علي الرغم من أنني أكدت لها أنني قد قتلته، إلا أنها كما هو واضح من رد فعلها لم تصدقني، وكانت تنظر إلي بنظرات الاحتقار ذاتها، ولكن الحقيقة التي سوف تعرفها زوجتي قريباً جداً، أو إنها عرفتها الآن من النساء،إن زينب بت جبرين، أم الطفلة المغتصبة، عندما تسللت لقتل آدم راشد ، لم تجده.


22-6-2008م

2009/01/20

أنا، الأخرى و أمي.


عمري الآن خمسون عاماً، وهو نفس عمر أمي حينما توفاها الله منذ ثلاثين سنةً بالكمال و التمام، وأحكي الآن عنها ليس من أجل تخليد ذكراها الثلاثين، كما يفعل الناس أن يحتفوا بذكري وفاة أمهاتهم اللائي يحبون، ولو أنني أحبها أيضا إلا أنني أحكي الآن عنها تحت ضغط و إلحاح روحها الطاهرة، أقول ضغط و إلحاح، و أعني ذلك، على الرُغم من أن أمي ماتت منذ أكثر من ربع قرن إلا أنني لم أحس بأنها ميتة، لأنها بالفعل لم تكُ كذلك، إنها أخذت إجازة طويلة ونهائية عن مشاغل الدنيا الكثيرة و مني أنا إبنها الوحيد بالذات، رفيق شقائها و سعادتها، ولكن أمي حالما تراجعت- مع مرور الزمن- عن فكرة الإجازة بعد ثلاثين عاماً فقط، وثلاثون سنةً في زمن الموتى- كما تعلمون- ليس بالكثير، يُقَال أنّ موتهم قد يطول إلي الأبد.
بالأمس القريب بعدما قضيت نهاري الطويل في المدرسة حيث أعمل مديراً في مرحلة الأساس، وأنفقت مسائي البائس في نادي المعلمين ألعب الورق و أثرثر، عُدت مرهقاً للبيت الذي أقيم فيه وحدي، بعد أن تزوجت أكبر بُنياتي في هذا الأسبوع وذهبت مع زوجها تدب في بلاد الله الواسعة، مثلما فعلت إبنتاي اللائي يصغرنها عمراً في السنتين الماضيتين، وتزوجتَ زوجتي أيضاً قبل أكثر من عشر أعوام من رجل يقولون إنه حبيبها الأول، بالطبع بعد أن طلقتني عن طريق محكمة الأحوال الشخصية بدعوى أنني لا أنفع كزوج أو رجل و أنها كرهتني، ويعلم الله أنني لست بالشخص البغيض، و الدليل على ذلك أن بناتي الثلاث إخترن أن يبقين معي في البيت ورفضن أن يذهبن معها إلي بيت والدها ثم إلي بيت زوجها الجديد: فمن منا البغيض و المكروه؟ هذا موضوع لا أحب أن أتطرق إليه إطلاقا، فهي على أية حال أم بُنياتي الثلاث، كنت مرهقاً، زحفت إلى سريري زحفاً، رميت بجسدي علي اللحاف الطيب الحنون، فهو آخر ما تبقى لي من أمٍ وزوجةٍ و بنات، كان المصدر الوحيد الذي يمنحني الحنان بإحتضانه لجسمي النحيل الهرم، كعادتي أترك أضاءة خافتة فاترة تصدر من لمبة ترشيد إستهلاك صينية صغيرة بخيلة، إلى الصباح، و كدت أن أغمض عينيّ حينما سمعت كركرة كرسي على البلاط ثم رأيت على ضوء النيون الترشيدي الصيني البخيل، امرأة شابة تسحبه نحوي ثم تجلس عليه، قرب رأسي مباشرة، تحملق في وجهي بِحِنِيةٍ لا تُخْطَأ، ولو أنه كان لوحيدٍ مثلي أن يخاف، بل أن يُجَن من الخوف، إلا أنني صحت في دهشة وترحاب غريبين.
- الله، أمي آمنة؟
ابتسمت المرأة الشابة الجميلة الحنون، وقد بدأت تتحدث في هدوء، حكت قصة حياتي منذ ميلادي بالدقيقة و الثانية، حدثاً حدثاً، أخذت أستمع إليها في صمت وتعجب، كأنما من يُحكى عنه ومن يُحكى له ليس سوى صنوين لي ضالين، كنت اكتشف تدريجيا أن حياتي كُلها معصية، و أنني كنت أجري وراء ملذات الدنيا وسقطاتها، ولو أن بعض الحوادث كانت تشير بوضوح إلى نُبلي ونقاء سريرتي، إلا أن المحصلة النهائية تبدو كما ذكرت،لا أدري كم من الزمن مكثت تحكي قرب رأسي، ولكنها بلا شك بقيت هنالك زمنا طويلاً، ولا أدري كم حكاية حكت، ولكنها بلا شك حكت حكايات شتى، و لا أعرف متى نِمْتُ ولكني بلا شك قد نمت متأخرًا جداً لأنني لم أستيقظ كعادتي - مثلي في ذلك مثل كل مديري المدارس - عند الرابعة صباحاً، بل أيقظني خفير المدرسة – مندهشاً- في فسحة الفطور حوالي العاشرة و النصف صباحاً، وثأثأ فيما يعني أنّ الجميع إفتقدني، لقد كان أخرس ذا لغةٍ ملتبثة. بقيت في رأسي جملة واحدة من كلامات أمي.
- أنا كل يوم معاك لحظة بلحظة.
لم أحك لأحد ما دار بيني و بين أمي، خوفاً من السُخرية و الشماتة أو أن أُتهم بالجنون، وربما قد أفقد وظيفتي إذا تأكدت الإدارة من أنني جُنِنِت،وخاصة أنّ للبعض مصلحة في أن أُبعد، بصراحة لديّ أعداء كُثر، تكتمت علي الأمر، إتصلت بي ابنتي الكبرى أمونة سميتها على أمي، سألتني عن صحتي و عن الوَحدة ولمّحت لي بأنه يجب عليّ أن أتزوج ولو من امرأة كبيرة في العمر، لأنني - في تقديرها- إحتاج إلى رفيق في وحدتي، و أنها تعرف أربعينيةً جميلةً مطلقةً لها طفلان،إدعيتُ بأنني لم أفهم ما ترمي إليه، ربما لأنني لا أرغب في الزواج،فقد أصبحت المرأةُ عندي كائناً جميلاً، يَصْلُح لكل شيء ماعدا الزواج،في هذا المساء كنت مستعدا لمحاضرة أمي آمنة، جاءت وكانت في كامل شبابها و جمالها في أثواب نظيفةٍ ملونةٍ زاهيةٍ تشع بهجةً، قالت لي
- ظاهر عليك الليلة جاهز من بدري.
فجأة خطرت لي فكرةٌ غريبةٌ، و شرعت في تنفيزها مباشرة، هكذا أنا أفكاري في أصابعي، مَدَدتُ أصابعي نحوها متحسسا أثوابها، فإذا بكفي تقبض الهواء، تمام الهواء،أما هي فقد اختفت، سمعت نداءها يأتي من أقاصي الغرفة،قائلة بصوتها الذي لم يفقد حلاوته طوال السنوات التي قضتها تحت التراب.


- أنا صورة وصوت، صورة وصوت فقط.
قلت لها
- أنا خايف تكون دي هلوسة...هلوسة ما أكتر؟
قالت لي بذات الصوت الذي أعرفه جيداً و صاحبني طفولتي كلها
- أنا كنت دايماً قريبة منك.
أمي و أنا كنا صديقين حميمين، مرت بنا سنوات شدة عصيبة و سنوات فرح عظيمة أيضاً، أنا ابنها الوحيد ولا أب لي أعرفه إلي اليوم، منذ أن تفتحت عيناي علي هذا المخلوق الرقيق النشط الذي لا يستريح من العمل الذي يسعي مثل نمل الأرض بحثا عن حبة عيش نطعمها معا،كانت توفر لي كل شيء أطلبه، ومهما كان عصياً وأذكر أنني طلبت منها ذات مرة أن تشتري لي دراجة هوائية مثلي مثل صديقي في المدرسة و الصف و الكنبة : أبّكَرْ إسحق
و أذكر إلي اليوم كيف أنها انتهرتني بل قذفت في وجهي شيئاً كان بيدها في ثورة و غضب و أنها صرخت فيّ مؤنبة
- إنت قايل نفسك ود مُنُو؟، ود الصادق المهدي؟
بالطبع ما كنت أعرف من هو الصادق المهدي ولكن سؤالها أثار فيّ سؤالاً آخر
- أنا ود مٌنُو؟
ولم أسالها لأن السؤال نفسه لم يكن مُلحاً بالنسبة لي، لأنني لم أعرف قيمة الأب و لا أهميته ولا وظيفته بالتالي لم إفتقده،والآباء الكثر الذين في حينا لم يقم واحد منهم بعمل خارق تعجز أمي عن القيام به، بل أن أمي هي التي كانت تفعل مالم يستطع الآباء فعله، فهي تبني وتصين بيتنا بيديها،وتصنع السدود الترابية لكي تمنع مياه الخريف من جرف قطيتنا حيث أن بيتنا يقع علي تخوم خور صغير،ولم أر أبا فعل ذلك، كانوا يستأجرون العمال حتي لصنع لحافاتهم و مراتبهم وغسل ملابسهم، إنه لأمر أدهشني كثيراً، ضف إلي ذلك أنّ أمي تعمل خارج المنزل في وظيفة مهمة، إنها تبيع الشاي و القهوة عند بوابة السجن ويستلف منها الجميع، حتى المأمور نفسه، لذا إلتبث عليّ الأمر، والآن و لأول مرة أعرف من أمي أن من وظائف أبٍ غامضٍ يُسمى الصادق المهدي تقديم الدراجات الهوائية إلى من هم أطفاله، ولكن الشيء الذي أطاح بسؤال الأب نهائياً أن أمي آمنة بعد ثلاثة شهور أو أكثر، اشترت لي دراجة هوائية، ولو أنها ليست جديدة تماماً مثل دراجة أبكر اسحق، وأنها مستعملة من قبل، إلا أنني فرحت بها جداً وخصوصاً بعد أن أكد لي أصدقائي أنها دراجة جميلة و هي أجود من دراجة أبكر.
أمي تعمل في صُنع الزلابية وأقوم أنا ببيعها للجيران في الصباح الباكر و تعمل فرّاشة في السجن ما بعد بيع الزلابية وشرب الشاي، وعندما تركت العمل في السجن، عملت بائعة للشاي عند باب السجن كمحاولة منها لتحويل زملاء الأمس إلى زبائن اليوم، وبالفعل استطاعت أن تكون منافساً حقيقياً لأم بخوت وهي إحدى زبوناتها في الماضي عندما كانت أمي تعمل فرّاشة، أما أنا فذلك الولد الذي يَطلق الناسُ عليه (وَدْ أُمُوُ) أعني لا أبرح مجلسها أبداً بعد نهاية اليوم الدراسي أحضر إلى موقع عملها، أغسل لها كبابي الشاي الفارغة،أحمل الطلبات البعيدة إلى الزبائن،أشتري لها السُكر و الشاي الجيدين من الدكان، أحكي لها عن التلاميذ،الحصص و المعلمين، وعندما أنعس تفسح لي مِرقَداً خلفها فارشة لي بُرشاً من السَعَف، متوسداً حقيبة المدرسة، عجلتي الجميلة قرب رجليّ تنتظرني: أنوم .
قلت لها في جرأة
- أنت وين الآن؟ في الجنة؟ في النار؟ في الدنيا ؟ ووين كنت الزمن دا كله؟
قالت لي
- أنا هنا.
كانت تجلس في الكرسي كما هو في اليوم الأول،سألتني عن مبررات كل ما قمت به في يومي هذا، وكنت أجيبها بصدق، تعلق أحيانا أو تصمت في أحايين كثيرة، ولكنها بشكل عام كانت تؤكد علي أنه ليس مهماً أن ما أقوم به مقبولاً خيراً أم لا، لكن المهم هو، هل أنا أجد مبرراً لما أقوم به أم لا، هل أنا راضٍ عن نفسي أم لا.
سألتني
- هل توافق علي إقتراح بِتّكْ أمونة؟
قلت
- أنا ما أظنني بقدر علي النساء، كبرت وفقدت الرغبة في المواضيع دي، و أنا الآن قادر أقوم بواجب نفسي بنفسي من طعام وشراب ونظافة، المرأة الحقيقية الوحيدة في حياتي هي أنت و كفاية.
ابتسمت أمي آمنة ابتسامة عميقة و حلوة، ثم تلاشت تدريجيا في فضاء الغرفة، في الصباح الباكر اتصلت بي ابنتي أمونة مرة أخرى وقالت لي بوضوح إنها سوف ترتب لي لقاءً مع أربعينيةٍ جميلةٍ مطلقةٍ لها طفلان،ومن ثم أنا حر في أن إرتبط بها أم لا، قلت لنفسي
- ماذا ستخسر؟ فليكن.
كانت امرأة جميلة، لها ابتسامة دائمة في وجهها، لا تحتاج لسبب وجيه لكي تضحك، فهي تضحك باستمرار، و تستطيع أن تقنع أي إنسان مهما كان متشائماً أن يرد على إبتسامتها بابتسامة أخرى، حتي ولو كانت باهتة تعبة، ولكن الشيء الغريب فيها و المُدهش و المخيف أيضاً أنها ترتدي نفس الملابس التي كانت ترتديها أمي آمنة بالأمس، نفس الحذاء، نفس الصوت نفس الطريقة في الكلام نفس الوجه، نفس الإبتسامة، و استطيع أن أقول إنها نفس المرأة.

الخرطوم 11-6-2008